Maka berkatalah para pemuka yang kafir dari kaumnya, "Kami tidak melihat engkau, melainkan hanyalah seorang manusia (biasa) seperti kami, dan kami tidak melihat orang yang mengikuti engkau, melainkan orang yang hina dina di antara kami yang lekas percaya. Kami tidak melihat kalian memiliki suatu kelebihan apa pun atas kami, bahkan kami menganggap kalian adalah para pendusta
وقد عَلَتْنِي ذُرْأَةٌ بادِي بَدِي
وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ: (بادِئَ الرأيِ)، مهموزًا أيضًا، بمعنى: مبتدأَ الرأيِ. مِن قولِهم: بدأتُ بهذا الأمرِ. إذا ابتدأتَ به قبلَ غيرِه.
وأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك عندَنا، قراءةُ مَن قرأَ: ﴿بَادِيَ﴾، بغيرِ همزِ "البادِي"، وبهمزِ ﴿الرَّأْيِ﴾؛ لأن معنى ذلك الكلامِ: إلا الذين هم أراذِلُنا، في ظاهرِ الرأيِ، وفيما يظهرُ لنا.
وقولُه: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾. يقولُ: وما نَتَبَيَّنُ لكم علينا مِن فضلٍ نِلْتُموه بمُخالفتِكم إيانا في عبادةِ الأوثانِ إلى عبادةِ اللَّهِ، وإخلاصِ العُبُودةِ له،
فنتبعَكم طلبَ ذلك الفضلِ، وابتغاءَ ما أصبتُموه بخلافِكم إيانا ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾، وهذا خطابٌ منهم لنوحٍ، ﵇، وذلك أنهم إنما كذَّبوا نوحًا دونَ أتباعِه؛ لأن أتباعَه لم يكونوا رسلًا، وأخرَج الخطابَ، وهو واحدٌ، مُخرجَ خطابِ الجميعِ، كما قيل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١].
أتباعَه لم يكونوا رسلًا، وأخرَج الخطابَ، وهو واحدٌ، مُخرجَ خطابِ الجميعِ، كما قيل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]. وتأويلُ الكلامِ: بل نظنُّك، يا نوحُ، في دَعْواك أن اللَّهَ ابْتَعَثَك إلينا رسولًا - كاذبًا.
وبنحوِ ما قلنا في تأويلِ قوله: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾. قال: فيما ظَهَرَ لنا.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾
يخبر تعالى عن نوح، ﵇، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض من المشركين عَبَدة الأصنام أنه قال لقومه: (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) أي: ظاهر النّذَارَة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله؛ ولهذا قال: (أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ) وقوله (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) أي إن استمررتم على ما أنتم عليه عَذَّبكم الله عذابا أليما مُوجعًا شاقًا في الدار الآخرة.
َهَ) وقوله (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) أي إن استمررتم على ما أنتم عليه عَذَّبكم الله عذابا أليما مُوجعًا شاقًا في الدار الآخرة.
(فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) والملأ هم: السادة والكبراء من الكافرين منهم: (مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا) أي: لست بملك، ولكنك بشر، فكيف أوحي إليك من دوننا؟ ثم ما نراك اتبعك إلا أراذلنا كالباعة والحاكة وأشباههم ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء [منا] ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن تَرَوّ منهم ولا فكرة ولا نظر، بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك فاتبعوك؛ ولهذا قال: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ) أي: في أول بادئ الرأي، (وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) يقولون: ما رأينا لكم علينا فضيلة في خَلْق ولا خُلُق، ولا رزق ولا حال، لَمَّا دخلتم في دينكم هذا، (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) أي: فيما تَدَّعونه لكم من البر والصلاح والعبادة، والسعادة في الدار الآخرة إذا صرتم إليها.
ال، لَمَّا دخلتم في دينكم هذا، (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) أي: فيما تَدَّعونه لكم من البر والصلاح والعبادة، والسعادة في الدار الآخرة إذا صرتم إليها.
هذا اعتراض الكافرين على نوح، ﵇، وأتباعه، وذلك دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم، فإنه ليس بعار على الحق رَذَالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح، وسواء اتبعه الأشراف أو الأراذل بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف، ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل، ولو كانوا أغنياء. ثم الواقع غالبا أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان صخر بن حرب عن صفات النبي ﷺ، قال له فيما قال: أشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم.
تَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان صخر بن حرب عن صفات النبي ﷺ، قال له فيما قال: أشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. فقال هرقل: هم أتباع الرسل.
وقولهم (بَادِيَ الرَّأْي) ليس بمذمة ولا عيب؛ لأن الحق إذا وضح لا يبقى للتروي ولا للفكر مجال، بل لا بد من اتباع الحق والحالة هذه لكل ذي زكاء وذكاء ولا يفكر وينزوي هاهنا إلا عَيِيّ أو غبي. والرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، إنما جاءوا بأمر جلي واضح.
وقد
جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له كَبْوَة، غير أبي بكر، فإنه لم يَتَلَعْثَم" أي: ما تردد ولا تروَّى، لأنه رأى أمرا جليا عظيما واضحا، فبادر إليه وسارع.
وقولهم: (وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) هم لا يرون ذلك؛ لأنهم عُمْي عن الحق، لا يسمعون ولا يبصرون: بل هم في ريبهم يترددون، في ظلمات الجهل يعمهون، وهم الأفاكون الكاذبون، الأقلون الأرذلون، وفي الآخرة هم الأخسرون.
قوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ الآية.
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن الملأ من قوم نوح قالوا له: ما نراك اتبعك منا إلَّا الأسافل والأراذل. وذكر في سورة الشعراء أن اتباع الأراذل له في زعمهم مانع لهم من اتباعه بقوله: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾ وبين في هذه السورة الكريمة: أن نوحًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أَبى أن يطرد أولئك المؤمنين الذين اتبعوه بقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ الآية وذكر تعالى عنه ذلك في الشعراء أيضًا بقوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾.
•