القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أو يُهْلِكَهم في تصرفِهم في البلادِ، وتردُّدِهم في أسفارِهم. ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فإنهم لا يُعجِزون الله مِن ذلك، إن أراد أخْذَهم كذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى وعليُّ بن داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾. يقولُ: في اختلافِهم.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
حمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. قال: إن شئتَ أَخَذْتَه في سفرِه.
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾: في أسفارِهم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه.
وقال ابن جريجٍ في ذلك ما: حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾. قال: التَّقَلُّبُ أَن يَأْخُذَهم بالليل والنهارِ.
وأما قولُه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. فإنه يعنى: أو يُهْلِكَهم بتخوُّفٍ، وذلك بنقصٍ من أطرافِهم ونَواحيهم، الشىَء بعدَ الشئِ، حتى يُهْلِكَ جميعَهم،
يقالُ. منه: تخَوَّف مالَ فلانٍ الإنفاقُ. إذا انْتَقَصَه.
ْلِكَهم بتخوُّفٍ، وذلك بنقصٍ من أطرافِهم ونَواحيهم، الشىَء بعدَ الشئِ، حتى يُهْلِكَ جميعَهم،
يقالُ. منه: تخَوَّف مالَ فلانٍ الإنفاقُ. إذا انْتَقَصَه. ونحوُ تخَوُّفِه - مِن التَّخوُّفِ - بمعنى التنقُّصِ، قولُ الشاعرِ:
تخَوَّف السيرُ منها تامِكًا قَرِدًا … كما تخوَّف عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ
[يعنى بقولهِ: تخَوَّف السيرُ. تنَقَّص سَنامَها. وقد ذكَرْنا عن الهيثمِ بن عديٍّ أنه كان يقولُ: هي لغةٌ لأَزْدِ شَنُوءةَ، معروفةٌ لهم.
ومنه قولُ آخَرَ:
تخوُّفُ غَدْرِهم مالى وأُهدِى … سَلاسلَ في الحُلُوقِ لها صَلِيلُ]
وكان الفرَّاءُ يقولُ: العرب تقول: [تحَوَّفْتُه - أي: تنَقَّصْتُه - تحَوُّفًا].
أي: أخَذْتُه مِن حافاتِه وأطرافِه. قال: فهذا الذي سمِعْتُه، وقد أتَى التفسيرُ
بالخاءِ، وهو بمعنى.
تقول: [تحَوَّفْتُه - أي: تنَقَّصْتُه - تحَوُّفًا].
أي: أخَذْتُه مِن حافاتِه وأطرافِه. قال: فهذا الذي سمِعْتُه، وقد أتَى التفسيرُ
بالخاءِ، وهو بمعنى. قال: ومثلُه ما قُرِئ بوجهيْن؛ قوله: إن لك في النهارِ سَبْحًا وسَبْخًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن المسعوديِّ، عن إبراهيمَ بن عامرِ بن مسعودٍ، عن رجلٍ، عن عمرَ، أنه سألهم عن هذه الآيةِ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: ما نَرَى إلا أنه عندَ تنقُّصِ ما نُردِّدُه مِن الآياتِ. فقال عمرُ: ما أَرَى إلا أنه على ما تَنْتَقِصون مِن معاصى اللَّهِ. قال: فخرَج رجلٌ ممن كان عندَ عمرَ، فَلَقِى أعرابيًّا، فقال: يا فلانُ، ما فعَل ربُّك؟ قال: قد تخَيَّفْتُه؛ يعنى تنَقَّصْتُه.
َقِصون مِن معاصى اللَّهِ. قال: فخرَج رجلٌ ممن كان عندَ عمرَ، فَلَقِى أعرابيًّا، فقال: يا فلانُ، ما فعَل ربُّك؟ قال: قد تخَيَّفْتُه؛ يعنى تنَقَّصْتُه. قال: فرجَع إلى عمرَ فأَخْبَرَه، فقال: قدَّر اللهُ
ذلك.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. يقولُ: إِنْ شَئتُ أَخَذْتُه على أثرِ موتِ صاحبِه، نُخَوِّفُ بذلك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريج، عن عطاءٍ الُخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. قال: التنقُّصِ والتَّقْريعِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: على تنقُّصٍ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن
مُجاهدٍ: ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾.
قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن
مُجاهدٍ: ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. قال: تنقُّصٍ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾، فيُعاقِبَ أو يَتَجاوزَ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. قال: كان يقالُ: التخوُّفُ التنقُّصُ؛ يَنْتَقِصُهم مِن البُلدانِ مِن الأطرافِ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. يعنى: يَأْخُذُ العَذَابُ طائفةً، ويَتْرُكُ أخرى، و يُعَذِّبُ القريةَ ويُهْلِكُها، ويَتْرُكُ أخرى إلى جَنْبِها.
وقولُه: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
أْخُذُ العَذَابُ طائفةً، ويَتْرُكُ أخرى، و يُعَذِّبُ القريةَ ويُهْلِكُها، ويَتْرُكُ أخرى إلى جَنْبِها.
وقولُه: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: فإن ربَّكم إن لم يَأْخُذْ هؤلاء الذين مكَروا السيئاتِ بعذابٍ مُعَجَّلٍ لهم، وأخَذَهم بالموتِ وتنقُّصِ بعضِهم في أثرِ بعضٍ، لَرءوفٌ بخلقِه، رحيمٌ بهم، ومِن رأفتِه ورحمتِه بهم لم يَخْسِفُ بهم الأرضَ، ولم يُعَجِّلْ لهم العذابَ، ولكن يُخَوِّفُهم ويُنَقِّصُهم بموتٍ.
يْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦، ١٧]، وقوله (أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ) أي: في تقلبهم في المعايش واشتغالهم بها، من أسفار ونحوها من الأشغال الملهية.
قال قتادة والسدي: (تَقَلُّبِهِمْ) أي: أسفارهم.
وقال مجاهد، والضحاك: (فِي تَقَلُّبِهِمْ) في الليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧، ٩٨]. وقوله (فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ) أي: لا يُعجزون الله على أي حال كانوا عليه.
وقوله: (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ) أي: أو يأخذهم الله في حال خوفهم من أخذه لهم، فإنه يكون أبلغ وأشد حالة الأخذ؛ فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد؛ ولهذا قال العوفي، عن ابن عباس: (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ) يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوفه بذلك.
فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد؛ ولهذا قال العوفي، عن ابن عباس: (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ) يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوفه بذلك. وكذا روي عن مجاهد، والضحاك، وقتادة وغيرهم.
ثم قال تعالى: (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) أي: حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، كما ثبت في الصحيحين " [لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم "، وفي الصحيحين] "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٤٨].