Jika kamu berbuat baik (berarti) kamu berbuat baik untuk dirimu sendiri. Dan jika kamu berbuat jahat, maka (kerugian kejahatan) itu untuk dirimu sendiri. Apabila datang saat hukuman (kejahatan) yang kedua, (Kami bangkitkan musuhmu) untuk menyuramkan wajahmu lalu mereka masuk ke dalam masjid (Masjidil Aqsa), sebagaimana ketika mereka memasukinya pertama kali dan mereka membinasakan apa saja yang mereka kuasai
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لبنى إسرائيل فيما قضَى إليهم في التوراة: إن أحسنتم يابني إسرائيلَ، فأطَعتم الله وأصلَحتم أمرَكم، ولزمتم أمرَه ونهيَه أحسَنتم وفعلتم ما فعَلتم من ذلك لأنفسكم؛ لأنَّكم إنما تنفعون بفعلِكم ما تفعَلون من ذلك أنفسكم في الدنيا والآخرة؛ أما في الدنيا فإن الله يدفَعُ عنكم من بغَاكم سوءًا، ويُنمِّى لكم أموالَكم، ويَزيدُكم إلى قوَّتِكم قوَّةً، وأما في الآخرة فإن الله ﵎ يُثيبُكم به جنانه. ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾. يقولُ: وإن عصيتُم الله وركبتم ما نهاكم عنه حينئذٍ، فإلى أنفسكم تُسيئون؛ لأنكم تُسخِطون بذلك على أنفسكم ربَّكم، فيُسلِّطُ عليكم في الدنيا عدوَّكم، ويُمكِّنُ مِنكم مَن بغاكم سوءًا، ويُخلِّدُكم في الآخرة في العذاب المهين.
ن؛ لأنكم تُسخِطون بذلك على أنفسكم ربَّكم، فيُسلِّطُ عليكم في الدنيا عدوَّكم، ويُمكِّنُ مِنكم مَن بغاكم سوءًا، ويُخلِّدُكم في الآخرة في العذاب المهين. وقال جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾. والمعنى: فإليها. كما قال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ٥] والمعنى: أَوْحَى إليها.
وقولُه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: فإذا جاء وعدُ المرّة الآخرة من مَرَّتَيْ إفسادِكم يابني إسرائيلَ في الأرض، (لِيَسُوءَ (١) وُجُوهَكُمْ). يقولُ: ليسوء مجئُ ذلك الوعد للمرة الآخرة وجوهَكم فيُقبِّحَها.
وقد اختلَفت القرأةُ في قراءة قوله: (ليَسُوءُ (١) وُجُوهَكُمْ). فقرأ ذلك عامَّةُ قرأة أهل المدينة والبصرة: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾. بمعنى: ليسوءَ العبادُ
الأُلو البأس الشديد الذين يبعَثُهم الله عليكم وجوهَكم. واستشهد قارئو ذلك لصحة قراءتهم كذلك بقوله: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾. وقالوا: ذلك خبرٌ عن الجميع، فكذلك الواجبُ أن يكونَ قولُه: ﴿لِيَسُوءُوا﴾.
كم. واستشهد قارئو ذلك لصحة قراءتهم كذلك بقوله: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾. وقالوا: ذلك خبرٌ عن الجميع، فكذلك الواجبُ أن يكونَ قولُه: ﴿لِيَسُوءُوا﴾. وقرأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ الكوفة: (ليَسُّوءَ وُجُوهَكُمْ). على التوحيد وبالياء، وقد يحتملُ ذلك وجهين من التأويل؛ أحدُهما ما قد ذكَرتُ، والآخرُ منهما: ليسوء الله وجوهكم. فمَن وجَّه تأويل ذلك إلى: ليسوءَ مجئُ الوعدِ وجوهَكم. جعَل جوابَ قوله: ﴿فَإِذَا﴾ محذوفًا، قد استُغْنِىَ بما ظهَر عنه، وذلك المحذوفُ: "جاء". فيكونُ الكلامُ تأويلُه: فإذا جاء وعدُ الآخرة ليسوءَ وجوهَكم جاء. ومَن وجَّه تأويلَه إلى: ليسوءَ الله وجوهَكم. كان أيضًا في الكلام محذوفٌ، غير أنه سوى "جاء"، فيكونُ معنى الكلام حينئذٍ: فإذا جاء وعدُ الآخرة بعَثناهم ليسوء الله وجوهَكم. فيكونُ المُضمَرُ "بعثناهم"، وذلك جوابُ "إذا" حينَئذٍ.
غير أنه سوى "جاء"، فيكونُ معنى الكلام حينئذٍ: فإذا جاء وعدُ الآخرة بعَثناهم ليسوء الله وجوهَكم. فيكونُ المُضمَرُ "بعثناهم"، وذلك جوابُ "إذا" حينَئذٍ. وقرَأ ذلك بعضُ أهل العربية من الكوفيين: (لِنَسُوءَ وُجُوهَكُمْ) على وجه الخبر من الله ﵎ اسمُه عن نفسه.
وكان مجيءُ وعدِ المرَّة الآخرة عند قتلهم يحيى.
ذِكرُ الرواية بذلك.
والخبرُ عمّا جاءهم من عند الله حينئذٍ كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو،
قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في الحديث الذي ذكَرنا إسناده قبلُ؛ أن رجلًا من بنى إسرائيلَ رأى في النوم أن خرابَ بيت المقدسِ وهلاك بني إسرائيل على يَدَىْ غلامٍ يتيمٍ ابن أرملةٍ من أهل بابل، يُدْعَى بُخْتُنصَّر، وكانوا يَصدُقون فتَصدُقُ رؤياهم، فأقبَل فسأَل عنه حتى نزل على أمِّه وهو يَحتطبُ، فلما جاء وعلى رأسه حزمةٌ من حطبٍ ألقاها، ثم قعَد في جانب البيت، فضمَّه، ثم أعطاه ثلاثةَ دراهمَ، فقال: اشترِ بهذا طعامًا وشرابًا.
ى أمِّه وهو يَحتطبُ، فلما جاء وعلى رأسه حزمةٌ من حطبٍ ألقاها، ثم قعَد في جانب البيت، فضمَّه، ثم أعطاه ثلاثةَ دراهمَ، فقال: اشترِ بهذا طعامًا وشرابًا. فاشترى بدرهم لحمًا وبدرهمٍ خبزًا وبدرهمٍ خمرًا، فأكلوا وشربوا حتى إذا كان اليومُ الثاني فعَل به ذلك، حتى إذا كان اليومُ الثالثُ فعل ذلك، ثم قال له: إني أُحِبُّ أن تكتبَ لى أمانًا إن أنت ملَكتَ يومًا من الدهرِ. فقال: تسخَرُ بي؟ فقال: إني لا أسخَرُ بك، ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندى يدًا! فكلَّمته أمُّه، فقالت: وما عليك إن كان، وإلا لم يَنقُصْك شيئًا! فكتب له أمانًا، فقال: أرأيتَ إن جئتُ والناسُ حولَك قد حالوا بينى وبينك، فاجعَلْ لى آيةً تعرِفُنى بها. قال: ترفَعُ صحيفتَك على قَصَبةٍ فأعرِفُك بها.
! فكتب له أمانًا، فقال: أرأيتَ إن جئتُ والناسُ حولَك قد حالوا بينى وبينك، فاجعَلْ لى آيةً تعرِفُنى بها. قال: ترفَعُ صحيفتَك على قَصَبةٍ فأعرِفُك بها. فكسَاه وأَعْطَاه، ثم إن ملك بني إسرائيلَ كان يُكرِمُ يحيى بن زكريا، ويُدْنِى مجلسَه، ويستشيرُه في أمرِه، ولا يقطَعُ أمرًا دونَه، وإنه هوىَ أن يتزوَّجَ ابنة امرأةٍ له، فسأل يحيى عن ذلك، فنهاه عن نكاحِها، وقال: لستُ أَرْضاها لك، فبلَغ ذلك أمَّها فحقَدت على يحيى حينَ نهاه أن يتزوَّجَ ابنتَها، فعمَدت أمُّ الجارية حينَ جلَس الملكُ على شرابه، فألبَستْها ثيابًا رقاقًا حُمْرًا، وطيَّبْتها وألبَسْتها من الحَلْي، و ألبَستها فوق ذلك كساءً أسودَ، وأرسَلتْها
إلى الملكِ، وأمرتْها أن تَسقِيَه، وأن تَعرِضَ له، فإن أرادها على نفسِها أبَت عليه حتى يُعطيَها ما سأَلتْه، فإذا أعطاها ذلك سألتْه أن يأتيَ برأس يحيى بن زكريا في طَسْتٍ، ففعَلتْ، فجعَلتْ تَسقِيه وتَعرِضُ له، فلما أخَذ فيه الشرابُ أرادها على نفسِها، فقالت: لا أفعَلُ حتى تُعطِينَى ما أسألُك.
رأس يحيى بن زكريا في طَسْتٍ، ففعَلتْ، فجعَلتْ تَسقِيه وتَعرِضُ له، فلما أخَذ فيه الشرابُ أرادها على نفسِها، فقالت: لا أفعَلُ حتى تُعطِينَى ما أسألُك. قال: ما تَسْأَليني؟ قالت: أسألُك أن تبعَثَ إلى يحيى بن زكريا، فأُوتَى برأسه في هذا الطَّسْتِ. فقال: ويحَك سَلِينى غيرَ هذا. فقالت له: ما أريدُ أن أسألك إلا هذا. قال: فلما أبَتْ عليه بعَث إليه، فأُتى برأسه، والرأسُ يتكلَّمُ حتى وُضِع بين يديه وهو يقولُ: لا يَحِلُّ لك. فلما أصبَح إذا دمُه يَغلى، فأمَر بترابٍ فأُلقى عليه، فرقى الدمُ فوق الترابِ يغلى، فأُلقى عليه الترابُ أيضًا، فارتفع الدمُ فوقه، فلم يزَلْ يُلقَى عليه الترابُ حتى بلَغ سورَ المدينة وهو [في ذلك] يغلى وبلَغ صَيْحائينَ، فثار في الناس، وأراد أن يبعَثَ عليهم جيشًا، ويُؤمِّرَ عليهم رجلًا، فأتاه بختُنصَّرَ وكلَّمه وقال: إن الذي كنتَ أرسَلتَ تلك المرَّةَ ضعيفٌ، وإنى قد دخلتُ المدينة وسمعتُ كلام أهلها، فابعَثْني.
ا، ويُؤمِّرَ عليهم رجلًا، فأتاه بختُنصَّرَ وكلَّمه وقال: إن الذي كنتَ أرسَلتَ تلك المرَّةَ ضعيفٌ، وإنى قد دخلتُ المدينة وسمعتُ كلام أهلها، فابعَثْني. فبعَثه، فسار بختُنصَّرَ حتى إذا بلغوا ذلك المكانَ تَحصَّنوا منه في مدائنهم،
فلم يُطِقهم، فلما اشتدَّ عليهم المُقامُ وجاع أصحابُه، أرادوا الرجوعَ، فخرَجت إليهم عجوزٌ من عجائز بنى إسرائيلَ، فقالت: أين أميرُ الجندِ؟ فأُتى بها إليه، فقالت له: إنه بلَغنى أنك تريدُ أن تَرجِعَ بجندِك قبل أن تَفتحَ هذه المدينةَ. قال: نعم، قد طال مُقامي، وجاع أصحابي، فلستُ أستطيعُ المقامَ فوقَ الذي كان منى. فقالت: أرأيتَك إن فتحتُ لك المدينةَ أتُعطينى ما أسألُك، فتقتلُ مَن أمَرتُك بقتله، وتَكُفُ إذا أَمَرتُكَ أَن تَكُفَّ؟ قال: نعم. قالت: إذا أصبَحت فاقسِمْ جندَك أربعة أرباعٍ، ثم أَقِمْ على كلِّ زاويةٍ ربعًا، ثم ارفَعوا بأيديكم إلى السماء فنادُوا: إِنا نستفتِحُك يا الله بدمِ يحيى بن زكريا. فإنها سوف تسَّاقَطُ.
أربعة أرباعٍ، ثم أَقِمْ على كلِّ زاويةٍ ربعًا، ثم ارفَعوا بأيديكم إلى السماء فنادُوا: إِنا نستفتِحُك يا الله بدمِ يحيى بن زكريا. فإنها سوف تسَّاقَطُ. ففعَلوا، فتساقَطت المدينةُ، ودخَلوا مِن جوانبها، فقالت له: [كُفَّ يدَك]، اقتُلْ على هذا الدم حتى يَسكُن. وانطلَقتْ به إلى دم يحيى، وهو على ترابٍ كثيرٍ، فقتَل عليه، حتى سكن، سبعين ألفًا وامرأةً، فلما سكَن الدمُ قالت له: كُفَّ يدك، فإن الله ﵎ إذا قُتِل نبيٌّ لم يرضَ، حتى يُقتَلَ مَن قتَله، ومَن رضِي قتلَه.
ل عليه، حتى سكن، سبعين ألفًا وامرأةً، فلما سكَن الدمُ قالت له: كُفَّ يدك، فإن الله ﵎ إذا قُتِل نبيٌّ لم يرضَ، حتى يُقتَلَ مَن قتَله، ومَن رضِي قتلَه. وأتاه صاحبُ الصحيفة بصحيفته، فكفَّ عنه وعن أهل بيته، وخرَّب بيتَ المقدس، وأمَر به أن تُطرَحَ فيه الجيَفُ، وقال: مَن طرح فيه جيفةً فله جزيتُه تلك السنة، وأعانه على خرابِه الرومُ من أجل أنَّ بني إسرائيل قتلوا يحيى، فلما خرَّبه بختُنصَّرَ ذهَب معه بوجوه بنى إسرائيل وسراتِهم، وذهب بدانيالَ وعَلْيا وعَزَرْيَا وميشائيلَ، هؤلاء كلُّهم من أولاد الأنبياء وذهَب معه برأس الجالوت، فلما قدِم أرضَ بابلَ وجَد صَيْحائينَ قد مات، فملَك مكانَه، وكان
أكرم الناس عليه دانيالُ وأصحابُه، فحسَدهم المجوسُ، فوشَوا بهم إليه، وقالوا: إن دانيالَ وأصحابَه لا يعبُدون إلهَك، ولا يأكُلون من ذبيحتِك، فدعاهم فسَألهم، فقالوا: أَجَلْ، إن لنا ربًّا نعبُدُه، ولسنا نأكُلُ مِن ذبيحتكم.
وقالوا: إن دانيالَ وأصحابَه لا يعبُدون إلهَك، ولا يأكُلون من ذبيحتِك، فدعاهم فسَألهم، فقالوا: أَجَلْ، إن لنا ربًّا نعبُدُه، ولسنا نأكُلُ مِن ذبيحتكم. فأمر بخدٍّ فخُدَّ لهم، فأُلقوا فيه، وهم ستةٌ، وأُلقى معهم [سَبُعٌ ضارٍ] ليأكُلَهم، فقال: انطلقوا فلنأكُلْ ولْنشرَبْ. فذهَبوا فأكَلوا وشربوا، ثم راحوا فوجَدوهم جلوسًا والسَّبُعُ مفترشٌ ذراعيه بينَهم، ولم يَخدِشْ منهم أحدًا، ولم يَنْكَأه شيئًا، ووجَدوا معهم رجلًا، فعدُّوهم فوجَدوهم سبعةً، فقالوا: ما بالُ هذا السابع؟ إنما كانوا ستةً! فخرج إليهم السابعُ.
يَخدِشْ منهم أحدًا، ولم يَنْكَأه شيئًا، ووجَدوا معهم رجلًا، فعدُّوهم فوجَدوهم سبعةً، فقالوا: ما بالُ هذا السابع؟ إنما كانوا ستةً! فخرج إليهم السابعُ. وكان مَلَكًا من الملائكة، فلطمه لطمةً فصار في الوحش، فكان فيهم سبعَ سنينَ، لا يراه وحشيٌّ إلا أتاه حتى يَنكِحَه، يقتصُّ منه ما كان يصنَعُ بالرجال، ثم إنه رجَع ورَدَّ الله عليه مُلكَه، فكانوا أكرم خلق الله عليه، ثم إن المجوس وشَوا به ثانيةً، فألقوا له أسدًا في بئرٍ قد ضَرِى، فكانوا يُلقُون له الصخرة فيلتقِمُها، فألقوا له دانيالَ، فقام الأسدُ في جانبٍ، ودانيالُ في جانبٍ لا يمَسُّه، فأخرَجوه، وقد كان قبل ذلك خَدَّ لهم خَدًا، فأوقَد فيه نارًا، حتى إذا أَجَّجها قذَفهم فيها، فأَطفَأَهَا اللهُ عليهم ولم يَنكَأُهم منها شيءٌ، ثم إن بختُنصرَ رأى بعد ذلك في منامه صنمًا رأسُه من ذهبٍ، وعنقُه مِن شَبَهٍ، وصدرُه من حديدٍ، وبطنُه أخلاطُ ذهبٍ وفضةٍ وقواريرَ، ورجلاه من فخَّارٍ، فبينا هو قائم ينظُرُ، إذ جاءت صخرةٌ من السماء من قبل
ن ذهبٍ، وعنقُه مِن شَبَهٍ، وصدرُه من حديدٍ، وبطنُه أخلاطُ ذهبٍ وفضةٍ وقواريرَ، ورجلاه من فخَّارٍ، فبينا هو قائم ينظُرُ، إذ جاءت صخرةٌ من السماء من قبل
القبلة، فكسَرت الصنمَ فجعَلتْه هشيمًا، فاستيقظ فزِعًا وأُنسيها، فدعا السحرةَ والكهنةَ، فسأَلهم، فقال: أخبرونى ما رأيتُ. قالوا: لا، بل أنتَ أخبرْنا ما رأيت فتعبُرَه لك. قال: لا أدرى. قالوا: فهؤلاء الفتيةُ الذين تُكرِّمُهم، فادعُهم فاسأَلْهم، فإن هم لم يُخْبروك بما رأيتَ فاقتُلْهم. فأرسل إلى دانيالَ وأصحابه، فدعاهم، فقال: أخبروني ماذا رأيتُ؟ فقال له دانيالُ: أخبرْنا ما رأيتَ فنَعبُرَه لك. قال: [لا أدرى] قد نَسيتُها. فقال له دانيالُ: كيف نعلَمُ رؤيا لم تُخبرْنا بها؟ فأمر البواب أن يقتُلَهم، فقال دانيالُ للبوَّاب: إن الملك إنما أمر بقتلنا من أجل رؤياه: فأخِّرْنا ثلاثةَ أيامٍ، فإن نحن أخبَرْنا الملكَ برؤياه وإلا فاضرِبْ أعناقَنا.
يقتُلَهم، فقال دانيالُ للبوَّاب: إن الملك إنما أمر بقتلنا من أجل رؤياه: فأخِّرْنا ثلاثةَ أيامٍ، فإن نحن أخبَرْنا الملكَ برؤياه وإلا فاضرِبْ أعناقَنا. فأجَّلهم فدعَوُا الله، فلمّا كان اليومُ الثالثُ أبصَر كلُّ رجلٍ مِنهم رؤيا بختُنصرَ على حدةٍ، فأتوا البوَّابَ فأخبَروه، فدخل على الملك فأخبَره، فقال: أدخِلْهم عليَّ. وكان بختُنصرَ لا يعرِفُ من رؤياه شيئًا، إلا شيئًا يذكُرونه، فقالوا له: رأيتَ كذا وكذا. فقَصُّوها عليه، فقال: صدَقتم. قالوا: نحن نَعبُرُها لك. أما الصنمُ الذي رأيتَ رأسَه مِن ذهبٍ، فإنه مُلكُك، حسنٌ مثلَ الذهب - وكان قد ملك الأرض كلَّها - وأما العنقُ مِن الشَّبَه، فهو مُلْكُ ابنك بعدَك، يملكُ فيكونُ مُلكُه حسنًا، ولا يكونُ مثل الذهبِ.
ُلكُك، حسنٌ مثلَ الذهب - وكان قد ملك الأرض كلَّها - وأما العنقُ مِن الشَّبَه، فهو مُلْكُ ابنك بعدَك، يملكُ فيكونُ مُلكُه حسنًا، ولا يكونُ مثل الذهبِ. وأما صدرُه من حديدٍ فهو مُلْكُ أهل فارسَ، يملكون بعد ابنك، فيكونُ مُلكُهم شديدًا مثل الحديد، وأما بطنُه الأخلاطُ، فإنه يذهَبُ
ملكُ أهل فارسَ، ويتنازعُ الناسُ الملُك في كلِّ قريةٍ، حتى يكون الملِكُ يملكُ اليوم واليومين، والشهرَ والشهرين، [ثم يُقتَلُ]، فلا يكونُ للناسِ قوامٌ على ذلك، كما لم يكن للصنم قوامٌ على رجلين من فخّارِ؛ فبينما هم كذلك، إذ بعث الله تعالى نبيًّا من أرض العرب، فأظهَره على بقية مُلكِ أهل فارس، وبقية مُلكِ ابنك ومُلكك، فدمَّره وأهلكه حتى لا يَبقَى منه شيءٌ، كما جاءت الصخرةُ فهدَمت الصنمَ. فعطَف عليهم بختُنصرَ فأحَبَّهم، ثم إن المجوس وشوا بدانيالَ، فقالوا: إن دانيالَ إذا شرب الخمرَ لم يَمْلِكُ نفسَه أن يبولَ.
جاءت الصخرةُ فهدَمت الصنمَ. فعطَف عليهم بختُنصرَ فأحَبَّهم، ثم إن المجوس وشوا بدانيالَ، فقالوا: إن دانيالَ إذا شرب الخمرَ لم يَمْلِكُ نفسَه أن يبولَ. وكان ذلك فيهم عارًا، فجعل لهم بختُنصّرَ طعامًا، فأكَلوا وشربوا، وقال للبوّاب: انظر أوّلَ مَن يخرُجُ عليك يبولُ، فاضربه بالطَّبَرْزِينِ، وإن قال: أنا بختُنصّرَ. فقل: كذَبتَ، بختُنصرَ أَمَرنى. فحبَس اللهُ عن دانيال البولَ، وكان أوّلَ مَن قام من القوم يريدُ البول بختُنصّرَ، فقام مُدلًّا، وكان ذلك ليلًا، يسحَبُ ثيابَه، فلما رآه البوّابُ شدَّ عليه، فقال: أنا بختُنصرَ. فقال: كذبتَ، بختُنصرَ أمرنى أن أقتُلَ أوّلَ مَن يخرُجُ. فضربه فقتله.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي المُعَلَّى، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ، قال: بعث الله عليهم في المرّة الأولى سنحاريب. قال: فردَّ اللهُ لهم الكرَّةَ عليهم، كما قال.
ابن عليةَ، عن أبي المُعَلَّى، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ، قال: بعث الله عليهم في المرّة الأولى سنحاريب. قال: فردَّ اللهُ لهم الكرَّةَ عليهم، كما قال. قال: ثم عصَوا ربَّهم وعادوا لما نُهوا عنه، فبعَث عليهم في المرّة الآخرةِ بحُتَنصَّرَ، فقتل المُقاتِلةَ، وسبَى الذُّرِّيَّةَ، وأَخَذ ما وجد مِن الأموال، ودخَلوا بيتَ المقدسِ، كما قال الله ﷿: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ
أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. دخلوه فتبَّروه وخرَّبوه، وألقَوا فيه ما استطاعوا مِن العَذِرَةِ والحيض والجيَفِ والقَذَرِ، فقال الله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. فرجمهم فردَّ إليهم مُلْكَهم، وخلَّص من كان في أيديهم مِن ذُرِّيَّةِ بنى إسرائيل، وقال لهم: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾.
َكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. فرجمهم فردَّ إليهم مُلْكَهم، وخلَّص من كان في أيديهم مِن ذُرِّيَّةِ بنى إسرائيل، وقال لهم: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. قال أبو المُعلَّى: ولا أعلَمُ ذلك إلا من هذا الحديثِ، ولم يَعِدْهم الرجعةَ إلى مُلكِهم.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾. قال: بعث مَلكُ فارس ببابلَ جيشًا، وأمَّر عليهم بختُنصّرَ، فأتوا بنى إسرائيلَ، فدمَّروهم، فكانت هذه الآخرة ووعدَها.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: ثنى يَعْلَى بْنُ مُسلمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: لما ضرَب لبُختِنصَرَ المُلْكُ بجرانِه، قال: ثلاثةً، فمَن استأخّر منكم بعدَها فلْيَمش إلى خشبته.
قال: ثنى يَعْلَى بْنُ مُسلمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: لما ضرَب لبُختِنصَرَ المُلْكُ بجرانِه، قال: ثلاثةً، فمَن استأخّر منكم بعدَها فلْيَمش إلى خشبته. فغزا الشام، فذلك حينَ
قتَّل وأخرَب بيتَ المقدسِ، ونزَع حِلْيتَه، فجعَلها آنيةً ليشرب فيها الخمورَ، وخُونًا يأكُلُ عليها الخنازير، وحمل التوراة معه، ثم ألقاها في النار، وقدم فيما قدم به بمائة وصيفٍ منهم دانيالُ وعَزَرْيا وحَنَنْيا ومشائيلُ، فقال: أصلحْ لى أجسامَ هؤلاء لعلِّى أختارُ منهم أربعةً يخدُموننى. فقال دانيالُ لأصحابه: إنما نُصروا عليكم بما غيَّرتم من دين آبائكم، لا تأكُلوا لحمَ الخنزير، ولا تشرَبوا الخمرَ. فقالوا للذى يُصْلِحُ أجسامَهم: هل لك أن تُطعِمَنا طعامًا، هو أهونُ عليك في المئونة مما تُطعِمُ أصحابنا؟ فإن لم نَسمَنْ قبلَهم رأيتَ رأيك! قال: ماذا؟ قال: خبزُ الشعيرِ والكُرَّاثُ.
هل لك أن تُطعِمَنا طعامًا، هو أهونُ عليك في المئونة مما تُطعِمُ أصحابنا؟ فإن لم نَسمَنْ قبلَهم رأيتَ رأيك! قال: ماذا؟ قال: خبزُ الشعيرِ والكُرَّاثُ. ففعل فسمِنوا قبلَ أصحابهم، فأَخَذهم بُخْتُنصَّرَ يَخدُمونه، [بَيْنا ذلك، رأى] بختُنصرَ رؤيا، فجلس فنسيها، فعاد فرقَد فرآها، فقام فنسيها، ثم عاد فرقَد فرآها، فخرَج إلى الحجرة فنسيها، فلما أصبَح دعا العلماء والكهَّانَ، فقال: أخبروني بما رأيتُ البارحة، وأوِّلوا لي رؤياى، وإلا فلْيَمش كلُّ رجلٍ منكم إلى خشبته، موعدُكم ثالثةٌ. فقالوا: هذا لو أخبَرنا برؤياه. وذكر كلامًا لم أحفَظْه، قال: وجعَل دانيالُ كلَّما مرَّ به أحدٌ من قرابته يقولُ: لو دعانى الملكُ لأخبَرْتُه برؤياه، ولأوَّلتُها له. قال: فجعَلوا يقولون: ما أحمقَ هذا الغلامَ الإسرائيليَّ. إلى أن مرَّ به كهلٌ. فقال له ذلك، فرجَع إليه فأخبرَه، فدعاه فقال: ماذا رأيتُ؟ قال: رأيتَ تمثالًا. قال: إيه. قال: ورأسُه من ذهبٍ. قال: إيه. قال: وعنقُه من فضةٍ. قال: إيه. قال: وصدرُه من حديدٍ. قال: إيه.
، فدعاه فقال: ماذا رأيتُ؟ قال: رأيتَ تمثالًا. قال: إيه. قال: ورأسُه من ذهبٍ. قال: إيه. قال: وعنقُه من فضةٍ. قال: إيه. قال: وصدرُه من حديدٍ. قال: إيه. قال:
وبطنُه من صُفْرٍ. قال: إيه. قال: ورجلاه من آنُكٍ. قال: إيه. قال: وقدماه من فخارٍ. قال: هذا الذي رأيتَ؟ قال: إيه. قال: فجاءت حصاةٌ فوقَعت في رأسه، ثم في عنقِه، ثم في صدرِه، ثم في بطنِه، ثم في رجليه، ثم في قدميه. قال: فأهلَكتْه. قال: فما هذا؟ قال: أما الذهبُ فمُلْكُك، وأما الفضةُ فمُلكُ ابنك من بعدك، ثم مُلكُ ابن ابنك. قال: وأما الفخّارُ فملُكُ النساء. فكساه جبةً [من حرير]، وسوَّره وطاف به في القرية، وأجاز خاتَمه، فلما رأت ذلك فارسُ، قالوا: ما الأمرُ إلا أمر هذا الإسرائيليِّ. فقالوا: ائتوه من نحو الفتية، ولا تذكُروا له دانيالَ، فإنه لا يصدِّقُكم عليه. فأتَوه. فقالوا: إن هؤلاء الفتيةَ الثلاثة ليسوا على دينك، وآية ذلك أنك إن قرَّبتَ إليهم لحم الخنزير والخمر لم يأكُلوا ولم يَشرَبوا.
لا يصدِّقُكم عليه. فأتَوه. فقالوا: إن هؤلاء الفتيةَ الثلاثة ليسوا على دينك، وآية ذلك أنك إن قرَّبتَ إليهم لحم الخنزير والخمر لم يأكُلوا ولم يَشرَبوا. فأمر بحطبٍ كثيرٍ فوُضع، ثم [أَرْقَاهم عليه]، ثم أوقَد فيه نارًا، ثم خرَج من آخر الليل يبولُ، فإذا هم يتحدَّثون، وإذا معهم رابعٌ يُروِّحُ عنهم يُصلِّى، قال: من هذا يا دانيالُ؟ قال: هذا جبريلُ، إنك ظلَمتَهم. قال: ظلمتُهم! فأمر بهم فأُنزلوا، قال: ومسَخ اللهُ تعالى بختَنصَّرَ مِن الدوابِّ كلِّها، فجُعِل من كلِّ صِنفٍ من الدوابِّ؛ رأسًا من السباع الأسد، ومن الطير النَّسْرِ، وملك ابنُه فرأى كفًّا خرَجتْ بين لَوْحَين، ثم كتَبتْ سطرين، فدعا الكهانَ والعلماء فلم [يجد فيه] علمًا، فقالت له أمُّه: إنك لو أعدتَ إلى دانيالَ مَنزِلته
التي كانت له مِن أبيك أخبَركَ. وكان قد جفاه، فدعاه، فقال: إني معيدٌ إليك منزلتَك من أبي، فأخبرْني ما هذان السطران؟ قال: أما أن تُعيد إليَّ منزلتي من أبيك، فلا حاجةَ لى بذاك، وأما هذان السطران فإنك تُقتَلُ الليلةَ.
يدٌ إليك منزلتَك من أبي، فأخبرْني ما هذان السطران؟ قال: أما أن تُعيد إليَّ منزلتي من أبيك، فلا حاجةَ لى بذاك، وأما هذان السطران فإنك تُقتَلُ الليلةَ. فأخرج من في القصرِ أجمعين، وأمر بقفله، فأُقفِلت الأبوابُ عليه، وأدخَل معَه أمنَ أهل القرية في نفسه معه سيفٌ، فقال: من جاءك من خلق الله فاقتُلْه، وإن قال: أنا فلانٌ. وبعَث الله عليه البطنَ فجعَل يمشِى حتى كان شطرُ الليل، فرقَد ورقَد صاحبُه، ثم نبَّهه البطنُ، فذهَب يمشى والآخرُ نائمٌ، فرجَع فاستيقَظ به، فقال له: أنا فلانٌ.
له عليه البطنَ فجعَل يمشِى حتى كان شطرُ الليل، فرقَد ورقَد صاحبُه، ثم نبَّهه البطنُ، فذهَب يمشى والآخرُ نائمٌ، فرجَع فاستيقَظ به، فقال له: أنا فلانٌ. فضرَبه بالسيف فقتله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾، آخر العقوبتين، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، كما دخله عدوُّهم قبل ذلك، ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾، فبعث الله عليهم في الآخرة بُختَنصرَ البابليَّ المجوسيَّ، أبغضَ خلقِ اللهِ إِليه، فسبَى وقتل وحَرَّب بيت المقدسِ، وسامهم سوءَ العذاب.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ، قال: ثم جاء وعدُ الآخرة من المرتين، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾. قال: ليُقبِّحوا وجوهَكم. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. قال: يُدمِّروا ما علَوا تدميرًا.
عدُ الآخرة من المرتين، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾. قال: ليُقبِّحوا وجوهَكم. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. قال: يُدمِّروا ما علَوا تدميرًا. قال: هو بختُنصرَ، بعَثه الله عليهم في المرّة الآخرة.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: فلما أفسَدوا بعَث الله عليهم في المرّة الآخرة بختَنصرَ، فخرَّب المساجد وتبَّر ما علوا تتبيرًا.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاق، قال: فيما بلغني؛ استخلَف الله على بني إسرائيلَ بعد ذلك - يعنى بعدَ قتلِهم شعياءَ - رجلًا منهم يقالُ له: [ياشيةُ بنُ آموص].
سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاق، قال: فيما بلغني؛ استخلَف الله على بني إسرائيلَ بعد ذلك - يعنى بعدَ قتلِهم شعياءَ - رجلًا منهم يقالُ له: [ياشيةُ بنُ آموص]. فبعث اللهُ الخَضِرَ نبيًّا - كان رسولُ اللهِ ﷺ، فيما بلغنى، يقولُ: "إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ خَضِرًا؛ لأنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَقَامَ عَنْهَا وَهِيَ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ" - قال: واسمُ الخضرِ، فيما كان وهبُ بنُ منبهٍ يزعم عن بني إسرائيل: إِرْمِيَا بْنُ حَلْقِيَا، وكان مِن سبطِ هارونَ بن عمران.
وَهِيَ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ" - قال: واسمُ الخضرِ، فيما كان وهبُ بنُ منبهٍ يزعم عن بني إسرائيل: إِرْمِيَا بْنُ حَلْقِيَا، وكان مِن سبطِ هارونَ بن عمران.
حدَّثني محمدُ بنُ سهلِ بن عسكرٍ، ومحمدُ بنُ عبد الملك بن زنجُويه، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ عبد الكريم، قال: ثنا عبدُ الصمد بنُ معقلٍ، عن وهبِ بن منبهٍ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمّن لا يُتَّهمُ، عن وهب بن منبهٍ اليمانيِّ، واللفظُ لحديث ابن حميدٍ، أنه كان يقولُ: قال الله ﵎ لإرْمِيَا حين بعَثه نبيًّا إلى بنى إسرائيلَ: يا إرميا، من قبل أن أخلُقَكَ اخترتُكَ، ومن قبل أن أُصوِّرَك في بطن أمِّك قدَّستُك، ومن قبل أن أُخْرِجَك من بطن أمِّك
طهَّرتُك، ومن قبل أن تبلُغَ السعى نبَّيتُك، ومن قبل أن تبلُغَ الأشدَّ اختبَرتُك، ولأمر عظيم اجتبيتُك. فبعث الله إرميا إلى ذلك الملكِ من بني إسرائيل يسدِّدُه ويُرْشِدُه، ويأتيه بالخبر من الله فيما بينه وبين الله.
الأشدَّ اختبَرتُك، ولأمر عظيم اجتبيتُك. فبعث الله إرميا إلى ذلك الملكِ من بني إسرائيل يسدِّدُه ويُرْشِدُه، ويأتيه بالخبر من الله فيما بينه وبين الله. قال: ثم عظُمت الأحداثُ في بني إسرائيلَ، وركبوا المعاصيَ، واستحلُّوا المحارم، ونَسُوا ما كان الله تعالى صنَع بهم، وما نجاهم من عدوِّهم سنحاريبَ وجنوده. فأوحَى الله إلى إرمياءَ أن ائتِ قومَك من بنى إسرائيل، واقصُصْ عليهم ما أمرُك به، وذكِّرْهم نعمتى عليهم، وعرِّفْهم أحداثَهم. فقال إرمياءُ: إني ضعيفٌ إن لم تُقوِّنى، عاجزٌ إن لم تُبلِّغْني، مخطئ إن لم تُسدِّدْني، مخذولٌ إن لم تَنصُرْني، ذليلٌ إن لم تُعِزَّنى.
ِفْهم أحداثَهم. فقال إرمياءُ: إني ضعيفٌ إن لم تُقوِّنى، عاجزٌ إن لم تُبلِّغْني، مخطئ إن لم تُسدِّدْني، مخذولٌ إن لم تَنصُرْني، ذليلٌ إن لم تُعِزَّنى. قال الله ﵎: أوَلم تعلَمْ أن الأمورَ كلَّها تصدُرُ عن مَشيئتى، وأن القلوب كلَّها والألسنةَ بيدى، أُقلِّبُها كيف شئتُ، فتُطيعُني، وإنى أنا الله الذي لا شيء مثلى، قامت السماوات والأرضُ وما فيهنَّ بكلمتى، وأنا كلَّمتُ البحار، ففهمت قولى، وأمَرتُها فعقلتُ أمرى، وحدَّدتُ عليها بالبطحاء فلا تعدَّى حدِّى، تأتى بأمواج [أمثال الجبال]، حتى إذا بلَغت حدِّى ألبستُها مذلَّةَ طاعتى خوفًا واعترافًا لأمرى، إنِّي معك، ولن يصل إليك شيءٌ معي، وإني بعثتُك إلى خَلْقٍ عظيمٍ مِن خَلقِى؛ لتُبلِّغَهم رسالاتي ولتستحقَّ بذلك مثل أجرِ مَن اتّبَعك منهم لا يَنْقُصُ ذلك من أجورهم شيئًا، وإن تُقصِّرْ عنها [تستحقَّ بذلك] مثل وزرِ مَن ترَكتَ في عماه لا ينقصُ ذلك من أوزارهم شيئًا، انطلِقْ إلى
اتّبَعك منهم لا يَنْقُصُ ذلك من أجورهم شيئًا، وإن تُقصِّرْ عنها [تستحقَّ بذلك] مثل وزرِ مَن ترَكتَ في عماه لا ينقصُ ذلك من أوزارهم شيئًا، انطلِقْ إلى
قومك فقل: إن الله ذكر بكم صلاح آبائكم، فحمله ذلك على أن يَسْتَتيبَكم يا معشرَ الأبناء. وسَلْهم كيف وجد آباؤهم مغبَّةً طاعتى، وكيف وجَدوا هم مغبَّةَ معصيتى، وهل علموا أن أحدًا قبلَهم أطاعنى فشَقِى بطاعتى، أو عصاني فسعد بمعصيتى، فإن الدوابَّ مما تذكُرُ أوطانَها الصالحةَ، فتنتابُها، وإن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهَلكة؛ أما أحبارُهم ورهبانُهم فاتخَذوا عبادى حَوَلًا ليعبدوهم دونى وتحكَّموا فيهم بغير كتابي حتى أجهَلوهم أمرى، وأنسَوْهم ذكرى، وغرُّوهم منى؛ أما أمراؤهم وقادتُهم فبطروا نعمتى، وأمنوا مكرى، ونَبَذُوا كتابي، ونسُوا عهدى، وغيَّروا سنَّتى، فادّان لهم عبادى بالطاعة التي لا تنبغى إلا لى، فهم يُطيعونهم في معصيتى، ويُتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني جرأةً عليَّ وغِرّةً، وفِرْيَةً عليَّ وعلى رسلي، فسبحان جلالي وعلوِّ مكاني، وعظمة
، فهم يُطيعونهم في معصيتى، ويُتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني جرأةً عليَّ وغِرّةً، وفِرْيَةً عليَّ وعلى رسلي، فسبحان جلالي وعلوِّ مكاني، وعظمة شأني، فهل يَنبِغى لبشرٍ أن يُطاعَ في معصيتى، وهل ينبغى لى أن أخلُقَ عبادًا أَجعَلُهم أربابًا من دوني؟! وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيتعبَّدون في المساجد، ويتزيَّنون بعمارتها لغيرى؛ لطلب الدنيا بالدين، ويتفقَّهون فيها لغير العلم، ويتعلَّمون فيها لغير العمل؛ وأما أولادُ الأنبياء، فمَكْثُورون مقهورون مُغيِّرون، يخوضون مع الخائضين، ويتمنَّون عليَّ مثلَ نُصرة آبائهم والكرامة التي أكرَمتُهم بها، ويزعُمون أن لا أحد أولي بذلك منهم منى، بغيرِ صدقٍ ولا تفكُّرٍ ولا تدبُّرٍ، ولا يذكرون كيف كان نصرُ آبائهم لى، وكيف كان جدُّهم في أمرى حينَ غيَّر المُغيِّرون، وكيف بذَلوا أنفسَهم ودماءَهم،
، بغيرِ صدقٍ ولا تفكُّرٍ ولا تدبُّرٍ، ولا يذكرون كيف كان نصرُ آبائهم لى، وكيف كان جدُّهم في أمرى حينَ غيَّر المُغيِّرون، وكيف بذَلوا أنفسَهم ودماءَهم،
فصبَروا وصدَقوا حتى عزَّ أمرى، وظهَر دينى، فتأنَّيتُ بهؤلاء القومِ لعلَّهم يستجيبون فأطْوَلتُ لهم، وصفَحتُ عنهم، لعلَّهم يَرجِعون، فأكثَرتُ ومدَدتُ لهم في العمرِ لعلّهم يتذكَّرون، فأعذرتُ في كلِّ ذلك، أُمطِرُ عليهم السماءَ، وأُنبِتُ لهم الأرضَ، وأُلبِسُهم العافيةَ، وأظهِرُهم على العدوِّ، فلا يزدادون إلا طغيانًا وبُعدًا منى، فحتى متى هذا؟! أبى يتمرَّسون؟ أم إيَّاىَ يُخادعون؟
سوادِ الليلِ المظلمِ، له عساكرُ مثلُ قِطَعِ السحابِ، ومراكبُ أمثالُ العَجَاجِ، كأن حفيفَ راياتِه طيرانُ النسورِ، وإن حَمْلةَ فُرسانِه كريرُ العِقبانِ.
ثم أوحَى اللَّهُ إلى إرميا: إنى مُهلكٌ بني إسرائيلَ بيافثَ - ويافثُ أهلُ بابلَ، وهم من ولدِ يافثِ بن نوحٍ - فلمّا سمع إرميا وحىَ ربَّه صاح وبكَى وشقَّ ثيابَه، ونبَذ الرمادَ على رأسِه فقال: ملعونٌ يومٌ وُلدتُ فيه، ويومُ لُقِّيتُ التوراةَ، ومن شرِّ أيامى يومٌ ولدتُ فيه، فما أُبقيتُ آخرَ الأنبياءِ إلا لما هو شرٌّ عليَّ، لو أراد بى خيرًا ما جعَلنى آخرَ الأنبياءِ من بنى إسرائيلَ، فمِن أجلى تُصيبُهم الشِّقوةُ والهلاكُ، فلما سمِع اللَّهُ تضرُّعَ الخَضِرِ وبكاءَه، وكيف يقولُ، ناداه: يا إرميا، أشَقَّ عليك ما أوحيتُ لك؟ قال: نعمْ، يا ربِّ أهلِكْنى قبلَ أن أرى في بنى إسرائيلَ ما لا أُسَرُّ به. فقال اللَّهُ: وعزَّتى العزيزةِ، لا أُهلِكُ بيتَ المقدسِ وبنى إسرائيلَ حتى يكونَ الأمرُ مِن قِبَلِكَ في ذلك.
أن أرى في بنى إسرائيلَ ما لا أُسَرُّ به. فقال اللَّهُ: وعزَّتى العزيزةِ، لا أُهلِكُ بيتَ المقدسِ وبنى إسرائيلَ حتى يكونَ الأمرُ مِن قِبَلِكَ في ذلك. ففرِح عندَ ذلك إرميا لِمَا قال له ربُّه، وطابت نفسُه، وقال: لا، والذي بعَث
موسى وأنبياءه بالحقِّ لا أمُرُ ربى بهلاكِ بني إسرائيلَ أبدًا. ثم أتى مَلِكَ بنى إسرائيلَ فأخبَره ما أوحى اللَّهُ إليه، فاستبشَر وفرِح، وقال: إن يعذِّبْنا ربُّنا فبذنوبٍ كثيرةٍ قدَّمناها لأنفسِنا، وإن عفا عنا فبقُدرتِه.
ثم إنهم لبِثوا بعدَ هذا الوحى ثلاثَ سنيَن لم يزدادوا إلا معصيةً وتماديًا في الشرِّ، وذلك حيَن اقترَب هلاكُهم، فقلَّ الوحيُ حيَن لم يكونوا يتذكّرون الآخرةَ، وأمسَك عنهم حيَن أَلْهتهم الدنيا وشأنُها، فقال لهم ملكُهم: يا بنى إسرائيلَ، انتهُوا عما أنتم عليه قبلَ أن يَمَسَّكم بأسُ اللَّهِ، وقبلَ أن يُبْعَثَ عليكم قومٌ لا رحمةَ لهم بكم، وإن ربَّكم قريبُ التوبةِ، مبسوطُ اليدين بالخيرِ، رحيمٌ بمن تاب إليه.
ه قبلَ أن يَمَسَّكم بأسُ اللَّهِ، وقبلَ أن يُبْعَثَ عليكم قومٌ لا رحمةَ لهم بكم، وإن ربَّكم قريبُ التوبةِ، مبسوطُ اليدين بالخيرِ، رحيمٌ بمن تاب إليه. فأبَوا عليه أن يَنزِعوا عن شيءٍ مما هم عليه، وإن اللَّهَ ألقى في قلبِ بختنصَّرَ بن نَبُوزَرادانَ بن سنحاريبَ بن دارْياسَ بن نُمرودَ بن فالَخِ بن عابَرِ بن نُمرودَ صاحبِ إبراهيمَ الذي حاجَّه في ربِّه، أن يسيرَ إلى بيتِ المقدسِ، ثم يفعلَ فيه ما كان جدُّه سنحاريبُ أراد أن يفعَلَ، فخرَج في ستِّمائةِ ألفِ رايةٍ يريدُ أهلَ بيتِ المقدسِ، فلمّا فصَل سائرًا أتى ملكَ بنى إسرائيلَ الخبرُ أن بختَنصّرَ قد أقبَل هو وجنودُه يُريدُكم، فأرسَل الملكُ إلى إرميا، فجاءه فقال: يا إرميا، أين ما زعَمتَ لنا أن ربَّك أوحَى إليك أن لا يُهلكَ أهلَ بيتِ المقدسِ، حتى يكونَ منك الأمرُ في ذلك؟!
م، فأرسَل الملكُ إلى إرميا، فجاءه فقال: يا إرميا، أين ما زعَمتَ لنا أن ربَّك أوحَى إليك أن لا يُهلكَ أهلَ بيتِ المقدسِ، حتى يكونَ منك الأمرُ في ذلك؟! فقال إرميا للملك: إن ربى لا يُخلِفُ الميعادَ وأنا به واثِقٌ.
فلما اقترَب الأجلُ ودنا انقطاعُ مُلكِهم وعزَم اللَّهُ على هلاكِهم، بعَث اللَّهُ مَلَكًا مِن عندِه، فقال له: اذهَبْ إلى إرميا فاستفتِه. وأمَره بالذي يَستفتِى فيه، فأقبَل المَلَكُ إلى إرمياءَ، وقد تمثَّل له رجلًا مِن بنى إسرائيلَ، فقال له إرميا: مَن أنت؟
قال: أنا رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ أستفتيك في بعضِ أمرى. فأذِن له، فقال له المَلَكُ: يا نبيَّ اللَّهِ، أتيتُك أستفتيك في أهلِ رَحِمى، وصَلتُ أرحامَهم بما أمَرنى اللَّهُ به، لم آتِ إليهم إلا حسنًا، ولم آلُهم كرامةً، فلا تَزيدُهم كرامتى إيّاهم إلا إسخاطًا لى، فأفتِنِى فيهم يا نبيَّ اللَّهَ. فقال له: أحسِنُ فيما بينَك وبيَن اللَّهِ، وصِل ما أمَرك اللَّهُ أن تَصِلَ، وأبشِرْ بخيرٍ.
امتى إيّاهم إلا إسخاطًا لى، فأفتِنِى فيهم يا نبيَّ اللَّهَ. فقال له: أحسِنُ فيما بينَك وبيَن اللَّهِ، وصِل ما أمَرك اللَّهُ أن تَصِلَ، وأبشِرْ بخيرٍ. وانصرَف عنه، فمكَث أيامًا، ثم أقبَل إليه في صورةِ ذلك الرجلِ الذي كان جاءه، فقعَد بيَن يديه، فقال له إرميا: مَن أنت؟ قال: أنا الرجلُ الذي أتيتُك أستفتيك في شأنِ أهلى. فقال له نبيُّ اللَّهِ: أَوَ ما طهُرت لك أخلاقُهم بعدُ، ولم ترَ منهم الذي تُحِبُّ؟ فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، والذي بعثَك بالحقِّ ما أعلَمُ كرامةً يأتيها أحدٌ مِن الناسِ لأهلِ رحِمِه إلا قد أتيتُها إليهم وأفضلَ مِن ذلك. فقال النبيُّ: ارجِعْ إلى أهلِك فأحسِنْ إليهم. أسألُ اللَّهَ الذي يُصلِحُ عبادَه الصالحين أن يُصلحَ ذاتَ بينِكم، وأن يجمعَكم على مرضاتِه، ويُجنِّبَكم سُخْطَه.
بيُّ: ارجِعْ إلى أهلِك فأحسِنْ إليهم. أسألُ اللَّهَ الذي يُصلِحُ عبادَه الصالحين أن يُصلحَ ذاتَ بينِكم، وأن يجمعَكم على مرضاتِه، ويُجنِّبَكم سُخْطَه. فقام المَلَكُ مِن عندِه، فلبِث أيامًا وقد نزَل بختُنصّرَ وجنودُه حولَ بيتِ المقدسِ، بأكثرَ من الجرادِ، ففزِع مِنهم بنو إسرائيلَ فزعًا شديدًا، وشقّ ذلك على مَلِكِ بنى إسرائيلَ، فدعا إرميا، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، أين ما وعَدك اللَّهُ؟ فقال: إنى بربى واثقٌ. ثم إن الملَكَ أقبَل إلى إرميا وهو قاعدٌ على جدارِ بيتِ المقدسِ يضحكُ ويستبشِرُ بنصرِ ربِّه الذي وعَده، فقعَد بيَن يديه، فقال له إرميا: مَن أنت؟ قال: أنا الذي كنتُ أتيتُك في شأنِ أهلى مرَّتين. فقال له النبيُّ: أوَ لم يأنِ
لهم أن [يُفيقوا مِن الذي] هم فيه؟ فقال له الملَكُ: يا نبيَّ اللَّهِ، كلُّ شيءٍ كان يصيبُنى مِنهم قبلَ اليومِ كنتُ أصبِرُ عليه، وأعلَمُ [أن ما بِهم] في ذلك سُخْطِى؛ فلما أتيتُهم اليومَ رأيتُهم في عملٍ لا يُرضِى اللَّهَ ولا يُحِبُّه اللَّهُ.
مِنهم قبلَ اليومِ كنتُ أصبِرُ عليه، وأعلَمُ [أن ما بِهم] في ذلك سُخْطِى؛ فلما أتيتُهم اليومَ رأيتُهم في عملٍ لا يُرضِى اللَّهَ ولا يُحِبُّه اللَّهُ. فقال له نبيُّ اللَّهِ: على أيِّ عملٍ رأيتَهم؟ قال: يا نبيَّ اللَّهِ، رأيتُهم على عملٍ عظيمٍ من سُخطِ اللَّهِ، فلو كانوا على مثلِ ما كانوا عليه قبلَ اليومِ لم يشتدَّ عليهم غضبى، وصبَرتُ لهم ورجَوتُهم، ولكن غضِبتُ اليومَ للَّهِ ولك، فأتيتُك لأخبِرَكَ خبرَهم، وإنى أسألُك باللَّهِ الذي بعَثك بالحقِّ إلَّا ما دعوتَ عليهم ربَّك أن يُهلِكَهم. فقال إرميا: يا مَلِكَ السماواتِ والأرضِ، إن كانوا على حقٍّ وصوابٍ فأَبقِهم، وإن كانوا على سُخْطِك وعملٍ لا ترضاه فأَهلِكْهم. فلمّا خرَجت الكلمةُ من فِي إرميا أرسَل اللَّهُ صاعقةً مِن السماءِ في بيتِ المقدسِ، فالتهَب مكانُ القربانِ، وخُسِف بسبعةِ أبوابٍ مِن أبوابِها، فلما رأى ذلك إرميا صاح وشقَّ ثيابَه، ونبَذ الرمادَ على رأسِه، فقال: يا ملكَ السماء، ويا أرحم الراحمين، أين ميعادُك الذي وعَدتَنِى؟
وابٍ مِن أبوابِها، فلما رأى ذلك إرميا صاح وشقَّ ثيابَه، ونبَذ الرمادَ على رأسِه، فقال: يا ملكَ السماء، ويا أرحم الراحمين، أين ميعادُك الذي وعَدتَنِى؟ فنودى: إرميا، إنهم لم يُصِبْهم الذي أصابهم إلا بفتياك التي أفتيتَ بها رسولَنا. فاستيقَن النبيُّ ﷺ أنها فُتياه التي أفتَى بها ثلاثَ مرَّاتٍ، وأنه رسولُ ربِّه، وطار إرميا حتى خالَط الوحشَ، ودخَل بختُنصرَ وجنودُه بيتَ المقدسِ، فوطِئ الشامَ، وقتَل بنى إسرائيلَ حتى أفناهم، وخرَّب بيتَ المقدسِ، ثم أمَر جنودَه أن يملأَ كلُّ رجلٍ منهم تُرسَه ترابًا
بختُنصرَ وجنودُه بيتَ المقدسِ، فوطِئ الشامَ، وقتَل بنى إسرائيلَ حتى أفناهم، وخرَّب بيتَ المقدسِ، ثم أمَر جنودَه أن يملأَ كلُّ رجلٍ منهم تُرسَه ترابًا
ثم يقذِفَه في بيتِ المقدسِ، فقذَفوا فيه الترابَ حتى ملَئوه، ثم انصرَف راجعًا إلى أرضِ بابلَ، واحتمَل معه سبايا بنى إسرائيلَ، وأمَرهم أن يجمَعوا مَن كان في بيتِ المقدسِ كلَّهم، فاجتمَع عندَه كلُّ صغيرٍ وكبيرٍ من بني إسرائيلَ، فاختار منهم سبعيَن ألفَ صبيٍّ، فلما خرَجت غنائمُ جندِه، وأراد أن يَقسِمَهم فيهم، قالت له الملوكُ الذين كانوا معه: أيُّها الملكُ، لك غنائمُنا كلُّها، واقسِمْ بينَنا هؤلاء الصبيانَ الذين اخترتَهم من بنى إسرائيلَ.
أن يَقسِمَهم فيهم، قالت له الملوكُ الذين كانوا معه: أيُّها الملكُ، لك غنائمُنا كلُّها، واقسِمْ بينَنا هؤلاء الصبيانَ الذين اخترتَهم من بنى إسرائيلَ. ففعَل، وأصاب كلُّ رجلٍ منهم أربعةَ غِلْمَةٍ، وكان مِن أولئك الغلمانِ دانيالُ وحَنَانْيَا وعَزَارْيَا وميشائيلُ وسبعةُ آلافٍ من أهلِ بيتِ داودَ، وأحدَ عَشَرَ ألفًا مِن سبطِ يوسفَ بن يعقوبَ، وأخيه بنياميَن، وثمانيةُ آلافٍ من سبطِ أشرِ بن يعقوبَ، وأربعةَ عشرَ ألفًا من سبطِ زبالونَ بن يعقوبَ ونَفْثَالى بن يعقوبَ، وأربعةُ آلافٍ من سبطِ يهوذا بن يعقوبَ، وأربعةُ آلافٍ من سبطِ روبيلَ ولاوِى ابنى يعقوبَ، ومَن بقِى مِن بنى إسرائيلَ، وجعَلهم بختُنصرَ ثلاثَ فرقٍ؛ فثلثًا أقرَّ بالشامِ، وثلثًا سبَى، وثلثًا قتَل، وذهَب بآنيةِ بيتِ المقدسِ حتى أقدَمها بابلَ، وذهَب بالصبيانِ السبعين الألفِ حتى أقدَمهم بابلَ، فكانت هذه الوقعةَ الأولى التي أنزَل اللَّهُ ببنى إسرائيلَ بإحداثِهم وظُلْمِهم، فلما ولَّى بختُنصرَ عنهم راجعًا إلى بابلَ بمن معه مِن سبايا بني
بابلَ، فكانت هذه الوقعةَ الأولى التي أنزَل اللَّهُ ببنى إسرائيلَ بإحداثِهم وظُلْمِهم، فلما ولَّى بختُنصرَ عنهم راجعًا إلى بابلَ بمن معه مِن سبايا بني إسرائيلَ، أقبَل إرميا على حمارٍ له معه عصيرٌ. ثم ذكَر قصتَه حيَن أماته اللَّهُ مائةَ عامٍ، ثم بعَثه، ثم خبرَ رؤيا بختِنصرَ وأمرَ دانيالَ، وهلاكَ بُختِنصرَ، ورجوعَ مَن بقى مِن بنى إسرائيلَ في أيدى أصحابِ بختنصرَ بعدَ هلاكِه إلى الشامِ، وعمارةَ بيتِ المقدسِ، وأمرَ عُزيرٍ وكيف ردَّ اللَّهُ عليه التوراةَ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم عمَدتْ بنو
إسرائيلَ بعدَ ذلك يُحدِثون الأحداثَ، يعنى بعدَ مَهلِكِ عُزيرٍ، ويعودُ اللَّهُ عليهم، ويبعَثُ فيهم الرسلَ، ففريقًا يكذِّبون، وفريقًا يقتُلون، حتى كان آخرُ مَن بعَث اللَّهُ فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى بنَ زكريا وعيسى ابنَ مريم، وكانوا من بيتِ آلِ داودَ.
لَ، ففريقًا يكذِّبون، وفريقًا يقتُلون، حتى كان آخرُ مَن بعَث اللَّهُ فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى بنَ زكريا وعيسى ابنَ مريم، وكانوا من بيتِ آلِ داودَ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عمرَ بن عبدِ اللَّهِ بن عروةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ أنه قال، وهو يحدِّثُ عن قتلِ يحيى بن زكريا، قال: [ما قُتل يحيى بنُ زكريا إلا [بامرأةٍ تبغِى مِن بغايا] بنى إسرائيلَ؛ كان فيهم مَلِكٌ، وكان] يحيى بنُ زكريا تحتَ يَدَىْ ذلك الملكِ، فهمَّت ابنةُ ذلك الملكِ بأبيها، فقالت: لو أنى تزوَّجتُ بأبى فاجتمَع لى سلطانُه دونَ النساءِ! فقالت له: يا أبتِ، تزوَّجْنى. فدعَته إلى نفسِها، فقال لها: يا بنيةُ، إن يحيى بنَ زكريا لا يُحِلُّ لنا هذا. فقالت: من لى بيحيى بن زكريا! ضيَّق عليَّ، وحال بينى وبيَن أن أتزوَّج بأبى، فأغلِبَ على مُلكِه ودنياه دونَ النساءِ.
يحيى بنَ زكريا لا يُحِلُّ لنا هذا. فقالت: من لى بيحيى بن زكريا! ضيَّق عليَّ، وحال بينى وبيَن أن أتزوَّج بأبى، فأغلِبَ على مُلكِه ودنياه دونَ النساءِ. قال: فأمَرت اللعّابين ومَحَلَتْ بذلك لقتلِ يحيى بن زكريا، فقالت: ادخُلوا عليه فألعِبوه، حتى إذا فرَغتم فإنه سيُحَكِّمُكم، فقولوا: دمَ يحيى بن زكريا. فلا تقبَلوا غيرَه. وكان اسمُ الملكِ روادَ، واسمُ ابنتِه البغيَّ، وكان الملكُ فيهم إذا حدَّث فكذَب، أو وعَد فأخلَف، خُلع فاستُبدِل به غيرُه، فلما ألعَبوه وكثُر عجبُه منهم، قال: سلُونى أُعطِكم. قالوا: دمَ
يحيى بن زكريا، أَعطِناه. قال: ويحَكم سلُونى غيرَ هذا، فقالوا: لا نسألُك غيرَه. فخاف على مُلكِه إن هو أخلَفهم أن يُستحَلَّ بذلك خَلْعُه، فبعَث إلى يحيى بن زكريا وهو جالسُ في محرابِهِ يُصلِّى، فذبَحوه في طَسْتٍ ثم حزُّوا رأسَه، فاحتمَله رجلٌ في يدَيه والدمُ يُحمَلُ في الطَّسْتِ معه، قال: فطلَع برأسِه يحمِلُه حتى وقَف به على الملكِ ورأسُه يقولُ في يَدَي الذي يحمِلُه: لا يَحِلُّ لك.
له رجلٌ في يدَيه والدمُ يُحمَلُ في الطَّسْتِ معه، قال: فطلَع برأسِه يحمِلُه حتى وقَف به على الملكِ ورأسُه يقولُ في يَدَي الذي يحمِلُه: لا يَحِلُّ لك. فقال رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ: أيُّها الملكُ، لو أنك وهَبتَ لى هذا الدمَ؟ فقال: وما تصنَعُ به؟ قال: أُطهِّرُ منه الأرضَ، فإنه قد كان ضيَّقها علينا. فقال: أعطُوه إياه. فأخَذه فجعَله في قُلّةٍ، ثم عمّد به إلى بيتٍ في المذبحِ، فوضَع القُلةَ فيه، ثم أغلَق عليه، ففار في القُلَّةِ حتى خرَج منها مِن تحتِ البابِ مِن البيتِ الذي هو فيه، فلما رأَى ذلك الرجلُ، فظِع به، فأخرَجه فجعَله في فلاةٍ من الأرضِ، فجعَل يفورُ، وعظُمت فيهم الأحداثُ، ومنهم مَن يقولُ: أَقرَّ مكانَه [في القربانِ] ولم يُحوَّلْ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: فلما رفَع اللَّهُ عيسى من بين أظهرِهم وقتَلوا يحيى بنَ زكريا - وبعضُ الناسِ يقولُ: وقتَلوا زكريا - ابتعَث اللَّهُ عليهم مَلِكًا من ملوكِ بابلَ يقالُ له: خردوسُ.
للَّهُ عيسى من بين أظهرِهم وقتَلوا يحيى بنَ زكريا - وبعضُ الناسِ يقولُ: وقتَلوا زكريا - ابتعَث اللَّهُ عليهم مَلِكًا من ملوكِ بابلَ يقالُ له: خردوسُ. فسار إليهم بأهلِ بابلَ حتى دخَل عليهم الشامَ، فلما ظهَر عليهم أمَر رأسًا مِن رءوسِ جنودِه يُدعَى نَبُوزَرادانَ صاحبَ القتلِ. فقال له: إنى قد كنتُ حلَفتُ بإلهى لئن أنا ظهَرْتُ على أهلِ بيتِ
المقدسِ لأقتُلنَّهم حتى تسيلَ دماؤهم في وسطِ عسكرى، إلّا أن لا أجدَ أحدًا أقتُلُه. فأمَر أن يقتُلَهم حتى يبلُغَ ذلك مِنهم نَبُوزُرادانَ، فدخَل بيتَ المقدسِ، فقام في البقعةِ التي كانوا يُقرِّبون فيها قربانَهم، فوجَد فيها دمًا يغلى، فسأَلهم فقال: يا بنى إسرائيلَ، ما شأنُ هذا الدمِ الذي يَغلِى، أخبِرونى خبرَه، ولا تكتُمونى شيئًا من أمره. فقالوا: هذا دمُ قربانٍ كان لنا كنّا قرَّبناه فلم يُتَقَبَّلْ منا، فلذلك هو يَغلِى كما تراه، ولقد قرَّبنا منذُ ثمانِمائةِ سنةٍ القربانَ فتُقبِّلَ منا إلا هذا القربانُ. قال: ما صدَقتُمُونى الخبرَ.
فلم يُتَقَبَّلْ منا، فلذلك هو يَغلِى كما تراه، ولقد قرَّبنا منذُ ثمانِمائةِ سنةٍ القربانَ فتُقبِّلَ منا إلا هذا القربانُ. قال: ما صدَقتُمُونى الخبرَ. قالوا له: لو كان كأوَّلِ زمانِنا لقُبل مِنّا، ولكنه قد انقطَع منا المُلكُ والنُّبوَّةُ والوحيُ، فلذلك لم يُقبَلْ منا. فذبَح منهم نَبُوزُرادانَ على ذلك الدمِ سبعَمائةٍ وسبعين روحًا مِن رءوسِهم فلم يهدَأْ، فأمَر بسبعِمائةِ غلامٍ مِن غِلمانِهم فذُبحوا على الدمِ فلم يهدَأْ، فأمَر بسبعةِ آلافٍ مِن شِيَعهم وأزواجِهم، فذبَحهم على الدمِ فلم يَبرُدْ ولم يهدَأْ، فلما رأَى نبوزُرادان أن الدمَ لا يهدَأُ قال لهم: ويْلَكم يا بنى إسرائيلَ، اصدُقونى واصبِروا على أمرِ ربِّكم، فقد طال ما مُلِّكتم في الأرضِ، تفعَلون فيها ما شِئتم، قبلَ أن لا أتركَ مِنكم نافخَ نارٍ؛ أنثى ولا ذكرًا إلا قتَلتُه.
دُقونى واصبِروا على أمرِ ربِّكم، فقد طال ما مُلِّكتم في الأرضِ، تفعَلون فيها ما شِئتم، قبلَ أن لا أتركَ مِنكم نافخَ نارٍ؛ أنثى ولا ذكرًا إلا قتَلتُه. فلما رأَوُا الجهدَ وشدَّةَ القتلِ صدَقوه الخبرَ، فقالوا له: إن هذا دمُ نبيٍّ مِنّا كان ينهانا عن أمورٍ كثيرةٍ مِن سُخْطِ اللَّهِ، فلو أطَعناه فيها لكان أرشدَ لنا، وكان يُخبِرُنا بأمرِكم، فلم نُصدِّقْه، فقتَلناه، فهذا دمُه. فقال لهم نَبُوزُرادانَ: ما كان اسمُه؟ قالوا: يحيى بنَ زكريا. فقال: الآنَ صدَقتمونى، بمثلِ هذا ينتقِمُ ربُّكم مِنكم. فلما رأى نَبُوزُرادانَ أنهم صدَقوه خرَّ ساجدًا وقال لمن حولَه: غلِّقوا أبوابَ المدينةِ، وأخرِجوا مَن كان ههنا من جيشِ خردوسَ. وخلا في بنى إسرائيلَ، ثم قال: يا يحيى بنَ زكريا، قد علم ربي وربُّك ما قد أصاب قومَك مِن أجْلِك، وما قُتل مِنهم مِن أجلِك، فاهدأْ بإذنِ اللَّهِ قبلَ أن لا أُبقىَ من قومِك أحدًا.
ل: يا يحيى بنَ زكريا، قد علم ربي وربُّك ما قد أصاب قومَك مِن أجْلِك، وما قُتل مِنهم مِن أجلِك، فاهدأْ بإذنِ اللَّهِ قبلَ أن لا أُبقىَ من قومِك أحدًا. فهدَأ دمُ يحيى بن زكريا بإذنِ اللَّهِ، ورفَع نَبُوزُرادانَ عنهم القتلَ، وقال: آمَنتُ بما آمَنَت به بنو إسرائيلَ، وصدَّقتُ وأيقَنتُ
أنه لا ربَّ غيرُه، ولو كان معَه آخرُ لم يصلُحْ، ولو كان له شريكٌ لم تَستمسِكِ السماواتُ والأرضُ، ولو كان له ولدٌ لم يصلُحْ، فتبارَك وتقدَّس، وتسبَّح وتكبَّر وتعظَّم، ملكُ الملوكِ الذي [يَملِكُ السماواتِ السبعَ، بعلمٍ وحكمٍ وجبروتٍ وعزَّةٍ]، الذي بسَط الأرضَ وألقَى فيها رواسىَ ألَّا تزولَ، فكذلك يَنبغِى لربى أن يكونَ ويكونَ مُلكُه. فأُوحِى إلى رأسٍ مِن رءوسِ بقيةِ الأنبياءِ أن نَبُوزَرادانَ حَبُورٌ صدوقٌ - والحبورُ بالعِبرانيةِ: حديثُ الإيمانِ - وإن نبوزَرادانَ قال لبني إسرائيلَ: إن عدوَّ اللَّهِ خردوسَ أمَرنى أن أقتلَ منكم حتى تسيلَ دماؤكم وسطَ عسكرِه، وإنى لستُ أستطيعُ أن أعصيَه. قالوا له: افعلْ ما أُمِرتَ به.
لبني إسرائيلَ: إن عدوَّ اللَّهِ خردوسَ أمَرنى أن أقتلَ منكم حتى تسيلَ دماؤكم وسطَ عسكرِه، وإنى لستُ أستطيعُ أن أعصيَه. قالوا له: افعلْ ما أُمِرتَ به. فأمَرهم فحفَروا خندقًا وأمَر بأموالِهم من الخيلِ والبغالِ والحميرِ والبقرِ والغنمِ والإبلِ، فذبَحها حتى سال الدمُ في العسكرِ، وأمَر بالقتلى الذين كانوا قبلَ ذلك، فطُرِحوا على ما قُتِل مِن مواشيهم حتى كانوا فوقَهم، فلم يظُنَّ خردوسُ إلا أنَّ ما كان في الخندقِ مِن بنى إسرائيلَ، فلما بلَغ الدمُ عسكرَه، أرسَل إلى نبوزَرادانَ أن ارفَعْ عنهم، فقد بلَغتنى دماؤهم، وقد انتقَمتُ منهم بما فعَلوا.
َ ما كان في الخندقِ مِن بنى إسرائيلَ، فلما بلَغ الدمُ عسكرَه، أرسَل إلى نبوزَرادانَ أن ارفَعْ عنهم، فقد بلَغتنى دماؤهم، وقد انتقَمتُ منهم بما فعَلوا. ثم انصرَف عنهم إلى أرضِ بابلَ، وقد أفنَى بنى إسرائيلَ أو كاد، وهى الوقعةُ الآخرةُ التي أنزَل اللَّهُ ببنى إسرائيلَ، يقولُ اللَّهُ عزَّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾ [الإسراء: ٤، ٨] و "عسى" من اللَّهِ حقٌّ، فكانت الوقعةُ الأولى بختنصّرَ وجنودَه، ثم ردَّ اللَّهُ لكم الكرَّةَ عليهم، وكانت الوقعةُ الآخرةُ خردوسَ وجنودَه، وهي كانت أعظمَ الوقعتين، فيها كان خرابُ بلادِهم، وقتلُ رجالِهم،
وسبىُ ذَراريِّهم ونسائهم، يقولُ اللَّهُ ﵎: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.
وهي كانت أعظمَ الوقعتين، فيها كان خرابُ بلادِهم، وقتلُ رجالِهم،
وسبىُ ذَراريِّهم ونسائهم، يقولُ اللَّهُ ﵎: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. ثم عاد اللَّهُ عليهم، فأكثَر عددَهم، ونشَرهم في بلادِهم، ثم بَدَّلوا وأحدَثوا الأحداثَ، واستبدَلوا بكتابِهم غيرَه، وركِبوا المعاصىَ، واستحَلُّوا المحارمَ، وضيَّعوا الحدودَ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن أبي عَتَّابٍ - رجلٌ مِن تَغلِبَ كان نصرانيًّا عُمرًا مِن دهرِه، ثم أسلَم بعدُ، فقرَأ القرآنَ، وفَقِه في الدينِ، وكان، فيما ذكِر له، نصرانيًا أربعين سنةً، ثم عُمِّر في الإسلامِ أربعين سنةً - قال: كان آخرُ أنبياءِ بنى إسرائيلَ نبيًّا بعَثه اللَّهُ إليهم، فقال لهم: يا بنى إسرائيلَ، إن اللَّهَ يقولُ لكم: إنى قد سبَبتُ أصواتَكم، وأبغَضتُكم بكثرةِ أحداثِكم.
لَمِهُ؟! إن البقرةَ لتعرِفُ سيدَها. حلَفتُ بعزَّتى العزيزةِ، وبذراعِيَ الشديدِ، لآخُذَنَّ ردائى، ولأمرُجَنَّ الحائطَ، ولأجعَلنّكم تحتَ أرجلِ العالمِ. قال: فوثَبوا على نبيِّهم فقتَلوه، فضرَب اللَّهُ عليهم الذلَّ، ونزَع منهم المُلكَ، فليسوا في أمةٍ مِن الأممِ إلا وعليهم ذلٌّ وصغارٌ وجِزيةٌ يُؤدُّونها، والملكُ في غيرِهم من الناسِ، فلن يزالوا كذلك أبدًا، ما كانوا على ما هم عليه.
قال: قال: فهذا ما انتهَى إلينا من جماعِ أحاديثِ بني إسرائيلَ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.
ا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. قال: كانت الآخرةُ أشدَّ مِن الأولى بكثيرٍ، فإن الأولى كانت هزيمةً فقط، والآخرةَ كان التدميرُ، وأحرَق بختُنصرَ التوراةَ حتى لم يترُك فيها حرفًا، وخرَّب المسجدَ.
حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المنهال، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: بعَث عيسى ابن مريم يحيى بنَ زكريا في اثنى عشَرَ مِن الحواريِّين يعلِّمون الناسَ. قال: فكان فيما نهاهم عنه، نكاحُ ابنةِ الأخِ. قال: وكانت لملكِهم ابنةُ أخٍ تُعجِبُه يريدُ أن يتزوَّجَها، وكانت لها كلَّ يومٍ حاجةٌ يَقضيها،
فلما بلَغ ذلك أمَّها، قالت لها: إذا دخَلتِ على الملكِ فسأَلكِ حاجتَك، فقوله: حاجتى أن تذبحَ لى يحيى بنَ زكريا. فلما دخَلت عليه سأَلها حاجتَها، فقالت: حاجتي أن تذبحَ يحيى بنَ زكريا. فقال: سلى غيرَ هذا. فقالت: ما أسألُكَ إلا هذا.
اجتى أن تذبحَ لى يحيى بنَ زكريا. فلما دخَلت عليه سأَلها حاجتَها، فقالت: حاجتي أن تذبحَ يحيى بنَ زكريا. فقال: سلى غيرَ هذا. فقالت: ما أسألُكَ إلا هذا. قال: فلما أبَت عليه دعا يحيى ودعا بطَستٍ فذبَحه، فبدَرت قطرةٌ من دمِه على الأرضِ، فلم تزَلْ تَغلِى حتى بعَث اللَّهُ بختنصرَ عليهم، فجاءته عجوزٌ مِن بنى إسرائيلَ، فدلَّته على ذلك الدمِ. قال: فألقى اللَّهُ في نفسِه أن يقتلَ على ذلك الدمِ منهم حتى يَسكُنَ، فقتل سبعين ألفًا مِنهم مِن سنٍّ واحدٍ، فسكَن.
وقولُه: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. يقولُ: ولِيَدخُلَ عدوُّكم الذي أبعَثُه عليكم مسجدَ بيتِ المقدسِ قهرًا منهم لكم وغلبةً، كما دخَلوه أوَّلَ مرَّةٍ حينَ أفسَدتم الفسادَ الأوَّلَ في الأرضِ.
وأما قولُه: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. فإنه يقولُ: وليُدمِّروا ما غلَبوا عليه من بلادِكم تدميرًا. يقالُ منه: دمَّرتُ البلدَ: إذا خرَّبتَه وأَهَلَكتَه. وتبِر تَبْرًا وتَبَارًا، وتَبَّرتُه أتبِّرُه تتبيرًا.
دمِّروا ما غلَبوا عليه من بلادِكم تدميرًا. يقالُ منه: دمَّرتُ البلدَ: إذا خرَّبتَه وأَهَلَكتَه. وتبِر تَبْرًا وتَبَارًا، وتَبَّرتُه أتبِّرُه تتبيرًا. ومنه قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨]. يعني: هلاكًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. قال: تدميرًا.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. قال: يُدَمِّروا ما علوا تدميرًا.
جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾
يقول تعالى: إنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب، أي: تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين ويعلون علوًا كبيرًا، أي: يتجبرون ويطغون ويفجرون على الناس كما قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] أي: تقدمنا إليه وأخبرناه بذلك وأعلمناه به.
وقوله: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا) أي: أولى الإفسادتين (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) أي: سلطنا عليكم جندًا من خلقنا أولي بأس شديد، أي: قوة وعدة وسلطة شديدة (فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ) أي: تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي: بينها ووسطها، وانصرفوا ذاهبين وجائين لا يخافون أحدا (وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا)
وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم: من هم؟
ي: بينها ووسطها، وانصرفوا ذاهبين وجائين لا يخافون أحدا (وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا)
وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم: من هم؟ فعن ابن عباس وقتادة: أنه جالوت الجَزَريّ وجنوده، سلط عليهم أولا ثم أديلوا عليه بعد ذلك. وقتل داود جالوت؛ ولهذا قال: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا)
وعن سعيد بن جبير: أنه ملك الموصل سنجاريب وجنوده. وعنه أيضًا، وعن غيره: أنه بختنصر ملك بابل.
وقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة في كيفية ترقيه من حال إلى حال، إلى أن ملك البلاد، وأنه كان فقيرًا مقعدًا ضعيفًا يستعطي الناس ويستطعمهم، ثم آل به الحال إلى ما آل، وأنه سار إلى بلاد بيت المقدس، فقتل بها خلقًا كثيرًا من بني إسرائيل.
وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثًا أسنده عن حذيفة مرفوعًا مطولا وهو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث! والعجب كل العجب كيف راج عليه مع إمامته وجلالة قدره!
سنده عن حذيفة مرفوعًا مطولا وهو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث! والعجب كل العجب كيف راج عليه مع إمامته وجلالة قدره! وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي، ﵀، بأنه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب.
وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أر تطويل الكتاب بذكرها؛ لأن منها ما هو موضوع، من وضع [بعض] زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحًا، ونحن في غُنْيَة عنها، ولله الحمد. وفيما قص الله تعالى علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم.
يكون صحيحًا، ونحن في غُنْيَة عنها، ولله الحمد. وفيما قص الله تعالى علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم. وقد أخبر الله تعالى أنهم لما بغوا وطغوا سلط الله عليهم عدوهم، فاستباح بَيْضَتَهم، وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد؛ فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء.
وقد روى ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ظهر بُختنَصَّر على الشام، فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دمًا يغلي على كِبًا، فسألهم: ما هذا الدم؟ فقالوا أدركنا آباءنا على هذا، وكلما ظهر عليه الكبا ظهر. قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفًا من المسلمين وغيرهم، فسكن.
وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهذا هو المشهور، وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم، حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ معه خلقًا منهم أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها.
هو المشهور، وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم، حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ معه خلقًا منهم أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها. ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه، لجاز كتابته وروايته، والله أعلم.
ثم قال تعالى: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) أي: فعليها، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦].
وقوله: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ) أي: المرة الآخرة أي: إذا أفسدتم المرة الثانية وجاء أعداؤكم (لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ) أي: يهينوكم ويقهروكم (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ) أي بيت المقدس (كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) أي: في التي جاسوا فيها خلال الديار (وَلِيُتَبِّرُوا) أي: يدمروا ويخربوا (مَا عَلَوْا) أي: ما ظهروا عليه (تَتْبِيرًا)
قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أحسن -أي: بالإيمان والطاعة- فإنه إنما يحسن إلى نفسه؛ لأن نفع ذلك لنفسه خاصة. وأن من أساء -أي: بالكفر والمعاصي- فإنه إنما يسيء على نفسه؛ لأن ضرر ذلك عائد إلى نفسه خاصة.
وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ وقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. واللام في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ بمعنى على، أي: فعليها، بدليل قوله: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ ومن إتيان اللام بمعنى على قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ الآية؛ أي: عليها، وقوله: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾ الآية؛ أي: سلام عليك. على ما قاله بعض العلماء.
تيان اللام بمعنى على قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ الآية؛ أي: عليها، وقوله: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾ الآية؛ أي: سلام عليك. على ما قاله بعض العلماء. ونظير ذلك من كلام العرب: قول جابر التغلبي، أو شريح العبسي، أو زهير المزني أو غيرهم:
تناوله بالرمح ثم انثنى له ... فخر صريعًا لليدين وللفم
أي: على اليدين وعلى الفم. والتعبير بهذه اللام في هذه الآية للمشاكلة؛ كما قدمنا في نحو: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ ... ﴾ الآية، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ... ﴾ الآية.
•
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ... ﴾ الآية. جواب: "إذا" في هذه الآية الكريمة محذوف، وهو الذي تتعلق به اللام في قوله: ﴿لِيَسُوءُوا﴾ وتقديره: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسوءوا وجوهكم؛ بدليل قوله في الأولى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا .. ﴾ الآية، وخير ما يفسر به القرآن القرآن.
قال ابن قتيبة في (مشكل القرآن): ونظيره في حذف العامل قول حميد بن ثور:
رأتني بحبليها فصدت مخافة ... وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق
أي: رأتني أقبلت، أو مقبلًا.
وفي هذا الحرف ثلاث قراءات سبعيات: قرأه على الكسائي "لنسوء وجوهكم" بنون العظمة وفتح الهمزة؛ أي: لنسوءها بتسليطنا إياهم عليكم يقتلونكم ويعذبونكم. وقرأه ابن عامر وحمزة وشعبة عن عاصم: ﴿ليسوء وجوهكم﴾ بالياء وفتح الهمزة والفاعل ضمير عائد إلى الله؛ أي: ليسوء هو؛ أي: الله وجوهكم بتسليطه إياهم عليكم.
وقرأه ابن عامر وحمزة وشعبة عن عاصم: ﴿ليسوء وجوهكم﴾ بالياء وفتح الهمزة والفاعل ضمير عائد إلى الله؛ أي: ليسوء هو؛ أي: الله وجوهكم بتسليطه إياهم عليكم. وقرأه الباقون: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ بالياء وضم الهمزة بعدها واو الجمع التي هي فاعل الفعل، ونصبه بحذف
النون، وضمير الفاعل الذي هو الواو عائد إلى الذين بعثهم الله عليهم؛ ليسوءوا وجوههم بأنواع العذاب والقتل.
•