(Dan orang-orang Yahudi berkata, "Tangan Allah terbelenggu."284) Sebenarnya tangan merekalah yang dibelenggu dan merekalah yang dilaknat disebabkan apa yang telah mereka katakan itu, padahal kedua tangan Allah285) terbuka; Dia memberi rezeki sebagaimana Dia kehendaki. Dan (Alquran) yang diturunkan kepadamu dari Tuhanmu itu pasti akan menambah kedurhakaan dan kekafiran bagi kebanyakan mereka. Dan Kami timbulkan permusuhan dan kebencian di antara mereka sampai hari Kiamat. Setiap mereka menyalakan api peperangan, Allah memadamkannya. Dan mereka berusaha (menimbulkan) kerusakan di bumi. Dan Allah tidak menyukai orang-orang yang berbuat kerusakan
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن جَراءةِ اليهودِ على ربِّهم، ووصْفِهم إياه بما ليس مِن صفتِه؛ تَوْبيخًا لهم بذلك، وتَعْريفًا منه نبيَّه ﷺ قديمَ جهلِهم واغْترارِهم به، وإنكارِهم جميعَ جَميلِ أياديه عندَهم، وكثرةَ صَفْحِه عنهم وعفوِه عن عظيمِ إجْرامِهم، واحْتجاجًا لنبيِّه محمدٍ ﷺ بأنه له نبيٌّ مَبْعوثٌ ورسولٌ مُرْسَلٌ؛ أن كانت هذه الأنباءُ التي أنْبَأهم بها كانت مِن خَفِيِّ عُلومِهم ومَكْنونِها التي لا يَعْلَمُها إلا أخْبارُهم وعلماؤُهم دونَ غيرِهم مِن اليهودِ فضلًا عن الأمةِ الأُمِّيَّةِ مِن العربِ الذين لم يَقْرَءوا كتابًا، ولا وَعَوْا مِن علومِ أهلِ الكتابِ علمًا، فأطْلَع اللَّهُ على ذلك نبيَّه محمدًا ﷺ، ليُقَرِّرَ عندَهم صدقَه ويَقْطَعَ بذلك حجتَهم.
لم يَقْرَءوا كتابًا، ولا وَعَوْا مِن علومِ أهلِ الكتابِ علمًا، فأطْلَع اللَّهُ على ذلك نبيَّه محمدًا ﷺ، ليُقَرِّرَ عندَهم صدقَه ويَقْطَعَ بذلك حجتَهم.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقالتِ اليهودُ مِن بني إسرائيلَ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. يَعْنون: إن خيرَ اللَّهِ مُمْسَكٌ، وعَطاءَه مَحْبوسٌ عن الاتساعِ عليهم. كما قال تعالى ذكرُه في تأديبِ نبيِّه ﷺ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩].
وإنما وصَف تعالى ذكرُه اليدَ بذلك، والمعنى العَطاءُ؛ لأن عطاءَ الناسِ وبذْلَ معروفِهم الغالبَ بأيديهم، فجرَى استعمالُ الناسِ في وصفِ بعضِهم بعضًا إذا وصَفوه بجُودٍ وكرمٍ، أو بيُخْلٍ وشُحٍّ وضِيقٍ، بإضافةِ ما كان مِن ذلك مِن صفةِ
الموصوفِ إلى يديه، كما قال الأعْشَى في مدحِ رجلٍ:
يَداك يدا مَجْدٍ فكَفٌّ مُفِيدةٌ … وكفٌّ إذا ما ضُنَّ بالزادِ تُنْفِقُ
فأضاف ما كان صفةَ صاحبِ اليد مِن إنفاقٍ وإفادةٍ إلى اليدِ.
عْشَى في مدحِ رجلٍ:
يَداك يدا مَجْدٍ فكَفٌّ مُفِيدةٌ … وكفٌّ إذا ما ضُنَّ بالزادِ تُنْفِقُ
فأضاف ما كان صفةَ صاحبِ اليد مِن إنفاقٍ وإفادةٍ إلى اليدِ. ومثلُ ذلك مِن كلامِ العربِ في أشْعارِها وأمثالِها أكثرُ مِن أن يُحْصَى، فخاطَبَهم اللَّهُ بما يَتَعارَفونه ويَتَحاوَرونه بينَهم في كلامِهم، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. يعني بذلك أنهم قالوا: إن اللَّهَ يَبْخَلُ علينا ويَمْنَعُنا فضلَه فلا يُفْضِلُ، كالمغلولةِ يدُه الذي لا يَقْدِرُ أن يَبْسُطَها بعَطاءٍ ولا بَذْلِ معروفٍ - تعالى اللَّهُ عما قالوا، أعْداءَ اللَّهِ - فقال اللَّهُ مُكَذِّبَهم ومُخْبِرَهم بسُخْطِه عليهم: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾. يقولُ: أُمْسِكَت أيديهم عن الخَيْراتِ، وقُبِضَت عن الانْبِساطِ بالعَطِيَّاتِ، ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ وأُبْعِدوا مِن رحمةِ اللَّهِ وفضلِه، بالذي قالوا مِن الكفرِ، وافْتَرَوْا على اللَّهِ، ووصَفوه به مِن الكذبِ والإفْكِ، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾.
وأُبْعِدوا مِن رحمةِ اللَّهِ وفضلِه، بالذي قالوا مِن الكفرِ، وافْتَرَوْا على اللَّهِ، ووصَفوه به مِن الكذبِ والإفْكِ، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. يقولُ: بل يداه مَبْسوطتان بالبَذْلِ والإعْطاءِ، وأرْزاقِ عبادِه، وأقْواتِ خلقِه، غيرُ مَغْلولتَيْن، ولا مَقْبوضتَيْن، ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. يَقولُ: يُعْطِى هذا، ويَمْنَعُ هذا فيُقَتِّرُ عليه.
وبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾. قال: ليس يَعْنون بذلك أن يدَ اللَّهِ مُوثَقةٌ، ولكنهم يقولون: إنه
بَخيلٌ أَمْسَك ما عندَه. تعالى اللَّهُ عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾.
ُلُوًّا كبيرًا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. قال: لقد تجهَّدنا اللَّهُ يا بني إسرائيلَ، حتى جعَل اللَّهُ يدَه إلى نحرِه. وكذَبوا.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. قال: اليهودُ تقولُه: لقد تجهَّدنا: اللَّهُ يا بني إسرائيلَ ويا أهلَ الكتابِ، حتى إن يدَه إلى نحرِه. ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾: أما قولُه: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. قالوا: اللَّهُ بَخيلٌ غيرُ جَوَادٍ.
يَشَاءُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال عكرمةُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ الآية. نزَلَت في فِنْحاصَ اليهوديِّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، عن عُبيدِ بن سليمانَ، عن الضحاكِ بن مُزاحمٍ قولَه: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. يقولون: إنه بَخيلٌ ليس بجَوَادٍ. قال اللَّهُ: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾: أُمْسِكَت أيديهم عن النفقةِ والخيرِ. ثم قال - يعنى نفسَه -: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وقال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]. يقولُ: لا تُمْسِكْ يدَك عن النفقةِ.
واخْتَلَف أهلُ الجَدَلِ في تأويلِ قولِه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك نِعْمتاه. وقال: ذلك بمعنى: يدُ اللَّهِ على خلقِه، وذلك نِعَمُه عليهم. وقال: إن العربَ تقولُ: لك عندى يدٌ. يَعْنون بذلك: نعمةٌ.
وقال آخَرون منهم: عُنِى بذلك القوةُ.
: ذلك بمعنى: يدُ اللَّهِ على خلقِه، وذلك نِعَمُه عليهم. وقال: إن العربَ تقولُ: لك عندى يدٌ. يَعْنون بذلك: نعمةٌ.
وقال آخَرون منهم: عُنِى بذلك القوةُ. وقالوا: ذلك نَظيرُ قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي﴾ [ص: ٤٥].
وقال آخَرون منهم: بل يدُه مُلْكُه. وقالوا: معنى قولِه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾: ملْكُه وخَزائنُه. قالوا: وذلك كقولِ العربِ للمَمْلوكِ: هو مِلْكُ يمينِه، وفلانٌ بيدِه عُقْدةُ نكاحِ فلانةَ. أي: يَمْلِكُ ذلك. وكقولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢].
وقال آخرون منهم: بل يدُ اللَّهِ صفةٌ مِن صفاتِه، هي يدٌ، غيرَ أنها ليست
بجارحةٍ كجَوارحِ بني آدمَ.
َيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢].
وقال آخرون منهم: بل يدُ اللَّهِ صفةٌ مِن صفاتِه، هي يدٌ، غيرَ أنها ليست
بجارحةٍ كجَوارحِ بني آدمَ. قالوا: وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه أخْبَر عن خُصوصِه آدمَ بما خصَّه به مِن خلقِه إياه بيدِه.
قالوا: ولو كان [معنى اليدِ في ذلك النعمةَ ما كان] لخُصوصِه آدمَ بذلك وجهٌ مفهومٌ؛ إذ كان جميعُ خلقِه مخلوقين بقدرتِه، ومشيئتُه في خلقِه تَعُمُّه، وهو لجميعِهم مالكٌ.
قالوا: وإذ كان تعالى ذكرُه قد خصَّ آدمَ بذكرِه خلقَه إياه بيدِه دونَ غيرِه مِن عبادِه، كان مَعْلومًا أنه إنما خصَّه بذلك لمعنًى به فارَق غيرَه مِن سائر الخلقِ.
قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، بطَل قولُ مَن قال: معنى اليدِ مِن اللَّهِ القوةُ والنعمةُ، أو الملكُ في هذا الموضعِ.
قالوا: وأحْرَى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون: إن يدَ اللَّهِ في قولِه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. هي نعمتُه. لقيل: بل يدُه مَبْسوطةٌ.
وأحْرَى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون: إن يدَ اللَّهِ في قولِه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. هي نعمتُه. لقيل: بل يدُه مَبْسوطةٌ. ولم يَقُلْ: بل يداه؛ لأن نعمةَ اللَّهِ لا تُحْصَى كثرةً، وبذلك جاء التنزيلُ، يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. قالوا: ولو كانت نعمَتَيْن كانتا مُحْصاتَيْن.
قالوا: فإن ظنَّ ظانٌّ أن النعمتين بمعنى النِّعَمِ الكثيرةِ، فذلك منه خطأٌ، وذلك أن العربَ قد تُخْرِجُ الجميعَ بلفظِ الواحدِ؛ لأداءِ الواحدِ عن جميعِ جنسِه، وذلك كقولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢]. وكقولِه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ [البلد: ٤]. وقولِه: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٥].
لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢]. وكقولِه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ [البلد: ٤]. وقولِه: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٥]. قالوا: فلم يُرَدْ بالإنسانِ والكافرِ في هذه الأماكنِ إنسانٌ بعينِه، ولا كافرٌ مُشارٌ إليه حاضرٌ، بل عُنِى به جميعُ الإنسِ وجميعُ الكفارِ، ولكنَّ
الواحدَ أدَّى عن جنسِه، كما تقولُ العربُ: ما أكثرَ الدرهمَ في أيدى الناسِ! وكذلك قولُه: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾. معناه: وكان الذين كفَروا.
قالوا: فأما إذا ثُنِّى الاسمُ، فلا يُؤَدِّي عن الجنسِ، ولا يُؤَدِّى إلا عن اثنين بأعْيانِهما دونَ الجميعِ ودونَ غيرِهما.
قالوا: وخطأٌ في كلامِ العربِ أن يقالَ: ما أكثرَ الدرهمين في أيدى الناسِ! بمعنى: ما أكثرَ الدراهمَ في أيديهم! قالوا: وذلك أن الدرهمَ إذا ثُنِّي لا يُؤَدِّي في كلامِها إلا عن اثنين بأعْيانِهما. قالوا: وغيرُ مُحالٍ: ما أكثرَ الدرهمَ في أيدى الناسِ!
وما أكثرَ الدراهمَ في أيديهم!
درهمَ إذا ثُنِّي لا يُؤَدِّي في كلامِها إلا عن اثنين بأعْيانِهما. قالوا: وغيرُ مُحالٍ: ما أكثرَ الدرهمَ في أيدى الناسِ!
وما أكثرَ الدراهمَ في أيديهم! لأن الواحد يُؤَدِّي عن الجميعِ.
قالوا: ففى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. مع إعلامِه عبادَه أن نعمَه لا تُحْصَى، ومع ما وصَفْناه من أنه غيرُ معقولٍ في كلامِ العربِ أن اثنين يُؤَدِّيان عن الجميعِ - ما يُنْبِئُ عن خطأِ قول من قال: معنى اليدِ في هذا الموضعِ الموضعِ النعمةُ. وصحةِ قولِ مَن قال: إن يدَ اللهِ هي له صفةٌ.
قالوا: وبذلك تَظاهَرَت الأخبارُ عن رسولِ الله ﷺ، وقال به العلماءُ وأهلُ التأويلِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إن هذا الذي أطْلَعناك عليه مِن خَفِيِّ أمورِ هؤلاء اليهودِ مما لا يَعْلَمُه إلا عُلماؤُهم وأحْبارُهم، احتجاجًا عليهم لصحةِ نبوَّتِك، وقطعًا لعُذْرِ قائلٍ منهم أن يقولَ: ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ، ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. يعنى بالطُّغْيانِ العُلُوَّ في إنكارِ ما قد علِموا صحتَه من نبوةِ محمدٍ ﷺ والتَّمادِيَ في ذلك، ﴿وَكُفْرًا﴾. يقولُ: ويَزِيدُهم مع غُلُوِّهم في إنْكارِ ذلك جُجودَهم عظمةَ اللهِ، ووَصْفَهم إياه بغيرِ صفتِه،
بأن يَنْسِبوه إلى البخلِ، ويقولوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾.
َزِيدُهم مع غُلُوِّهم في إنْكارِ ذلك جُجودَهم عظمةَ اللهِ، ووَصْفَهم إياه بغيرِ صفتِه،
بأن يَنْسِبوه إلى البخلِ، ويقولوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. وإِنما أَعْلَمَ تعالى ذكرُه نبيَّه ﷺ أنهم أهلُ عُتُوٍّ وتَمَرَّدٍ على ربِّهم، وأنهم لا يُذْعِنون لحقٍّ وإن علِموا صحتَه، ولكنهم يُعانِدونه، يُسَلِّي بذلك نبيَّه محمدًا ﷺ عن المَوْجِدةِ بهم في ذهابِهم عن اللهِ وتكذيبِهم إياه.
وقد بيَّنْتُ معنى "الطُّغيانِ" فيما مضَى بشواهِدِه بما أَغْنَى عن إعادتِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. حمَلهم حسدُ محمدٍ ﷺ والعربِ على أن كفَروا به، وهم يَجِدونه مَكْتوبًا عندَهم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: بينَ اليهودِ والنصارى.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: اليهودُ والنصارى.
(١) فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾.
َةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: اليهودُ والنصارى.
(١) فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾. جُعِلَت (٢) الهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿بَيْنَهُمُ﴾، كِنايةً عن اليهودِ والنصارى، ولم يَجْرِ لليهودِ
(٣) والنصارى ذكرٌ؟
قيل: قد جَرَى لهم ذكرُ، وذلك قولُه: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] جرَى الخبرُ في بعضِ الآيِ عن الفريقين، وفي بعضٍ عن أحدِهما، إلى أن انْتَهَى إلى قولِه: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾. ثم قصَد بقولِه: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ الخبرَ عن الفريقين.
الديارَ، واسْتَنْكحوا النساءَ، واسْتَعْبَدوا الوِلْدانَ، وخرَّبوا المسجدَ، فغَبَرُوا زمانًا، ثم بعَث اللهُ فيهم نبيًّا، وعاد أمرُهم إلى أحسنِ ما كان. ثم كان الفسادُ الثاني بقتلِهم الأنبياءَ، حتى قتَلوا يحيى بنَ زكريا، فبعَث اللهُ عليهم بُخْتَنَصَّرَ، فقتَل مَن قتَل منهم، وسبَى مَن سبَى، وخرَّب المسجدَ، فكان بُخْتُنَصَّرَ الفسادَ الثانيَ. قال: والفسادُ المعصيةُ. ثم قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قولِه: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. فبعَث اللهُ لهم عُزَيْرًا، وقد
كان عَلِم التوراةَ وحِفظها في صدرِه وكتَبها لهم، فقام بها ذلك القرنَ، ولبِثوا فنَسُوا، ومات عُزَيْرٌ، وكانت أحْداثٌ، ونَسُوا العهدَ، وبَخَّلوا ربَّهم، وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وقالوا في عُزَيْرٍ: إن الله اتَّخَذه ولدًا.
ُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وقالوا في عُزَيْرٍ: إن الله اتَّخَذه ولدًا. وكانوا يَعِيبون ذلك على النصارى في قولِهم في المسيحِ، فخالَفوا ما نَهَوْا عنه، وعمِلوا بما كانوا يُكَفِّرون عليه، فسبَق مِن اللهِ كلمةٌ عندَ ذلك أنهم لن يَظْهَروا على عدوٍّ آخرَ الدهرِ، فقال: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. فبعَث اللهُ عليهم المجوسَ الثالثةَ أرْبابًا، فلم يَزالوا كذلك، والمجوسُ على رِقابِهم وهم يقولون: يا ليتَنا أدْرَكْنا هذا النبيَّ الذي نَجِدُه مكتوبًا عندَنا، عسى اللهُ أَن يَفُكَّنا به مِن المجوسِ والعذابِ والهوانِ. فبعَث محمدًا ﷺ، واسمُه محمدٌ، واسمُه في الإنجيلِ أحمدُ، فلما جاءهم ما عرَفوا كفَروا به.
نا، عسى اللهُ أَن يَفُكَّنا به مِن المجوسِ والعذابِ والهوانِ. فبعَث محمدًا ﷺ، واسمُه محمدٌ، واسمُه في الإنجيلِ أحمدُ، فلما جاءهم ما عرَفوا كفَروا به. قال: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] وقال: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠].
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾: هم اليهودُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾: أولئك أعداءُ اللهِ اليهودُ، كلما أوْقَدوا نارًا للحربِ أطْفَأَها اللهُ، فلن تَلْقَى اليهودَ ببلدٍ إلا وجَدْتَهم مِن أذلِّ أهلِه، لقد جاء الإسلامُ حينَ جاء وهم تحتَ أيدى المجوسِ، أبْغضِ خلقِه إليه.
ا للحربِ أطْفَأَها اللهُ، فلن تَلْقَى اليهودَ ببلدٍ إلا وجَدْتَهم مِن أذلِّ أهلِه، لقد جاء الإسلامُ حينَ جاء وهم تحتَ أيدى المجوسِ، أبْغضِ خلقِه إليه.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطٌ، عن السديِّ قولَه: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾. قال: كلما أجْمَعوا أمرَهم على شيءٍ فرَّقه اللهُ، وأطْفَأ حدَّهم ونارَهم، وقذَف في قلوبِهم الرعبَ.
وقال مجاهدٌ بما حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ﴾. قال: حربُ محمدٍ ﷺ.
ل الكتاب: (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ) أي: هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة، فيكون الاستثناء منقطعًا كما في قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] وكقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] وفي الحديث المتفق عليه: "ما ينقم ابن جَميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله".
وقوله: (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ) معطوف على (أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ) أي: وآمنا بأن أكثركم فاسقون، أي: خارجون عن الطريق المستقيم.
ثم قال: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ) أي: هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟
المستقيم.
ثم قال: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ) أي: هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم الذين هم متصفون بهذه الصفات القصيرة، فقوله: (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ) أي: أبعده من رحمته (وَغَضِبَ عَلَيْهِ) أي: غضبًا لا يرضى بعده أبدًا، (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ) كما تقدم بيانه في سورة البقرة. وكما سيأتي إيضاحه في سورة الأعراف [إن شاء الله تعالى]
وقد قال سفيان الثوري: عن عَلْقَمَة بن مَرْثَد، عن المغيرة بن عبد الله، عن المعرور بن سُوَيْد، عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير، أهي مما مسخ الله [تعالى]؟
عَلْقَمَة بن مَرْثَد، عن المغيرة بن عبد الله، عن المعرور بن سُوَيْد، عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير، أهي مما مسخ الله [تعالى]؟ فقال إن الله لم يهلك قومًا -أو قال: لم يمسخ قومًا-فيجعل لهم نَسْلا ولا عَقِبًا وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك".
وقد رواه مسلم من حديث سفيان الثوري ومِسْعَر كلاهما، عن مُغِيرة بن عبد الله اليشكري، به.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن أبي الأعين العبدي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير، أهي من نسل اليهود؟
داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن أبي الأعين العبدي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير، أهي من نسل اليهود؟ فقال: "لا إن الله لم يلعن قومًا فيمسخهم فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم، جعلهم مثلهم".
ورواه أحمد من حديث داود بن أبي الفرات، به.
وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، حدثنا أحمد بن صالح حدثنا الحسن بن محبوب، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن داود بن أبي هند، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "الحيات مَسْخ الجن، كما مُسِخَتِ القردة والخنازير". هذا حديث غريب جدا.
وقوله: (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) وقرئ (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) على أنه فعل ماض، "والطاغوت" منصوب به، أي: وجعل منهم من عبد الطاغوت. وقرئ: (وَعَبْدَ الطَّاغُوتِ) بالإضافة على أن المعنى: وجعل منهم خدم الطاغوت، أي: خدامه وعبيده. وقرئ (وَعُبُدَ الطَّاغُوت) على أنه جمع الجمع: عبد وعَبيد وعُبُد، مثل ثمار وثُمُر. حكاها ابن جرير عن الأعمش.
وجعل منهم خدم الطاغوت، أي: خدامه وعبيده. وقرئ (وَعُبُدَ الطَّاغُوت) على أنه جمع الجمع: عبد وعَبيد وعُبُد، مثل ثمار وثُمُر. حكاها ابن جرير عن الأعمش. وحكي عن بُرَيْدةَ الأسلمي أنه كان يقرؤها: "وعَابد الطاغوت"، وعن أبي، وابن مسعود: "وعبدوا"، وحكى ابن جرير عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرؤها: (وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ) على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، ثم استبعد معناها. والظاهر أنه لا بعد في ذلك؛ لأن هذا من باب التعريض بهم، أي: وقد عبدت الطاغوت فيكم، وكنتم أنتم الذين تعاطوا ذلك.
وكل هذه القراءات يرجع معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا، والذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادة دون [ما] سواه، كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟
معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا، والذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادة دون [ما] سواه، كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟ ولهذا قال: (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا) أي: مما تظنون بنا (وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)
وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة، كقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤]
وقوله: (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) وهذه صفة المنافقين منهم، أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر؛ ولهذا قال: (وَقَدْ دَخَلُوا [بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ]) أي عندك يا محمد (بِالْكُفْرِ) أي: مستصحبين الكفر في قلوبهم، ثم خرجوا وهو كامن فيها، لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر؛ ولهذا قال: (وَهُمْ [قَدْ] خَرَجُوا بِهِ) فخصهم به دون غيرهم.
ا وهو كامن فيها، لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر؛ ولهذا قال: (وَهُمْ [قَدْ] خَرَجُوا بِهِ) فخصهم به دون غيرهم.
وقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ) أي: والله عالم بسرائرهم وما تنطوي عليهم ضمائرهم وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك، وتزينوا بما ليس فيهم، فإن عالم الغيب والشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء.
وقوله: (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) أي: يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم والاعتداء على الناس، وأكلهم أموالهم بالباطل (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: لبئس العمل كان عملهم وبئس الاعتداء اعتداؤهم.
قوله: (لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) يعني: هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك.
َ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) يعني: هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك. والربانيون وهم: العلماء العمال أرباب الولايات عليهم، والأحبار: وهم العلماء فقط.
(لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني الربانيين، أنهم: بئس ما كانوا يصنعون. يعني: في تركهم ذلك.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال لهؤلاء حين لم يَنْهُوا، ولهؤلاء حين علموا. قال: وذلك الأمر كان. قال: "ويعملون"و "ويصنعون" واحد. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا ابن عطية، حدثنا قَيْس، عن العلاء بن المسيب، عن خالد بن دينار عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية أشد توبيخًا من هذه الآية: (لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) قال: كذا قرأ.
وكذا قال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها: إنا لا ننهى.
ْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) قال: كذا قرأ.
وكذا قال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها: إنا لا ننهى. رواه ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم: ذكره يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن مسلم ب عن أبي إسحاق به ن أبي الوضاح، حدثنا ثابت بن سعيد الهمذاني، قال: رأيته بالرِّيِّ فحدث عن يحيى بن يَعْمَر قال: خطب علي بن أبي طالب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم
بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار أخذتهم العقوبات.
أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم
بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار أخذتهم العقوبات. فَمُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقًا ولا يقرب أجلا.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا، شَرِيك، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي هم أعز منه وأمنع، لم يغيروا، إلا أصابهم الله منه بعذاب".
تفرد به أحمد من هذا الوجه.
ورواه أبو داود، عن مَسَدَّد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن جرير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون أن يغيروا عليه، فلا يغيرون إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا".
وقد رواه ابن ماجه عن على بن محمد، عن وَكِيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبَيد الله بن جرير، عن أبيه، به.
غيرون إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا".
وقد رواه ابن ماجه عن على بن محمد، عن وَكِيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبَيد الله بن جرير، عن أبيه، به.
قال الحافظ المِزِّي: وهكذا رواه شعبة، عن أبي إسحاق، به.
يخبر تعالى عن اليهود -عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة-بأنهم وصفوا الله، ﷿ وتعالى عن قولهم علوًا كبيرًا، بأنه بخيل. كما وصفوه بأنه فقير وهم أغنياء، وعبروا عن البخل
بقولهم: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العَدَنِيّ، حدثنا الحكم بن أبان، عن عِكْرِمَة قال: قال ابن عباس: (مَغْلُولَةٌ) أي: بخيلة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) قال: لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة ولكن يقولون: بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) قال: لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة ولكن يقولون: بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
وكذا روي عن عِكْرِمَة، وقتادة، والسُّدِّي، ومجاهد، والضحاك وقرأ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]. يعني: أنه ينهى عن البخل وعن التبذير، وهو الزيادة في الإنفاق في غير محله، وعبَّر عن البخل بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾.
وهذا هو الذي أراد هؤلاء اليهود عليهم لعائن الله. وقد قال عكرمة: إنها نزلت في فنْحاص اليهودي، عليه لعنة الله.
عَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾.
وهذا هو الذي أراد هؤلاء اليهود عليهم لعائن الله. وقد قال عكرمة: إنها نزلت في فنْحاص اليهودي، عليه لعنة الله. وقد تقدم أنه الذي قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] فضربه أبو بكر الصديق، ﵁.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود، يقال له: شاس بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)
: ٥٣ - ٥٥] وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ]﴾ الآية [آل عمران: ١١٢].
ثم قال تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) أي: بل هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه، وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، في ليلنا ونهارنا، وحضرنا وسفرنا، وفي جميع أحوالنا، كما قال [تعالى] ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ الآية [إبراهيم: ٣٤].
] ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ الآية [إبراهيم: ٣٤]. والآيات في هذا كثيرة، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل:
حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن همام بن مُنَبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن يمين الله مَلأى لا يَغِيضُها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يَغِض ما في يمينه" قال: "وعرشه على الماء، وفي يده الأخرى القبْض، يرفع ويخفض": قال: قال الله تعالى: "أنفق أنفق عليك" أخرجاه في الصحيحين، البخاري في "التوحيد" عن علي بن المديني، ومسلم فيه، عن محمد بن رافع، وكلاهما عن عبد الرزاق، به.
ل: قال الله تعالى: "أنفق أنفق عليك" أخرجاه في الصحيحين، البخاري في "التوحيد" عن علي بن المديني، ومسلم فيه، عن محمد بن رافع، وكلاهما عن عبد الرزاق، به.
وقوله: (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) أي: يكون ما أتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقًا وعملا صالحًا وعلمًا نافعًا، يزداد به الكفرة الحاسدون لك ولأمتك (طُغْيَانًا) وهو: المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء (وَكُفْرًا) أي: تكذيبا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].
صلت: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].
وقوله: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) يعني: أنه لا تجتمع قلوبهم، بل العداوة واقعة بين فِرقهم بعضهم في بعض دائمًا لأنهم لا يجتمعون على حق، وقد خالفوك وكذبوك.
وقال إبراهيم النَّخَعي: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ) قال: الخصومات والجدال في الدين. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ) أي: كلما عقدوا أسبابًا يكيدونك بها، وكلما أبرموا أمورًا يحاربونك بها يبطلها الله ويرد كيدهم عليهم، ويحيق مكرهم السيئ بهم.
(وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) أي: من سجيتهم أنهم دائمًا يسعوْن في الإفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته.