Katakanlah, "Allah lebih mengetahui berapa lamanya mereka tinggal (di gua); milik-Nya semua yang tersembunyi di langit dan di bumi. Alangkah terang penglihatan-Nya dan alangkah tajam pendengaran-Nya; tidak ada seorang pelindung pun bagi mereka selain Dia; dan Dia tidak mengambil seorang pun menjadi sekutu-Nya dalam menetapkan keputusan
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾.
اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾؛ فقال بعضهم: ذلك خيرٌ من الله تعالى ذكرُه عن أهل الكتاب أنَّهم يقولون ذلك كذلك. واستشهدوا على صحة قولهم ذلك بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾.
بعضهم: ذلك خيرٌ من الله تعالى ذكرُه عن أهل الكتاب أنَّهم يقولون ذلك كذلك. واستشهدوا على صحة قولهم ذلك بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾. وقالوا: لو كان ذلك خبرًا مِن الله عن قدرِ لُبثِهم في الكهف، لم يكن لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾، مفهوم، وقد أعلم الله خلقه مبلَغَ لُبثِهم فيه وقَدْرَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾: هذا قولُ أهل الكتاب، فردَّه الله عليهم فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾. قال: في حرف ابن مسعودٍ: (وقالُوا ولبثُوا). يعنى أنه قاله الناسُ.
برنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾. قال: في حرف ابن مسعودٍ: (وقالُوا ولبثُوا). يعنى أنه قاله الناسُ. ألا ترى أنه قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾؟
حدثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابن شوذبٍ، عن مطرٍ الورّاق في قول الله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾. قال: إنما هو شيءٌ قالته اليهودُ، فردَّه الله عليهم وقال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾.
وقال آخرون: بل ذلك خبرٌ من الله عن مبلغ ما لبثوا في كهفِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾.
حارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾. قال: عددُ ما
لبثوا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه، وزاد فيه: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن عبد العزيز بن أَبِي رَوَّادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُبيد بن عُميرٍ، قال: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾. قال: وتسعَ سنين.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق بنحوه.
حدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنى الأجلَحُ، عن الضحاك بن مزاحمٍ، قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾. فقالوا: أيامًا أو أشهرًا أو سنين؟
بو أسامة، قال: ثنى الأجلَحُ، عن الضحاك بن مزاحمٍ، قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾. فقالوا: أيامًا أو أشهرًا أو سنين؟ فأنزل الله ﷿: ﴿سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾. قال: بين جبلين.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله عزَّ ذكرُه: ولبث أصحابُ الكهف في كهفهم رُقودًا إلى أن بعثهم الله ليتسَاءَلُوا بينهم، وإلى أنْ أعْثَر عليهم من أعْثَر، ثلاثمائة سنين وتسع سنين، وذلك أنَّ الله بذلك أخبر في كتابه. وأما الذي ذكر عن ابن مسعودٍ أنه قرأه: (وقَالُوا ولبثوا في كَهْفِهِم). وقولُ من قال: ذلك من قول أهل الكتاب، وقد رَدَّ اللهُ ذلك عليهم.
أخبر في كتابه. وأما الذي ذكر عن ابن مسعودٍ أنه قرأه: (وقَالُوا ولبثوا في كَهْفِهِم). وقولُ من قال: ذلك من قول أهل الكتاب، وقد رَدَّ اللهُ ذلك عليهم. فإنَّ معناهم في ذلك، إن إِنَّ شاء الله، كان أن أهل الكتاب قالوا فيما ذُكر، على عهد رسول الله ﷺ: إنَّ للفتية مِن لَدُنْ دخلوا الكهف إلى يومنا ثلاثمائةٍ سنين وتسع سنين. فردَّ اللهُ ذلك عليهم، وأخبر نبيَّه أنَّ ذلك قدر لُبثهم في الكهف من لَدُنْ أوَوْا إليه إلى أن بعثهم ليتساءلوا بينهم. ثم قال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه ﷺ: قل يا محمدُ: الله أعلمُ بما لبثوا بعد أن قبض أرواحهم، من بعد أن بعثهم من رقْدَتِهم إلى يومهم هذا، لا يعلمُ ذلك غيرُ الله، وغيرُ مَن أعلمه الله ذلك.
فإن قال قائلٌ: وما يدلُّ على أن ذلك كذلك؟
قيل: الدالُّ على ذلك أنَّه جلَّ ثناؤُه ابتدأ الخبر عن قدر لُبثِهم في كهفهم ابتداءً، فقال: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾.
لى ذلك أنَّه جلَّ ثناؤُه ابتدأ الخبر عن قدر لُبثِهم في كهفهم ابتداءً، فقال: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾. ولم يَضَعْ دليلًا على أنَّ ذلك خبرٌ منه عن قول قوم قالوه، وغيرُ جائزٍ أن يُضاف خبرُه عن شيءٍ إلى أنه خبرٌ عن غيره بغيرِ بُرهان؛ لأنَّ ذلك لو جاز [في شيء]، جاز في
كلِّ أخباره، وإذا جاز ذلك في أخباره، جاز في أخبار غيره أن يُضاف إليه أنَّها أخْبارُه، وذلك قلبُ أعيانِ الحقائق وما لا يُخيَّلُ فسادُه.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾. دليلٌ على أنَّ قولَه: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾. خبرٌ منه عن قوم قالوه، فإنَّ ذلك كان يجبُ أن يكونَ كذلك لو كان لا يَحْتَمِلُ مِن التأويل غيره، فأمَّا وهو محتملٌ ما قلنا من أن يكونَ معناه: قل الله أعلمُ بما لبثوا إلى يوم أنزَلْنا هذه السورة. وما أشبه ذلك من المعانى، فغيرُ واجبٍ أن يكونَ ذلك دليلًا على أن قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾.
الله أعلمُ بما لبثوا إلى يوم أنزَلْنا هذه السورة. وما أشبه ذلك من المعانى، فغيرُ واجبٍ أن يكونَ ذلك دليلًا على أن قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾. خبرٌ من الله عن قومٍ قالوه، وإذا لم يكن دليلًا على ذلك، ولم يأتِ خبرٌ بأنَّ قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾. خبرٌ من الله عن قوم قالوه، ولا قامت بصحة ذلك حجةٌ يجبُ التسليم لها - صحَّ ما قلنا، وفسد ما خالفه.
واختلفتِ القرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾؛ فقرأت ذلك عامةُ قرَأةِ المدينة والبصرة وبعضُ الكوفيين: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾. بتنوينِ ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾. بمعنى: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائةٍ.
وقرأته عامةُ قرأة أهل الكوفة: (ثَلاثَمائِةِ سِنِينَ). بإضافة (ثلاثمائة) إلى "السنين"، [غير منوَّنٍ].
وأولى القراءتين في ذلك عندى بالصواب قراءةُ مَن قرأه: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾. بالتنوين، ﴿سِنِينَ﴾. وذلك أن العرب إنما تُضيف المائة إلى ما يفسِّرها إذا جاء تفسيرُها بلفظ الواحد، وذلك كقولهم: عندى ثلاثُمائة درهمٍ، وعندى مائةُ
دينارٍ.
نوين، ﴿سِنِينَ﴾. وذلك أن العرب إنما تُضيف المائة إلى ما يفسِّرها إذا جاء تفسيرُها بلفظ الواحد، وذلك كقولهم: عندى ثلاثُمائة درهمٍ، وعندى مائةُ
دينارٍ. لأن المائة والألف عددٌ كثيرٌ، والعربُ لا تفسِّر ذلك إلَّا بما كان بمعناه في كثرة العددِ، والواحدُ يُؤدِّى عن الجنسِ، وليس ذلك للقليل من العددِ، وإن كانت العربُ ربَّما وضعت الجمع القليل موضعَ الكثير، وليس ذلك بالكثير، وأما إذا جاء تفسيرها بلفظ الجميع، فإنَّها تنوِّنُ، فتقولُ: عندى ألفٌ دراهم، وعندى مائةٌ دنانير. على ما قد وصفتُ.
وقوله: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: للَّهِ علمُ غيبِ السماوات والأرض [وملكه]، لا يعزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، ولا يَخْفَى عليه شيءٌ. يقولُ: فسلموا له علم مبلغ ما لبثت الفتيةُ في الكهف إلى يومكم هذا، فإنَّ ذلك لا يعلمُه سوى الذي يعلَمُ غيب السماواتِ والأرضِ، وليس ذلك إلا الله الواحدُ القهارُ.
وقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾. يقول: أبصر بالله وأسْمِعْ.
ذلك لا يعلمُه سوى الذي يعلَمُ غيب السماواتِ والأرضِ، وليس ذلك إلا الله الواحدُ القهارُ.
وقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾. يقول: أبصر بالله وأسْمِعْ. وذلك بمعنى المبالغة في المدحِ، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه.
وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكلِّ موجودٍ، وأسمعه لكلِّ مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيءٌ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾: فلا أحد أبصرُ من الله، ولا أسمعُ، ﵎.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أَبْصِرْ
بِهِ وَأَسْمِعْ﴾. قال: يرى أعمالهم، ويسمعُ ذلك منهم، سميعًا بصيرًا.
وقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: ما لخلقه دونَ ربَّهم الذي خلقهم وليٌّ يلى أمرهم وتدبيرهم، وصرفهم فيما هم فيه مصرَّفون، ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾. يقولُ: ولا يَجْعَلُ اللَّهُ في قضائه وحكمه في خلقه أحدًا سواه، شريكًا، بل هو المنفرد بالحكم والقضاء فىهم، وبتدبيرهم وتصريفهم فىما شاء وأحبَّ.
﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾
هذا خبَر من الله تعالى لرسوله ﷺ بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، منذ أرقدهم الله إلى أن بعثهم وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلاثمائة [سنة] وتسع سنين بالهلالية، وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة [سنة] بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين؛ فلهذا قال بعد الثلاثمائة: (وَازْدَادُوا تِسْعًا)
بالهلالية، وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة [سنة] بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين؛ فلهذا قال بعد الثلاثمائة: (وَازْدَادُوا تِسْعًا)
وقوله: (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) أي: إذا سئلت عن لبثهم وليس عندك [علم] في ذلك وتوقيف من الله، ﷿ فلا تتقدم فيه بشيء، بل قل في مثل هذا: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) أي: لا يعلم ذلك إلا هو أو من أطلعه الله عليه من خَلْقه، وهذا الذي قلناه، عليه غير واحد من علماء التفسير كمجاهد، وغير واحد من السلف والخلف.
وقال قتادة في قوله: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) هذا قول أهل الكتاب،
وقد رده الله تعالى بقوله: (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) قال: وفي قراءة عبد الله: "وقالوا: ولبثوا"، يعني أنه قاله الناس
وهكذا قال -كما قال قتادة-مُطرَف بن عبد الله.
له: (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) قال: وفي قراءة عبد الله: "وقالوا: ولبثوا"، يعني أنه قاله الناس
وهكذا قال -كما قال قتادة-مُطرَف بن عبد الله.
وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر، فإن الذي بأيدي أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع، يعنون بالشمسية، ولو كان الله قد حكى قولهم لما قال: (وَازْدَادُوا تِسْعًا) وظاهر الآية إنما هو من إخبار الله، لا حكاية عنهم. وهذا اختيار ابن جرير، ﵀. ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور فلا يحتج بها، والله أعلم.
وقوله: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) أي: إنه لبصير بهم سميع لهم.
قال ابن جرير: وذلك في معنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكل موجود، وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء.
ثم روي عن قتادة في قوله: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع.
وقال ابن زيد: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) يرى أعمالهم، ويسمع ذلك منهم سميعًا بصيرًا.
في قوله: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع.
وقال ابن زيد: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) يرى أعمالهم، ويسمع ذلك منهم سميعًا بصيرًا.
وقوله: (مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) أي: إنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر، الذي لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير ولا شريك ولا مشير، تعالى وتقدس.
قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن أصحاب الكهف ليس لهم ولي من دونه جل وعلا، بل هو وليهم جل وعلا. وهذا المعنى مذكور في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ فبين أنَّه ولي المؤمنين، وأن المؤمنين أولياؤه، والولي: هو من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به. فالإيمان سبب يوالي به المؤمنون ربهم بالطاعة، ويواليهم به بالثواب والنصر والإعانة.
وبين في مواضع أخر: أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، كقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ .. ﴾ الآية.
اء: الضمير في قوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾
راجع لأهل السموات والأرض المفهومين من قوله تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وقيل: الضمير في قوله: ﴿مَا لَهُمْ﴾ راجع لمعاصري النَّبيّ ﷺ من الكفار؛ ذكره القرطبي. وعلى كل حال فقد دلت الآيات المتقدمة أن ولاية الجميع لخالقهم جل وعلا، وأن منها ولاية ثواب وتوفيق وإعانة، وولاية ملك وقهر ونفوذ مشيئة. والعلم عند الله تعالى.
•
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾. قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن عامر: ﴿وَلَا يُشْرِكُ﴾ بالياء المثناة التحتية، وضم الكاف على الخبر، ولا نافية، والمعنى: ولا يشرك الله جل وعلا أحدًا في حكمه، بل الحكم له وحده جل وعلا، لا حكم لغيره ألبتة، فالحلال ما أحله تعالى، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والقضاء ما قضاه. وقرأه ابن عامر من السبعة: "ولا تُشْركْ" بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الكاف بصيغة النَّهي، أي: لا تشرك يا نبي الله، أو لا تشرك أيها المخاطب أحدًا في حكم الله جل وعلا، بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم. وحكمه جل وعلا المذكور في قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ شامل لكل ما يقضيه جل وعلا.
ا، بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم. وحكمه جل وعلا المذكور في قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ شامل لكل ما يقضيه جل وعلا. ويدخل في ذلك التّشريع دخولًا أوليًا.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له فيه على كلتا القراءتين جاء مبينًا في آيات أخر؛ كقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ
شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ..
لى غير ذلك من الآيات.
ويفهم من هذه الآيات كقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾: أن متبعي أحكام المشرِّعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله. وهذا المفهوم جاء مبينًا في آيات أخر؛ كقوله فيمن اتبع تشريع الشَّيطان في إباحة الميتة بدعوى أنَّها ذبيحة الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾، فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم.
الى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي: شركاءَ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ .. ﴾ الآية.
وقد بين النَّبيّ ﷺ هذا لعديّ بن حاتم ﵁ لما سأله عن قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ .. ﴾ الآية، فبين له أنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم في ذلك، وأن ذلك هو اتخاذهم إياهم أربابًا.
ومن أصرح الأدلة في هذا: أن الله جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ
إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾.
وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشَّيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله ﷺ، أنه لا يشكُّ في كفرهم وشركهم إلَّا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم.
تنبيه
أعلم أنَّه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السموات والأرض، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك.
وإيضاح ذلك: أن النظام قسمان: إداري، وشرعي. أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف
للشرع، فهذا لا مانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة، فمن بعدهم.
ظام قسمان: إداري، وشرعي. أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف
للشرع، فهذا لا مانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة، فمن بعدهم. وقد عمل عمر ﵁ من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النَّبيّ ﷺ؛ ككتبه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر، كما قدمنا إيضاح المقصود منه في سورة "بني إسرائيل" في الكلام على العاقلة التي تحمل دية الخطأ، مع أن النَّبيّ ﷺ لم يفعل ذلك، ولم يعلم بتخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك إلَّا بعد أن وصل تبوك ﷺ، وكاشترائه -أعني عمر ﵁ دار صفوان بن أميَّة وجعله إياها سجنًا في مكّة المكرمة، مع أنَّه ﷺ لم يتخذ سجنًا هو ولا أبو بكر. فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع، لا بأس به؛ كتنظيم شئون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع.
فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع، لا بأس به؛ كتنظيم شئون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع. فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة.
وأمَّا النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض؛كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث. وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك.
فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم، كفر بخالق السموات والأرض، وتمرُّد على نظام السماء الذي وضعه من خَلَق الخلائق
وع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم، كفر بخالق السموات والأرض، وتمرُّد على نظام السماء الذي وضعه من خَلَق الخلائق
كلها وهو أعلم بمصالحها ﷾ من أن يكون معه مُشَرِّع آخر علوًا كبيرًا ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾، ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ وقد قدمنا جملة وافية من هذا النوع في سورة "بني إسرائيل" في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ .. ﴾ الآية.
•