Dan Allah akan menambah petunjuk kepada mereka yang telah mendapat petunjuk. Dan amal kebajikan yang kekal itu lebih baik pahalanya di sisi Tuhanmu dan lebih baik kesudahannya
َمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. وقد كان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك: ويزيدُ اللهُ الذين اهتدَوا هدًى بناسخِ القرآنِ ومنسوخِه، فيؤمنُ بالناسخِ، كما آمَن قبلُ بالمنسوخ، فذلك زيادةُ هدىً من اللهِ له على هُداه من قبلُ.
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: والأعمالُ التي أمَر الله بها عبادَه ورضِيها منهم، الباقياتُ لهم غيرُ الفانياتِ الصالحاتُ، خيرٌ عندَ ربِّك جزاءً لأهلِها، وخَيْرٌ مَرَدًّا عليهم من مقاماتِ هؤلاءِ المشركين باللهِ، وأندِيتِهم التي يَفْتَخِرون بها على أهلِ الإيمانِ في الدنيا.
وقد بيَّنا معنى الباقياتِ الصالحاتِ، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين في ذلك، ودلَّلْنا على الصوابِ من القول فيه فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضع.
د بيَّنا معنى الباقياتِ الصالحاتِ، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين في ذلك، ودلَّلْنا على الصوابِ من القول فيه فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضع.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا عمرُ بنُ راشدٍ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، قال: جلَس
النبيُّ ﷺ ذات يومٍ، فأخذ عودًا يابسًا، فحَطّ ورقَه ثم قال: "إِنَّ قَوْلَ: لا إلهَ إلَّا الله، والله أكبرُ، والحمدُ للهِ، وسُبحانَ اللهِ، يَحُطُّ الخطايا، كما تَحُطُّ ورَقَ هذه الشَّجَرَةِ الريحُ، خُذْهُنَّ يا أبا الدَّرْدَاءِ قبل أن يُحال بينك وبينَهُنَّ، هُنَّ الباقياتُ الصالحات، وهُنَّ مِنْ كُنُوزِ الجنَّةِ".
ُّ ورَقَ هذه الشَّجَرَةِ الريحُ، خُذْهُنَّ يا أبا الدَّرْدَاءِ قبل أن يُحال بينك وبينَهُنَّ، هُنَّ الباقياتُ الصالحات، وهُنَّ مِنْ كُنُوزِ الجنَّةِ". قال أبو سلمةَ: فكان أبو الدرداءِ إذا ذكَر هذا الحديثَ قال: لأُهلِّلنَّ الله، ولأُكبرنَّ الله، ولأُسبحنَّ الله، حتى إذا رآني الجاهلُ حَسب أني مجنونٌ.
لقولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤُه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أفرأيْتَ يا محمدُ الذِي كَفَرَ بأَدِلَّتِنا وحججِنا فلم يصدِّقْ بها، وأنكَر وعيدَنا أهلَ الكفرِ، وقال وهو باللهِ كافرٌ وبرسولِه: لأُوتَينَّ في الآخرةِ مَالًا وَوَلدًا.
وذُكِر أن هذه الآياتِ أُنزلت في العاصِ بن وائلٍ السَّهْميِّ أبي عمرِو بن العاصِ.
ذكرُ الروايةِ بذلك
ٌ وبرسولِه: لأُوتَينَّ في الآخرةِ مَالًا وَوَلدًا.
وذُكِر أن هذه الآياتِ أُنزلت في العاصِ بن وائلٍ السَّهْميِّ أبي عمرِو بن العاصِ.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثني أبو السائبِ وسعيدُ بنُ يحيى، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، عن خَبّابٍ، قال: كنت رجلًا قَيْنًا، وكان لي على العاصِ بن وائلٍ السَّهميِّ دَيْنٌ، فأَتيتُه أتقاضَاه، فقال: واللهِ لا أَقْضِيك حتى تكفرَ بمحمدٍ
قال: فقلت: واللهِ لا أكفرُ بمحمدٍ حتى تمَوتَ ثم تُبْعَثَ. قال: فقال: فإذا أنا مِتُّ ثم بُعِثتُ، جئتنى ولِى مالٌ وولدٌ.
ِ لا أَقْضِيك حتى تكفرَ بمحمدٍ
قال: فقلت: واللهِ لا أكفرُ بمحمدٍ حتى تمَوتَ ثم تُبْعَثَ. قال: فقال: فإذا أنا مِتُّ ثم بُعِثتُ، جئتنى ولِى مالٌ وولدٌ. قال: فأنزَل الله ﵎: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.
حدَّثني به أبو السائبِ، وقرَأ في الحديثِ: وولدًا.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: أن رجالًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ كانوا يَطْلُبون العاصَ بنَ وائلٍ السَّهْميَّ بدَيْنٍ، فأتَوه يتقاضَوْنَه، فقال: ألستمْ تَزْعُمون أن في الجنةِ فِضَّةً وذهبًا وحريرًا ومن كلِّ الثمراتِ؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ موعدَكم الآخرةُ، فواللهِ لأُوتَينَّ مالًا وولدًا، ولأُوتينَّ مِثْلَ كتابِكم الذي جئتم به.
َةً وذهبًا وحريرًا ومن كلِّ الثمراتِ؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ موعدَكم الآخرةُ، فواللهِ لأُوتَينَّ مالًا وولدًا، ولأُوتينَّ مِثْلَ كتابِكم الذي جئتم به. فضرَب الله مثَلَه في القرآنِ، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾. قال العاصُ بنُ وائلٍ يقولُه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد، مثله.
حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾، فذُكِر لنا أن رجلًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ما أتى رجلًا من المشركينِ يتقاضَاهِ دَيْنًا له، فقال له: أليس يَزْعُمُ صاحبُكم أن في الجنةِ حريرًا وذهبًا؟
ذُكِر لنا أن رجلًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ما أتى رجلًا من المشركينِ يتقاضَاهِ دَيْنًا له، فقال له: أليس يَزْعُمُ صاحبُكم أن في الجنةِ حريرًا وذهبًا؟ قال: بلى، قال فميعادُكم الجنةُ، فواللهِ لا أُومنُ بكتابِكم الذي جئتم به - استهزاءً بكتابِ اللهِ - ولأُوتَينَّ مالًا وولدًا. يقولُ الله ﷿: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ قال: قال خبابُ بنُ الأَرَتِّ: كنت قَينًا بمكةَ، فكنت أعملُ للعاصِ بن وائلٍ، فاجتَمَعَتْ لى عليه دراهمُ، فجئت لأتقاضَاه، فقال لي: لا أَقْضِيك حتى تكفرَ بمحمدٍ. قال: قلت: لا أكفرُ بمحمدٍ حتى تموتَ ثم تُبْعَثُ. قال: فإذا بُعِثْتُ كان لى مالٌ وولدٌ.
دراهمُ، فجئت لأتقاضَاه، فقال لي: لا أَقْضِيك حتى تكفرَ بمحمدٍ. قال: قلت: لا أكفرُ بمحمدٍ حتى تموتَ ثم تُبْعَثُ. قال: فإذا بُعِثْتُ كان لى مالٌ وولدٌ. قال: فذكَرْتُ ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ، فأنزَل الله تبارَك و تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.
واختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَوَلَدًا﴾. فقرَأته عامَّةُ قرأة المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهل الكوفة: ﴿وَوَلَدًا﴾. بفتحِ الواوِ من الوَلَدِ، في كلِّ القرآنِ. غيرَ أن أبا عمرِو بن العلاءِ خصَّ التي في سورةِ "نوحٍ" بالضمَّ، فقرَأها: (مالُهُ
وَوُلْدُهُ) [نوح: ١٢].
﴾. بفتحِ الواوِ من الوَلَدِ، في كلِّ القرآنِ. غيرَ أن أبا عمرِو بن العلاءِ خصَّ التي في سورةِ "نوحٍ" بالضمَّ، فقرَأها: (مالُهُ
وَوُلْدُهُ) [نوح: ١٢]. وأما عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ غيرُ عاصمٍ، فإنهم قَرءوا من هذه السورةِ من قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى آخرِ السورةِ، والتي في "الزخرفِ"، والتي في "نوحٍ" بالضمِّ وسكونِ اللامِ.
وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في معنى ذلك إذا ضُمَّت واوُه، فقال بعضُهم: ضمُّها وفتحُها واحدٌ، وإنما هما لُغتان، مثلُ قولهم: العُدْمُ والعَدَمُ، والحُزْنُ والحَزَنُ. واستشهدوا لقيلهم ذلك بقولِ الشاعر:
فليت فُلانًا كان في بطنِ أُمِّهِ … وليت فُلانًا كان وُلدَ حِمارِ
ويقول الحارثُ بنُ حِلِّزةَ:
وَلَقَدْ رَأَيْتُ مَعَاشِرًا … قَدْ ثَمَّرُوا مَالًا وَوُلْدًا
وقولُ رُؤْبةَ:
الحمدُ للهِ العَزِيزِ فَرْدَا … لَمْ يَتَّخِذُ مِن وُلْدِ شيءٍ وُلْدَا
وتقولُ العرب في مثَلِها: وُلْدُكِ مَنْ دَمَّى عَقِبَيْكِ.
لْدًا
وقولُ رُؤْبةَ:
الحمدُ للهِ العَزِيزِ فَرْدَا … لَمْ يَتَّخِذُ مِن وُلْدِ شيءٍ وُلْدَا
وتقولُ العرب في مثَلِها: وُلْدُكِ مَنْ دَمَّى عَقِبَيْكِ. قال: وهذا كلُّه واحدٌ، بمعنى الوَلَد. وقد ذُكِر لى أن قيسًا تجعلُ الوُلْدَ جمعًا، والوَلَدَ واحدًا. ولعلَّ الذين
قرَءوا ذلك بالضمِّ فيما اختاروا فيه الضمَّ، إنما قرَءوه كذلك ليفرُقوا به بين الجمعِ والواحدِ.
والذي هو أولى بالصوابِ من القولِ في ذلك عندى أن الفتحَ في الواوِ من الوَلدِ والضمَّ فيها بمعنًى واحدٍ، وهما لغتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ، غيرَ أن الفتحَ أشهرُ اللغتَين فيهما؛ فالقراءةُ به أعجبُ إليَّ لذلك.
وقولُه: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَعَلِمَ هذا القائلُ هذا القولَ عِلْمَ الغيبِ، فعَلِم أنَّ له في الآخرةِ مالًا وولدًا باطلاعِه على علمِ ما غاب عنه؟ ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.
ذا القائلُ هذا القولَ عِلْمَ الغيبِ، فعَلِم أنَّ له في الآخرةِ مالًا وولدًا باطلاعِه على علمِ ما غاب عنه؟ ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. يقولُ: أَمْ آمَن باللهِ وعمِل بما أمَرهُ به، وانتهَى عما نهاه عنه، فكان له بذلك عند الله عهدًا أن يؤتيه ما يقولُ من المال والولد؟.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. بعملٍ صالحٍ قدَّمه.
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾.
لما ذكر [الله] تعالى إمداد من هو في الضلالة فيما هو فيه وزيادته على ما هو عليه، أخبر بزيادة المهتدين هُدى كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥].
وقوله: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) قد تقدم تفسيرها، والكلام عليها، وإيراد الأحاديث المتعلقة بها في سورة "الكهف".
(خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا) أي: جزاء (وَخَيْرٌ مَرَدًّا) أي: عاقبة ومردا على صاحبها.
والكلام عليها، وإيراد الأحاديث المتعلقة بها في سورة "الكهف".
(خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا) أي: جزاء (وَخَيْرٌ مَرَدًّا) أي: عاقبة ومردا على صاحبها.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جلس رسول الله ﷺ ذات يوم، فأخذ عودًا يابسًا فَحَطَّ ورقة ثم قال: "إن قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، تحط الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة" قال أبو سلمة: فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهللنّ الله، ولأكبرن الله، ولأسبحن الله، حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون
وهذا ظاهره أنه مرسل، ولكن قد يكون من رواية أبي سلمة، عن أبي الدرداء، والله أعلم. وهكذا وقع في سنن ابن ماجه، من حديث أبي معاوية، عن عُمر بن راشد، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي الدرداء، فذكر نحوه
ويدل لذلك ما قاله صاحب الدر المنثور، قال: وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾. يعني خير جزاء من جزاء المشركين. ﴿وَخَيرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾ يعني: مرجعًا من مرجعهم إلى النار. والمعروف في العربية أن صيغة التفضيل تقتضي مشاركة المفضل والمفضل عليه في أصل المصدر، مع أن المفضل يزيد فيه على المفضل عليه. والخيرية منفية بتاتًا عن جزاء المشركين وعن مرَدِّهم، فلم يشاركوا في ذلك المسلمين حتَّى يفضلوا عليهم.
فالجواب: أن الزمخشري في كشافه حاول الجواب عن هذا السؤال بما حاصله: أنَّه كأنه قيل: ثوابهم النار، والجنة خير منها على طريقة قول بشر بن أبي حازم:
غضبت تميم أن تقتل عامر ... يوم النسار فأُعْتِبوا بالصيلم
فقوله: "أعتبوا بالصيلم" يعني: أُرْضوا بالسيف، أي: لا رضي لهم عندنا إلَّا السيف نقتلهم به. ونظيره قول عمرو بن معدي كرب:
وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحيةَ بَينَهم ضرب وجيع
أي: لا تحية بينهم إلَّا الضرب الوجيع. وقول الآخر:
شجعاء جرتها الذميل تلوكه ...
قول عمرو بن معدي كرب:
وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحيةَ بَينَهم ضرب وجيع
أي: لا تحية بينهم إلَّا الضرب الوجيع. وقول الآخر:
شجعاء جرتها الذميل تلوكه ... أصلًا إذا راح المطى غراثا
يعني: أن هذه الناقة لا جرة لها تخرجها من كرشها فتمضغها إلَّا السير. وعلى هذا المعنى فالمراد: لا ثواب لهم إلَّا النار.
وباعتبار جعلها ثوابًا بهذا المعنى فضل عليها ثواب المؤمنين. هذا هو حاصل جواب الزمخشري مع إيضاحنا له.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: ويظهر لي في الآية جواب آخر أقرب من هذا، وهو أنا قدمنا أن القرآن والسنة الصحيحة دلًّا على أن الكافر يُجازَى بعمله الصالح في الدنيا، فإذا برَّ والديه ونفَّس عن المكروب، وقرى الضيف، ووصل الرحم مثلًا يبتغي بذلك وجه الله فإن الله يثيبه في الدنيا، كما قدمنا دلالة الآيات عليه، وحديث أَنس عند مسلم. فثوابه هذا الراجع إليه من عمله في الدنيا، هو الذي فضل الله عليه في الآية ثواب المؤمنين. وهذا واضح لا إشكال فيه. والعلم عند الله تعالى.
•