القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾
يقولُ تعالى ذكْرُه: يومَ نجمعُ الذين اتَّقَوْا الله في الدنيا، فخافُوا عقابَه،
فاجتنبوا لذلك معاصِيَه، وأدَّوْا فرائضَه - إلى ربِّهم ﴿وَفْدًا﴾، يَعْنى بالوفدِ الرَّكْبانَ. يقالُ: وَفَدْتُ على فلانٍ. إذا قدمت عليه. وأوْفَدَ القومُ وفدًا على أميرِهم. إذا بعَثُوا مِن قِبلهم بَعْثًا. والوفدُ في هذا الموضعِ بمعنى الجمعِ، ولكنَّه وُحِّد؛ لأنه مصدرٌ، واحدُهم وافدٌ، وقد يُجمَعُ الوفدُ: الوفودَ كما قال بعضُ بني حَنِيفةَ:
إني لَمُمْتَدِحٌ بما بما هو صانِعٌ … رأس الوفودِ مُزاحِمَ بنَ جِسَاسِ
وقد يكونُ الوفودُ في هذا الموضعِ جمعَ وافدٍ، كما الجلوسُ جمعُ جالسٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
مُزاحِمَ بنَ جِسَاسِ
وقد يكونُ الوفودُ في هذا الموضعِ جمعَ وافدٍ، كما الجلوسُ جمعُ جالسٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني زكريا [بنُ يحيى] بن أبى زائِدَةَ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن إسحاقَ، عن النُّعْمانِ بن سعدٍ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. قال: أمَا واللهِ ما يُحْشَرُ الوفدُ على أَرْجُلِهم، ولا يُساقُون سَوْقًا؛ ولكنَّهم يُؤتَوْن بنُوقٍ لم يَرَ الخلائقُ مثلَها، عليها رِحالُ الذهبِ، وأزِمَّتُها الزَّيَرْجَدُ، فيَرْكَبون عليها حتى يَضْرِبُوا أبوابَ الجنةِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن شُعْبَةَ، عن
إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن أبي هريرةَ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: على الإبلِ.
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾.
َّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. يقولُ: ركبانًا.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائيُّ، قال: إنَّ المؤمنَ إذا خرَج من قبرِه استقبَله أحسنَ صورةً، وأطْيَبَه ريحًا، فيقولُ: هل تعرفُنى؟ فيقولُ: لا، إلا أن الله قد طيَّب ريحَك، وحسَّن صورتَك. فيقولُ: كذلك كنتَ في الدنيا، أنا عملُك الصالحُ، طالما رَكبْتُّك في الدنيا، فارْكَبْني أنت اليومَ. وتلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. قال: وفدًا إلى الجنةِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ في
قولِه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾.
لى الجنةِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ في
قولِه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. قال: على النَّجائِبِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: سَمِعتُ سفيانَ التَّوْرِيَّ يقولُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. قال: على الإبلِ النُّوقِ.
وقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ونَسوقُ الكافرين بالله، الذين أجَرمُوا، إلى جهنمَ عِطَاشًا.
والوِرْدُ مصدرٌ، مِن قولِ القائل: وَرَدتُ كذا أرِدُه وِرْدًا. ولذلك لم يُجمَعْ، وقد وُصِف به الجمعُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾.
ن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: عِطَاشًا.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن شعبةَ، عن إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن أبي هريرةَ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: عِطاشًا.
حدَّثني يعقوبُ والفضلُ بنُ الصَّبَّاح، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ عُلَيَّةً، عن أبي رجاء، قال: سَمِعتُ الحسن يقولُ في قولِه: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: عِطَاشًا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، عن يونسَ، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾.
دُ، عن يونسَ، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: ظِمَاءً إلى النارِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾: سِيقوا إليها وهم ظِمَاءٌ عِطاشٌ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: سمِعتُ سفيانَ يقولُ في قولِه: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: عِطاشًا.
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾.
يخبر تعالى عن أوليائه المتقين، الذين خافوه في الدار الدنيا واتبعوا رسله وصدقوهم فيما أخبروهم، وأطاعوهم فيما أمروهم به، وانتهوا عما عنه زجروهم: أنه يحشرهم يوم القيامة وفدًا إليه. والوفد: هم القادمون ركبانًا، ومنه الوفود وركوبهم على نجائب من نور، من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون على خير موفود إليه، إلى دار كرامته ورضوانه. وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم، فإنهم يساقون عنفا إلى النار، (وِرْدًا) عطاشًا، قاله [عطاء]، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد.
وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم، فإنهم يساقون عنفا إلى النار، (وِرْدًا) عطاشًا، قاله [عطاء]، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد. وهاهنا يقال: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن خالد، عن عمرو بن قيس الملائي، عن ابن مرزوق: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها، وأطيبها ريحًا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن وجهك. فيقول: أنا عملك الصالح، وهكذا كنت في الدنيا، حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني، فيركبه.
يقول: لا إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن وجهك. فيقول: أنا عملك الصالح، وهكذا كنت في الدنيا، حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني، فيركبه. فذلك قوله: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا).
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) قال: ركبانًا.
وقال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، عن إسماعيل، عن رجل، عن أبي هريرة: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) قال: على الإبل.
وقال ابن جُريج: على النجائب.
وقال الثوري: على الإبل النوق.
وقال قتادة: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) قال: إلى الجنة.
لإبل.
وقال ابن جُريج: على النجائب.
وقال الثوري: على الإبل النوق.
وقال قتادة: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) قال: إلى الجنة.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا سُوَيْد بن سعيد، أخبرنا علي بن مُسْهِر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا النعمان بن سعد قال: كنا جلوسًا عند عليّ، ﵁، فقرأ هذه الآية: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) قال: لا والله ما على أرجلهم يحشرون، ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة.
وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني، به.
ر الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة.
وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني، به. وزاد: "عليها رحائل الذهب، وأزمتها الزبرجد" والباقي مثله.
وروى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبًا جدًّا مرفوعًا، عن علي فقال:
حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا مسلمة بن جعفر البَجَلي،
سمعت أبا معاذ البصري قال: إن عليا كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ فقرأ هذه الآية: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله.
عليا كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ فقرأ هذه الآية: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون -أو: يؤتون-بنوق بيض لها أجنحة، وعليها رحال الذهب، شُرُك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما، فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدًا، وتجري عليهم نضرة النعيم، فينتهون أو: فيأتون باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفيحة فيسمع لها طنين يا علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه خرّ له -قال مسلمة أراه قال: ساجدًا-فيقول: ارفع رأسك، فإنما أنا قيمك، وكلت بأمرك.
علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه خرّ له -قال مسلمة أراه قال: ساجدًا-فيقول: ارفع رأسك، فإنما أنا قيمك، وكلت بأمرك. فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت -حِبّي، وأنا حبّك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن. فيدخل بيتًا من أسّه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق: أصفر وأحمر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها. وفي البيت سبعون سريرًا، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه.
سريرًا، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه. الأنهار من تحتهم تطرد، أنهار من ماء غير آسن -قال: صاف لا كَدَر فيه -وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، لم يخرج من ضروع الماشية، وأنهار من خمر لذة للشاربين، لم يعتصرها الرجال بأقدامهم وأنهار من عسل مصفى لم يخرج من بطون النحل، فيستحلي الثمار، فإن شاء أكل قائمًا، وإن شاء قاعدًا، وإن شاء متكئًا، ثم تلا ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ [الإنسان: ١٤]، فيشتهي الطعام، فيأتيه طير أبيض، وربما قال: أخضر فترفع أجنحتها، فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم تطير فتذهب، فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت لأهل الأرض، لأضاءت الشمس معها سواد في نور".
لْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت لأهل الأرض، لأضاءت الشمس معها سواد في نور".
هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعًا، وقد رويناه في المقدمات من كلام علي، ﵁، بنحوه، وهو أشبه بالصحة، والله أعلم.
وقوله: (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا) أي: عطاشا.
(لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ) أي: ليس لهم من يشفع لهم، كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١]
وقوله: (إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا): هذا استثناء منقطع، بمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) قال: العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله، ﷿.
ابن عباس: (إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) قال: العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله، ﷿.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عثمان بن خالد الواسطي، حدثنا محمد بن الحسن الواسطي، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاخِتَةَ، عن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله -يعني ابن مسعود-هذه الآية: (إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) ثم قال: اتخذوا عند الله عهدًا، فإن الله يقول يوم القيامة: "من كان له عند الله عهد فليقم" قالوا: يا أبا عبد الرحمن، فَعلمنا.
نْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) ثم قال: اتخذوا عند الله عهدًا، فإن الله يقول يوم القيامة: "من كان له عند الله عهد فليقم" قالوا: يا أبا عبد الرحمن، فَعلمنا. قال: قولوا: اللهم، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنك إن تكلني إلى عمل تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدًا تُؤدّيه إلي يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد.
قال المسعودي: فحدثني زكريا، عن القاسم بن عبد الرحمن، أخبرنا ابن مسعود: وكان يُلْحِقُ بهن: خائفًا مستجيرًا مستغفرًا، راهبًا راغبًا إليك.
ثم رواه من وجه آخر، عن المسعودي، بنحوه.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا (٨٦)﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المتقين الذين كانوا يتقونه في دار الدنيا بامتثال أمره واجتناب نهيه يحشرون إليه يوم القيامة في حال كونهم وفدًا. والوفد على التحقيق: جمع وافد كصاحب وصَحْب، وراكب ورَكْب. وقدمنا في سورة "النحل" أن التحقيق أن "الفَعْل" بفتح فسكون من صيغ جموع الكثرة للفاعل وصفًا، وبينا شواهد ذلك من العربية، وإن أغفله الصرفيون. والوافد: من يأتي إلى الملك مثلًا في أمر له شأن. وجمهور المفسرين على أن معنى قوله: ﴿وَفْدًا (٨٥)﴾ أي ركبانًا. وبعض العلماء يقول: هم ركبان على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة.
مثلًا في أمر له شأن. وجمهور المفسرين على أن معنى قوله: ﴿وَفْدًا (٨٥)﴾ أي ركبانًا. وبعض العلماء يقول: هم ركبان على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة. وبعضهم يقول: يحشرون ركبانًا على صور من أعمالهم الصالحة في الدنيا في غاية الحسن وطيب الرائحة.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن خالد عن عمرو بن قيس الملائي عن ابن مرزوق ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبها ريحًا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، وهكذا كنت في الدنيا حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك
في الدنيا فهلم اركبني. فذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: ركبانًا.
ّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: ركبانًا. وقال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثني ابن مهدي، عن سعيد، عن إسماعيل عن رجل عن أبي هريرة ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: على الإبل. وقال ابن جريج: على النجائب. وقال الثوري: على الإبل النوق. وقال قتادة: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: إلى الجنة. وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا سويد بن سعيد، أخبرنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا النعمان بن سعيد قال: كنا جلوسًا عند علي ﵁ فقرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: والله ما على أرجلهم يحشرون. ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة.
﴾ قال: والله ما على أرجلهم يحشرون. ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة. وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني به، وزاد: عليها رحائل من ذهب، وأزمتها الزبرجد .. ، والباقي مثله. وروى ابن أبي حاتم هنا حديثًا غريبًا جدًا مرفوعًا عن علي قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا سلمة بن جعفر البجلي، سمعت أبا معاذ البصري يقول: إن عليًا كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ فقرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله (ﷺ)؟ فقال النبي ﷺ: "والذي نفسي بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون أو يؤتون بنوق.
ّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله (ﷺ)؟ فقال النبي ﷺ: "والذي نفسي بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون أو يؤتون بنوق. بيض لها أجنحة وعليها رحائل الذهب، شرك نعالهم نور
يتلألأ، كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدًا، وتجري عليهم نضرة النعيم فينتهون أو فيأتون باب الجنة فإذا حلقة من ياقوت حمراء على صفائح الذهب؛ فيضربون بالحلقة على الصفحة فيسمع لها طنين يا علي؛ فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل فتبعث قيمها ليفتح له فإذا رآه خر له (قال سلمة: أراه قال ساجدًا) فيقول ارفع رأسك فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك، فيتبعه ويقفوا أثره فتستخفّ الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه .. " إلى آخر الحديث بطوله. وفي آخر السياق: هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعًا. وقد رويناه في المقدمات من كلام علي ﵁، وهو أشبه بالصحة. والله أعلم.
تعتنقه .. " إلى آخر الحديث بطوله. وفي آخر السياق: هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعًا. وقد رويناه في المقدمات من كلام علي ﵁، وهو أشبه بالصحة. والله أعلم. وركوبهم المذكور إنما يكون من المحشر إلى الجنة، أما من القبر فالظاهر أنهم يحشرون مشاة؛ بدليل حديث ابن عباس الدال على أنهم يحشرون حفاة عراة غرلًا. هذا هو الظاهر وجزم به القرطبي. والله تعالى أعلم.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا﴾ السَّوْق معروف. والمجرمون: جمع تصحيح للمجرم، وهو اسم فاعل الإجرام. والإجرام: ارتكاب الجريمة، وهي الذنب الذي يستحق صاحبه به النكال والعذاب. ولم يأت الإجرام في القرآن إلا من "أجرم" الرباعي على وزن "أفعل". ويجوز إتيانه في اللغة بصيغة الثلاثي فتقول: جَرَم يجرم، كضرب يضرب؛ والفاعل منه جارم، والمفعول مجروم، كما هو ظاهر، ومنه قول عمرو بن
البرَّاقة النِّهمي:
وننصر مولانا ونعلم أنه ... كما الناس مجروم عليه وجارم
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وِرْدًا (٨٦)﴾ أي عطاشًا.
منه قول عمرو بن
البرَّاقة النِّهمي:
وننصر مولانا ونعلم أنه ... كما الناس مجروم عليه وجارم
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وِرْدًا (٨٦)﴾ أي عطاشًا. وأصل الورد: الإتيان إلى الماء، ولما كان الإتيان إلى الماء لا يكون إلا من العطش أطلق هنا اسم الوِرْد على الجماعة العطاش، أعاذنا الله والمسلمين من العطش في الآخرة والدنيا. ومن إطلاق الورد على المسير إلى الماء قول الراجز يخاطب ناقته:
رِدِي رِدِي وِرْدَ قطاةٍ صمَّا ... كُدْرِيَّةٍ أعجَبَها بَرْدُ المَا
واختلف العلماء في العامل الناصب لقوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾ فقيل منصوب بـ ﴿يَمْلِكُونَ﴾ بعده؛ أي لا يملكون الشفاعة يوم نحشر المتقين. واختاره أبو حيان في البحر. وقيل: منصوب بـ"اذكر" أو احذر مقدرًا.
ْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾.
• قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ
عَهْدًا (٨٧)﴾.
قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون في الآية وجهان أو أوجه من التفسير كلها حق، وكل واحد منها يشهد له قرآن، فإنا نذكر الجميع وأدلته من كتاب الله تعالى لأنه كله حق، فإذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الآية الكريمة من ذلك النوع.
ر كلها حق، وكل واحد منها يشهد له قرآن، فإنا نذكر الجميع وأدلته من كتاب الله تعالى لأنه كله حق، فإذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الآية الكريمة من ذلك النوع. قال بعض أهل العلم: الواو في قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ راجعة إلى ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ المذكورين في قوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ أي لا يملك المجرمون الشفاعة، أي لا يستحقون أن يشفع فيهم شافع يخلصهم مما هم فيه من الهول والعذاب.
وهذا الوجه من التفسير تشهد له آيات من كتاب الله؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ الآية؛ وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ مع قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
لَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ الآية؛ وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ مع قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
وهذا الوجه يفهم منه بالأحرى أن المجرمين لا يشفعون في غيرهم؛ لأنهم إذا كانوا لا يستحقون أن يشفع فيهم غيرهم لكفرهم فشفاعتهم في غيرهم ممنوعة من باب أولى. وعلى كون الواو في ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ راجعة إلى ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ فالاستثناء منقطع و ﴿مَنِ﴾ في محل نصب. والمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا يملكون الشفاعة، أي بتمليك الله إياهم وإذنه لهم فيها.
إلى ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ فالاستثناء منقطع و ﴿مَنِ﴾ في محل نصب. والمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا يملكون الشفاعة، أي بتمليك الله إياهم وإذنه لهم فيها. فيملكها الشافعون
بما ذكرنا، ويستحقها به المشفوع لهم، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾.
وقال بعض أهل العلم: الواو في قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ راجحة إلى "المتقين والمجرمين" جميعًا المذكورين في قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا (٨٦)﴾ وعليه فالاستثناء في قوله: ﴿إلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾: متصل.
دًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا (٨٦)﴾ وعليه فالاستثناء في قوله: ﴿إلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾: متصل. و ﴿مَنِ﴾ بدل من الواو في ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ أي لا يملك من جميعهم أحد الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدًا وهم المؤمنون. والعهد: العمل الصالح. والقول بأنه لا إله إلا الله وغيره من الأقوال يدخل في ذلك؛ أي إلا المؤمنون فإنهم يشفع بعضهم في بعض، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾. وقد بين تعالى في مواضع أخر: أن المعبودات التي يعبدونها من دون الله لا تملك الشفاعة، وأن من شهد بالحق يملكها بإذن الله له في ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ الآية: أي لكن من شهد بالحق يشفع بإذن الله له في ذلك.
لَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ الآية: أي لكن من شهد بالحق يشفع بإذن الله له في ذلك. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ الآية. والأحاديث في الشفاعة وأنواعها كثيرة معروفة. والعلم عند الله تعالى.
وفي إعراب جملة ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ وجهان: الأول: أنها حالية؛
أي: نسوق المجرمين إلى جهنم في حال كونهم لا يملكون الشفاعة. أو نحشر المتقين ونسوق المجرمين في حال كونهم لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ منهم عند الرحمن عهدًا. والثاني: أنها مستأنفة للإخبار، حكاه أبو حيان في البحر.
نحشر المتقين ونسوق المجرمين في حال كونهم لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ منهم عند الرحمن عهدًا. والثاني: أنها مستأنفة للإخبار، حكاه أبو حيان في البحر. ومن أقوال العلماء في العهد المذكور في الآية: أنه المحافظة على الصلوات الخمس، واستدل من قال ذلك بحديث عبادة بن الصامت الذي قدمنا الكلام على قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾.
وقال بعضهم: العهد المذكور: هو أن يقول العبد كل صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي؛ فإنك إن تكلني إلى نفسي تباعدني من الخير وتقربني من الشر، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدًا توفينيه يوم القيامة؛ إنك لا تخلف الميعاد. فإذا قال ذلك طبع الله عليها طابعًا ووضعها تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الله عهد؟ فيقوم فيدخل الجنة. انتهى. ذكره القرطبي بهذا اللفظ مرفوعًا عن ابن مسعود.
ووضعها تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الله عهد؟ فيقوم فيدخل الجنة. انتهى. ذكره القرطبي بهذا اللفظ مرفوعًا عن ابن مسعود. وذكر صاحب الدر المنثور أنه أخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود موقوفًا عليه، وليس فيه قوله: فإذا قال ذلك إلخ. وذكر صاحب الدر المنثور أيضًا: أن الحكيم الترمذي أخرج نحوه مرفوعًا عن أبي بكر الصديق ﵁. والظاهر أن المرفوع لا يصح. والذي يظهر لي أن العهد في الآية يشمل الإيمان بالله وامتثال أمره واجتناب نهيه. خلافًا لمن
زعم أن العهد في الآية كقول العرب: عَهِد الأمير إلى فلان بكذا؛ أي أمره به. أي لا يشفع إلا من أمره الله بالشفاعة. فهذا القول ليس صحيحًا في المراد بالآية وإن كان صحيحًا في نفسه.
ل العرب: عَهِد الأمير إلى فلان بكذا؛ أي أمره به. أي لا يشفع إلا من أمره الله بالشفاعة. فهذا القول ليس صحيحًا في المراد بالآية وإن كان صحيحًا في نفسه. وقد دلت على صحته آيات من كتاب الله؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ , وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨)﴾ الآيات، قد تكلمنا عليها وعلى الآيات التي بمعناها في القرآن في مواضع متعددة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
•