Maka jika mereka telah beriman sebagaimana yang kamu imani, sungguh, mereka telah mendapat petunjuk. Tetapi jika mereka berpaling, sesungguhnya mereka berada dalam permusuhan (denganmu), maka Allah mencukupkan engkau (Muhammad) terhadap mereka (dengan pertolongan-Nya). Dan Dia Maha Mendengar, Maha Mengetahui
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾: فإن صَدَّق اليهودُ والنصارَى باللهِ وما أُنزِل إليكم وما أُنزِل إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ، وما أُوتِىَ موسى وعيسى، وما أُوتِىَ النبيُّون من ربِّهم، وأقرُّوا بذلك مثلَ ما صدَّقْتم أنتم به أيُّها المؤمِنون وأقرَرْتم، فقد وُفِّقوا ورَشَدوا ولَزِموا طريقَ الحقِّ فاهتدَوا، وهم حينئذٍ منكم وأنتم منهم لدخولِهم في ملَّتِكم، بإقرارِهم بذلك. فدَلَّ تعالى ذكرُه بهذه الآيةِ على أنه لم يَقْبَلْ من أحدٍ عملًا إلا بالإيمانِ بهذه
المعانى التى [عدَّها قبلَها].
كما حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ونحو هذا.
ٍ، قال: حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ونحو هذا. قال: أخبرَ اللهُ سبحانه أن الإيمانَ هو العروةُ الوُثْقَى، وأنه لا يَقْبَلُ عملًا إلا به، ولا يُحَرِّمُ الجنةَ إلا على مَن تَرَكه.
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ في ذلك قراءةٌ جاءت مصاحفُ المسلمين بخلافِها، وأجمعت قَرَأةُ القرآنِ على تركِها.
وذلك ما حدثنا به محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى حمزةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: لا تقولوا: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ -فإنه ليس للهِ مِثلٌ- ولكن قولوا: (فإن آمَنوا بالذى آمَنتم به). أو قال: (فإن آمَنوا بما آمَنتم به).
فكأن ابنَ عباسٍ في هذه الروايةِ -إن كانت صحيحةً عنه -وَجَّه تأويلَ قراءةِ من قرَأ: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾: فإن آمَنوا بمثلِ اللهِ، وبمثلِ ما أُنْزِل على إبراهيمَ وإسماعيلَ.
ةً عنه -وَجَّه تأويلَ قراءةِ من قرَأ: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾: فإن آمَنوا بمثلِ اللهِ، وبمثلِ ما أُنْزِل على إبراهيمَ وإسماعيلَ. وذلك إذا صُرِف إلى هذا الوجهِ شِرْكٌ -لا شكَّ- باللهِ العظيمِ؛ لأنه لا مثلَ للهِ تعالى ذكرُه فيُؤْمَنَ أو يُكْفَرَ به، ولكنَّ تأويلَ ذلك على غيرِ المعنى الذى وُجِّه إليه تأويلُه، وإنما معناه ما وصَفْنا، وهو: فإن صدَّقوا مثلَ تصديقِكم بما صدَّقْتم به مِن جميعِ ما عدَدْنا عليكم من كُتبِ اللهِ وأنبيائِه، فمد اهتدَوْا. فالتشبيهُ إنما وقَع
بين التصديقَيْن والإقرارَيْن اللذين هما إيمانُ هؤلاءِ وإيمانُ هؤلاءِ، كقولِ القائلِ: مرَّ عمرٌو بأخيك مثلَ ما مرَرْتُ به. يعنى بذلك: مرَّ عمرٌو بأخيك مثلَ مرورِى به. فالتمثيلُ إنما دخَل تمثيلًا بين المرورَيْن، لا بين عمرٍو وبين المتكلِّمِ، فكذلك قولُه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ إنما وقَع التمثيلُ بين الإيمانَيْن لا بين المؤمَنِ به.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: وإن تَوَلَّى هؤلاءِ الذين قالوا لمحمدٍ ﷺ وأصحابِه: كونوا هُودًا أو نَصارَى. فأعرَضوا، ولم يُؤمِنوا مثلَ إيمانِكم أيها المؤمنون باللهِ، وبما جاءت به الأنبياءُ، وابْتُعِثتْ به الرسلُ، وفرَّقُوا بين رسلِ اللهِ، وبين اللهِ ورسُولِه، فصدَّقوا ببعضٍ وكَفروا ببعضٍ، فاعلَمُوا أيها المؤمنون أنهم إنما هم في عِصيانٍ وفِراقٍ وحربٍ للهِ ولرسولِه ولكم.
كما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، [قال: حدَّثنا سعيدٌ] عن قتادةَ: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ أى: في فِراقٍ.
وحدثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ يعنى: فِراقٍ.
وحدثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا
أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ يعنى: فِراقٍ.
وحدثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا
هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ قال: الشِّقاقُ المنازعةُ والمحاربةُ، إذا شاقَّ فقد حارَبَ، وإذا حارَبَ فقد شاقَّ، وهما واحدٌ فى كلامِ العربِ. وقرَأ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥].
وأصلُ الشِّقاقِ عندنا، واللهُ أعلمُ، مأخوذٌ من قولِ القائلِ: شقَّ عليَّ هذا الأمرُ، إذا كَرَثَه وآذاه. ثم قيل: شاقَّ فلانٌ فلانًا. بمعنى: نال كلَّ واحدٍ منهما مِن صاحبِه ما كَرَثَه وآذاه وأَثقلَتْه مَساءتُه، ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥]. بمعنى: فِراقَ بينِهما.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾: فسيَكْفِيك اللهُ يا محمدُ هؤلاءِ الذين قالوا لك ولأصحابِك: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾. من اليهودِ والنصارَى، إن هم تَوَلَّوْا عن أن يُؤمِنوا مثلَ إيمانِ أصحابِك باللهِ، وبما أُنزِل إليك، وما أُنزِل إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ وسائرِ الأنبياءِ غيرِهم، وفَرَّقوا بين اللهِ ورسلِه، إما بقتلٍ بالسيفِ، وإما بجَلاءٍ عن جِوارِك، وغيرِ ذلك من العقوباتِ، فإن اللهَ هو السميعُ لما يقولون لك بألسنتِهم، ويُبْدُون لك بأفواهِهم من الجهلِ والدعاءِ إلى الكفرِ والمِللِ الضالّةِ، العليمُ بما يَنْطُوون لك ولأصحابِك من المؤمنين عليه في أنفسِهم من الحسَدِ والبغضاءِ، ففعَل اللهُ بهم ذلك عاجلًا، وأَنجزَ وَعْدَه، فكفاهم نبيَّه ﷺ بتسليطِه إياه عليهم حتى قَتَل بعضَهم، وأَجلَى بعضًا، وأَذلَّ بعضًا وأَخزاه بالجِزْيةِ والصَّغارِ.
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾
يقول تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا) أي: الكفار من أهل الكتاب وغيرهم (بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ) أيها المؤمنون، من الإيمان بجميع كتب الله ورسله، ولم يفرقوا بين أحد منهم (فَقَدِ اهْتَدَوْا) أي: فقد أصابوا الحق، وأرشدوا إليه (وَإِنْ تَوَلَّوْا) أي: عن الحق إلى الباطل، بعد قيام الحجة عليهم (فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ) أي: فسينصرك عليهم ويُظْفِرُك بهم (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
وقال ابن أبي حاتم: قرئ على يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب، حدثنا زياد بن يونس، حدثنا نافع بن أبي نُعَيم، قال: أرسل إليَّ بعض الخلفاء مصحفَ عثمان بن عفان ليصلحه.
حاتم: قرئ على يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب، حدثنا زياد بن يونس، حدثنا نافع بن أبي نُعَيم، قال: أرسل إليَّ بعض الخلفاء مصحفَ عثمان بن عفان ليصلحه. قال زياد: فقلت له: إن الناس يقولون: إن مصحفه كان في حجره حين قُتِل، فوقع الدم على (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فقال نافع: بَصُرت عيني بالدم على هذه الآية وقد قَدُم.
وقوله: (صِبْغَةَ اللَّهِ) قال الضحاك، عن ابن عباس: دين الله وكذا روي عن مجاهد، وأبي العالية، وعكرمة، وإبراهيم، والحسن، وقتادة، والضحاك، وعبد الله بن كثير، وعطية العوفي، والربيع بن أنس، والسدي، نحو ذلك.
وانتصاب (صِبْغَةَ اللَّهِ) إما على الإغراء كقوله ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] أي: الزموا ذلك عليكموه.
عطية العوفي، والربيع بن أنس، والسدي، نحو ذلك.
وانتصاب (صِبْغَةَ اللَّهِ) إما على الإغراء كقوله ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] أي: الزموا ذلك عليكموه. وقال بعضهم: بدل من قوله: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ وقال سيبويه: هو مصدر مؤكد انتصب عن قوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ كقوله ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٣٦].
وقد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم وابن مَرْدُويه، من رواية أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس أن نبي الله قال: "إن بني إسرائيل قالوا: يا موسى، هل يَصْبُغ ربك؟ فقال: اتقوا الله. فناداه ربه: يا موسى، سألوك هل يَصْبُغ ربك؟ فقل: نعم، أنا أصبُغ الألوان: الأحمر والأبيض والأسود، والألوان كلها من صَبْغي". وأنزل الله على نبيه ﷺ: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً).
كذا وقع في رواية ابن مردويه مرفوعًا، وهو في رواية ابن أبي حاتم موقوف، وهو أشبه، إن صح إسناده، والله أعلم.