بودَ تجوزُ أو تصلُحُ له العبادةُ سِوَايَ، ﴿فَاعْبُدْنِي﴾. يقولُ: فأخْلِصِ العبادةَ لى دونَ كلِّ ما عُبِد مِن دُونِي.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: أقمِ الصلاةَ لي؛ فإِنَّكَ إِذا أَقَمْتَها ذَكَرْتَني.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. قال: إذا صلَّى عبدٌ ذكَر ربَّه.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. قال: إذا صلَّى عَبْدٌ ذكَر ربَّه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأقمِ الصلاةِ حين تذكُرُها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
ها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. قال: تُصَلِّيها حينَ تذكُرُها.
حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثني عمى عبدُ اللهِ بنُ وهَبٍ، قال: ثني يونسُ ومالكٌ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبَرني سعيدُ بنُ المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، أن رسول اللهِ ﷺ قال: "مَنْ نَسِيَ صلاةً فَلْيصلِّيها
إذا ذكَرَها، قال اللهُ ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. وكان الزهريُّ يقرَؤُها: (أقمِ الصَّلاةَ لِذِكْرَى). قال أبو جعفر: "ذِكْرَى" بمنزلةِ "فِعْلَى".
وأولى التأويلين في ذلك بالصوابِ تأويلُ مَن قال: معناه: أقمِ الصلاةَ لِتَذْكُرَنى فيها؛ لأن ذلك أظهَرُ معْنَيَيْه، ولو كان معناه: حينَ تَذْكُرُها. لكان التنزيلُ: أقم الصلاةَ لِذِكْرِكَهَا.
مَن قال: معناه: أقمِ الصلاةَ لِتَذْكُرَنى فيها؛ لأن ذلك أظهَرُ معْنَيَيْه، ولو كان معناه: حينَ تَذْكُرُها. لكان التنزيلُ: أقم الصلاةَ لِذِكْرِكَهَا. وفى قولِه ﴿لِذِكْرِي﴾ دلالةٌ بينةٌ على صحَّةِ ما قال مجاهدٌ في تأويلِ ذلك، ولو كانت القراءةُ التي ذكَرْناها عن الزهريِّ قراءةً مُسْتفيضَةً في قرَأةِ الأمصارِ، كان صحيحًا تأويلُ من تأوَّلَه بمعنى: أقمِ الصلاةَ حينَ تذكُرُها. وذلك أن الزهريَّ وجَّه بقراءتِه: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرَى) بالألفِ لا بالإضافةِ، إلى: أقمِ الصلاةَ لذِكْرَاها. إلا أنّ الهاءَ والألفَ حُذِفَتا وهما مُرَادتان في الكلام؛ ليُوفَّقَ بينَها وبينَ سائرِ رءوسِ الآياتِ؛ إذ كانت بالألفِ والفتحِ.
ولو قال قائلٌ في قراءةِ الزهريِّ هذه التي ذكَرْناها عنه: إنما قصَد الزهريُّ بفَتْحِها وتَصْييرِ باءِ الإضافة ألفًا، التوفيقَ بينَه وبينَ رءوسِ الآياتِ قبلَه وبعدَه، لا أنه خالَف بقراءتِه ذلك كذلك مَن قرَأ بالإضافةِ.
الزهريُّ بفَتْحِها وتَصْييرِ باءِ الإضافة ألفًا، التوفيقَ بينَه وبينَ رءوسِ الآياتِ قبلَه وبعدَه، لا أنه خالَف بقراءتِه ذلك كذلك مَن قرَأ بالإضافةِ. وقال: إنما ذلك كقولِ الشاعرِ:
أُطَوِّفُ ما أُطَوِّفُ ثُمَّ آوِى … إلى أُمَّا ويُرْوينِي النَّقِيعُ
وهو يريدُ: إلى أُمِّى. وكقولِ العربِ: بأبا وأمَّا. وهى تريدُ: بأبي وأمِّي -
كان له بذلك مَقالٌ.
﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾
وقوله: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) كقوله ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] أي: على جميع الناس من الموجودين في زمانه.
و [قد] قيل: إن الله تعالى قال: يا موسى، أتدري لم خصصتك بالتكليم من بين الناس؟ [قال: لا. قال:] لأني لم يتواضع لي أحد تواضعك.
وقوله: (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) أي: اسمع الآن ما أقول لك وأوحيه إليك:
(إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا) هذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله، وحده لا شريك له.
وقوله: (فَاعْبُدْنِي) أي: وحدّني وَقُم بعبادتي من غير شريك، (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) قيل: معناه: صَلِّ لتذكرني.
ا إله إلا الله، وحده لا شريك له.
وقوله: (فَاعْبُدْنِي) أي: وحدّني وَقُم بعبادتي من غير شريك، (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) قيل: معناه: صَلِّ لتذكرني. وقيل: معناه: وأقم الصلاة عند ذكرك لي.
ويشهد لهذا الثاني ما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "إذا رَقَد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله تعالى قال: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي).
وفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "من نام عن صلاة أو نسيها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك".
وقوله: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ) أي: قائمة لا محالة، وكائنة لا بد منها.
وقوله: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) قال الضحاك، عن ابن عباس: أنه كان يقرؤها: "أكاد أخفيها من نفسي"، يقول: لأنها لا تخفى من نفس الله أبدًا.
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: من نفسه.
يهَا) قال الضحاك، عن ابن عباس: أنه كان يقرؤها: "أكاد أخفيها من نفسي"، يقول: لأنها لا تخفى من نفس الله أبدًا.
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: من نفسه. وكذا قال مجاهد، وأبو صالح، ويحيى بن رافع.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) يقول: لا أطلع عليها أحدًا غيري.
وقال السدي: ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا قد أخفى الله عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود: "إني أكاد أخفيها من نفسي"، يقول: كتمتها عن الخلائق، حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت.
وقال قتادة: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) وهي في بعض القراءة أخفيها من نفسي، ولعمري لقد أخفاها الله من
الملائكة المقربين، ومن الأنبياء والمرسلين.
قلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] وقال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] أي: ثقل علمها على أهل السموات والأرض.
ا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] وقال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] أي: ثقل علمها على أهل السموات والأرض.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة حدثنا مِنْجَاب، حدثنا أبو نُمَيْلة، حدثني محمد بن سهل الأسدي، عن وِقَاء قال: أقرأنيها سعيد بن جبير (أكاد أَخْفيها)، يعني: بنصب الألف وخفض الفاء، يقول: أظهرها، ثم [قال] أما سمعت قول الشاعر.
دَأبَ شَهْرَين، ثم شهرًا دَمِيكًا … بأريكَين يَخْفيان غَميرًا
وقال الأسدي: الغمير: نبت رطب، ينبت في خلال يبس. والأريكين: موضع، والدميك: الشهر التام.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) .. ﴾ الآيات. قد بينا الآيات الموضحة لها في سورة "مريم" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
•