وسى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾. [يقولُ: اشْرَحْ لى صَدْرى] لأعِيَ عنك ما تُودِعُه مِن وحيِك، وأجْترئَ به على خطابِ فرعونَ،
﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾. يقولُ: وسَهِّلْ لى
القيامَ بما تُكلِّفُنى من الرسالةِ، وتحمِّلُنى من الطاعةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾. قال: جرِّئْه لى.
وقولُه: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾. يقولُ: وأَطْلِقْ لساني بالمنطقِ. وكانت فيه - فيما ذُكِر - عُجْمةٌ عن الكلامِ للذى كان من إلقائِه الجمرةَ إلى فيه يومَ همَّ فرعونُ بقتلِه.
ذكرُ الروايةِ بذلك عمن قاله
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى عن ابن أبي نجيحٍ، عن [سعيدِ بن جبيرٍ] في قولِه: ﴿عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾. قال: عجمةً، الجمرةِ نارٍ أَدْخَلها في فيه عن أمرِ امرأةِ فرعونَ، تردُّ به عنه عقوبةَ فرعونَ، حين أخَذ موسى بلحيتِه وهو لا يعقِلُ، فقال: هذا عدوٌّ لى.
قال: عجمةً، الجمرةِ نارٍ أَدْخَلها في فيه عن أمرِ امرأةِ فرعونَ، تردُّ به عنه عقوبةَ فرعونَ، حين أخَذ موسى بلحيتِه وهو لا يعقِلُ، فقال: هذا عدوٌّ لى. فقالت [له: إنه لا يعقِلُ].
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾: لجمرةِ نارٍ أَدْخَلها في فيه عن أمرِ امرأةِ فرعونَ، تدرَأُ به عنه عقوبةَ فرعونَ، حينَ أخَذ موسى بلحيتِه وهو لا يعقِلُ، فقال: هذا
عدوٌّ لي. فقالت له: إنه لا يعقِلُ. هذا قولُ سعيدِ بن جبيرٍ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾. قال: عجمةً، لجمرةِ نارٍ أَدْخَلها في فيه، عن أمرِ امرأةِ فرعونَ، تردُّ به عنه عقوبةَ فرعونَ حينَ أَخَذ بلحيتِه.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: لما تحرَّك الغلامُ - يعنى موسى - أرَته أمُّه آسيةُ صبيًّا، فبينما هي ترقِّصُه وتلعبُ به، إذ ناولَته فرعونَ وقالت: خذْه.
نا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: لما تحرَّك الغلامُ - يعنى موسى - أرَته أمُّه آسيةُ صبيًّا، فبينما هي ترقِّصُه وتلعبُ به، إذ ناولَته فرعونَ وقالت: خذْه. فلما أخَذه إليه أخَذ موسى بلحيتِه فنتَفها، فقال فرعونُ: عليَّ بالذَّبَّاحين. قالت آسيةُ: لا تَقْتُلُوه، عسى أن يَنْفَعَنا أو نَتَّخِذَه ولدًا، إنما هو صبيٌّ لا يعقِلُ، إنما صنَع هذا من صِباه، وقد علِمتَ أنه ليس في أهلِ مصرَ أَحْلَى منى، أنا أضعُ له حَلْيًا من الياقوتِ، وأضعُ له جمرًا، فإن أخَذ الياقوتَ فهو يعقِلُ فاذبَحْه، وإن أخَذ الجمرَ فإنما هو صبيٍّ. فأَخْرَجت له ياقوتَها ووضعت له طسْتًا من جمرٍ، فجاء جبريلُ فطرَح في يدِه جمرةً، فطرَحها موسى في فيه، فأَحْرَقت لسانَه، فهو الذي يقولُ اللهُ ﷿: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾.
بريلُ فطرَح في يدِه جمرةً، فطرَحها موسى في فيه، فأَحْرَقت لسانَه، فهو الذي يقولُ اللهُ ﷿: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾. فزالَت عن موسى من أجلِ ذلك.
وقولُه: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يقولُ: يَفْهَموا عنى ما أُخاطبُهم وأُراجعُهم به من
الكلامِ، ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ يقولُ: واجعَلْ لى عونًا [﴿مِنْ أَهْلِي﴾. يقولُ]: من أهلِ بيتى
﴿هَارُونَ أَخِي﴾. وفى نصبِ ﴿هَارُونَ﴾ وجهان؛ أحدُهما، [أن يكونَ منصوبًا بقوله: ﴿وَاجْعَلْ﴾. فيكونَ "الوزيرُ" على هذا الوجهِ إذا نُصِب فعلًا لـ ﴿هَارُونَ﴾. والآخرُ]، أن يكونَ "هارونُ" منصوبًا على الترجمةِ عن "الوزيرِ".
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: كان هارونُ أكبرَ من موسى.
َ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص: ٣٢].
وقال مجاهد: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ) كفه تحت عضده.
وذلك أن موسى، ﵇، كان إذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها، تخرج تتلألأ كأنها فلقة قمر.
وقوله: (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) أي: من غير بَرَص ولا أذى، ومن غير شين. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، وغيرهم.
وقال الحسن البصري: أخرجها -والله-كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقي ربه ﷿؛ ولهذا قال تعالى: (لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى).
وقال وهب: قال له ربه: ادْنُهْ: فلم يزل يدنيه حتى شدّ ظهره بجذع الشجرة، فاستقر وذهبت عنه الرعدة، وجمع يده في العصا، وخضع برأسه وعنقه.
وقوله (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) أي: اذهب إلى فرعون ملك مصر، الذي خَرَجت فارًا منه
وهاربًا، فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومره فَلْيُحْسِن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم، فإنه قد طغى وبَغَى، وآثر الحياة الدنيا، ونسي الرب الأعلى.
وهاربًا، فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومره فَلْيُحْسِن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم، فإنه قد طغى وبَغَى، وآثر الحياة الدنيا، ونسي الرب الأعلى.
قال وهب بن مُنَبِّه: قال الله لموسى: انطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي، وإني معك أيدي ونَصْري، وإني قد ألبستك جُنَّةً من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري، فأنت جند عظيم من جندي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا عني، حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، وزعم أنه لا يعرفني، فإني أقسم بعزتي لولا القدر الذي وضعت بيني وبين خلقي، لبطشت به بطشة جبار، يغضب لغضبه السموات والأرض، والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حصبته، وإن أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت الجبال دمرته، وإن أمرت البحار غرقته، ولكنه هان عليّ، وسقط من عيني، ووسعه حلمي، واستغنيت بما عندي، وحقي إني أنا الغنيّ لا غنيّ غيري، فبلغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاصي، وذكره أيامي وحذره نقمتي وبأسي، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولا لينًا لعله يتذكر
فبلغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاصي، وذكره أيامي وحذره نقمتي وبأسي، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولا لينًا لعله يتذكر أو يخشى، وخَبّره أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة، ولا يروعنك ما ألبسته من لباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي، ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني، وقل له: أجب ربك فإنه واسع المغفرة، وقد أمهلك أربعمائة سنة، في كلها أنت مبارزه بالمحاربة، تسبه وتتمثل به وتصدّ عباده عن سبيله وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض، [و] لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر [ولم تغلب] ولو شاء الله أن يعَجِّل لك العقوبة لفعل، ولكنه ذو أناة وحلم عظيم. وجاهده بنفسك وأخيك وأنتما تحتسبان بجهاده فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها لفعلت، ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه أن الفئة القليلة -ولا قليل مني-تغلب الفئة الكثيرة بإذني، ولا تعجبنكما زينته، ولا ما مَتّع به، ولا تمدا إلى ذلك أعينكما، فإنها زهر الحياة الدنيا، وزينة المترفين.
قليلة -ولا قليل مني-تغلب الفئة الكثيرة بإذني، ولا تعجبنكما زينته، ولا ما مَتّع به، ولا تمدا إلى ذلك أعينكما، فإنها زهر الحياة الدنيا، وزينة المترفين. ولو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة، ليعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما، فعلت، ولكني أرغب بكما عن ذلك، وأزويه عنكما. وكذلك أفعل بأوليائي، وقديمًا ما جرت عادتي في ذلك. فإني لأذودُهم عن نعيمها ورخائها، كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة، وما ذاك لهوانهم عليّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرًا لم تكْلَمْه الدنيا.
واعلم أنه لا يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ مما عندي من الزهد في الدنيا، فإنها زينة المتقين، عليهم منها لباس يُعْرَفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك أوليائي حقًا حقًا، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلل قلبك ولسانك، واعلم أنه من أهان لي
ون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك أوليائي حقًا حقًا، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلل قلبك ولسانك، واعلم أنه من أهان لي
وليًا أو أخافه، فقد بارزني بالمحاربة، وبادأني وعرض لي نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي، أم يظن الذي يعاديني أن يعجزني، أم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني. وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة، لا أَكِلُ مضطرهم إلى غيري.
رواه ابن أبي حاتم.
(قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) هذا سؤال من موسى، ﵇، لربه ﷿، أن يشرح له صدره فيما بعثه به، فإنه قد أمره بأمر عظيم، وخطب جسيم، بعثه إلى أعظم ملك على وجه الأرض إذ ذاك، وأجبرهم، وأشدهم كفرًا، وأكثرهم جنودًا، وأعمرهم ملكًا، وأطغاهم وأبلغهم تمردًا، بلغ من أمره أن ادعى أنه لا يعرف الله، ولا يعلم لرعاياه إلهًا غيره.
ذاك، وأجبرهم، وأشدهم كفرًا، وأكثرهم جنودًا، وأعمرهم ملكًا، وأطغاهم وأبلغهم تمردًا، بلغ من أمره أن ادعى أنه لا يعرف الله، ولا يعلم لرعاياه إلهًا غيره.
هذا وقد مكث موسى في داره مدة وليدًا عندهم، في حجر فرعون، على فراشه، ثم قتل منهم نفسا فخافهم أن يقتلوه، فهرب منهم هذه المدة بكمالها. ثم بعد هذا بعثه ربه ﷿ إليهم نذيرًا يدعوهم إلى الله ﷿ أن يعبدوه وحده لا شريك له؛ ولهذا قال: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) أي: إن لم تكن أنت عوني ونصيري، وعضدي وظهيري، وإلا فلا طاقة لي بذلك.
(وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي) وذلك لما كان أصابه من اللثغ، حين عرض عليه التمرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، كما سيأتي بيانه، وما سأل أن يزول ذلك بالكلية، بل بحيث يزول العي، ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة.
مرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، كما سيأتي بيانه، وما سأل أن يزول ذلك بالكلية، بل بحيث يزول العي، ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة. ولو سأل الجميع لزال، ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بحسب الحاجة، ولهذا بقيت بقية، قال الله تعالى إخبارًا عن فرعون أنه قال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢] أي: يفصح بالكلام.
وقال الحسن البصري: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي) قال: حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك أعطى.
وقال ابن عباس: شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءًا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه سؤله، فحل عقدة من لسانه.
وقال ابن أبي حاتم: ذُكِرَ عن عَمْرو بن عثمان، حدثنا بَقِيّة، عن أرطاة بن المنذر، حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب، عنه قال: أتاه ذو قرابة له.
دة من لسانه.
وقال ابن أبي حاتم: ذُكِرَ عن عَمْرو بن عثمان، حدثنا بَقِيّة، عن أرطاة بن المنذر، حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب، عنه قال: أتاه ذو قرابة له. فقال له: ما بك بأس لولا أنك تلحن في كلامك، ولست تعرب في قراءتك؟ فقال القرظي: يا ابن أخي، ألست أفهمك إذا حدثتك؟. قال:
نعم. قال: فإن موسى، ﵇، إنما سأل ربه أن يحل عقدة من لسانه كي يفقه بنو إسرائيل كلامه، ولم يزد عليها. هذا لفظه.
وقوله: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي): وهذا أيضًا سؤال من موسى في أمر خارجي عنه، وهو مساعدة أخيه هارون له.
قال الثوري، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: فَنُبّئ هارون ساعتئذ حين نبئ موسى، ﵉.
وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن نُمَير، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة أنها خرجت فيما كانت تعتمر، فنزلت ببعض الأعراب، فسمعت رجلا يقول: أيّ أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه؟ قالوا: ما ندري.
ة، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة أنها خرجت فيما كانت تعتمر، فنزلت ببعض الأعراب، فسمعت رجلا يقول: أيّ أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه؟ قالوا: ما ندري. قال: والله أنا أدري قالت: فقلت في نفسي: في حلفه لا يستثنى، إنه ليعلم أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه. قال: موسى حين سأل لأخيه النبوة. فقلت: صدق والله. قلت: وفي هذا قال الله تعالى في الثناء على موسى، ﵇: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩].
وقوله: (اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي) قال مجاهد: ظهري.
(وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) أي: في مشاورتي.
(كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا، حتى يذكر الله قائما وقاعدًا ومضطجعًا.
وقوله: (إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا) أي: في اصطفائك لنا، وإعطائك إيانا النبوة، وبعثتك لنا إلى عدوك فرعون، فلك الحمد على ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه مَنَّ على موسى مرة أخرى قبل مَنِّهِ عليه بالرسالة ورسالة أخيه معه، وذلك بإنجائه من فرعون وهو صغير، إذ أوحى إلى أمه، أي: ألهمها وقذف في قلبها، وقال بعضهم: هي رؤيا منام. وقال بعضهم: أوحى إليها ذلك بواسطة ملك كلَّمها بذلك. ولا يلزم من الإيحاء في أمر خاص أن يكون الموحى إليه نبيًّا، و ﴿أَنِ﴾ في قوله: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ هي المفسرة؛ لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه. والتعبير بالموصول في قوله: ﴿مَا يُوحَى (٣٨)﴾ للدلالة على تعظيم شأن الأمر المذكور، كقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ والتابوت: الصندوق. واليم: البحر. والساحل: شاطئ البحر.
شِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ والتابوت: الصندوق. واليم: البحر. والساحل: شاطئ البحر. والبحر المذكور: نيل مصر. والقذف: الإلقاء والوضع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. ومعنى ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ أي ضعيه في الصندوق. والضمير في قوله: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ راجع إلى موسى بلا خلاف. وأما الضمير في قوله: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وقوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ فقيل: راجع إلى التابوت. والصواب رجوعه إلى موسى في داخل التابوت؛ لأن تفريق الضمائر غير حسن، وقوله: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ هو فرعون، وصيغة الأمر في قوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ فيها وجهان معروفان عند العلماء:
أحدهما: أن صيغة الأمر معناها الخبر.
عَدُوٌّ لَهُ﴾ هو فرعون، وصيغة الأمر في قوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ فيها وجهان معروفان عند العلماء:
أحدهما: أن صيغة الأمر معناها الخبر. قال أبو حيان في البحر المحيط: و ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمر معناه الخبر، وجاء بصيغة الأمر مبالغة، إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها.
الوجه الثاني: أن صيغة الأمر في قوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أريد بها
الأمر الكوني القدري، كقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ فالبحر لابد أن يلقيه بالساحل؛ لأن الله أمره بذلك كونًا وقدرًا.
له تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَأْخُذْهُ﴾ مجزوم في جواب الطلب الذي هو ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾، وعلى أنه بمعنى الأمر الكوني فالأمر واضح. وعلى أنه بمعنى الخبر فالجزم مراعاة لصيغة اللفظ. والعلم عند الله تعالى. وذكر في قصتها أنها صنعت له التابوت وطلته بالقار -وهو الزفت- لئلا يتسرب منه الماء إلى موسى في داخل التابوت، وحشته قطنًا محلوجًا. وقيل: إن التابوت المذكور من شجر الجميز، وأن الذي نَجَره لها هو مؤمن آل فرعون، قيل: واسمه حزقيل. وكانت عقدت في التابوت حبلًا فإذا خافت على موسى من عيون فرعون أرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا أمنت جذبته إليها بالحبل.
قيل: واسمه حزقيل. وكانت عقدت في التابوت حبلًا فإذا خافت على موسى من عيون فرعون أرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا أمنت جذبته إليها بالحبل. فذهبت مرة لتشد الحبل في منزلها فانفلت منها وذهب البحر بالتابوت الذي فيه موسى فحصل لها بذلك من الغم والهم ما ذكره
الله تعالى في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ الآية.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من مننه المتتابعة على موسى حيث قال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧)﴾؛ أشار إلى ما يشبهه في قوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤)﴾ الآية.
•