القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإن جادَلك يا محمدُ هؤلاء المشركون بالله فى نسكِك، فقل: اللهُ أعلمُ بما تعملون ونعملُ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾. قال: قولُ أهلِ الشركِ: أما ما ذبَح اللهُ -
للميتة -[فلا تأكُلون منه، وأما ما ذبحتم بأيديكم فهو حلالٌ] ﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لنا أعمالُنا ولكم أعمالُكم.
وقولُه: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والله يقضى بينَكم يومَ القيامةِ فيما كنتم فيه من أمرِ دينِكم تختلِفون، فتعلمون حينئذٍ أيها المشركون المحقَّ من المبطلِ.
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾.
يخبر تعالى أنه جعل لكل قوم منسكا.
قال ابن جرير: يعني: لكل أمة نبي منسكا. قال: وأصل المنسك في كلام العرب: هو الموضع الذي يعتاده الإنسان، ويتردد إليه، إما لخير أو شر. قال: ولهذا سميت مناسك الحج بذلك، لترداد الناس إليها وعكوفهم عليها.
فإن كان كما قال من أن المراد: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا) فيكون المراد بقوله: (فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ) أي: هؤلاء المشركون.
عليها.
فإن كان كما قال من أن المراد: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا) فيكون المراد بقوله: (فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ) أي: هؤلاء المشركون. وإن كان المراد: "لكل أمة جعلنا منسكا جعلا قدريا -كما قال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] ولهذا قال هاهنا: (هُمْ نَاسِكُوهُ) أي: فاعلوه-فالضمير هاهنا عائد على هؤلاء الذين لهم مناسك وطرائق، أي: هؤلاء إنما يفعلون هذا عن قدر الله وإرادته، فلا تتأثر بمنازعتهم لك، ولا يصرفك ذلك عما أنت عليه من الحق؛ ولهذا قال: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ) أي: طريق واضح مستقيم موصل إلى المقصود.
وهذه كقوله: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٧].