القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾.
يقول تعالى ذكره: ولقد خلَقْنا فوقكم أيها الناسُ سبع سماوات، بعضُهن فوقَ بعضٍ. والعرب تُسَمِّى كُلَّ شيءٍ فوقَ شيءٍ طَريقةً، وإنما قيل للسماواتِ السبعِ: سبع طرائق. لأن بعضهن فوق بعض، فكلُّ سماءٍ منهن طَرِيقةٌ.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِ الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾. قال: الطَّرائق السماوات.
وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. يقول: وما كنا في خَلْقِنا السماواتِ السبعَ فوقكم عن خَلْقِنا الذى تحتها غافلين، بل كنا لهم حافظين من أن تَسْقُطَ عليهم فتهلكهم.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾.
لما ذكر تعالى خَلْق الإنسان، عطف بذكر خلق السموات السبع، وكثيرًا ما يذكر تعالى خلق السموات والأرض مع خلق الإنسان، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]. وهكذا في أول (الم) السجدة، التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بها [في] صبيحة يوم الجمعة، في أولها خَلْقُ السموات والأرض، ثم بيان خلق الإنسان من سلالة من طين، وفيها أمر المعاد والجزاء، وغير ذلك من المقاصد.
ﷺ يقرأ بها [في] صبيحة يوم الجمعة، في أولها خَلْقُ السموات والأرض، ثم بيان خلق الإنسان من سلالة من طين، وفيها أمر المعاد والجزاء، وغير ذلك من المقاصد.
فقوله: (سَبْعَ طَرَائِقَ): قال مجاهد: يعني السموات السبع، وهذه كقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤]، ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح: ١٥]، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وهكذا قال هاهنا: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) أي: ويعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها،
وما ينزل من السماء وما يعرُج فيها، وهو معكم أينما كنتم، والله بما تعملون بصير.
َا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) أي: ويعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها،
وما ينزل من السماء وما يعرُج فيها، وهو معكم أينما كنتم، والله بما تعملون بصير. وهو -سبحانه-لا يَحجبُ عنه سماء سماء، ولا أرض أرضًا، ولا جبل إلا يعلم ما في وَعْره، ولا بحر إلا يعلم ما في قَعْره، يعلم عدد ما في الجبال والتلال والرمال، والبحار والقفار والأشجار، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾.
في قوله تعالى طرائق، وجهان من التفسير:
أحدهما: أنها قيل لها: طرائق؛ لأن بعضها فوق بعض من قولهم: طارق النعل إذا صيرها طاقًا فوق طاق، وركب بعضها عَلَى
بعض، ومنه قوله ﷺ : "كأن وجوههم المجان المطرقة" أي: التراس التي جعلت لها طبقات بعضها فوق بعض. ومنه قول الشاعر يصف نعلًا له مطارقة:
وطراق من خلفهن طراق ... ساقطات تلوى بها الصحراء
يعني: نعال الإِبل. ومنه قولهم: طائر طراق الريش، ومطرقه إذا ركب بعض ريشه بعضًا. ومنه قول زهير يصف بازيًا:
أهوى لها أسفع الخدين مطرق ... ريش القوادم لم تنصب له الشبك
وقول ذي الرمة يصف بازيًا أيضًا:
طراق الخوافي واقع فوق ريعه ... ندى ليله في ريشه يترقرق
وقول الآخر يصف قطاة:
سكاء مخطومة في ريشها طرق ... سود قوادمها كدر خوافيها
فعلى هذا القول فقوله: ﴿سَبعَ طَرَائِقَ﴾ يوضح معناه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ الآية.
خوافيها
فعلى هذا القول فقوله: ﴿سَبعَ طَرَائِقَ﴾ يوضح معناه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ الآية. وهذا قول الأكثر.
الوجه الثاني: أنها قيل لها: طرائق؛ لأنها طرق الملائكة في النزول والعروج. وقيل: لأنها طرائق الكواكب في مسيرها. وأما قول من قال: قيل لها: طرائق، لأن لكل سماء طريقة، وهيأة غير هيأة الأخرى، وقول من قال: طرائق، أي: مبسوطات فكلاهما ظاهر البعد.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ قد قدمنا أن معناه كقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ لأن من يمسك السماء
لو كان يغفل لسقطت فأهلكت الخلق كما تقدم إيضاحه.
(١٧)﴾ قد قدمنا أن معناه كقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ لأن من يمسك السماء
لو كان يغفل لسقطت فأهلكت الخلق كما تقدم إيضاحه. وقال بعضهم: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ بل نحن القائمون بإصلاح جميع شؤونهم، وتيسير كل ما يحتاجون إليه.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ يعني السموات برهان على قوله قبله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ لأن من قدر على خلق السموات، مع عظمها فلا شك أنه قادر على خلق الإِنسان، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ
٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ لأن من قدر على خلق السموات، مع عظمها فلا شك أنه قادر على خلق الإِنسان، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ الآية، وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ والآيات بمثل هذا متعددة.
وقد قدمنا براهين البعث التي هذا البرهان من جملتها، وأكثرنا من أمثلتها، وهي مذكورة هنا؛ ولم نوضحها هنا لأنا أوضحناها فيما سبق في النحل والبقرة. والعلم عند الله تعالى.
•