QS 23:18
Surah Al-Mu'minun (المؤمنون) ayat 18
23:18
وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّـٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ
Dan Kami turunkan air dari langit dengan suatu ukuran; lalu Kami jadikan air itu menetap di bumi, dan pasti Kami berkuasa melenyapkannya
Tanya tentang ayat ini
Tafsir dalam korpus (60 potongan)
QS 23:18 (jilid 17 hlm. 27) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 17 · hlm. 27 ·
#70855
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾.
يقول تعالى ذكره: وأَنزَلْنا من السماء ما في الأرض من ماء، فأسكناه فيها.
كما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾: ماءً هو من السماء.
وقولُه: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾. يقول جل ثناؤه: وإنا على الماء الذي أسكنَّاه في الأرضِ لقادِرون أن نَذهَبَ به، فتَهْلِكُوا أَيُّها الناسُ عَطَشًا، وتَخْرَبَ أرَضُوكم، فلا تُنبت زرعًا ولا غَرْسًا، وتَهْلِكَ مَواشِيكم. يقولُ: فمن نعمتى عليكم تَركي ذلك لكم في الأرض جاريًا.
QS 23:18-22 (jilid 5 hlm. 470) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 470 ·
#89988
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾.
QS 23:18-22 (jilid 5 hlm. 470) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 470 ·
#89989
رَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾.
يذكر تعالى نعمه على عبيده التي لا تعدّ ولا تحصى، في إنزاله القَطْر من السماء (بِقَدَرٍ) أي: بحسب الحاجة، لا كثيرًا فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلا فلا يكفي الزروع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيرًا لزرعها ولا تحتمل دِمْنتها إنزال المطر عليها، يسوق إليها الماء من بلاد أخرى، كما في أرض مصر، ويقال لها: "الأرض الجرُز"، يسوق الله إليها ماء النيل معه طين أحمر يجترفه من بلاد الحبشة في زمان أمطارها، فيأتي الماء يحمل طينًا أحمر، فيسقي أرض مصر، ويقر الطين على أرضهم ليزدرعوا فيه، لأن أرضهم سباخ يغلب عليها الرمال، فسبحان اللطيف الخبير الرحيم الغفور.
QS 23:18-22 (jilid 5 hlm. 470) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 470 ·
#89990
، فيأتي الماء يحمل طينًا أحمر، فيسقي أرض مصر، ويقر الطين على أرضهم ليزدرعوا فيه، لأن أرضهم سباخ يغلب عليها الرمال، فسبحان اللطيف الخبير الرحيم الغفور.
وقوله: (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ) أي: جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض، وجعلنا في الأرض قابليَّة له، تشربه ويتغذى به ما فيها من الحب والنوى.
وقوله: (وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) أي: لو شئنا ألا تمطر لفعلنا، ولو شئنا لصرفناه عنكم إلى السباخ والبراري [والبحار] والقفار لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه أجاجًا لا ينتفع به لشُرب ولا لسقي لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه لا ينزل في الأرض، بل ينجَرّ على وجهها لفعلنا. ولو شئنا لجعلناه إذا نزل فيها يغور إلى مَدَى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعلنا.
QS 23:18-22 (jilid 5 hlm. 470) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 470 ·
#89991
لنا، ولو شئنا لجعلناه لا ينزل في الأرض، بل ينجَرّ على وجهها لفعلنا. ولو شئنا لجعلناه إذا نزل فيها يغور إلى مَدَى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعلنا. ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم الماء من السحاب عذبًا فراتًا زلالا فيسكنه في الأرض ويَسْلُكُه ينابيع في الأرض، فيفتح العيون والأنهار، فيسقي به الزروع والثمار، وتشربون منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون منه وتتطهرون
وتتنظفون، فله الحمد والمنة.
وقوله: (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) يعني: فأخرجنا لكم بما أنزلنا من الماء (جَنَّاتٍ) أي: بساتين وحدائق ذات بهجة، أي: ذات منظر حسن.
وقوله: (مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) أي: فيها نخيل وأعناب.
QS 23:18-22 (jilid 5 hlm. 471) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 471 ·
#89992
عني: فأخرجنا لكم بما أنزلنا من الماء (جَنَّاتٍ) أي: بساتين وحدائق ذات بهجة، أي: ذات منظر حسن.
وقوله: (مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) أي: فيها نخيل وأعناب. وهذا ما كان يألف أهل الحجاز، ولا فرق بين الشيء وبين نظيره، وكذلك في حق كل أهل إقليم، عندهم من الثمار من نعمة الله عليهم ما يَعْجِزُون عن القيام بشكره.
وقوله: (لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ) أي: من جميع الثمار، كما قال: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النحل: ١١].
وقوله: (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) كأنه معطوف على شيء مقدر، تقديره: تنظرون إلى حسنه ونضجه، ومنه تأكلون.
وقوله: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ) يعني: الزيتونة. والطور: هو الجبل. وقال بعضهم: إنما يسمى طورا إذا كان فيه شجر، فإن عَرى عنها سمي جَبَلا لا طورًا، والله أعلم.
QS 23:18-22 (jilid 5 hlm. 471) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 471 ·
#89993
جُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ) يعني: الزيتونة. والطور: هو الجبل. وقال بعضهم: إنما يسمى طورا إذا كان فيه شجر، فإن عَرى عنها سمي جَبَلا لا طورًا، والله أعلم. وطور سيناء: هو طور سينين، وهو الجبل الذي كَلَّم [الله] عليه موسى بن عمران، ﵇، وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون.
وقوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ): قال بعضهم: الباء زائدة، وتقديره: تنبت الدهن، كما في قول العرب: ألقى فلان بيده، أي: يده. وأما على قول من يُضَمِّن الفعل فتقديره: تخرج بالدهن، أو تأتي بالدهن؛ ولهذا قال: (وَصِبْغٍ) أي: أدْم، قاله قتادة.
QS 23:18-22 (jilid 5 hlm. 471) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 471 ·
#89994
قول العرب: ألقى فلان بيده، أي: يده. وأما على قول من يُضَمِّن الفعل فتقديره: تخرج بالدهن، أو تأتي بالدهن؛ ولهذا قال: (وَصِبْغٍ) أي: أدْم، قاله قتادة. (لِلآكِلِينَ) أي: فيها ما ينتفع به من الدهن والاصطباغ، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، عن عبد الله بن عيسى، عن عطاء الشامي، عن أبي أسَيْد -واسمه مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري-قال: قال رسول الله ﷺ: "كلوا الزيت وادهنوا به؛ فإنه من شجرة مباركة".
وقال عبد بن حُمَيد في مسنده وتفسيره: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ائتدموا بالزيت وادهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة".
ورواه الترمذي وابن ماجه من غير وجه، عن عبد الرزاق.
QS 23:18-22 (jilid 5 hlm. 471) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 471 ·
#89995
أسلم، عن أبيه، عن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ائتدموا بالزيت وادهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة".
ورواه الترمذي وابن ماجه من غير وجه، عن عبد الرزاق. قال الترمذي: ولا يعرف إلا من
حديثه، وكان يضطرب فيه، فربما ذكر فيه عمر وربما لم يذكره.
قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثني الصَّعْب بن حكيم بن شريك بن نملة، عن أبيه عن جده، قال: ضِفْت عمرَ بن الخطاب ليلة عاشوراء، فأطعمني من رأس بعير بارد، وأطعمنا زيتًا، وقال: هذا الزيت المبارك الذي قال الله لنبيه ﷺ.
QS 23:18-22 (jilid 5 hlm. 472) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 472 ·
#89996
نملة، عن أبيه عن جده، قال: ضِفْت عمرَ بن الخطاب ليلة عاشوراء، فأطعمني من رأس بعير بارد، وأطعمنا زيتًا، وقال: هذا الزيت المبارك الذي قال الله لنبيه ﷺ.
وقوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ): يذكر تعالى ما جعل لخلقه في الأنعام من المنافع، وذلك أنهم يشربون من ألبانها الخارجة من بين فرْث ودم، ويأكلون من حملانها، ويلبسون من أصوافها وأوبارها وأشعارها، ويركبون ظهورها ويحملونها الأحمال الثقال إلى البلاد النائية عنهم، كما قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ *
QS 23:18-22 (jilid 5 hlm. 472) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 472 ·
#89997
خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٣].
QS 23:18 (jilid 5 hlm. 857) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 857 ·
#103152
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أنزل من السماء ماء معظمًا نفسه جل وعلا بصيغة الجمع المراد بها التعظيم، وأن ذلك الماء الذي أنزله من السماء أسكنه في الأرض؛ لينتفع به الناس في الآبار، والعيون، ونحو ذلك، وأنه جل وعلا قادر على إذهابه لو شاء
أن يذهبه، فيهلك جميع الخلق بسبب ذهاب الماء من أصله جوعًا وعطشًا، وبين أنه أنزله بقدر، أي: بمقدار معين عنده يحصل به نفع الخلق، ولا يكثره عليهم حتى يكون كطوفان نوح؛ لئلا يهلكهم، فهو ينزله بالقدر الذي به المصلحة، دون المفسدة سبحانه جل وعلا ما أعظمه، وما أعظم لطفه بخلقه.
QS 23:18 (jilid 5 hlm. 858) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 858 ·
#103153
الخلق، ولا يكثره عليهم حتى يكون كطوفان نوح؛ لئلا يهلكهم، فهو ينزله بالقدر الذي به المصلحة، دون المفسدة سبحانه جل وعلا ما أعظمه، وما أعظم لطفه بخلقه. وهذه المسائل الثلاث التي ذكرها في هذه الآية الكريمة جاءت مبينة في غير هذا الموضع.
الأولى: التي هي كونه أنزله بقدر أشار إليها في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾.
والثانية: التي هي إسكانه الماء المنزل من السماء في الأرض بينها في قوله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ والينبوع: الماء الكثير، وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾ على ما قدمنا في الحجر.
QS 23:18 (jilid 5 hlm. 858) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 858 ·
#103154
والينبوع: الماء الكثير، وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾ على ما قدمنا في الحجر.
والثالثة: التي هي قدرته على إِذهابه أشار لها في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ ويشبه معناها قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ لأنه إذا صار ملحًا أجاجًا لا يمكن الشرب منه ولا الانتفاع به صار في حكم المعدوم.
QS 23:18 (jilid 5 hlm. 858) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 858 ·
#103155
تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ لأنه إذا صار ملحًا أجاجًا لا يمكن الشرب منه ولا الانتفاع به صار في حكم المعدوم.
وقد بين كيفية إنزاله الماء من السماء في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ فصرح بأن الودق الذي هو المطر يخرج من خلال السحاب الذي هو المزن، وهو الوعاء الذي فيه الماء، وبين أن السحابة تمتلئ من الماء حتى تكون ثقيلة لكثرة ما فيها من الماء في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ الآية. فقوله: ثقالًا جمع ثقيلة، وثقلها
إنما هو بالماء الذي فيها، وقوله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢)﴾ جمع سحابة ثقيلة.
وهذه الآيات القرآنية تدل على أن الله يجمع الماء في المزن، ثم يخرجه من خلال السحاب، وخلال الشيء ثقوبه وفروجه التي هي غير مسدودة.
QS 23:18 (jilid 5 hlm. 859) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 859 ·
#103156
١٢)﴾ جمع سحابة ثقيلة.
وهذه الآيات القرآنية تدل على أن الله يجمع الماء في المزن، ثم يخرجه من خلال السحاب، وخلال الشيء ثقوبه وفروجه التي هي غير مسدودة. وبين جل وعلا أنه هو الذي ينزله ويصرفه بين خلقه كيف يشاء، فيكثر المطر في بلاد قوم سنة، حتى يكثر فيها الخصب وتتزايد فيها النعم، ليبتلي أهلها في شكر النعمة، وهل يعتبرون بعظم الآية في إنزال الماء، ويقل المطر عليهم في بعض السنين، فتهلك مواشيهم من الجدب، ولا تنبت زروعهم، ولا تثمر أشجارهم، ليبتليهم بذلك، هل يتوبون إليه، ويرجعون إلى ما يرضيه.
QS 23:18 (jilid 5 hlm. 859) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 859 ·
#103157
الماء، ويقل المطر عليهم في بعض السنين، فتهلك مواشيهم من الجدب، ولا تنبت زروعهم، ولا تثمر أشجارهم، ليبتليهم بذلك، هل يتوبون إليه، ويرجعون إلى ما يرضيه.
وبين أنه مع الإِنعام العام على الخلق بإنزال المطر بالقدر المصلح وإسكان مائه في الأرض ليشربوا منه هم، وأنعامهم، وينتفعوا به أبي أكثرهم إلا الكفر به، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾.
ولا شك أن من جملة من أبى منهم إلا كفورًا الذين يزعمون أن المطر لم ينزل منزل هو فاعل مختار، وإنما نزل بطبيعته، فالمنزل له عندهم هو الطبيعة، وأن طبيعة الماء التبخر إذا تكاثرت عليه درجات الحرارة من الشمس، أو الاحتكاك بالريح، وأن ذلك البخار يرتفع بطبيعته؛ ثم يجتمع، ثم يتقاطر، وأن تقاطره ذلك أمر طبيعي لا فاعل له، وأنه هو المطر.
QS 23:18 (jilid 5 hlm. 859) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 859 ·
#103158
يه درجات الحرارة من الشمس، أو الاحتكاك بالريح، وأن ذلك البخار يرتفع بطبيعته؛ ثم يجتمع، ثم يتقاطر، وأن تقاطره ذلك أمر طبيعي لا فاعل له، وأنه هو المطر. فينكرون نعمة الله في إنزاله المطر وينكرون دلالة إنزاله على قدرة منزله، ووجوب الإِيمان به واستحقاقه للعبادة وحده،
فمثل هؤلاء داخلون في قوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾ بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾.
وقد صرح في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ أنه تعالى هو مصرف الماء، ومنزله حيث شاء كيف شاء. ومن قبيل هذا المعنى: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في أثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر بي.
QS 23:18 (jilid 5 hlm. 860) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 860 ·
#103159
أثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر بي. فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" هذا لفظ مسلم ﵀ في صحيحه، ولا شك أن من قال: مطرنا ببخار كذا مسندًا ذلك للطبيعة أنه كافر باللَّه، مؤمن بالطبيعة والبخار. والعرب كانوا يزعمون أن بعض المطر أصله من البحر إلا أنهم يسندون فعل ذلك للفاعل المختار جل وعلا. ومن أشعارهم في ذلك قول طرفة بن العبد:
لا تلمني إنها من نسوة ... رقد الصيف مقاليت نزر
كبنات البحر يمأدن إذا ... أنبت الصيف عساليج الخضر
فقوله: بنات البحر يعني: المزن التي أصل مائها من البحر.
وقول أبي ذؤيب الهذلي:
سقى أم عمرو كل آخر ليلة ... حناتم غرماؤهن ثجيج
شربن بماء البحر ثم ترفعت ...
QS 23:18 (jilid 5 hlm. 860) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 860 ·
#103160
له: بنات البحر يعني: المزن التي أصل مائها من البحر.
وقول أبي ذؤيب الهذلي:
سقى أم عمرو كل آخر ليلة ... حناتم غرماؤهن ثجيج
شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج
ولا شك أن خالق السموات والأرض جل وعلا هو منزل المطر
على القدر الذي يشاء كيف يشاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
•
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 28) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 28 ·
#131800
[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (٢٣) : الْآيَات ١٨ إِلَى ٢٠]
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)
مُنَاسَبَةُ عَطْفِ إِنْزَالِ مَاءِ الْمَطَرِ عَلَى جُمْلَةِ وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ [الْمُؤْمِنُونَ:
١٧] أَنَّ مَاءَ الْمَطَرِ يَنْزِلُ مِنْ صَوْبِ السَّمَاءِ، أَيْ مِنْ جِهَةِ السَّمَاءِ.
وَفِي إِنْزَالِ مَاءِ الْمَطَرِ دَلَالَةٌ عَلَى سِعَةِ الْعِلْمِ وَدَقِيقِ الْقُدْرَةِ، وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا مِنَّةٌ عَلَى الْخَلْقِ فَالْكَلَامُ اعْتِبَارٌ وَامْتِنَانٌ مِنْ قَوْلِهِ: فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ إِلَى آخِرِهِ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 28) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 28 ·
#131801
ةِ، وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا مِنَّةٌ عَلَى الْخَلْقِ فَالْكَلَامُ اعْتِبَارٌ وَامْتِنَانٌ مِنْ قَوْلِهِ: فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ إِلَى آخِرِهِ. وَمَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَسُورَةِ الرَّعْدِ وَسُورَةِ النَّحْلِ.
وَإِنْزَالُ الْمَاءِ هُوَ إِسْقَاطُهُ مِنَ السُّحُبِ مَاءً وَثَلْجًا وَبَرَدًا عَلَى السُّهُولِ وَالْجِبَالِ.
وَالْقَدَرُ هُنَا: التَّقْدِيرُ وَالتَّعْيِينُ لِلْمِقْدَارِ فِي الْكَمِّ وَفِي النَّوْبَةِ، فَيَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى صَرِيحِهِ، أَيْ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ مُنَاسِبٍ لِلْإِنْعَامِ بِهِ لِأَنَّهُ إِذَا أُنْزِلَ كَذَلِكَ حَصَلَ بِهِ الرِّيُّ وَالتَّعَاقُبُ، وَكَذَلِكَ ذَوَبَانُ الثُّلُوجِ النَّازِلَةِ. وَيَصِحُّ أَنْ يُقْصَدَ مَعَ ذَلِكَ الْكِنَايَةُ عَنِ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقَدَرِ هُنَا الْمَعْنَى الَّذِي
فِي قَول النبيء ﷺ: «وَتُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»
.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 29) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 29 ·
#131802
ِ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقَدَرِ هُنَا الْمَعْنَى الَّذِي
فِي قَول النبيء ﷺ: «وَتُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»
. وَالْإِسْكَانُ: جَعْلُ الشَّيْءِ فِي مَسْكَنٍ، وَالْمَسْكَنُ: مَحَلُّ الْقَرَارِ، وَهُوَ مَفْعَلٌ اسْمُ مَكَانٍ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّكُونِ.
وَأَطْلَقَ الْإِسْكَانَ عَلَى الْإِقْرَارِ فِي الْأَرْضِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ. وَهَذَا الْإِقْرَارُ عَلَى نَوْعَيْنِ: إِقْرَارٌ قَصِيرٌ مِثْلَ إِقْرَارِ مَاءِ الْمَطَرِ فِي الْقِشْرَةِ الظَّاهِرَةِ مِنَ الْأَرْضِ عَقِبَ نُزُولِ الْأَمْطَارِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ غَزَارَةُ الْمَطَرِ وَرَخَاوَةُ الْأَرْضِ وَشِدَّةُ الْحَرَارَةِ أَوْ شِدَّةُ الْبَرْدِ، وَهُوَ مَا يَنْبُتُ بِهِ النَّبَاتُ فِي الْحَرْثِ وَالْبَقْلُ فِي الرَّبِيعِ وَتَمْتَصُّ مِنْهُ الْأَشْجَارُ بِعُرُوقِهَا فَتُثْمِرُ إِثْمَارَهَا وَتَخْرُجُ بِهِ عُرُوقُ الْأَشْجَارِ وَأُصُولُهَا مِنَ الْبُزُورِ الَّتِي فِي الْأَرْضِ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 29) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 29 ·
#131803
َصُّ مِنْهُ الْأَشْجَارُ بِعُرُوقِهَا فَتُثْمِرُ إِثْمَارَهَا وَتَخْرُجُ بِهِ عُرُوقُ الْأَشْجَارِ وَأُصُولُهَا مِنَ الْبُزُورِ الَّتِي فِي الْأَرْضِ.
وَنَوْعٌ آخَرُ هُوَ إِقْرَارٌ طَوِيلٌ وَهُوَ إِقْرَارُ الْمِيَاهِ الَّتِي تَنْزِلُ مِنَ الْمَطَرِ وَعَنْ ذَوْبِ الثُّلُوجِ النَّازِلَةِ فَتَتَسَرَّبُ إِلَى دَوَاخِلِ الْأَرْضِ فَتَنْشَأُ مِنْهَا الْعُيُونُ الَّتِي تَنْبُعُ بِنَفْسِهَا أَوْ تُفَجَّرُ بِالْحَفْرِ آبَارًا.
وَجُمْلَةُ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْجُمْلَةِ وَمَا تَفَرَّعَ عَلَيْهَا. وَفِي هَذَا تَذْكِيرٌ بِأَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى صَالِحَةٌ لِلْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ وَتَنْكِيرُ ذَهابٍ لِلتَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 29) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 29 ·
#131804
يْهَا. وَفِي هَذَا تَذْكِيرٌ بِأَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى صَالِحَةٌ لِلْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ وَتَنْكِيرُ ذَهابٍ لِلتَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ. وَمَعْنَى التَّعْظِيمِ هُنَا تَعَدُّدُ أَحْوَالِ الذَّهَابِ بِهِ مِنْ تَغْوِيرِهِ إِلَى أَعْمَاقِ الْأَرْضِ بِانْشِقَاقِ الْأَرْضِ بِزِلْزَالٍ وَنَحْوِهِ، وَمِنْ تَجْفِيفِهِ بِشِدَّةِ الْحَرَارَةِ، وَمِنْ إِمْسَاكِ إِنْزَالِهِ زَمَنًا طَوِيلًا.
وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ [الْملك: ٣٠] ، وَفِي «الْكَشَّافِ» : «وَهُوَ (أَيْ مَا فِي هَاتِهِ الْآيَةِ) أَبْلَغُ فِي الْإِيعَادِ
مِنْ قَوْلِهِ: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ [الْملك: ٣٠] اهـ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 29) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 29 ·
#131805
لْآيَةِ) أَبْلَغُ فِي الْإِيعَادِ
مِنْ قَوْلِهِ: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ [الْملك: ٣٠] اهـ. فَبَيَّنَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» (١) » لِلْأَبْلَغِيَّةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَجْهًا:
الْأَوَّلُ: أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ وَهَذَا عَلَى الْجَزْمِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى تَحْقِيقِ مَا أَوْعَدَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ.
الثَّانِي: التَّوْكِيدُ بِ (إِنَّ) .
الثَّالِثُ: اللَّامُ فِي الْخَبَرِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ هَذِهِ فِي مُطْلَقِ الْمَاءِ الْمُنَزَّلِ مِنَ السَّمَاءِ وَتِلْكَ فِي مَاءٍ مُضَافٍ إِلَيْهِمْ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْغَائِرَ قَدْ يَكُونُ بَاقِيًا بِخِلَافِ الذَّاهِبِ.
السَّادِسُ: مَا فِي تَنْكِيرِ ذَهابٍ مِنَ الْمُبَالَغَةِ.
السَّابِعُ: إِسْنَادُهُ هَاهُنَا إِلَى مُذْهِبٍ بِخِلَافِهِ ثَمَّتْ حَيْثُ قيل غَوْراً [الْملك: ٣٠] .
الثَّامِنُ: مَا فِي ضَمِيرِ الْمُعَظِّمِ نَفْسَهُ مِنَ الرَّوْعَةِ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 30) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 30 ·
#131806
دُهُ هَاهُنَا إِلَى مُذْهِبٍ بِخِلَافِهِ ثَمَّتْ حَيْثُ قيل غَوْراً [الْملك: ٣٠] .
الثَّامِنُ: مَا فِي ضَمِيرِ الْمُعَظِّمِ نَفْسَهُ مِنَ الرَّوْعَةِ.
التَّاسِعُ: مَا فِي لَقادِرُونَ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالْفِعْلُ الْوَاقِعُ مِنَ الْقَادِرِ أَبْلَغُ.
الْعَاشِرُ: مَا فِي جَمْعِهِ.
الْحَادِي عَشَرَ: مَا فِي لَفْظِ بِهِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَا يُمْسِكُهُ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ.
الثَّانِي عَشَرَ: إِخْلَاؤُهُ مِنَ التَّعْقِيبِ بِإِطْمَاعٍ وَهُنَالِكَ ذُكِرَ الْإِتْيَانُ الْمَطْمَعُ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: تَقْدِيم مَا فِيهِ الْإِيعَادِ وَهُوَ الذَّهَابُ عَلَى مَا هُوَ كَالْمُتَعَلِّقِ لَهُ أَوْ مُتَعَلِّقِهِ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَالْكُوفِيِّ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: مَا بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الِاسْمِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ مِنَ التَّفَاوُتِ ثَبَاتًا وَغَيْرَهُ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 30) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 30 ·
#131807
بَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَالْكُوفِيِّ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: مَا بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الِاسْمِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ مِنَ التَّفَاوُتِ ثَبَاتًا وَغَيْرَهُ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: مَا فِي لفظ أَصْبَحَ [الْملك: ٣٠] مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الِانْتِقَالِ وَالصَّيْرُورَةِ.
السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّ الْإِذْهَابَ هَاهُنَا مُصَرَّحٌ بِهِ وَهُنَالِكَ مَفْهُومٌ مِنْ سِيَاقِ الِاسْتِفْهَامِ.
السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ هُنَالِكَ نَفْيُ مَاءٍ خَاصٍّ أَعْنِي الْمَعِينَ بِخِلَافِهِ هَاهُنَا.
الثَّامِنَ عَشَرَ: اعْتِبَارُ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي يَكْفِي كُلٌّ مِنْهَا مُؤَكِّدًا.
وَزَادَ الْآلُوسِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» فَقَالَ:
التَّاسِعَ عَشَرَ: إِخْبَارُهُ تَعَالَى نَفْسُهُ بِهِ مِنْ دُونِ أَمْرٍ لِلْغَيْرِ هَاهُنَا بِخِلَافِهِ هُنَالِكَ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ نَبِيَّهُ ﵊ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ.
الْعِشْرُونَ: عَدَمُ تَخْصِيصِ مُخَاطَبٍ هَاهُنَا وَتَخْصِيصُ الْكُفَّارِ بِالْخِطَابِ هُنَالِكَ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 31) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 31 ·
#131808
سُبْحَانَهُ أَمَرَ نَبِيَّهُ ﵊ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ.
الْعِشْرُونَ: عَدَمُ تَخْصِيصِ مُخَاطَبٍ هَاهُنَا وَتَخْصِيصُ الْكُفَّارِ بِالْخِطَابِ هُنَالِكَ.
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: التَّشْبِيهُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ جَعْلِ الْجُمْلَةِ حَالًا فَإِنَّهُ يُفِيدُ تَحْقِيقَ الْقُدْرَةِ وَلَا تَشْبِيهَ ثَمَّتَ.
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: إِسْنَادُ الْقُدْرَةِ إِلَيْهِ تَعَالَى مَرَّتَيْنِ.
وَنَقَلَ الْآلُوسِيُّ عَنْ عَصْرِيِّهِ الْمَوْلَى مُحَمَّدٍ الزَّهَاوِيِّ وُجُوهًا وَهِيَ:
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: تَضْمِينُ الْإِيعَادِ هُنَا إِيعَادُهُمْ بِالْإِبْعَادِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ (ذَهَبَ بِهِ) يَسْتَلْزِمُ مُصَاحَبَةَ الْفَاعِلِ الْمَفْعُولَ، وَذَهَابَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُمْ مَعَ الْمَاءِ بِمَعْنَى ذَهَابِ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ وَلَعْنِهِمْ وَطَرْدِهِمْ عَنْهَا وَلَا كَذَلِكَ مَا هُنَاكَ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 31) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 31 ·
#131809
للَّهِ تَعَالَى عَنْهُمْ مَعَ الْمَاءِ بِمَعْنَى ذَهَابِ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ وَلَعْنِهِمْ وَطَرْدِهِمْ عَنْهَا وَلَا كَذَلِكَ مَا هُنَاكَ.
الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ لَيْسَ الْوَقْتُ لِلذَّهَابِ مُعَيَّنًا هُنَا بِخِلَافِهِ فِي إِنْ أَصْبَحَ [الْملك:
٣٠] فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الصَّيْرُورَةَ فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحَدِ اسْتِعْمَالَيْ (أَصْبَحَ) نَاقِصًا.
الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ جِهَةَ الذَّهَابِ بِهِ لَيْسَتْ مُعَيَّنَةً بِأَنَّهَا السُّفْلُ (أَيْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ غَوْرًا) .
السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْإِيعَادَ هُنَا بِمَا لَمْ يُبْتَلُوا بِهِ قطّ بِخِلَافِهِ بِمَا هُنَالِكَ.
السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْمُوعَدَ بِهِ هُنَا إِنْ وَقَعَ فَهُمْ هَالِكُونَ أَلْبَتَّةَ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 31) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 31 ·
#131810
َمْ يُبْتَلُوا بِهِ قطّ بِخِلَافِهِ بِمَا هُنَالِكَ.
السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْمُوعَدَ بِهِ هُنَا إِنْ وَقَعَ فَهُمْ هَالِكُونَ أَلْبَتَّةَ.
الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ هُنَا لَهُمْ مُتَشَبِّثٌ وَلَوْ ضَعِيفًا فِي تَأْمِيلِ امْتِنَاعِ الْمَوْعِدِ بِهِ وَهُنَاكَ حَيْثُ أَسْنَدَ الْإِصْبَاحَ غَوْرًا إِلَى الْمَاءِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَاءَ
لَا يُصْبِحُ غَوْرًا بِنَفْسِهِ كَمَا هُوَ تَحْقِيقُ مَذْهَبِ الْحَكِيمِ، أَيْضًا احْتُمِلَ أَنْ يُتَوَهَّمَ الشَّرْطِيَّةُ مَعَ صِدْقِهَا مُمْتَنِعَةَ الْمَقْدَمِ فَيَأْمَنُوا وُقُوعَهُ.
التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْمُوعَدَ بِهِ هُنَا يحْتَمل فِي بادىء النَّظَرِ وُقُوعُهُ حَالًا بِخِلَافِهِ هُنَاكَ فَإِنَّ الْمُسْتَقْبَلَ مُتَعَيِّنٌ لِوُقُوعِهِ لِمَكَانِ (إِنْ) .
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 32) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 32 ·
#131811
ُوعَدَ بِهِ هُنَا يحْتَمل فِي بادىء النَّظَرِ وُقُوعُهُ حَالًا بِخِلَافِهِ هُنَاكَ فَإِنَّ الْمُسْتَقْبَلَ مُتَعَيِّنٌ لِوُقُوعِهِ لِمَكَانِ (إِنْ) . وَظَاهِرٌ أَنَّ التَّهْدِيدَ بِمُحْتَمَلِ الْوُقُوعِ فِي الْحَالِ أَهْوَلُ، وَمُتَعَيِّنِ الْوُقُوعِ فِي الِاسْتِقْبَالِ أَهْوَنُ.
الثَّلَاثُونَ: أَنَّ مَا هُنَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْإِيعَادِ بِخِلَافِ مَا هُنَاكَ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ وَلَوْ عُلِمَ بُعْدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الِامْتِنَانُ بِأَنَّهُ: إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَلَا يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ سِوَى اللَّهُ تَعَالَى.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 32) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 32 ·
#131812
بُعْدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الِامْتِنَانُ بِأَنَّهُ: إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَلَا يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ سِوَى اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَنَا أَقُولُ: عُنِيَ هَؤُلَاءِ النَّحَارِيرُ بِبَيَانِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدُهُمْ لِلْكَشْفِ عَنْ وَجْهِ تَوْفِيرِ الْخَصَائِصِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دُونَ الْآيَةِ الْأُخْرَى مِمَّا يُوَازِنُهَا، وَلَيْسَ ذَلِك لخو الْآيَةِ عَنْ نُكَتِ الْإِعْجَازِ وَلَا عَجْزِ النَّاظِرِينَ عَنِ اسْتِخْرَاجِ أَمْثَالِهَا، وَلَكِنْ مَا يُبَيَّنُ مِنَ الْخَصَائِصِ الْبَلَاغِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ لَيْسَ يُرِيدُ مَنْ يُبَيِّنُهُ أَنَّ مَا لَاحَ لَهُ وَوُفِّقَ إِلَيْهِ هُوَ قُصَارَى مَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ فِي نَظْمِ الْقُرْآنِ مِنَ الْخَصَائِصِ وَالْمَعَانِي وَلَكِنَّهُ مُبَلِّغٌ مَا صَادَفَ لَوْحُهُ لِلنَّاظِرِ الْمُتَدَبِّرِ، وَالْعُلَمَاءُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْكَشْفِ عَنْهُ عَلَى قَدْرِ الْقَرَائِحِ وَالْفُهُومِ فَقَدْ
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 32) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 32 ·
#131813
ِّغٌ مَا صَادَفَ لَوْحُهُ لِلنَّاظِرِ الْمُتَدَبِّرِ، وَالْعُلَمَاءُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْكَشْفِ عَنْهُ عَلَى قَدْرِ الْقَرَائِحِ وَالْفُهُومِ فَقَدْ يُفَاضُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ إِدْرَاكِ الْخَصَائِصِ الْبَلَاغِيَّةِ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ وَلَا يُفَاضُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ أَوْ عَلَى مِثْلِهِ فِي غَيْرِهَا. وَإِنَّمَا يَقْصِدُ أَهْلُ الْمَعَانِي بِإِفَاضَةِ الْقَوْلِ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ أَنْ تَكُونَ نَمُوذَجًا لِاسْتِخْرَاجِ أَمْثَالِ تِلْكَ الْخَصَائِصِ فِي آيَاتٍ أُخْرَى كَمَا فَعَلَ السَّكَّاكِيُّ فِي بَيَانِ خَصَائِصِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ [هود: ٤٤] الْآيَةُ مِنْ مَبْحَثِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ مِنَ «الْمِفْتَاحِ» ، وَأَنَّهُ قَالَ فِي مُنْتَهَى كَلَامِهِ «وَلَا تَظُنَّنَّ الْآيَةَ مَقْصُورَةً عَلَى مَا ذَكَرْتُ فَلَعَلَّ مَا تَرَكْتُ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرْتُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْإِرْشَادُ لِكَيْفِيَّةِ اجْتِنَاءِ ثَمَرَاتِ
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 32) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 32 ·
#131814
ى مَا ذَكَرْتُ فَلَعَلَّ مَا تَرَكْتُ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرْتُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْإِرْشَادُ لِكَيْفِيَّةِ اجْتِنَاءِ ثَمَرَاتِ عِلْمَيِ
الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ» .
وَقَدْ نَقُولُ: إِنَّ آيَةَ سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ قُصِدَ مِنْهَا الْإِنْذَارُ وَالتَّهْدِيدُ بِسَلْبِ تِلْكَ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ، وَأَمَّا آيَةُ سُورَةِ الْمُلْكِ فَالْقَصْدُ مِنْهَا الِاعْتِبَارُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَلْبِهَا، فَاخْتِلَافُ الْمَقَامَيْنِ لَهُ أَثَرٌ فِي اخْتِلَافِ الْمُقْتَضَيَاتِ فَكَانَتْ آيَةُ سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ آثَرَ بِوَفْرَةِ الْخَصَائِصِ الْمُنَاسِبَةِ لِمَقَامِ الْإِنْذَارِ وَالتَّهْدِيدِ دُونَ تَعْطِيلٍ لِاسْتِخْرَاجِ خَصَائِصٍ فِيهَا لَعَلَّنَا نُلِمُّ بِهَا حِينَ نَصِلُ إِلَيْهَا.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 33) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 33 ·
#131815
الْمُنَاسِبَةِ لِمَقَامِ الْإِنْذَارِ وَالتَّهْدِيدِ دُونَ تَعْطِيلٍ لِاسْتِخْرَاجِ خَصَائِصٍ فِيهَا لَعَلَّنَا نُلِمُّ بِهَا حِينَ نَصِلُ إِلَيْهَا.
عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْمُلْكِ نَزَلَتْ عَقِبَ نُزُولِ سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ يَتَدَاخَلُ نُزُولُ بَعْضِهَا مَعَ نُزُولِ بَعْضِ سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أُشْبِعَتْ آيَةُ سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْخُصُوصِيَّاتِ الَّتِي اقْتَضَاهَا الْمَقَامُ اكْتُفِيَ عَنْ مِثْلِهَا فِي نَظِيرَتِهَا مِنْ سُورَةِ الْمُلْكِ فَسَلَكَ فِي الثَّانِيَةِ مَسْلَكَ الْإِيجَازِ لِقُرْبِ الْعَهْدِ بِنَظِيرِهَا.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 33) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 33 ·
#131816
قَامُ اكْتُفِيَ عَنْ مِثْلِهَا فِي نَظِيرَتِهَا مِنْ سُورَةِ الْمُلْكِ فَسَلَكَ فِي الثَّانِيَةِ مَسْلَكَ الْإِيجَازِ لِقُرْبِ الْعَهْدِ بِنَظِيرِهَا.
وَإِنْشَاءُ الْجَنَّاتِ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى أَوَّلُ إِنْبَاتِ الْجَنَّاتِ فِي الْأَرْضِ وَمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ أُنْبِتَتِ الْجَنَّاتُ بِغَرْسِ الْبَشَرِ وَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ صُنْعِ اللَّهِ بِمَا أَوْدَعَ فِي الْعُقُولِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ وَالسَّقْيِ وَتَفْجِيرِ الْمِيَاهِ وَاجْتِلَابِهَا مِنْ بُعْدٍ فَكُلُّ هَذَا الْإِنْشَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْجَنَّةُ: الْمَكَانُ ذُو الشَّجَرِ، وَأَكْثَرُ إِطْلَاقِهِ عَلَى مَا كَانَ فِيهِ نَخْلٌ وَكَرْمٌ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 33) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 33 ·
#131817
كُلُّ هَذَا الْإِنْشَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْجَنَّةُ: الْمَكَانُ ذُو الشَّجَرِ، وَأَكْثَرُ إِطْلَاقِهِ عَلَى مَا كَانَ فِيهِ نَخْلٌ وَكَرْمٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ الْآيَةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٦٥] .
وَمَا ذُكِرَ هُنَا مِنْ أَصْنَافِ الشَّجَرِ الثَّلَاثَةِ هُوَ أَكْرَمُ الشَّجَرِ وَأَنْفَعُهُ ثَمَرًا وَهُوَ النَّخِيلُ وَالْأَعْنَابُ وَالزَّيْتُونُ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ وَالزَّيْتُونِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٩٩] وَفِي سُورَةِ النَّحْلِ [١١] .
وَالْفَوَاكِهُ: جَمَعُ فَاكِهَةٍ، وَهِيَ الطَّعَامُ الَّذِي يُتَفَكَّهُ بِأَكْلِهِ، أَيْ يُتَلَذَّذُ بِطَعْمِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْقُوتِ، فَإِنْ قُصِدَ بِهِ الْقُوتُ قِيلَ لَهُ طَعَامٌ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 33) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 33 ·
#131818
َ الطَّعَامُ الَّذِي يُتَفَكَّهُ بِأَكْلِهِ، أَيْ يُتَلَذَّذُ بِطَعْمِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْقُوتِ، فَإِنْ قُصِدَ بِهِ الْقُوتُ قِيلَ لَهُ طَعَامٌ. فَمِنَ الْأَطْعِمَةِ مَا هُوَ فَاكِهَةٌ وَطَعَامٌ كَالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ رَطْبًا وَيَابِسًا، وَمِنْهَا مَا هُوَ فَاكِهَةٌ وَلَيْسَ بِطَعَامٍ كَاللَّوْزِ وَالْكُمَّثْرَى، وَمِنْهَا مَا هُوَ طَعَامٌ غَيْرُ فَاكِهَةٍ كَالزَّيْتُونِ، وَلِذَلِكَ أَخَّرَ ذِكْرَ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ عَنْ ذِكْرِ أَخَوَيْهَا لِأَنَّهُ أُرِيدَ الِامْتِنَانُ بِمَا فِي ثَمَرَتِهِمَا مِنَ التَّفَكُّهِ وَالْقُوتِ فَتَكُونُ مِنَّةً بِالْحَاجِيِّ وَالتَّحْسِينِيِّ.
وَوَصَفَ الْفَوَاكِهَ بِ كَثِيرَةٌ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْأَصْنَافِ كَالْبُسْرِ وَالرَّطْبِ وَالتَّمْرِ، وَكَالزَّيْتِ وَالْعِنَبِ الرَّطْبِ، وَأَيْضًا بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ إِثْمَارِ هَذَيْنِ الشَّجَرَيْنِ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 34) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 34 ·
#131819
ْأَصْنَافِ كَالْبُسْرِ وَالرَّطْبِ وَالتَّمْرِ، وَكَالزَّيْتِ وَالْعِنَبِ الرَّطْبِ، وَأَيْضًا بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ إِثْمَارِ هَذَيْنِ الشَّجَرَيْنِ.
وَشَجَرَةً عَطْفٌ عَلَى جَنَّاتٍ أَيْ وَأَخْرَجْنَا لَكُمْ بِهِ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ
وَهِيَ شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ، وَجُمْلَةُ تَخْرُجُ صِفَةٌ لِ شَجَرَةً وَتَخْصِيصُهَا بِالذِّكْرِ مَعَ طَيِّ كَوْنِ النَّاسِ مِنْهَا يَأْكُلُونَ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهَا، وَإِيمَاءٌ إِلَى كَثْرَةِ مَنَافِعِهَا لِأَنَّ مِنْ ثَمَرَتِهَا طَعَامًا وَإِصْلَاحًا ومداواة، وَمن أعودها وَقُودٌ وَغَيْرُهُ،
وَفِي الْحَدِيثِ «كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ»
.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 34) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 34 ·
#131820
مًا وَإِصْلَاحًا ومداواة، وَمن أعودها وَقُودٌ وَغَيْرُهُ،
وَفِي الْحَدِيثِ «كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ»
. وَطُورُ سَيْنَاءَ: جَبَلٌ فِي صَحْرَاءِ سَيْنَاءَ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ عَقَبَةِ أَيْلَةَ وَبَيْنَ مِصْرِ، وَهِيَ مِنْ بِلَادِ فِلَسْطِينَ فِي الْقَدِيمِ وَفِيهِ نَاجَى مُوسَى رَبَّهُ تَعَالَى، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [١٤٣] عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ اسْمُ الطُّورِ بِدُونِ إِضَافَةٍ، وَطُورُ سَيْنَاءَ أَوْ طُورُ سِينِينَ. وَمَعْنَى الطُّورِ الْجَبَلُ. وَسَيْنَاءُ قِيلَ اسْمُ شَجَرٍ يَكْثُرُ هُنَالِكَ. وَقِيلَ اسْمُ حِجَارَةٍ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 34) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 34 ·
#131821
َةٍ، وَطُورُ سَيْنَاءَ أَوْ طُورُ سِينِينَ. وَمَعْنَى الطُّورِ الْجَبَلُ. وَسَيْنَاءُ قِيلَ اسْمُ شَجَرٍ يَكْثُرُ هُنَالِكَ. وَقِيلَ اسْمُ حِجَارَةٍ. وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ لِذَلِكَ الْمَكَانِ، قِيلَ هُوَ اسْمٌ نَبَطِيٌّ وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ حَبَشِيٌّ وَلَا يَصِحُّ.
وَإِنَّمَا اغْتَرَّ مَنْ قَالَهُ بِمُشَابَهَةِ هَذَا الِاسْمِ لِوَصْفِ الْحُسْنِ فِي اللُّغَةِ الْحَبَشِيَّةِ وَهُوَ كَلِمَةُ سَنَاهُ، وَمِثْلُ هَذَا التَّشَابُهِ قَدْ أَثَارَ أَغْلَاطًا.
وَسُكِّنَتْ يَاءُ سَيْناءَ سُكُونًا مَيِّتًا وَبِهِ قَرَأَ الْجُمْهُورُ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 34) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 34 ·
#131822
َهُوَ كَلِمَةُ سَنَاهُ، وَمِثْلُ هَذَا التَّشَابُهِ قَدْ أَثَارَ أَغْلَاطًا.
وَسُكِّنَتْ يَاءُ سَيْناءَ سُكُونًا مَيِّتًا وَبِهِ قَرَأَ الْجُمْهُورُ. وَيَجُوزُ فِيهَا الْفَتْحُ وَسُكُونُ الْيَاءِ سُكُونًا حَيًّا، وَبِهِ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ، وَهُوَ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ مَمْدُودٌ، وَهُوَ فِيهِمَا مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ فَقِيلَ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ عَلَى قِرَاءَةِ الْكَسْرِ لِأَنَّ وَزْنَ فَعِلَاءَ إِذَا كَانَ عَيْنُهُ أَصْلًا لَا تَكُونُ أَلِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ بَلْ لِلْإِلْحَاقِ وَأَلِفُ الْإِلْحَاقِ لَا تَمْنَعُ الصَّرْفَ، وَعَلَى قِرَاءَةِ الْفَتْحِ فَمَنْعُهُ لِأَجْلِ أَلِفِ التَّأْنِيثِ لِأَنَّ وَزْنَ فَعَلَاءَ مِنْ أَوْزَانِ أَلِفِ التَّأْنِيثِ.
وَقَوْلُهُ: تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ يَقْتَضِي أَنَّ لَهَا مَزِيدَ اخْتِصَاصٍ بِطُورِ سَيْنَاءَ. وَقَدْ غُمِضَ وَجْهُ ذَاكَ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 34) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 34 ·
#131823
أَلِفِ التَّأْنِيثِ.
وَقَوْلُهُ: تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ يَقْتَضِي أَنَّ لَهَا مَزِيدَ اخْتِصَاصٍ بِطُورِ سَيْنَاءَ. وَقَدْ غُمِضَ وَجْهُ ذَاكَ. وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْخُرُوجَ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى النَّشْأَةِ
وَالتَّخَلُّقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى [طه: ٥٣] وَقَوْلِهِ: يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ [الزمر: ٢١] ، وَذَلِكَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْخُرُوجِ هُوَ الْبُرُوزُ مِنَ الْمَكَانِ وَلَمَّا كَانَ كُلُّ مَخْلُوقٍ يَبْرُزُ بَعْدَ الْعَدَمِ وَكَانَ الْمَكَانُ لَازِمًا لِكُلِّ حَادِثٍ شَبَّهَ ظُهُورَ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَعْدُومًا بِخُرُوجِ الشَّيْءِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ مَحْجُوبًا فِيهِ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 35) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 35 ·
#131824
ُ لَازِمًا لِكُلِّ حَادِثٍ شَبَّهَ ظُهُورَ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَعْدُومًا بِخُرُوجِ الشَّيْءِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ مَحْجُوبًا فِيهِ. وَهِيَ اسْتِعَارَةٌ شَائِعَةٌ فِي الْقُرْآنِ.
فَيَظْهَرُ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَوَّلَ شَجَرِ الزَّيْتُونِ فِي طُورِ سَيْنَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَجْنَاسَ وَالْأَنْوَاعَ الْمَوْجُودَةَ عَلَى الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَوَاطِنَ كَانَ فِيهَا ابْتِدَاءُ وَجُودِهَا قَبْلَ وُجُودِهَا فِي غَيْرِهَا لِأَنَّ بَعْضَ الْأَمْكِنَةِ تَكُونُ أَسْعَدَ لِنَشْأَةِ بَعْضِ الْمَوْجُودَاتِ مِنْ بَعْضٍ آخَرَ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَ طَبِيعَةِ الْمَكَانِ وَطَبِيعَةِ الشَّيْءِ الْمَوْجُودِ فِيهِ مِنْ حَرَارَةٍ أَوْ بُرُودَةٍ أَوِ اعْتِدَالٍ،
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 35) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 35 ·
#131825
تِ مِنْ بَعْضٍ آخَرَ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَ طَبِيعَةِ الْمَكَانِ وَطَبِيعَةِ الشَّيْءِ الْمَوْجُودِ فِيهِ مِنْ حَرَارَةٍ أَوْ بُرُودَةٍ أَوِ اعْتِدَالٍ،
وَكَذَلِكَ فُصُولُ السَّنَةِ كَالرَّبِيعِ لِبَعْضِ الْحَيَوَانِ وَالشِّتَاءِ لِبَعْضٍ آخَرَ وَالصَّيْفِ لِبَعْضٍ غَيْرِهَا فَاللَّهُ تَعَالَى يُوجِدُ الْمَوْجُودَاتِ فِي الْأَحْوَالِ الْمُنَاسِبَةِ لَهَا فَالْحَيَوَانُ وَالنَّبَاتُ كُلُّهُ جَارٍ عَلَى هَذَا الْقَانُونِ.
ثُمَّ إِنَّ الْبَشَرَ إِذَا نَقَلُوا حَيَوَانًا أَوْ نَبَاتًا مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ أَوْ أَرَادُوا الِانْتِفَاعَ بِهِ فِي فَصْلٍ غَيْرِ فَصْلِهِ وَرَأَوْا عَدَمَ صَلَاحِيَةِ الْمَكَانِ أَوِ الزَّمَانِ الْمَنْقُولِ إِلَيْهِمَا يَحْتَالُونَ لَهُ بِمَا يُكْمِلُ نَقْصَهُ مِنْ تَدْفِئَةٍ فِي شِدَّةِ بَرْدٍ أَوْ تَبْرِيدٍ بِسَبْحٍ فِي الْمَاءِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ حَتَّى لَا يَتَعَطَّلَ تَنَاسُلُ ذَلِكَ الْمَنْقُولِ إِلَى غَيْرِ مَكَانِهِ، فَكَمَا أَنَّ بَعْضَ الْحَيَوَانِ
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 35) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 35 ·
#131826
َبْحٍ فِي الْمَاءِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ حَتَّى لَا يَتَعَطَّلَ تَنَاسُلُ ذَلِكَ الْمَنْقُولِ إِلَى غَيْرِ مَكَانِهِ، فَكَمَا أَنَّ بَعْضَ الْحَيَوَانِ أَوِ النَّبَاتِ لَا يَعِيشُ طَوِيلًا فِي بَعْضِ الْمَنَاطِقِ غَيْرِ الْمُلَايِمَةِ لِطِبَاعِهِ كَالْغَزَالِ فِي بِلَادِ الثُّلُوجِ فَكَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْأَمَاكِنِ مِنَ الْمِنْطَقَةِ الْمُلَائِمَةِ لِلْحَيَوَانِ أَوِ النَّبَاتِ أَصْلَحَ بِهِ مِنْ بَعْضِ جِهَاتِ تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ، فَلَعَلَّ جَوَّ طُورِ سَيْنَاءَ لِتَوَسُّطِهِ بَيْنَ الْمَنَاطِقِ الْمُتَطَرِّفَةِ حَرًّا وَبَرْدًا وَلِتَوَسُّطِ ارْتِفَاعِهِ بَيْنَ النُّجُودِ وَالسُّهُولِ يَكُونُ أَسْعَدَ بِطَبْعِ فَصِيلَةِ الزَّيْتُونِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [النُّور: ٣٥] ، فَاللَّهُ تَعَالَى هَيَّأَ لِتَكْوِينِهَا حِينَ أَرَادَ تَكْوِينَهَا ذَلِكَ الْمَكَانَ كَمَا هَيَّأَ لِتَكْوِينِ آدَمَ طِينَةً خَاصَّةً فَقَالَ: خَلَقَ الْإِنْسانَ
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 35) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 35 ·
#131827
َالَى هَيَّأَ لِتَكْوِينِهَا حِينَ أَرَادَ تَكْوِينَهَا ذَلِكَ الْمَكَانَ كَمَا هَيَّأَ لِتَكْوِينِ آدَمَ طِينَةً خَاصَّةً فَقَالَ: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ [الرَّحْمَن: ١٤] ثُمَّ يَكُونُ الزَّيْتُونُ قَدْ نُقِلَ مِنْ أَوَّلِ مَكَانٍ
ظَهَرَ فِيهِ إِلَى أَمْكِنَةٍ أُخْرَى نَقَلَهُ إِلَيْهَا سَاكِنُوهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهِ فَنَجَحَ فِي بَعْضِهَا وَلَمْ يَنْجَحْ فِي بَعْضٍ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الطُّوفَانِ وَبَعْدَهُ. فَفِي الْإِصْحَاحِ الثَّامِنِ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ: أَنَّ نُوحًا أَرْسَلَ حَمَامَةً تَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ غِيضَتْ عَنْهُ مِيَاهُ الطُّوفَانِ فَرَجَعَتِ الْحَمَامَةُ عِنْدَ الْمَسَاءِ تَحْمِلُ فِي مِنْقَارِهَا وَرَقَةَ زَيْتُونٍ خَضْرَاءَ فَعَلِمَ نُوحٌ أَنَّ الْمَاءَ أَخَذَ يَغِيضُ عَنِ الْأَرْضِ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 36) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 36 ·
#131828
تِ الْحَمَامَةُ عِنْدَ الْمَسَاءِ تَحْمِلُ فِي مِنْقَارِهَا وَرَقَةَ زَيْتُونٍ خَضْرَاءَ فَعَلِمَ نُوحٌ أَنَّ الْمَاءَ أَخَذَ يَغِيضُ عَنِ الْأَرْضِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ ابْتِدَاءَ غَيْضِ الْمَاءِ إِنَّمَا يَنْكَشِفُ عَنْ أَعَالِي الْجِبَالِ أَوَّلَ الْأَمْرِ فَلَعَلَّ وَرَقَةَ الزَّيْتُونِ الَّتِي حَمَلَتْهَا الْحَمَامَةُ كَانَتْ مِنْ شَجَرَةٍ فِي طُورِ سَيْنَاءَ.
وَأَيًّا مَا كَانَ فَقَدْ عَرَفَ نُوحٌ وَرَقَةَ الزَّيْتُونِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ هَذِه الشَّجَرَة من قَبْلَ الطُّوفَانِ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 36) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 36 ·
#131829
اءَ.
وَأَيًّا مَا كَانَ فَقَدْ عَرَفَ نُوحٌ وَرَقَةَ الزَّيْتُونِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ هَذِه الشَّجَرَة من قَبْلَ الطُّوفَانِ. وَلَكِنْ لَمْ يَرِدْ ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ زَيْتِ الزَّيْتُونِ فِي طَعَامٍ فِي التَّارِيخِ الْقَدِيمِ إِلَّا فِي عَهْدِ مُوسَى ﵇ أَيَّامَ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ حَوْلَ طُورِ سَيْنَاءَ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ الزَّيْتُ لِإِنَارَةِ خَيْمَةِ الِاجْتِمَاعِ بِوَحْيِ اللَّهِ لِمُوسَى (١) ، وَسَكَبَ مُوسَى دُهْنَ الْمَسْحَةِ عَلَى رَأْسِ هَارُونَ أَخِيهِ حِينَ أَقَامَهُ كَاهِنًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢) .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى تَخْرُجُ تَظْهَرُ وَتُعْرَفُ، فَيَكُونُ أَوَّلُ اهْتِدَاءِ النَّاسِ إِلَى مَنَافِعِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَانْتِقَالِهِمْ إِيَّاهَا كَانَ مِنَ الزَّيْتُونِ الَّذِي بِطُورِ سَيْنَاءَ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 36) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 36 ·
#131830
َيَكُونُ أَوَّلُ اهْتِدَاءِ النَّاسِ إِلَى مَنَافِعِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَانْتِقَالِهِمْ إِيَّاهَا كَانَ مِنَ الزَّيْتُونِ الَّذِي بِطُورِ سَيْنَاءَ. وَهَذَا كَمَا نُسَمِّي الدِّيكَ الرُّومِيَّ فِي بَلَدِنَا بِالدِّيكِ الْهِنْدِيِّ لِأَنَّ النَّاسَ عَرَفُوهُ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ، وَكَمَا تُسَمَّى بَعْضُ السُّيُوفِ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ بِالْمَشْرَفِيَّةِ لِأَنَّهَا عُرِفَتْ مِنْ مَشَارِفِ الشَّامِ، وَبَعْضُ الرِّمَاحِ الْخَطِّيَّةِ لِأَنَّهَا تَرِدُ إِلَى بِلَادِ الْعَرَبِ مِنْ مَرْفَأٍ يُقَالُ لَهُ: الْخَطُّ، وَبَعْضُ السُّيُوفِ بِالْمُهَنَّدِ لِأَنَّهُ يُجْلَبُ مِنَ الْهِنْدِ، وَقَدْ كَانَ الزَّيْتُ يُجْلَبُ إِلَى بِلَادِ الْعَرَبِ مِنَ الشَّامِ وَمِنْ فِلَسْطِينِ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 36) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 36 ·
#131831
السُّيُوفِ بِالْمُهَنَّدِ لِأَنَّهُ يُجْلَبُ مِنَ الْهِنْدِ، وَقَدْ كَانَ الزَّيْتُ يُجْلَبُ إِلَى بِلَادِ الْعَرَبِ مِنَ الشَّامِ وَمِنْ فِلَسْطِينِ.
وَأَيًّا مَا كَانَ فَلَيْسَ الْقَصْدُ مِنْ ذِكْرِ أَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ إِلَّا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ مَنْبَتُهَا الْأَصْلِيُّ وَإِلَّا فَإِنَّ الِامْتِنَانَ بِهَا لَمْ يَكُنْ مُوَجَّهًا يَوْمَئِذٍ لِسُكَّانِ طُورِ سَيْنَاءَ، وَمَا كَانَ هَذَا التَّنْبِيهُ إِلَّا لِلتَّنْوِيهِ بِشَرَفِ مَنْبَتِهَا وَكَرَمِ الْمَوْطِنِ الَّذِي ظَهَرَتْ فِيهِ، وَلَمْ تَزَلْ شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ مَشْهُورَةً بِالْبَرَكَةِ بَيْنَ النَّاسِ. وَرَأَيْتُ فِي «لِسَانِ الْعَرَبِ» عَنِ الْأَصْمَعِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ: أَنَّ كُلَّ زيتونة بفلسطين فَهِيَ مِنْ غَرْسِ أُمَمٍ يُقَالُ لَهُمُ الْيُونَانِيُّونَ اهـ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 37) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 37 ·
#131832
ِ» عَنِ الْأَصْمَعِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ: أَنَّ كُلَّ زيتونة بفلسطين فَهِيَ مِنْ غَرْسِ أُمَمٍ يُقَالُ لَهُمُ الْيُونَانِيُّونَ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ زَيْتُونَ زَمَانِهِمُ الَّذِي أَخْلَفُوا بِهِ أَشْجَارًا قَدِيمَةً بَادَتْ.
وَفِي أَسَاطِيرِ الْيُونَانِ (مِيثُولُوجْيَا) أَنَّ مِنِيرْفَا وَنَبْتُونَ (الرَّبَّيْنِ فِي اعْتِقَادِ الْيُونَانِ) تَنَازَعَا فِي تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا لِيَضَعَ اسْمًا لِمَدِينَةٍ بَنَاهَا (كَكْرَابِيسُ) فَحَكَمَتِ الْأَرْبَابُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ هَذَا الشَّرَفَ لَا يَنَالُهُ إِلَّا مَنْ يَصْنَعُ أَنْفَعَ الْأَشْيَاءِ. فَأَمَّا (نَبْتُونُ) فَأَوْجَدَ فَرَسًا بَحْرِيًّا عَظِيمَ الْقُوَّةِ، وَأَمًّا (مِينِيرْفَا) فَصَنَعَتْ شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ بِثَمَرَتِهَا، فَحَكَمَ الْأَرْبَابُ لَهَا بِأَنَّهَا أَحَقُّ، فَلِذَلِكَ وَضَعُوا لِلْمَدِينَةِ اسْمَ (أَثِينَا) الَّذِي هُوَ اسْمُ مِنِيرْفَا.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 37) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 37 ·
#131833
ُونِ بِثَمَرَتِهَا، فَحَكَمَ الْأَرْبَابُ لَهَا بِأَنَّهَا أَحَقُّ، فَلِذَلِكَ وَضَعُوا لِلْمَدِينَةِ اسْمَ (أَثِينَا) الَّذِي هُوَ اسْمُ مِنِيرْفَا. وَزَعَمُوا أَنَّ (هِيرْكُولْ) لَمَّا رَجَعَ مِنْ بَعْضِ غَزَوَاتِهِ جَاءَ مَعَهُ بِأَغْصَانٍ مِنَ الزَّيْتُونِ فَغَرَسَهَا فِي جَبَلِ (أُولُمْبُوسَ) وَهُوَ مَسْكَنُ آلِهَتِهِمْ فِي زَعْمِهِمْ.
فَقَدْ كَانَ زَيْتُ الزَّيْتُونِ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ الْيُونَانِ مِنْ عَهْدِ (هُومِيرُوسَ) إِذْ ذَكَرَ فِي الْإِلْيَاذَةِ أَنَّ (أَخْيُلَ) سَكَبَ زَيْتًا عَلَى شِلْوِ (فِطْرِ قَلْيُوسَ) وَشِلْوِ (هِكْتُورَ) .
وَكَانَ الزَّيْتُ نَادِرًا فِي مُعْظَمِ بِلَادِ الْعَرَبِ إِذْ كَانَ يُجْلَبُ إِلَى بِلَادِ الْعَرَبِ مِنَ الشَّامِ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 37) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 37 ·
#131834
قَلْيُوسَ) وَشِلْوِ (هِكْتُورَ) .
وَكَانَ الزَّيْتُ نَادِرًا فِي مُعْظَمِ بِلَادِ الْعَرَبِ إِذْ كَانَ يُجْلَبُ إِلَى بِلَادِ الْعَرَبِ مِنَ الشَّامِ.
وَقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ بِزَيْتِ الزَّيْتُونَةِ مَثَلًا لِنُورِهِ فِي قَوْلِهِ: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ [النُّور: ٣٥] .
وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ لِاسْتِحْضَارِ الصُّورَةِ الْعَجِيبَةِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي كُوِّنَتْ بِهَا تِلْكَ الشَّجَرَةُ فِي أَوَّلِ تَكْوِينِهَا حَتَّى كَأَنَّ السَّامِعَ يُبْصِرُهَا خَارِجَةً
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 38) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 38 ·
#131835
صُّورَةِ الْعَجِيبَةِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي كُوِّنَتْ بِهَا تِلْكَ الشَّجَرَةُ فِي أَوَّلِ تَكْوِينِهَا حَتَّى كَأَنَّ السَّامِعَ يُبْصِرُهَا خَارِجَةً
بِالنَّبَاتِ فِي طُورِ سَيْنَاءَ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [الْمَائِدَة: ١١٠] ، وَهَذَا أَنْسَبُ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ.
وَمَعْنَى تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ أَنَّهَا تَنْبُتُ مُلَابِسَةً لِلدُّهْنِ فَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 38) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 38 ·
#131836
ِي تَفْسِيرِ مَعْنَى تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ.
وَمَعْنَى تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ أَنَّهَا تَنْبُتُ مُلَابِسَةً لِلدُّهْنِ فَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ مِثَالٌ لِبَاءِ الْمُلَابَسَةِ، وَالْمُلَابَسَةُ مَعْنًى وَاسِعٌ، فَمُلَابَسَةُ نَبَاتِ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ لِلدُّهْنِ وَالصِّبْغِ مُلَابَسَةٌ بِوَاسِطَةِ مُلَابَسَةِ ثَمَرَتِهَا لِلدُّهْنِ وَالصِّبْغِ، فَإِنَّ ثَمَرَتَهَا تَشْتَمِلُ عَلَى الزَّيْتِ وَهُوَ يُكَوِّنُ دُهْنًا وَصِبْغًا لِلْآكِلِينَ، فَأَمَّا كَوْنُهُ دُهْنًا، فَهُوَ أَنَّهُ يَدْهِنُ بِهِ النَّاسُ أَجْسَادَهُمْ وَيُرَجِّلُونَ بِهِ شُعُورَهُمْ وَيَجْعَلُونَ فِيهِ عُطُورًا فَيُرَجِّلُونَ بِهِ الشُّعُورَ، وَقَدْ كَانَ النبيء ﷺ يَدْهِنُ بِالزَّيْتِ فِي رَأْسِهِ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 38) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 38 ·
#131837
وَيُرَجِّلُونَ بِهِ شُعُورَهُمْ وَيَجْعَلُونَ فِيهِ عُطُورًا فَيُرَجِّلُونَ بِهِ الشُّعُورَ، وَقَدْ كَانَ النبيء ﷺ يَدْهِنُ بِالزَّيْتِ فِي رَأْسِهِ.
وَالدُّهْنُ بِضَمِّ الدَّالِ: اسْمٌ لِمَا يُدْهَنُ بِهِ، أَيْ يُطْلَى بِهِ شَيْءٌ، وَيُطْلَقُ الدُّهْنُ عَلَى الزَّيْتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُطْلَى بِهِ الْجَسَدُ لِلتَّدَاوِي وَالشَّعْرُ لِلتَّرْجِيلِ.
وَالصِّبْغُ، بِكَسْرِ الصَّادِ: مَا يُصْبَغُ بِهِ أَيْ يُغَيَّرُ بِهِ اللَّوْنُ. ثُمَّ تُوُسِّعَ فِي إِطْلَاقِهِ عَلَى كُلِّ مَائِعٍ يُطْلَى بِهِ ظَاهِرُ جِسْمٍ مَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: صِبْغَةَ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ١٣٨] . وَسُمِّيَ الزَّيْتُ صِبْغًا لِأَنَّهُ يُصْبَغُ بِهِ الْخُبْزُ.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 38) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 38 ·
#131838
ِ ظَاهِرُ جِسْمٍ مَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: صِبْغَةَ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ١٣٨] . وَسُمِّيَ الزَّيْتُ صِبْغًا لِأَنَّهُ يُصْبَغُ بِهِ الْخُبْزُ. وَعَطْفُ صِبْغٍ على بِالدُّهْنِ بِاعْتِبَار الْمُغَايرَة فِي مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مَادَّةُ اشْتِقَاقِ الْوَصْفِ فَإِنَّ الصِّبْغَ مَا يُصْبَغُ بِهِ وَالدُّهْنَ مَا يُدْهَنُ بِهِ وَالصِّبْغُ أَخَصُّ فَهُوَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِلِاهْتِمَامِ، وَكَانُوا يَأْدِمُونَ بِهِ الطَّعَامَ وَذَلِكَ صِبْغٌ لِلطَّعَامِ،
أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي «سُنَنِهِ» عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ أَن النبيء ﷺ قَالَ: «كُلُوا الزَّيْتَ وَادْهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ»
.
QS 23:18-20 (jilid 18 hlm. 38) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 38 ·
#131839
ِهِ» عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ أَن النبيء ﷺ قَالَ: «كُلُوا الزَّيْتَ وَادْهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ»
. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ تَنْبُتُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَرُوَيْسٌ وَيَعْقُوبُ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقُولُ:
أَنْبَتَ بِمَعْنَى نَبَتَ أَوْ عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ، أَيْ تُنْبِتُ هِيَ ثَمَرَهَا، أَي تخرجه.
[٢١، ٢٢]
Ayat yang dirujuk di sini
Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan
teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).
tafsir-rag · halaman jelajah dirender langsung dari korpus; teks kitab ditampilkan verbatim apa adanya.