(Ingatlah) pada hari (ketika) mereka melihat para malaikat, pada hari itu tidak ada kabar gembira bagi orang-orang yang berdosa dan mereka berkata, "ḥijran maḥjūrā
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يوم يرى هؤلاء الذين قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾. بتصديقِ محمدٍ - الملائكةَ، فلا بشرَى لهم يومئذٍ بخيرٍ، ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. يعنى أن الملائكةَ يَقُولون للمجرمين: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. حرامًا محرمًا عليكم اليومَ البشرى أن تكونَ مِن الله. ومن "الحجرِ" قولُ المتلمِّسِ:
حَنَّتْ إلى النخلةِ القُصْوى فقلتُ لها … حِجْرٌ حرامٌ أَلَا تلك الدهارِيسُ
ومنه قولُهم: حجَر القاضي على فلانِ، وحجَر فلانٌ على أهله.
قولُ المتلمِّسِ:
حَنَّتْ إلى النخلةِ القُصْوى فقلتُ لها … حِجْرٌ حرامٌ أَلَا تلك الدهارِيسُ
ومنه قولُهم: حجَر القاضي على فلانِ، وحجَر فلانٌ على أهله. ومنه حِجْرُ الكعبة؛ لأنه لا يُدْخَلُ إليه في الطوافِ، وإنما يطافُ من ورائِه، ومنه قولُ الآخرِ:
فهمَمتُ أن ألْقَى إليها مَحْجِرًا … فلَمِثْلُها يُلْقَى إليه المَحْجِرُ
أي: مثلُها يُرْكَبُ منه المُحْرَّمُ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في المخْبَرِ عنهم بقولِه: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. ومَن قائلوه؟ فقال بعضُهم: قائلو ذلك الملائكةُ للمجرمين. نحوَ الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الأجْلَح، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ، وسأَله رجلٌ عن قولِ اللهِ: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. قال: تقولُ الملائكةُ: حرامًا محرَّمًا أن تكون لكم البشرى.
حدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنى أبي، عن جدِّى، عن الحسينِ، عن قَتادةَ: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾.
محرَّمًا أن تكون لكم البشرى.
حدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنى أبي، عن جدِّى، عن الحسينِ، عن قَتادةَ: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. قال: هي كلمٌ كانت العربُ تقولُها؛ كان الرجلُ إذا [نزَلت به شديدةٌ]، قال: حجرًا. يقولُ: حرامًا مُحرَّمًا.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٍ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾: لما جاءت زلازلُ الساعةِ، فكان من زلازلِها أن السماءَ انشقَّت ﴿فَهِيَ
يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٦، ١٧] أي: على شِقَّةٍ، كلُّ شيءٍ تَشَقَّقَ من السماءِ، فذلك قولُه: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ﴾.
٧] أي: على شِقَّةٍ، كلُّ شيءٍ تَشَقَّقَ من السماءِ، فذلك قولُه: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ﴾. يعنى: الملائكةُ تقولُ للمجرمين: حرامًا محرمًا أيُّها المجرمون، أن تكونَ لكم البشرى اليومَ حينَ رأيْتُمونا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا الحارثُ، [قال: ثنا الحسنُ] [قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا] عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾. قال: يومَ القيامةِ، ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. قال: عَوْذًا مَعاذًا.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله، وزاد فيه: الملائكةُ تقولُه.
وقال آخرون: ذلك خبرٌ مِن اللهِ عن قيلِ المشركين إذا عايَنوا الملائكةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾.
: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. قال
ابن جُرَيجٍ: كانت العربُ إذا كرِهوا شيئًا قالوا: حجرًا. فقالوا حين عايَنوا الملائكة.
قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿حِجْرًا﴾: عَوْدًا، يَسْتَعِيذُون مِن الملائكةِ.
قال أبو جعفرٍ: وإنما اختَرنا القولَ الذي اختَرنا في تأويلِ ذلك؛ مِن أجلِ أنَّ الحِجْرَ هو الحرامُ، فمعلومٌ أن الملائكةَ هي التي تخبرُ أهلَ الكفرِ أن البُشرى عليهم حرامٌ. وأمَّا الاستعاذةُ فإنها الاستجارةُ، وليست بتحريمٍ، ومعلومٌ أن الكفارَ لا يقولون للملائكة: حرامٌ عليكم. فيوجَّهَ الكلامُ إلى أن ذلك خبرٌ عن قيلِ المجرمين للملائكةِ.
ا أُنزلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ) فنراهم عيانا، فيخبرونا أن محمدا رسول الله، كقولهم: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢]. وقد تقدم تفسيرها في سورة "سبحان"؛ ولهذا قال: (أَوْ نَرَى رَبَّنَا) ولهذا قال الله تعالى: (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا). وقد قال [الله] تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١].
ْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١].
وقوله: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) أي: هم لا يرون الملائكة في يوم خير لهم، بل يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ لهم، وذلك يَصْدُق على وقت الاحتضار حين تبشرهم الملائكة بالنار، وغضب الجبار، فتقول الملائكة للكافر عند خروج روحه: اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سَموم وحَميم، وظلِّ من يحموم. فتأبى الخروج وتتفرق في البدن، فيضربونه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠].
(يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ)، وهذا بخلاف حال المؤمنين في وقت احتضارهم، فإنهم يبشرون بالخيرات، وحصول المسرات. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب: أن الملائكة تقول لروح المؤمن: "اخرجي أيتها النفس الطيبة في الجسد الطيب، كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان".
ث الصحيح عن البراء بن عازب: أن الملائكة تقول لروح المؤمن: "اخرجي أيتها النفس الطيبة في الجسد الطيب، كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان". وقد تقدم الحديث في سورة "إبراهيم" عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وقال آخرون: بل المراد بقوله: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ) يعني: يوم القيامة. قاله مجاهد، والضحاك؛ وغيرهما.
ولا منافاة بين هذا وبين ما تقدم، فإن الملائكة في هذين اليومين يوم الممات ويوم المعاد تتجلى للمؤمنين وللكافرين، فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان، وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران، فلا بشرى يومئذ للمجرمين.
(وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) أي: وتقول الملائكة للكافرين حَرَام محرم عليكم الفلاح اليوم.
وأصل "الحجر": المنع، ومنه يقال: حَجَر القاضي على فلان، إذا منعه التصرف إما لسفَه، أو فَلَس، أو صغر، أو نحو ذلك.
افرين حَرَام محرم عليكم الفلاح اليوم.
وأصل "الحجر": المنع، ومنه يقال: حَجَر القاضي على فلان، إذا منعه التصرف إما لسفَه، أو فَلَس، أو صغر، أو نحو ذلك. ومنه سمي "الحجْر" عند البيت الحرام؛ لأنه يمنع الطُوَّاف أن يطوفوا فيه، وإنما يطاف من ورائه. ومنه يقال للعقل "حجر"؛ لأنه يمنع صاحبه عن تعاطي ما لا يليق.
والغرض أن الضمير في قوله: (وَيَقُولُونَ) عائد على الملائكة. هذا قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والحسن، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، وخُصَيف، وغير واحد.
الضمير في قوله: (وَيَقُولُونَ) عائد على الملائكة. هذا قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والحسن، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، وخُصَيف، وغير واحد. واختاره ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو نعيم، حدثنا موسى -يعني ابن قيس -عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري: (وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) قال: حراما مُحَرّما أن يُبَشَّر بما يبشر به المتقون.
وقد حكى ابن جرير، عن ابن جُرَيْج أنه قال: ذلك من كلام المشركين: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ)، [أي: يتعوذون من الملائكة؛ وذلك أن العرب كانوا إذا نزل بأحدهم نازلة أو شدة] يقولون: (حِجْرًا مَحْجُورًا).
وهذا القول -وإن كان له مأخذ ووجه -ولكنه بالنسبة إلى السياق في الآية بعيد، لا سيما قد نص الجمهور على خلافه. ولكن قد روى ابنُ أبي نَجِيح، عن مجاهد؛ أنه قال في قوله: (حِجْرًا مَحْجُورًا) أي: عوذاً معاذاً. فيحتمل أنه أراد ما ذكره ابن جريج.
ص الجمهور على خلافه. ولكن قد روى ابنُ أبي نَجِيح، عن مجاهد؛ أنه قال في قوله: (حِجْرًا مَحْجُورًا) أي: عوذاً معاذاً. فيحتمل أنه أراد ما ذكره ابن جريج. ولكن في رواية ابن أبي حاتم، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد أنه قال: (حِجْرًا مَحْجُورًا) [أي]: عوذا معاذا، الملائكة تقُوله. فالله أعلم.
وقوله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)، وهذا يوم القيامة، حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من خير وشر، فأخبر أنه لا يتحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال -التي ظنوا أنها منجاة لهم -شيء؛ وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي، إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية، فهو باطل. فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معا، فتكون أبعد من القبول حينئذ؛ ولهذا قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا).
قال مجاهد، والثوري: (وَقَدِمْنَا) أي: عمدنا.
وقال السدي: (قدمنا): عَمَدنا.
َدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا).
قال مجاهد، والثوري: (وَقَدِمْنَا) أي: عمدنا.
وقال السدي: (قدمنا): عَمَدنا. وبعضهم يقول: أتينا عليه.
وقوله: (فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، ﵁، في قوله: ([فَجَعَلْنَاهُ] هَبَاءً مَنْثُورًا)، قال: شعاع الشمس إذا دخل في الكوَّة. وكذا روي من غير هذا الوجه عن علي. ورُوي مثله عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، والسُّدِّي، والضحاك، وغيرهم. وكذا قال الحسن البصري: هو الشعاع في كوة أحدهم، ولو ذهب يقبض عليه لم يستطع.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (هَبَاءً مَنْثُورًا) قال: هو الماء المهراق.
وقال أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: (هَبَاءً مَنْثُورًا) قال: الهباء رَهْج الدواب. ورُوي مثله عن ابن عباس أيضا، والضحاك، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال قتادة في قوله: (هَبَاءً مَنْثُورًا) قال: أما رأيت يَبِيس الشجر إذا ذرته الريح؟
مثله عن ابن عباس أيضا، والضحاك، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال قتادة في قوله: (هَبَاءً مَنْثُورًا) قال: أما رأيت يَبِيس الشجر إذا ذرته الريح؟ فهو ذلك الورق.
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني عاصم بن حكيم، عن أبي سريع الطائي، عن يعلى بن عبيد قال: وإن الهباء الرماد.
وحاصل هذه الأقوال التنبيهُ على مضمون الآية، وذلك أنهم عملوا أعمالا اعتقدوا أنها شيء، فلما عرضت على الملك الحكيم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدا، إذا إنها لا شيء بالكلية. وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق، الذي لا يقدر منه صاحبه على شيء بالكلية، كما قال
العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدا، إذا إنها لا شيء بالكلية. وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق، الذي لا يقدر منه صاحبه على شيء بالكلية، كما قال
الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] وتقدم الكلام على تفسير ذلك، ولله الحمد والمنة.
كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] وتقدم الكلام على تفسير ذلك، ولله الحمد والمنة.
وقوله: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا) أي: يوم القيامة ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠]؛ وذلك لأن أهل الجنة يصيرون إلى الدرجات العاليات، والغرفات الآمنات، فهم في مقام أمين، حسن المنظر، طيب المقام، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٧٦]، وأهل النار يصيرون إلى الدركات السافلات، والحسرات المتتابعات، وأنواع العذاب والعقوبات، ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] أي: بئس المنزل منظرا وبئس المقيل مقاما؛ ولهذا قال: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا) أي: بما عملوه من الأعمال المتقبلة، نالوا ما نالوا، وصاروا إلى ما صاروا إليه، بخلاف أهل النار فإنه
ِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا) أي: بما عملوه من الأعمال المتقبلة، نالوا ما نالوا، وصاروا إلى ما صاروا إليه، بخلاف أهل النار فإنه ليس لهم عمل واحد يقتضي لهم دخول الجنة والنجاة من النار، فَنَبَّه -تعالى -بحال السعداء على حال الأشقياء، وأنه لا خير عندهم بالكلية، فقال: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا).
قال الضحاك: عن ابن عباس: إنما هي ضحوة، فيقيل أولياء الله على الأسرة مع الحور العين، ويَقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين.
وقال سعيد بن جبير: يفرغ الله من الحساب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قال الله تعالى: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا).
ب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قال الله تعالى: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا).
وقال عكرمة: إني لأعرف الساعة التي يدخل فيها أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار: هي الساعة التي تكون في الدنيا عند ارتفاع الضحى الأكبر، إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة، فينصرف أهل النار إلى النار، وأما أهل [الجنة فيُنطلق بهم إلى] الجنة، فكانت قيلولتهم [في الجنة] وأطعموا كبد حوت، فأشبعهم [ذلك] كلهم، وذلك قوله: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا).
وقال سفيان، عن مَيسَرة، عن المِنْهَال، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: لا ينتصف النهار حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء ثم قرأ: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا) وقرأ ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨].
ؤلاء ثم قرأ: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا) وقرأ ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨].
وقال العَوْفي، عن ابن عباس في قوله: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا) قال: قالوا في الغرف من الجنة، وكان حسابهم أن عُرضوا على ربهم عرضة واحدة، وذلك الحساب اليسير، وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩].
وقال قتادة في قوله: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا) أي: مأوى ومنزلا قال قتادة: وحَدّث صفوان بن مُحْرِز أنه قال: يجاء يوم القيامة برجلين، أحدهما كان ملكا في الدنيا إلى الحمرة والبياض فيحاسب، فإذا عبدٌ، لم يعمل خيرا فيؤمر به إلى النار. والآخر كان صاحب كساء في الدنيا، فيحاسب فيقول: يا رب، ما أعطيتني من شيء فتحاسبني به.
لحمرة والبياض فيحاسب، فإذا عبدٌ، لم يعمل خيرا فيؤمر به إلى النار. والآخر كان صاحب كساء في الدنيا، فيحاسب فيقول: يا رب، ما أعطيتني من شيء فتحاسبني به. فيقول: صدق عبدي، فأرسلوه. فيؤمر به إلى الجنة، ثم يتركان ما شاء الله. ثم يدعى صاحب النار، فإذا هو مثل الحُمَمة السوداء، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: شر مَقيل. فيقال له: عد ثم يُدعَى بصاحب الجنة، فإذا هو مثل القمر ليلة البدر، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: رب، خير مَقيل. فيقال له: عد. رواها ابن أبي حاتم كلها.
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث، أن سعيدًا الصوَّاف حدثه، أنه بلغه: أن يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وأنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس، وذلك قوله تعالى: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا).
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾.
ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار الذين طلبوا إنزال الملائكة عليهم، أنهم يوم يرون الملائكة لا بشرى لهم، أي: لا تسرهم رؤيتهم، ولا تكون لهم في ذلك الوقت بشارة بخير، ورؤيتهم للملائكة تكون عند احتضارهم، وتكون يوم القيامة، ولا بشرى لهم في رؤيتهم في كلا الوقتين.
أما رؤيتهم الملائكة عند حضور الموت فقد دلت آيات من كتاب الله أنهم لا بشارة لهم فيها؛ لما يلاقون من العذاب من الملائكة
نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ فقولهم: ما كنا نعمل من سوء، أي: لم نستوجب عذابًا فتعذيبنا حرام محرم. وقد كذبهم الله في دعواهم هذه بقوله: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ وعادة العرب الذين نزل القرآن بلغتهم أنهم يقولون هذا الكلام: أي: حجرًا محجورًا عند لقاء عدو موتور، أو هجوم نازلة أو نحو ذلك.
وقد ذكر سيبويه هذه الكلمة أعني: حجرًا محجورًا في باب المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها نحو: معاذ الله، وعمرك الله، ونحو ذلك.
وقوله: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾ أصله من حجره بمعنى منعه، والحجر الحرام، لأنه ممنوع، ومنه قوله: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ أي حرام ﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ ومنه قول المتلمس:
حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها ... حجر حرام ألا تلك الدهاريس
فقوله: حرام تأكيد لقوله: حجر؛ لأن معناه حرام، وقول الآخر:
ألا أصبحت أسماء حجرًا محرمًا ...
ت إلى النخلة القصوى فقلت لها ... حجر حرام ألا تلك الدهاريس
فقوله: حرام تأكيد لقوله: حجر؛ لأن معناه حرام، وقول الآخر:
ألا أصبحت أسماء حجرًا محرمًا ... وأصبحت من أدنى حموتها حما
وقول الآخر:
قالت وفيها حيرة وذعر ... عوذ بربي منكم وحجر
وقوله: محجورًا توكيد لمعنى الحجر.
قال الزمخشري: كقول العرب: ذيل ذائل. والذيل الهوان. وموت مائت. وأما على القول بأن حجرًا محجورًا من قول الملائكة فمعناه: أنهم يقولون للكفار: حجرًا محجورًا؛ أي: حرامًا محرمًا أن
تكون للكفار اليوم بشرى، أو أن يغفر لهم، أو يدخلون الجنة. وهذا القول اختاره ابن جرير، وابن كثير وغير واحد.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ قال الزمخشري: يوم منصوب بأحد شيئين: إما بما دل عليه لا بشرى، أي: يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى، أو يعدمونها، ويومئذ للتكرير، وإما بإضمار اذكر، أي: اذكر يوم يرون الملائكة، ثم قال: لا بشرى يومئذ للمجرمين.
•