القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَقَدِمْنَا﴾: وعمَدنا إلى ما عمِل هؤلاء المجرمون مِن عملٍ. ومنه قولُ الراجزِ:
وقدِم الخوارجُ الضُّلّالُ
إلى عبادِ ربِّهم وقالوا
إن دماءكم لنا حلالُ
يعنى بقوله: قدم: عمَد.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَدِمْنَا﴾. قال: عمَدنا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.
قَدِمْنَا﴾. قال: عمَدنا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. يقولُ: فجعلناه باطلًا؛ لأنهم لم يَعْمَلوه للهِ، وإنما عملوه للشيطانِ.
والهباءُ هو الذي يُرَى كهيئةِ الغُبارِ إذا دخَل ضوءُ الشمسِ من كُوَّةٍ، يحسَبه الناظرُ غُبارًا، وليس بشيءٍ تَقْبِضُ عليه الأيدى، ولا تَمَسُّه، ولا يُرى ذلك في الظلِّ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن المثنَّى، قال: ثنا محمدٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. قال: الغبارُ الذي يكونُ في الشمسِ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.
نُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. قال: الشعاعُ في كُوَّةِ أحدِهم، إن ذهَب يَقْبِضُ عليه لم يَسْتَطِعْ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، الحارثُ وحدَّثنى، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، قال: شعاعُ الشمسِ مِن الكُوَّة.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمر، عن الحسن في قولِه: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.
نُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمر، عن الحسن في قولِه: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. قال: ما رأيتَ شيئًا يَدْخُلُ البيتَ مِن الشمسِ، تَدْخُلُه مِن الكُوَّة، فهو الهَبَاءُ.
وقال آخرون: بل هو ما تَسفيه الرياحُ مِن الترابِ، وتَذْرُوه مِن حُطامِ الأشجارِ ونحوِ ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ
الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. قال: ما تَسفِى الريحُ وتَبُثُّه.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.
هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. قال: ما تَسفِى الريحُ وتَبُثُّه.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. قال: هو ما تَذرو الريحُ مِن حُطامِ هذا الشجرِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ قال: الهَباءُ الغُبار.
وقال آخرون: هو الماء المُهراقُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. يقال: الماءُ المُهراقُ.
وقولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
سٍ قوله: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. يقال: الماءُ المُهراقُ.
وقولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أهلُ الجنةِ يومَ القيامةِ ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾، وهو الموضعُ الذي يَسْتَقِرُّون فيه مِن منازلِهم في الجنة - من مستقرِّ هؤلاء المشركين الذين يَفْخرون بأموالِهم، وما أوتوا مِن عَرَض هذه الدنيا في الدنيا، وأحسنُ منهم فيها مَقِيلًا.
فإن قال قائلٌ: وهل في الجنةِ قائلةٌ فيقالَ: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ فيها؟
قيل: معنى ذلك: وأحسنُ فيها قرارًا في أوقاتِ قائلتهم في الدنيا.
فيها مَقِيلًا.
فإن قال قائلٌ: وهل في الجنةِ قائلةٌ فيقالَ: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ فيها؟
قيل: معنى ذلك: وأحسنُ فيها قرارًا في أوقاتِ قائلتهم في الدنيا. وذلك أنه ذُكِر أن أهلَ الجنةِ لا يمرُّ بهم في الآخرةِ إلا قدرُ ميقات النهارِ، من أوّلِه إلى وقتِ القائلةِ، حتى يَسكُنوا مساكَنهم في الجنةِ، فذلك معنى قولِه: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
ذكرُ الروايةِ عمن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
عدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. يقولُ: قالُوا في الغرفِ في الجنةِ، وكان حسابُهم أن عُرِضوا على ربِّهم عَرْضةً واحدةً، وذلك الحسابُ اليسيرُ، وهو مثلُ قولِه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩].
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. قال: كانوا يَرَون أنه يُفْرَغُ مِن حسابِ الناسِ يوم القيامة في نصف النهارِ، فيقيل هؤلاء في الجنةِ، وهؤلاء في النارِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
ي النارِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. قال: لم يَنْتَصِف النهارُ
حتى يَقْضِيَ اللهُ بينهم، فيَقِيلَ أهلُ الجنةِ في الجنةِ، وأهلُ النارِ في النارِ. قال: وفي قراءةِ ابن مسعودٍ: (ثم إن مَقِيلَهم لَإلى الجحيمِ).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. قال: قال ابن عباسٍ: كان الحسابُ مِن ذلك في أوّلِه، وقال القومُ حينَ قالوا في منازلهم مِن الجنةِ.
يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. قال: قال ابن عباسٍ: كان الحسابُ مِن ذلك في أوّلِه، وقال القومُ حينَ قالوا في منازلهم مِن الجنةِ. وقرَأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ الحارثِ، أن سعيدًا الصوّافَ حدَّثه، أنه بلَغه أن يومَ القيامةِ يُقْضَى على المؤمنين حتى يكونَ كما بينَ العصرِ إلى غروبِ الشمسِ، وأنهم يَقيِلون في رياضِ الجنةِ حتى يُفْرَغَ مِن الناسِ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
قال أبو جعفرٍ: وإنما قلنا: معنى ذلك خيرٌ مستقرًّا في الجنةِ منهم في الدنيا؛ لأن الله تعالى ذكرُه عمَّ بقولِه: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
خيرٌ مستقرًّا في الجنةِ منهم في الدنيا؛ لأن الله تعالى ذكرُه عمَّ بقولِه: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. جميعِ أحوالِ أهلُ الجنةِ في الآخرةِ، أنها خيرٌ في الاستقرارِ فيها والقائلةِ مِن جميعِ أحوالِ أهلِ النارِ، ولم يَخُصَّ بذلك أنه خيرٌ من أحوالِهم في النارِ دونَ الدنيا، ولا في الدنيا دونَ الآخرةِ، فالواجبُ أن يُعَمَّ كما عم ربنا جلَّ ثناؤُه،
فيقالُ: أصحابُ الجنةِ يومَ القيامةِ خيرٌ مستقرًّا في الجنةِ من أهلِ النارِ في الدنيا والآخرةِ، وأحسنُ منهم مقيلًا. وإذا كان ذلك معناه، وضَح فسادُ قولِ مَن تَوَهَّم أن تفضيلَ أهلِ الجنةِ بقولِ اللهِ: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ على غيرِ الوجهِ المعروفِ مِن كلامِ الناسِ بينَهم في قولِهم: هذا خيرٌ من هذا، وهذا أحسنُ مِن هذا.
ا أُنزلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ) فنراهم عيانا، فيخبرونا أن محمدا رسول الله، كقولهم: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢]. وقد تقدم تفسيرها في سورة "سبحان"؛ ولهذا قال: (أَوْ نَرَى رَبَّنَا) ولهذا قال الله تعالى: (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا). وقد قال [الله] تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١].
ْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١].
وقوله: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) أي: هم لا يرون الملائكة في يوم خير لهم، بل يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ لهم، وذلك يَصْدُق على وقت الاحتضار حين تبشرهم الملائكة بالنار، وغضب الجبار، فتقول الملائكة للكافر عند خروج روحه: اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سَموم وحَميم، وظلِّ من يحموم. فتأبى الخروج وتتفرق في البدن، فيضربونه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠].
(يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ)، وهذا بخلاف حال المؤمنين في وقت احتضارهم، فإنهم يبشرون بالخيرات، وحصول المسرات. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب: أن الملائكة تقول لروح المؤمن: "اخرجي أيتها النفس الطيبة في الجسد الطيب، كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان".
ث الصحيح عن البراء بن عازب: أن الملائكة تقول لروح المؤمن: "اخرجي أيتها النفس الطيبة في الجسد الطيب، كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان". وقد تقدم الحديث في سورة "إبراهيم" عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وقال آخرون: بل المراد بقوله: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ) يعني: يوم القيامة. قاله مجاهد، والضحاك؛ وغيرهما.
ولا منافاة بين هذا وبين ما تقدم، فإن الملائكة في هذين اليومين يوم الممات ويوم المعاد تتجلى للمؤمنين وللكافرين، فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان، وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران، فلا بشرى يومئذ للمجرمين.
(وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) أي: وتقول الملائكة للكافرين حَرَام محرم عليكم الفلاح اليوم.
وأصل "الحجر": المنع، ومنه يقال: حَجَر القاضي على فلان، إذا منعه التصرف إما لسفَه، أو فَلَس، أو صغر، أو نحو ذلك.
افرين حَرَام محرم عليكم الفلاح اليوم.
وأصل "الحجر": المنع، ومنه يقال: حَجَر القاضي على فلان، إذا منعه التصرف إما لسفَه، أو فَلَس، أو صغر، أو نحو ذلك. ومنه سمي "الحجْر" عند البيت الحرام؛ لأنه يمنع الطُوَّاف أن يطوفوا فيه، وإنما يطاف من ورائه. ومنه يقال للعقل "حجر"؛ لأنه يمنع صاحبه عن تعاطي ما لا يليق.
والغرض أن الضمير في قوله: (وَيَقُولُونَ) عائد على الملائكة. هذا قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والحسن، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، وخُصَيف، وغير واحد.
الضمير في قوله: (وَيَقُولُونَ) عائد على الملائكة. هذا قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والحسن، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، وخُصَيف، وغير واحد. واختاره ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو نعيم، حدثنا موسى -يعني ابن قيس -عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري: (وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) قال: حراما مُحَرّما أن يُبَشَّر بما يبشر به المتقون.
وقد حكى ابن جرير، عن ابن جُرَيْج أنه قال: ذلك من كلام المشركين: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ)، [أي: يتعوذون من الملائكة؛ وذلك أن العرب كانوا إذا نزل بأحدهم نازلة أو شدة] يقولون: (حِجْرًا مَحْجُورًا).
وهذا القول -وإن كان له مأخذ ووجه -ولكنه بالنسبة إلى السياق في الآية بعيد، لا سيما قد نص الجمهور على خلافه. ولكن قد روى ابنُ أبي نَجِيح، عن مجاهد؛ أنه قال في قوله: (حِجْرًا مَحْجُورًا) أي: عوذاً معاذاً. فيحتمل أنه أراد ما ذكره ابن جريج.
ص الجمهور على خلافه. ولكن قد روى ابنُ أبي نَجِيح، عن مجاهد؛ أنه قال في قوله: (حِجْرًا مَحْجُورًا) أي: عوذاً معاذاً. فيحتمل أنه أراد ما ذكره ابن جريج. ولكن في رواية ابن أبي حاتم، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد أنه قال: (حِجْرًا مَحْجُورًا) [أي]: عوذا معاذا، الملائكة تقُوله. فالله أعلم.
وقوله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)، وهذا يوم القيامة، حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من خير وشر، فأخبر أنه لا يتحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال -التي ظنوا أنها منجاة لهم -شيء؛ وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي، إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية، فهو باطل. فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معا، فتكون أبعد من القبول حينئذ؛ ولهذا قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا).
قال مجاهد، والثوري: (وَقَدِمْنَا) أي: عمدنا.
وقال السدي: (قدمنا): عَمَدنا.
َدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا).
قال مجاهد، والثوري: (وَقَدِمْنَا) أي: عمدنا.
وقال السدي: (قدمنا): عَمَدنا. وبعضهم يقول: أتينا عليه.
وقوله: (فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، ﵁، في قوله: ([فَجَعَلْنَاهُ] هَبَاءً مَنْثُورًا)، قال: شعاع الشمس إذا دخل في الكوَّة. وكذا روي من غير هذا الوجه عن علي. ورُوي مثله عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، والسُّدِّي، والضحاك، وغيرهم. وكذا قال الحسن البصري: هو الشعاع في كوة أحدهم، ولو ذهب يقبض عليه لم يستطع.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (هَبَاءً مَنْثُورًا) قال: هو الماء المهراق.
وقال أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: (هَبَاءً مَنْثُورًا) قال: الهباء رَهْج الدواب. ورُوي مثله عن ابن عباس أيضا، والضحاك، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال قتادة في قوله: (هَبَاءً مَنْثُورًا) قال: أما رأيت يَبِيس الشجر إذا ذرته الريح؟
مثله عن ابن عباس أيضا، والضحاك، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال قتادة في قوله: (هَبَاءً مَنْثُورًا) قال: أما رأيت يَبِيس الشجر إذا ذرته الريح؟ فهو ذلك الورق.
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني عاصم بن حكيم، عن أبي سريع الطائي، عن يعلى بن عبيد قال: وإن الهباء الرماد.
وحاصل هذه الأقوال التنبيهُ على مضمون الآية، وذلك أنهم عملوا أعمالا اعتقدوا أنها شيء، فلما عرضت على الملك الحكيم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدا، إذا إنها لا شيء بالكلية. وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق، الذي لا يقدر منه صاحبه على شيء بالكلية، كما قال
العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدا، إذا إنها لا شيء بالكلية. وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق، الذي لا يقدر منه صاحبه على شيء بالكلية، كما قال
الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] وتقدم الكلام على تفسير ذلك، ولله الحمد والمنة.
كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] وتقدم الكلام على تفسير ذلك، ولله الحمد والمنة.
وقوله: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا) أي: يوم القيامة ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠]؛ وذلك لأن أهل الجنة يصيرون إلى الدرجات العاليات، والغرفات الآمنات، فهم في مقام أمين، حسن المنظر، طيب المقام، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٧٦]، وأهل النار يصيرون إلى الدركات السافلات، والحسرات المتتابعات، وأنواع العذاب والعقوبات، ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] أي: بئس المنزل منظرا وبئس المقيل مقاما؛ ولهذا قال: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا) أي: بما عملوه من الأعمال المتقبلة، نالوا ما نالوا، وصاروا إلى ما صاروا إليه، بخلاف أهل النار فإنه
ِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا) أي: بما عملوه من الأعمال المتقبلة، نالوا ما نالوا، وصاروا إلى ما صاروا إليه، بخلاف أهل النار فإنه ليس لهم عمل واحد يقتضي لهم دخول الجنة والنجاة من النار، فَنَبَّه -تعالى -بحال السعداء على حال الأشقياء، وأنه لا خير عندهم بالكلية، فقال: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا).
قال الضحاك: عن ابن عباس: إنما هي ضحوة، فيقيل أولياء الله على الأسرة مع الحور العين، ويَقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين.
وقال سعيد بن جبير: يفرغ الله من الحساب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قال الله تعالى: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا).
ب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قال الله تعالى: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا).
وقال عكرمة: إني لأعرف الساعة التي يدخل فيها أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار: هي الساعة التي تكون في الدنيا عند ارتفاع الضحى الأكبر، إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة، فينصرف أهل النار إلى النار، وأما أهل [الجنة فيُنطلق بهم إلى] الجنة، فكانت قيلولتهم [في الجنة] وأطعموا كبد حوت، فأشبعهم [ذلك] كلهم، وذلك قوله: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا).
وقال سفيان، عن مَيسَرة، عن المِنْهَال، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: لا ينتصف النهار حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء ثم قرأ: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا) وقرأ ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨].
ؤلاء ثم قرأ: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا) وقرأ ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨].
وقال العَوْفي، عن ابن عباس في قوله: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا) قال: قالوا في الغرف من الجنة، وكان حسابهم أن عُرضوا على ربهم عرضة واحدة، وذلك الحساب اليسير، وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩].
وقال قتادة في قوله: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا) أي: مأوى ومنزلا قال قتادة: وحَدّث صفوان بن مُحْرِز أنه قال: يجاء يوم القيامة برجلين، أحدهما كان ملكا في الدنيا إلى الحمرة والبياض فيحاسب، فإذا عبدٌ، لم يعمل خيرا فيؤمر به إلى النار. والآخر كان صاحب كساء في الدنيا، فيحاسب فيقول: يا رب، ما أعطيتني من شيء فتحاسبني به.
لحمرة والبياض فيحاسب، فإذا عبدٌ، لم يعمل خيرا فيؤمر به إلى النار. والآخر كان صاحب كساء في الدنيا، فيحاسب فيقول: يا رب، ما أعطيتني من شيء فتحاسبني به. فيقول: صدق عبدي، فأرسلوه. فيؤمر به إلى الجنة، ثم يتركان ما شاء الله. ثم يدعى صاحب النار، فإذا هو مثل الحُمَمة السوداء، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: شر مَقيل. فيقال له: عد ثم يُدعَى بصاحب الجنة، فإذا هو مثل القمر ليلة البدر، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: رب، خير مَقيل. فيقال له: عد. رواها ابن أبي حاتم كلها.
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث، أن سعيدًا الصوَّاف حدثه، أنه بلغه: أن يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وأنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس، وذلك قوله تعالى: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا).
قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾.
استنبط بعض العلماء من هذه الآية الكريمة: أن حساب أهل الجنة يسير، وأنه ينتهي في نصف نهار. ووجه ذلك أن قوله: مقيلًا، أي: مكان قيلولة، وهي الاستراحة في نصف النهار، قالوا: وهذا الذي فهم من هذه الآية الكريمة جاء بيانه في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾.
ويفهم من قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ الآية. أن أصحاب النار ليسوا كذلك، وأن حسابهم غير يسير.
وهذا المفهوم دلت عليه آيات أخر، كقوله تعالى قريبًا من هذه الآية: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾، فقوله: (على الكافرين) يدل على أنه على المؤمنين غير عسير، كما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ الآية.
الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾، فقوله: (على الكافرين) يدل على أنه على المؤمنين غير عسير، كما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ وإذا علمت مما ذكرنا ما جاء من الآيات فيه بيان لقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ فهذه أقوال بعض المفسرين في المعنى الذي ذكرنا في الآية.
فيه بيان لقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ فهذه أقوال بعض المفسرين في المعنى الذي ذكرنا في الآية.
قال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ قال: في الغرف من الجنة، وكان حسابهم أن عرضوا على ربهم عرضة واحدة، وذلك الحساب اليسير، وذلك مثل قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ وأخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ وقرأ: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إنما هي ضحوة، فيقيل أولياء الله
وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ وقرأ: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إنما هي ضحوة، فيقيل أولياء الله
على الأسرة مع الحور العين، ويقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين.
وأخرج ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو نعيم في الحلية، عن إبراهيم النخعي: كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس يوم القيامة، نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، فذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾.
نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، فذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن الصواف قال: بلغني أن يوم القيامة يقصر على المؤمن، حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وإنهم ليقيلون في رياض الجنة، حتى يفرغ الناس من الحساب، وذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ إلى أن قال: وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إني لأعرف الساعة التي يدخل فيها أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، الساعة التي يكون فيها ارتفاع الضحى الأكبر إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة، فينصرف أهل النار إلى النار، وأما أهل الجنة فينطلق بهم إلى الجنة، فكانت قيلولتهم في الجنة، وأطعموا كبد الحوت فأشبعهم كلهم فذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ انتهى منه.
وذكر نحوه القرطبي مرفوعًا وقال: ذكره المهدوي.
هم فذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ انتهى منه.
وذكر نحوه القرطبي مرفوعًا وقال: ذكره المهدوي. والظاهر أنه لا يصح مرفوعًا.
وقال القرطبي أيضًا: وذكر قاسم بن أصبغ من حديث أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فقلت: ما أطول هذا اليوم. فقال ﷺ : والذي
نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة المكتوبة. وهو ضعيف أيضًا.
وما ذكره ابن مسعود من أنه قرأ ثم: (إن مقيلهم لإِلى الجحيم) معلوم أن ذلك شاذ لا تجوز القراءة به، وأن القراءة الحق ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾.
واعلم أن قول قتادة في هذه الآية معروف مشهور، وعليه فلا دليل في الآية لما ذكرنا، وقول قتادة هو أن معنى قوله: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ أي: منزلًا ومأوى، وهذا التفسير لا دليل فيه على القيلولة في نصف النهار كما ترى.
الآية لما ذكرنا، وقول قتادة هو أن معنى قوله: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ أي: منزلًا ومأوى، وهذا التفسير لا دليل فيه على القيلولة في نصف النهار كما ترى.
وقد بينا في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: وجه الجمع بين ما دل عليه قوله هنا: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾، من انقضاء الحساب في نصف نهار، وبين ما دل عليه قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ وذكرنا الآيات المشيرة إلى الجمع، وبعض الشواهد العربية.
واعلم أن المشهور في كلام العرب أن المقيل القيلولة أو مكانها وهي الاستراحة نصف النهار زمن الحر مثلًا وإن لم يكن معها نوم، ومنه قوله:
جزى الله خير الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أم معبد
أي: نزلا فيها وقت القائلة، كما قاله صاحب اللسان. وما فسر به قتادة الآية من أن المقيل المنزل والمأوى معروف أيضًا في كلام العرب، ومنه قول ابن رواحة:
اليوم نضربكم على تنزيله ... ضربًا يزيل الهام عن مقيله
فقوله: يزيل الهام عن مقيله.
لمقيل المنزل والمأوى معروف أيضًا في كلام العرب، ومنه قول ابن رواحة:
اليوم نضربكم على تنزيله ... ضربًا يزيل الهام عن مقيله
فقوله: يزيل الهام عن مقيله. يعني: يزيل الرؤوس عن مواضعها من الأعناق. ومعلوم أن المقيل فيه المحل الذي تسكن فيه الرؤوس. والظاهر أن من هذا القبيل قول أحيحة بن الجلاح الأنصاري:
وما تدري وإن أجمعت أمرًا ... بأي الأرض يدركك المقيل
وعليه فالمعنى: بأي الأرض يدركك الثواء والإِقامة بسبب الموت أو غيره من الأسباب.
وصيغة التفضيل في قوله هنا: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ تكلمنا على مثلها قريبًا في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ الآية.
•