Mereka itu tidak (seluruhnya) sama. Di antara Ahli Kitab ada golongan yang jujur,138) mereka membaca ayat-ayat Allah pada malam hari, dan mereka (juga) bersujud (salat)
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: قد أتيْنَا على البيانِ عن معنى قولِه: ﴿الم﴾. فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ،
وكذلك البيانِ عن قولِه: ﴿اللَّهُ﴾.
وأما معنى قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. فإنه خبرٌ من اللهِ ﷿ أخبَر عبادَه أن الألوهةَ خاصَّةٌ به دونَ ما سواه من الآلهةِ والأندادِ، وأن العبادةَ لا تصلُحُ ولا تجوزُ إلا له، لانفرادِه بالربوبيةِ وتَوَحُّدِه بالأُلوهيَّةِ، وأن كلَّ ما دونَه فمِلْكُه، وأن كلَّ ما سواه فخَلْقُه، لا شريكَ له في سلطانِه ومِلْكِه؛ احتجاجًا منه تعالى ذكرُه عليهم، بأن ذلك إذْ كان كذلك، فغيرُ جائزةٍ لهم عبادةُ غيرِه ولا إشراكُ أحدٍ معه في سلطانِه، إذ كان كلُّ معبودٍ سواه فمِلْكُه، وكلُّ مُعَظَّمٍ غيرِه فخَلْقُه؛ وعلى المملوكِ إفرادُ الطاعةِ لمالِكه، وصَرْفُ خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ
خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ اللهِ عليه وسلامُه - مُقيمًا على عبادةِ وَثَنٍ أو
صنمٍ، أو شمسٍ أو قمرٍ، أو إنسيٍّ أو مَلَكٍ، أو غيرِ ذلك من الأشياءِ التي كانت بنو آدمَ مُقِيمةً على [عبادتِها وإلاهتِها]، ومُتَّخذَه دونَ مالكِه وخالقِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
ِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
وقد ذُكِر أن هذه السورةَ ابتدأ اللهُ بتنزيلِ فاتحتِها، بالذي ابتدأ به مِن نفيِ الأُلُوهَةِ أن تكونَ لغيرِه، ووَصْفِه نفسَه بالذي وصفَها به في ابتدائِها؛ احتجاجًا منه بذلك على طائفةٍ من النَّصارَى قَدِمُوا على رسولِ الله ﷺ من نَجْرانَ فحاجُّوه في عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وألْحَدُوا في اللهِ، فأنزل اللهُ ﷿ في أمرِهم وأمرِ عيسى من هذه السورةِ، نَيِّفًا وثلاثين آيةً من أوَّلِها؛ احتجاجًا عليهم وعلى من كان على مثلِ مقالتِهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم.
، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، وإيّاهم قصَد بالحِجاجِ، فإنَّ مَن كان معناه من سائرِ الخلقِ معناهم في الكفرِ باللهِ، واتخاذِ ما سوى اللهِ ربًّا وإلهًا معبودًا، معمومون بالحُجَّة التي حجَّ اللهُ ﵎ بها مَن نزَلتْ هذه الآياتُ فيه، ومحجوجون في الفُرقانِ الذي فَرَق به لرسولِه ﷺ بينَه وبينَهم.
ذكرُ الروايةِ عمن ذكرْنا قولَه في نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرٍ، قال: قَدِم على رسولِ اللهِ ﷺ وفدُ نَجْرانَ، ستون راكبًا، فيهم أربعةَ عشَرَ رجلًا من أشرافِهم، في الأربعةَ عشَرَ ثلاثةُ نَفَرٍ، إليهم يئولُ أمرُهم: العاقبُ؛ أميرُ القومِ وذو رأيِهم وصاحبُ مَشورتِهم، والذي لا يَصْدرُون إلا عن رأيِه، واسمُه عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ؛ ثِمالُهم وصاحبُ رحلِهم ومُجْتَمَعِهم، واسمُه الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ علقمةَ؛ أحدُ بكرِ بن وائلٍ، [أسْقُفُّهم وحَبْرُهم] وإمامُهم وصاحبُ مِدْراسهم.
وكان أبو حارثةَ قد شَرُف فيهم، ودرَس كتبَهم، حتى حسُن علمُه في دينِهم، فكانت ملوكُ الرومِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
ِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
قال ابن إسحاق: قال محمدُ بنُ جعفرِ بن الزُّبيرِ: قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ، فدخَلوا عليه مسجدَه حينَ صلَّى العصرَ، عليهم ثيابُ الحِبَراتِ جُبَبٌ وأرديةٌ، في [جمال رجالِ] بَلْحارثِ بن كعبٍ. قال: يقولُ بعضُ مَن رآهم من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم".
صحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم". فَصَلُّوا إلى المَشْرِقِ.
قال: وكانت تسميةُ الأربعةَ عشَرَ منهم الذين يَئُولُ إليهم أمرُهم: العاقبُ وهو عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ وهو الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أخو بكرِ بن وائلٍ، وأوسٌ، والحارثُ، وزيدٌ، وقيسٌ، ويزيدُ، ونُبَيةٌ، وخويلدٌ، و عمرٌو، وخالدٌ، وعبدُ اللهِ، ويُحَنَّسُ، في ستين راكبًا، فكلَّم رسولَ اللهِ ﷺ منهم أبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ، والعاقبُ عبدُ المسيحِ، والأيْهَمُ السَّيِّدُ، وهم من النصرانيةِ على دينِ الملِكِ، مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ.
مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ. بأنه كان يُحيِى الموتى، ويُبْرِئُ الأسقامَ، ويُخْبِرُ بالغُيوبِ، ويَخلُقُ من الطينِ كهيئةِ الطيرِ ثم ينفُخُ فيه فيكونُ طائرًا، وذلك كلُّه بإذنِ اللهِ، ليجعلَه آيةً للناسِ. ويَحتجُّون في قولِهم: إنه ولدُ اللهِ. أنهم يقولون: لم يكنْ له أبٌ يُعْلَمُ، وقد تكلَّم في المهدِ، شيءٌ لم يَصْنَعْه أحدٌ من ولدِ آدمَ قبلَه. ويحتجُّون في قولِهم: إنه ثالثُ ثلاثةٍ. بقولِ اللهِ ﷿: فعلْنا وأمَرْنا، وخلَقْنا وقضَيْنا. فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا: فعلتُ وأمَرْتُ وقضَيْتُ وخَلَقْتُ، ولكنّه هو، وعيسى، ومريمُ. ففي كلِّ ذلك من قولِهم قد نزَل القرآنُ، وذكَر اللهُ لنبيِّه ﷺ فيه قولَهم، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك.
م، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك. قال: "كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُما مِن الإِسلامِ دعاؤُكما للهِ ﷿ وَلَدًا، وعبادَتُكما الصَّليب، وأكْلُكما الخِنزِيرَ". قالا: فمن
أبوه يا محمدُ؟ فصمَت رسولُ اللهِ ﷺ عنهما فلم يُجِبْهما، فأنزل اللهُ في ذلك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
ك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فافتتح السورةَ بتَبْرِئتِه نفسَه ﵎ مما قالوا، وتوحيدِه إيّاها بالخلقِ والأمرِ، لا شريكَ له فيه؛ ردًّا عليهم ما ابتدَعوا من الكفرِ، وجعَلوا معه من الأندادِ، واحتجاجًا عليهم بقولِهم في صاحبِهم، ليُعَرِّفَهم بذلك ضَلالتَهم، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي ليس معه شريكٌ في أمرِه.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. قال: إن النَّصارَى أتَوْا رسولَ اللهِ ﷺ فخاصَمُوه في عيسى ابن مريمَ، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على اللهِ الكَذِبَ والبُهْتانَ - لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى.
- لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ ربَّنا حيٌّ لا يموتُ، وأنَّ عيسى يأتى عليه الفناءُ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُون أَنَّ ربَّنا قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ، يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرْزُقُه؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يَمْلِكُ عيسى من ذلك شيئًا؟ ". قالوا: لا. قال: "أفلستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ الله ﷿ لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يعلَمُ عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّمَ؟ ". قالوا: لا. قال: "فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى.
رَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستم تَعْلَمُون أَنَّ عيسى حَمَلَتْه امرأةٌ كما تَحْمِلُ المرأةُ، ثم وَضَعَتْه كما تَضَعُ المرأةُ وَلَدَها، ثم غُذِّيَ كما يُغَذَّى الصبيُّ، ثم كان يَطْعَمُ الطعامَ، ويَشرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فكيف يكونُ هذا كما زعمتُم؟ ". قال: فعرَفوا ثم أبَوْا إِلا جُحُودًا، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
ِقُونَ﴾ ثم أخبَر جلَّ ثناؤُه عن حالِ الفريقين عندَه؛ المؤمنةِ منهما والكافرةِ، فقال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾. أى: ليس هؤلاء سواء؛ المؤمنون منهم والكافرون. ثم ابتدَأ الخبرَ جلَّ ثناؤه عن صفةِ الفرقةِ المؤمنةِ مِن أهلِ الكتابِ، ومدَحهم وأثنى عليهم، بعدَ ما وصَف الفرقةَ الفاسقةَ منهم بما وصَفها به؛ مِن الهَلَع ونَخْبِ الجَنانِ، ومحالفةِ الذلِّ والصَّغارِ، وملازمةِ الفاقةِ والمسكنةِ، وتَحَمُّلِ خزي الدنيا وفضيحةِ الآخرةِ، فقال: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. الآيات الثلاث إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾.
فقولُه: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. مرفوعةٌ بقولِه: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وقد توهَّم جماعةٌ مِن نحويِّى الكوفةِ والبصرةِ والمتقدَّمين منهم في صناعتِهم، أن ما بعدَ ﴿سَوَاءً﴾ فى هذا الموضعِ مِن قولِه: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾.
بِ.
وقد توهَّم جماعةٌ مِن نحويِّى الكوفةِ والبصرةِ والمتقدَّمين منهم في صناعتِهم، أن ما بعدَ ﴿سَوَاءً﴾ فى هذا الموضعِ مِن قولِه: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. ترجمةٌ عن ﴿سَوَاءً﴾ وتفسيرٌ عنه، بمعنى: لا يستوى مِن أهلِ الكتابِ أمةٌ قائمةٌ يَتْلون آياتِ اللَّهِ آناءَ الليلِ، وأخرى كافرةٌ. وزعَموا أن ذكرَ الفرقةِ الأخرى تُرِك اكتفاءً بذكرِ إحدى الفِرقَتين، وهى الأمةُ القائمةُ، ومثَّلوه بقولِ أبي ذُؤيبٍ:
عصَيتُ إليها القلبَ إنِّي لأمرِها … سميعٌ فما أدْرى أرُشْدٌ طِلابُها
ولم يَقُلْ: أم غيرِ رشدٍ. اكتفاءً بقولِه: أرُشْدٌ. مِن ذِكرِ: أم غيرُ رشدٍ. وبقولِ الآخرِ:
أرَاك فلا أُدْرِى أَهَمِّ هَمَمْتُه … وذو الهَمِّ قِدْمًا خاشعٌ متضائلُ
وهو مع ذلك خطأٌ عندَهم قولُ القائلِ المريدِ أن يَقُول: سواءٌ أَقُمْتَ أَم وَقعَدْتَ: سواءٌ أَقُمْتَ. حتى يَقُول: أم قعَدت. وإنما يُجيزون حذفَ الثاني فيما كان مِن الكلامِ مكتفيًا بواحدٍ، دونَ ما كان ناقصًا عن ذلك، وذلك نحوُ: ما أُبالى. أو: ما أدرى.
َ. حتى يَقُول: أم قعَدت. وإنما يُجيزون حذفَ الثاني فيما كان مِن الكلامِ مكتفيًا بواحدٍ، دونَ ما كان ناقصًا عن ذلك، وذلك نحوُ: ما أُبالى. أو: ما أدرى. فأجازوا في ذلك: ما أبالي أقُمْتَ. وهم يريدون: ما أُبالي أقمْتَ أم قعَدت. لاكتفاءِ: ما أبالى. بواحدٍ، وكذلك فى: ما أدرى. وأبَوا الإجازةَ في
"سواء"، مِن أجلِ نقصانِه، وأنه غيرُ مكتفٍ بواحدٍ. فأغفَلوا في توجيهِهم قولَه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. على ما حكَينا عنهم إلى ما وجَّهوه إليه - مذاهبَهم فى العربيةِ، إذ أجازوا فيه مِن الحذفِ ما هو غيرُ جائزٍ عندَهم في الكلامِ مع "سواء". وأخطَئوا تأويلَ الآيةِ، فـ ﴿سَوَاءً﴾ فى هذا الموضعِ بمعنى التمامِ والاكتفاءِ، لا بالمعنى الذى تأوَّله مِن حكَينا قولَه.
وقد ذُكر أن قولَه: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾.
ءً﴾ فى هذا الموضعِ بمعنى التمامِ والاكتفاءِ، لا بالمعنى الذى تأوَّله مِن حكَينا قولَه.
وقد ذُكر أن قولَه: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. الآياتُ الثلاثُ نزَلت في جماعةٍ مِن اليهودِ أسلَموا فحُسن إسلامُهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما أَسلَم عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ، وثعلبةُ بنُ سَعْيةَ، وأُسَيدُ بنُ سَعيةَ، وأسدُ بنُ عبيدٍ، ومَن أسلَم مِن يهودَ معهم، فآمَنوا وصدَّقوا، ورغِبوا في الإسلامِ، وتنحَّوا فيه، قالت أحبارُ يهودَ وأهلُ الكفرِ منهم: ما آمَن بمحمدٍ ولا اتَّبَعه إلَّا أشرارُنا، ولو كانوا مِن خيارِنا ما تَرَكوا دينَ آبائِهم وذهَبوا إلى غيرِه.
يه، قالت أحبارُ يهودَ وأهلُ الكفرِ منهم: ما آمَن بمحمدٍ ولا اتَّبَعه إلَّا أشرارُنا، ولو كانوا مِن خيارِنا ما تَرَكوا دينَ آبائِهم وذهَبوا إلى غيرِه. فأنزَل اللهُ ﵎ في ذلك مِن قولِهم: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ إلى قولِه: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: ثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ الآية.
مةُ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ الآية. يَقُولُ: ليس كلُّ القومِ هلَك، قد كان للهِ فيهم بقيةٌ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾: عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ، وثعلبةُ بنُ سَلَامٍ أخوه، وسَعيةُ ومُبَشِّرٌ، وأَسَيدٌ وأسَدٌ ابنا كعبٍ.
وقال آخرون: معنى ذلك: ليس أهلُ الكتابِ وأمةُ محمدٍ القائمةُ بحقِّ اللهِ سواءً عندَ اللهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنً عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحِ، عن الحسنِ بنِ يزيدَ العجلىِّ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنه كان يَقُولُ في قولِه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾.
ى نجيحِ، عن الحسنِ بنِ يزيدَ العجلىِّ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنه كان يَقُولُ في قولِه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. قال: لا يَسْتوى أهلُ الكتابِ
وأمةُ محمدٍ ﷺ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ الآية. يقولُ: ليس هؤلاءِ اليهودُ كمثَلِ هذه الأمةِ التى هى قائمةٌ.
وقد بيَّنّا أن أوْلى القولين بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: قد تمَّت القصةُ عند قولِه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾. عن إخبارِ اللَّهِ بأمرِ مؤمنى أهلِ الكتابِ وأَهلِ الكفرِ منهم، وأن قولَه: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. خبرٌ مبتدأٌ عن مدحِ مؤمنيهم، ووصفِهم بصفتِهم، على ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ وابنُ جريجٍ.
ويَعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾: جماعةٌ ثابتةٌ على الحقِّ.
مدحِ مؤمنيهم، ووصفِهم بصفتِهم، على ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ وابنُ جريجٍ.
ويَعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾: جماعةٌ ثابتةٌ على الحقِّ. وقد دلَّلنا على معنَى "الأمةِ" فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه.
وأما القائمة"، فإن أهل التأويلِ اختلفوا فى تأويله؛ فقال بعضُهم: معناها العادلةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. قال: عادلةٌ.
وقال آخرون: بل معنَى ذلك أنها قائمةٌ على كتابِ اللهِ وما أمَر به فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾.
ائمةٌ على كتابِ اللهِ وما أمَر به فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. يقولُ: قائمةٌ على كتابِ اللهِ وفرائضِه وحدودِه.
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ يقولُ: قائمةٌ على كتابِ اللهِ وحدودِه وفرائضِه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. يقولُ: أمّةٌ مهتديةٌ، قائمةٌ على أمرِ اللَّهِ، لم تنزِعْ عنه وتترُكْه، كما ترَكه الآخرون وضيَّعوه.
وقال آخرون: بل معنَى ﴿قَائِمَةٌ﴾: مُطيعةٌ.
ذكرُ مِن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ الآية.
ئِمَةٌ﴾: مُطيعةٌ.
ذكرُ مِن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ الآية. يقولُ: ليس هؤلاءِ اليهودُ كمثَلِ هذه الأمةِ التي هي قائمةٌ للهِ، والقائمةُ المطيعةُ.
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ فى تأويلِ ذلك ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ ومَن قال
بقولِهما، على ما روَينا عنهم، وإن كان سائرُ الأقوالِ الأُخَرِ متقاربةَ المعنى مِن معنى ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ في ذلك، وذلك أن معنى قولِه: ﴿قَائِمَةٌ﴾: مستقيمةٌ على الهُدَى وكتابِ اللهِ وفرائضِه وشرائِع دينِه، بالعدلِ والطاعةِ، وغير ذلك مِن أسبابِ الخيرُ مِن اللَّهِ صفةِ أهل الاستقامةِ على كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِ اللهِ ﷺ. ونظيرُ ذلك الخبرُ الذى رواه النعمانُ بنُ بشيرٍ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مثَلُ القائم على حدودِ اللَّهِ والواقعِ فيها كمثَلِ قومٍ ركِبوا سفينةً".
لهِ ﷺ. ونظيرُ ذلك الخبرُ الذى رواه النعمانُ بنُ بشيرٍ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مثَلُ القائم على حدودِ اللَّهِ والواقعِ فيها كمثَلِ قومٍ ركِبوا سفينةً". ثم ضرَب لهم مثلًا، فالقائمُ على حدودِ اللهِ هو الثابتُ على التمسكِ بما أمرَه اللهُ به واجتنابِ ما نهاه اللَّهُ عنه.
فتأويلُ الكلامِ: مِن أهلِ الكتابِ جماعةٌ معتصمةٌ بكتابِ اللَّهِ مُتَمسكةٌ به، ثابتةٌ على العملِ بما فيه وبما سنَّ لهم رسولُه ﷺ.
يَنْتَعِلُ
وقد قيل إن واحدَ الآناءِ: إنًى مقصورٌ، كما واحدٌ الأمعاءِ معًى.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: ساعاتُ الليلِ. كما قلنا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: أى ساعات الليلِ.
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: آناءُ الليلِ ساعاتُ الليلِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: سمِعنا العربَ تقولُ: آناءُ الليلِ ساعاتُ الليلِ.
وقال آخرون: آناءُ الليلِ جوفُ الليلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا: ثنا أسباطُ،، عن السدىِّ: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: أمَّا ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: فجوفُ الليلِ.
وقال آخرون: بل عُنى بذلك قومٌ كانوا يُصَلُّون العشاءَ الآخِرَةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
ِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: أمَّا ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: فجوفُ الليلِ.
وقال آخرون: بل عُنى بذلك قومٌ كانوا يُصَلُّون العشاءَ الآخِرَةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن الحسنِ بنِ يزيدَ العجليِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: صلاةُ العَتَمةِ هم يُصَلُّونها، ومَن سِواهم مِن أهلِ الكتابِ لا يُصَلِّيها.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني يحيى بنُ أيوبَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ زَحْرٍ، عن سليمانَ، عن زِرِّ بنِ حُبَيشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: احتَبس علينا رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ ليلةٍ، كان عندَ بعضِ أهلِه أو نسائِه، فلم يَأْتِنا لصلاةِ العشاءِ حتى ذهَب ليلٌ، فجاء ومنّا المصلِّى ومنّا المضطجعُ، فبشَّرنا وقال: "إنه لا يُصَلِّى هذه الصلاةَ أحدٌ مِن أهلِ الكتابِ".
سولُ اللهِ ﷺ ونحن نَنْتَظِرُ العِشاء -يُريدُ العَتَمةَ- فقال لنا: "ما على الأرضِ أحدٌ مِن أهلِ الأديانِ يَنْتَظِرُ هذه الصلاةَ في هذا الوقتِ غيرُكم". قال:
فنزلت: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.
وقال آخرون: بل عُنى بذلك قومٌ كانوا يُصَلُّون فيما بينَ المغربِ والعِشاءِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، قال: بلَغنى أنها نزَلت -: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ - فيما بينَ المغربِ والعِشاءِ.
لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ - فيما بينَ المغربِ والعِشاءِ.
وهذه الأقوالُ التي ذكَرتُها على اختلافِها متقاربةُ المعاني، وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه وصَف هؤلاءِ القومَ بأنهم يَتْلُون آياتِ اللَّهِ فى ساعاتِ الليلِ، وهى آناؤُه، وقد يكونُ تالِيها في صلاةِ العشاءِ تاليًا لها آناءَ الليلِ، وكذلك مَن تلاها فيما بينَ المغربِ والعِشاءِ، ومَن تلاها جوفَ الليلِ، فكلٌّ تالٍ لها ساعاتِ الليلِ. غيرَ أن أوْلى الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عُنى بذلك تلاوتُه القرآنَ في صلاةِ العشاءِ؛ لأنها صلاةٌ لا يُصَلِّيها أحدٌ مِن أهلِ الكتابِ، فوصَف اللهُ جل ثناؤه أمّةَ محمدٍ ﷺ بأنهم يُصَلُّونها دونَ أهلِ الكتابِ الذين كفَروا باللهِ ورسولِه.
وأما قولُه: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.
ن أهلِ الكتابِ، فوصَف اللهُ جل ثناؤه أمّةَ محمدٍ ﷺ بأنهم يُصَلُّونها دونَ أهلِ الكتابِ الذين كفَروا باللهِ ورسولِه.
وأما قولُه: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. فإن بعضَ أهلِ العربيةِ زعَم أن معنى
السجودِ في هذا الموضعِ اسمٌ للصلاةِ لا للسجودِ؛ لأن التلاوةَ لا تكونُ في السجودِ ولا في الركوعِ، فكأنَّ معنى الكلامِ كان عندَه: يتلون آياتِ اللهِ آناءَ الليلِ وهم يُصلُّون.
وليس المعنى على ما ذهَب إليه، وإنما معنى الكلامِ: مِن أهلِ الكتابِ أمةٌ قائمةٌ يَتْلُون آياتِ اللَّهِ آناءَ الليلِ في صلاتِهم، وهم مع ذلك يَسْجُدون فيها. فالسجودُ هو السجودُ المعروفُ في الصلاةِ.
﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)﴾
قال ابن أبي نَجِيح: زَعَم الحسن بن يَزيد العِجْليّ، عن ابن مسعود في قوله تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) قال لا يستوي أهل الكتاب وأمَّة محمد ﷺ.
وهكذا قال السُّدِّي، ويؤيد هذا القول الحديثُ الذي رواه الإمامُ أحمدُ بن حنبل في مسنده.
تَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) قال لا يستوي أهل الكتاب وأمَّة محمد ﷺ.
وهكذا قال السُّدِّي، ويؤيد هذا القول الحديثُ الذي رواه الإمامُ أحمدُ بن حنبل في مسنده.
حدثنا أبو النَّضْر وحسن بن موسى قالا حدثنا شَيْبان، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال: أخر رسولُ الله ﷺ صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة: فقال: "أَمَا إِنَّه لَيْسَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الأدْيَانِ أَحَدٌ يَذْكُرُ اللهَ هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرَكُمْ". قال: وأُنزلَت هذه الآيات: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [أُمَّةٌ قَائِمَةٌ]) إلى قوله (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ).
َةَ غَيْرَكُمْ". قال: وأُنزلَت هذه الآيات: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [أُمَّةٌ قَائِمَةٌ]) إلى قوله (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ).
والمشهور عن كثير من المفسرين -كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العَوْفِيّ عن ابن عباس-أن هذه الآيات نزلت فيمن آمَنَ من أحبار أهل الكتاب، كعبد الله بن سَلام وأسَد بن عُبَيْد وثعلبة بن سَعْية وأسَيد بن سعْية وغيرهم، أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب [وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً) أي: ليسوا كلُّهم على حَدّ سواء، بل منهم المؤمن ومنهم المُجْرم، ولهذا قال تعالى: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ] أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشَرْعه مُتَّبِعة نبيَّ الله، [فهي] (قَائِمَةٌ) يعني مستقيمة (يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) أي: يقومون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ ذكر هنا من صفات هذه الطائفة المؤمنة من أهل الكتاب أنها قائمة. أي: مستقيمة على الحق، وأنها تتلو آيات الله آناء الليل، وتصلي، وتؤمن بالله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر.
وذكر في موضع آخر أنها تتلو الكتاب حق تلاوته، وتؤمن بالله وهو قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
وذكر في موضع آخر أنهم يؤمنون بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليهم، وأنهم خاشعون لله، لا يشترون بآياته ثمنا قليلا، وهو قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ
خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
بِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ
خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
وذكر في موضع آخر أنهم يفرحون بإنزال القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وذكر في موضع آخر أنهم يعلمون أن إنزال القرآن من الله حق، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ﴾ الآية، وذكر في موضع آخر أنهم إذا تلي عليهم القرآن خروا لأذقانهم سجدا وسبحوا ربهم وبكوا، وهو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (١٠٨)﴾.