Wahai orang-orang yang beriman! Janganlah kamu menjadikan teman orang-orang yang di luar kalanganmu (seagama) sebagai teman kepercayaanmu, (karena) mereka tidak henti-hentinya menyusahkan kamu. Mereka mengharapkan kehancuranmu. Sungguh, telah nyata kebencian dari mulut mereka, dan apa yang tersembunyi di hati mereka lebih jahat. Sungguh, telah Kami terangkan kepadamu ayat-ayat (Kami), jika kamu mengerti
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: قد أتيْنَا على البيانِ عن معنى قولِه: ﴿الم﴾. فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ،
وكذلك البيانِ عن قولِه: ﴿اللَّهُ﴾.
وأما معنى قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. فإنه خبرٌ من اللهِ ﷿ أخبَر عبادَه أن الألوهةَ خاصَّةٌ به دونَ ما سواه من الآلهةِ والأندادِ، وأن العبادةَ لا تصلُحُ ولا تجوزُ إلا له، لانفرادِه بالربوبيةِ وتَوَحُّدِه بالأُلوهيَّةِ، وأن كلَّ ما دونَه فمِلْكُه، وأن كلَّ ما سواه فخَلْقُه، لا شريكَ له في سلطانِه ومِلْكِه؛ احتجاجًا منه تعالى ذكرُه عليهم، بأن ذلك إذْ كان كذلك، فغيرُ جائزةٍ لهم عبادةُ غيرِه ولا إشراكُ أحدٍ معه في سلطانِه، إذ كان كلُّ معبودٍ سواه فمِلْكُه، وكلُّ مُعَظَّمٍ غيرِه فخَلْقُه؛ وعلى المملوكِ إفرادُ الطاعةِ لمالِكه، وصَرْفُ خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ
خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ اللهِ عليه وسلامُه - مُقيمًا على عبادةِ وَثَنٍ أو
صنمٍ، أو شمسٍ أو قمرٍ، أو إنسيٍّ أو مَلَكٍ، أو غيرِ ذلك من الأشياءِ التي كانت بنو آدمَ مُقِيمةً على [عبادتِها وإلاهتِها]، ومُتَّخذَه دونَ مالكِه وخالقِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
ِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
وقد ذُكِر أن هذه السورةَ ابتدأ اللهُ بتنزيلِ فاتحتِها، بالذي ابتدأ به مِن نفيِ الأُلُوهَةِ أن تكونَ لغيرِه، ووَصْفِه نفسَه بالذي وصفَها به في ابتدائِها؛ احتجاجًا منه بذلك على طائفةٍ من النَّصارَى قَدِمُوا على رسولِ الله ﷺ من نَجْرانَ فحاجُّوه في عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وألْحَدُوا في اللهِ، فأنزل اللهُ ﷿ في أمرِهم وأمرِ عيسى من هذه السورةِ، نَيِّفًا وثلاثين آيةً من أوَّلِها؛ احتجاجًا عليهم وعلى من كان على مثلِ مقالتِهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم.
، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، وإيّاهم قصَد بالحِجاجِ، فإنَّ مَن كان معناه من سائرِ الخلقِ معناهم في الكفرِ باللهِ، واتخاذِ ما سوى اللهِ ربًّا وإلهًا معبودًا، معمومون بالحُجَّة التي حجَّ اللهُ ﵎ بها مَن نزَلتْ هذه الآياتُ فيه، ومحجوجون في الفُرقانِ الذي فَرَق به لرسولِه ﷺ بينَه وبينَهم.
ذكرُ الروايةِ عمن ذكرْنا قولَه في نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرٍ، قال: قَدِم على رسولِ اللهِ ﷺ وفدُ نَجْرانَ، ستون راكبًا، فيهم أربعةَ عشَرَ رجلًا من أشرافِهم، في الأربعةَ عشَرَ ثلاثةُ نَفَرٍ، إليهم يئولُ أمرُهم: العاقبُ؛ أميرُ القومِ وذو رأيِهم وصاحبُ مَشورتِهم، والذي لا يَصْدرُون إلا عن رأيِه، واسمُه عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ؛ ثِمالُهم وصاحبُ رحلِهم ومُجْتَمَعِهم، واسمُه الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ علقمةَ؛ أحدُ بكرِ بن وائلٍ، [أسْقُفُّهم وحَبْرُهم] وإمامُهم وصاحبُ مِدْراسهم.
وكان أبو حارثةَ قد شَرُف فيهم، ودرَس كتبَهم، حتى حسُن علمُه في دينِهم، فكانت ملوكُ الرومِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
ِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
قال ابن إسحاق: قال محمدُ بنُ جعفرِ بن الزُّبيرِ: قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ، فدخَلوا عليه مسجدَه حينَ صلَّى العصرَ، عليهم ثيابُ الحِبَراتِ جُبَبٌ وأرديةٌ، في [جمال رجالِ] بَلْحارثِ بن كعبٍ. قال: يقولُ بعضُ مَن رآهم من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم".
صحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم". فَصَلُّوا إلى المَشْرِقِ.
قال: وكانت تسميةُ الأربعةَ عشَرَ منهم الذين يَئُولُ إليهم أمرُهم: العاقبُ وهو عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ وهو الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أخو بكرِ بن وائلٍ، وأوسٌ، والحارثُ، وزيدٌ، وقيسٌ، ويزيدُ، ونُبَيةٌ، وخويلدٌ، و عمرٌو، وخالدٌ، وعبدُ اللهِ، ويُحَنَّسُ، في ستين راكبًا، فكلَّم رسولَ اللهِ ﷺ منهم أبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ، والعاقبُ عبدُ المسيحِ، والأيْهَمُ السَّيِّدُ، وهم من النصرانيةِ على دينِ الملِكِ، مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ.
مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ. بأنه كان يُحيِى الموتى، ويُبْرِئُ الأسقامَ، ويُخْبِرُ بالغُيوبِ، ويَخلُقُ من الطينِ كهيئةِ الطيرِ ثم ينفُخُ فيه فيكونُ طائرًا، وذلك كلُّه بإذنِ اللهِ، ليجعلَه آيةً للناسِ. ويَحتجُّون في قولِهم: إنه ولدُ اللهِ. أنهم يقولون: لم يكنْ له أبٌ يُعْلَمُ، وقد تكلَّم في المهدِ، شيءٌ لم يَصْنَعْه أحدٌ من ولدِ آدمَ قبلَه. ويحتجُّون في قولِهم: إنه ثالثُ ثلاثةٍ. بقولِ اللهِ ﷿: فعلْنا وأمَرْنا، وخلَقْنا وقضَيْنا. فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا: فعلتُ وأمَرْتُ وقضَيْتُ وخَلَقْتُ، ولكنّه هو، وعيسى، ومريمُ. ففي كلِّ ذلك من قولِهم قد نزَل القرآنُ، وذكَر اللهُ لنبيِّه ﷺ فيه قولَهم، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك.
م، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك. قال: "كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُما مِن الإِسلامِ دعاؤُكما للهِ ﷿ وَلَدًا، وعبادَتُكما الصَّليب، وأكْلُكما الخِنزِيرَ". قالا: فمن
أبوه يا محمدُ؟ فصمَت رسولُ اللهِ ﷺ عنهما فلم يُجِبْهما، فأنزل اللهُ في ذلك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
ك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فافتتح السورةَ بتَبْرِئتِه نفسَه ﵎ مما قالوا، وتوحيدِه إيّاها بالخلقِ والأمرِ، لا شريكَ له فيه؛ ردًّا عليهم ما ابتدَعوا من الكفرِ، وجعَلوا معه من الأندادِ، واحتجاجًا عليهم بقولِهم في صاحبِهم، ليُعَرِّفَهم بذلك ضَلالتَهم، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي ليس معه شريكٌ في أمرِه.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. قال: إن النَّصارَى أتَوْا رسولَ اللهِ ﷺ فخاصَمُوه في عيسى ابن مريمَ، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على اللهِ الكَذِبَ والبُهْتانَ - لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى.
- لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ ربَّنا حيٌّ لا يموتُ، وأنَّ عيسى يأتى عليه الفناءُ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُون أَنَّ ربَّنا قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ، يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرْزُقُه؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يَمْلِكُ عيسى من ذلك شيئًا؟ ". قالوا: لا. قال: "أفلستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ الله ﷿ لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يعلَمُ عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّمَ؟ ". قالوا: لا. قال: "فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى.
رَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستم تَعْلَمُون أَنَّ عيسى حَمَلَتْه امرأةٌ كما تَحْمِلُ المرأةُ، ثم وَضَعَتْه كما تَضَعُ المرأةُ وَلَدَها، ثم غُذِّيَ كما يُغَذَّى الصبيُّ، ثم كان يَطْعَمُ الطعامَ، ويَشرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فكيف يكونُ هذا كما زعمتُم؟ ". قال: فعرَفوا ثم أبَوْا إِلا جُحُودًا، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾.
يَعْنى بذلك جل ذكرُه: يا أيها الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وأقرُّوا بما جاءهم به بَبِيَّهم مِن عندِ ربِّهم، ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً﴾. يقولُ: لا تتخذوا أولياءَ وأصدقاءَ
لأنفسِكم ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾. يقولُ: مِن دونِ أهلِ دينِكم ومِلَّتِكم. يعنى: مِن غيرِ المؤمنين. وإنما جعَل البطانةَ مَثَلًا لخليلِ الرجلِ، فَشَبَّهَه بما وَلِى بطنَه مِن ثيابِه؛ لحلولِه منه فى اطِّلاعِه على أسرارِه وما يَطْويه عن أباعدِه وكثيرٍ مِن أقاربِه، مَحِلَّ ما وَلِى جَسَدَه مِن ثيابِه.
فَنهَى اللهُ المؤمنين به أن يتِخذوا مِن الكفارِ به أخِلَّاءَ وأصفياءَ، ثم عَرَّفهم ما هم عليه لهم مُنْطَوون، مِن الغِشِّ والخيانةِ، وبُغْيَتِهم إيَّاهم الغَوائلَ، مُحَذِّرهم بذلك منهم ومن مُخَالَّتِهم، فقال تعالى ذكرُه: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. يعني: لا يستطيعونكم شَرًّا.
ةِ، وبُغْيَتِهم إيَّاهم الغَوائلَ، مُحَذِّرهم بذلك منهم ومن مُخَالَّتِهم، فقال تعالى ذكرُه: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. يعني: لا يستطيعونكم شَرًّا. مِن: أَلُوتُ آلُو أَلْوا. يقال: ما أَلا فلانٌ كذا. أى: ما استطاع، كما قال الشاعرُ:
جَهْراءُ لا تَأْلُو إذا هي أظهَرَت … بَصَرًا ولا مِن عَيْلَةٍ تُغْنِينى
يعني: تستطيعُ عندَ الظهرِ إبصارًا.
وإنما يعنى جلّ ذكرُه بقولِه: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. البِطانةَ التي نهَى المؤمنين عن اتخاذِها مِن دونِهم، فقال: إن هذه البِطانةَ لا تَتْرُكُكم طاقتَها خبالًا. أى: لا تَدَعُ جهدَها فيما أورَثَكم الخبالَ.
وأصلُ الخَبَّلِ والخَبَالِ الفسادُ، ثم يُستَعملُ في معان كثيرة، يدُلُّ على ذلك الخبرُ عن النبيِّ ﷺ: "مَن أُصيب بحَبْلٍ أو جِرَاحٍ"
وأما قولُه: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. فإنه يعنى: وَدُّوا عَنَتَكم.
لُ في معان كثيرة، يدُلُّ على ذلك الخبرُ عن النبيِّ ﷺ: "مَن أُصيب بحَبْلٍ أو جِرَاحٍ"
وأما قولُه: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. فإنه يعنى: وَدُّوا عَنَتَكم. يقولُ: يَتَمَنَّون لكم العَنَتَ والشَّرَّ في دينِكم، وما يسوءَكم ولا يَسُرُّكم.
وذُكِر أن هذه الآيةَ نَزَلَت في قومٍ من المسلمين كانوا يُخالِطون حلفاءَهم مِن اليهودِ وأهلِ النفاقِ منهم، ويُضافونهم المودَّةَ، بالأسبابِ التي كانت بينَهم في جاهليتِهم قبلَ الإسلامِ، فَنَهاهم اللهُ عن ذلك، وأن يَسْتَنصِحوهم في شيءٍ مِن أمورِهم.
ذكرُ [الخبر بذلك].
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: قال محمدُ ابنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رجالٌ مِن المسلمين يواصلون رجالًا مِن يهودَ؛ لما كان بينَهم مِن الجوارِ والحِلْفِ في الجاهليةِ، فأنزَل اللهُ ﵎ فيهم، يَنْهاهم عن مُباطَنتِهم؛ تَخَوَّفَ الفتنةِ عليهم منهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾.
َأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾: نهَى اللَّهُ جلّ ثناؤُه المؤمنين أن يَسْتدخِلوا المنافِقين أو يُؤاخوهم، أو يَتَولُّوهم مِن دونِ المؤمنين.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن، أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾: هم المنافِقون.
حُدِّثت عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه عن الربيعِ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. يقولُ: لا تسْتدخِلوا المنافِقين، فتَولَّوْهم دونَ المؤمنينَ.
حدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوب بن إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا العَوَّامُ بنُ حَوشبٍ، عن الأزهرِ بنِ راشدٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لا تَسْتَضيئوا بنارِ أهلِ الشِّرْكِ، ولا تَنْقُشوا فى خَواتيمِكم عَرَبِيًّا". قال: فلم يَدْرُوا ما ذلك حتى أتَوا الحسنَ فسألوه، فقال: نعم، أما قولُه: "لا تَنْقُشوا في خَواتيمِكم عَرَبيًّا".
تَنْقُشوا فى خَواتيمِكم عَرَبِيًّا". قال: فلم يَدْرُوا ما ذلك حتى أتَوا الحسنَ فسألوه، فقال: نعم، أما قولُه: "لا تَنْقُشوا في خَواتيمِكم عَرَبيًّا". فإنه يقولُ: لا تَنْقُشوا فى خَواتيمكم محمدًا. وأما قولُه: "ولا تَسْتَضيئوا بنارِ أهلِ الشركِ". فإنه يَعْنى به المشركين، يقولُ لاتَسْتَشيروهم في شيءٍ من أمورِكم. قال: وقال الحسنُ: وتصديقُ ذلك فى كتابِ اللهِ. ثم تَلا هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾: أما البَطانةُ، فهم المنافِقون.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابنِ جُرَيج قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ الآية.
ا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابنِ جُرَيج قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ الآية. قال: لا يَسْتدخِلُ المؤمنُ المنافقَ دونَ أخيه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ الآية. قال: هؤلاء المنافِقون، وقرَأ قولَه: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية.
واختَلفوا في تأويلِ قولِه: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وَدُّوا ما ضَلَلْتم عن دينكم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، السُّدِّيِّ: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. يقولُ: ما ضَلَلْتم.
وقال آخرون بما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. يقولُ: في دينِكم، يَعْنى أنهم يَوَدُّون أن تَعْنَتوا في دينِكم.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾.
جُرَيجٍ: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. يقولُ: في دينِكم، يَعْنى أنهم يَوَدُّون أن تَعْنَتوا في دينِكم.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. فجاء بالخبرِ عن البِطانةِ
بلفظِ الماضي في مَحِلِّ الحالِ والقَطْعِ، بعدَ تَمامِ الخبرِ، والحالاتُ لا تكونُ إلا بصُورِ الأسماء أو الأفعالِ المستقبَلةِ، دونَ الماضية منها؟
قيل: ليس الأمرُ في ذلك على ما ظَنَنتَ مِن أن قولَه: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾ حالٌ للبِطانةِ، وإنما هو خبرٌ عنهم ثانٍ، منقطع عن الأَوَّلِ، غيرُ مُتَّصِلٍ به.
وإنما تأويلُ الكلامِ: يا أيُّها الذين آمنوا لا تَتَّخِذوا بطانةً صِفَتُهم كذا، صِفَتُهم كذا. فالخبرُ عن الصفةِ الثانيةِ غيرُ مُتَّصِلٍ بالصفةِ الأولى، وإن كانَتا جميعًا مِن صفةِ شخصٍ واحدٍ.
وقد زعمَ بعضَ أهلِ العربيةِ أن قولَه: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾.
ن الصفةِ الثانيةِ غيرُ مُتَّصِلٍ بالصفةِ الأولى، وإن كانَتا جميعًا مِن صفةِ شخصٍ واحدٍ.
وقد زعمَ بعضَ أهلِ العربيةِ أن قولَه: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. مِن صلةِ البِطانةِ، [وأن معنى ذلك: لا تَتَّخِذوا بطانةٌ ودُّوا -أي: أَحَبُّوا- ما عنِتُّم.
وليس لهذا القولِ الذى قاله صاحبُ هذه المقالة وجهٌ معروفٌ؛ وذلك أن البِطانةِ] قد وُصِلَت بقولِه: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. فلا وَجْهَ لصلةٍ أخرى بعدَ تَمامِ البِطانةِ بصِلتِه، ولكنّ القولُ في ذلك كما بَيَّنا قبل مِن أن قولَه: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾.
خبرٌ مبتدأٌ عن البِطانةِ غيرُ الخبرِ الأولِ، وغيرُ حالٍ مِن البِطانةِ ولا قَطْعٍ منها.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾.
يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه: قد بَدَت بَغْضاءُ هؤلاء الذين نَهَيتُكم أيُّها المؤمنون أن تتَّخِذوهم بِطانةً مِن دونكم، لكم بأفواهِهم، يعني: بألسنتِهم، والذي بَدا لهم منهم بألسنتِهم، إقامتُهم على كُفْرِهم، وعداوتُهم مَن خالف ما هم عليه مُقِيمون مِن الضَّلالة، فذلك مِن أوكدِ الأسبابِ فى مُعاداتهم أهلَ الإيمانِ؛ لأن ذلك
عداوةٌ على الدِّين، والعداوةُ على الدينِ العداوةُ التى لا زَوالَ لها إلا بانتقالِ أحدِ المُتعادِيَين إلى مِلَّةِ الآخرِ منهما، وذلك انتقالٌ مِن هدًى إلى ضلالةِ، كانت عندَ المُنْتقِل إليها ضَلالةً قبل ذلك، فكان في إبدائِهم ذلك للمؤمنين ومُقامهم عليه، أبْيَنُ الدلالةِ لأهلِ الإيمانِ على ماهم عليه لهم مِن البَغْضاءِ والعَداوةِ.
وقد قال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: قد بَدَت بغضاؤُهم لأهلِ الإيمانِ إلى أوليائِهم مِن المنافِقين وأهلِ الكفرِ، بإطلاعِ بعضِهم بعضًا على ذلك
قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: قد بَدَت بغضاؤُهم لأهلِ الإيمانِ إلى أوليائِهم مِن المنافِقين وأهلِ الكفرِ، بإطلاعِ بعضِهم بعضًا على ذلك
وزعَم قائِلو هذه المقالةِ أن الذين عُنُوا بهذه الآيةِ أهلُ النفاقِ، دونَ مَن كان مُصَرِّحًا بالكفر مِن اليهودِ وأهلِ الشِّرْكِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾. يقولُ: قد بَدَت البغضاء مِن أفواه المنافِقين إلى إخوانِهم من الكفارِ، مِن غِشِّهم للإسلامِ وأهلِه، وبُغْضِهم إياهم.
حُدِّثت عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾.
م للإسلامِ وأهلِه، وبُغْضِهم إياهم.
حُدِّثت عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾. يقولُ: مِن أفواهِ المنافِقين.
وهذا القولُ الذي ذكرناه عن قتادةَ قولٌ لا معنى له، وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه إنما نهَى المؤمنين أن يَتَّخِذوا بِطانةً ممن قد عَرَفوه بالغِشِّ للإسلامِ وأهلِه والبَغْضاءِ؛ إما
بأدلةٍ ظاهرة دَالَّةٍ على أن ذلك مِن صِفَتِهم، وإما بإظهارِ الموصوفين بذلك العداوةَ والشَّنآنَ وبالمُناصَبةِ لهم، فأما مَن لم يُثْبِتوه معرفةً أنه الذي نَهاهم اللهُ ﷿ عن مُخالَّتِه ومُباطنته، فغيرُ جائزٍ أن يكونوا نُهُوا عن مُخالَّتِه ومُصادقتِه، إلا بعدَ تعريفِهم إياهم، إما بأعيانِهم وأسمائِهم، وإما بصفاتٍ قد عرَفوهم بها.
لَّتِه ومُباطنته، فغيرُ جائزٍ أن يكونوا نُهُوا عن مُخالَّتِه ومُصادقتِه، إلا بعدَ تعريفِهم إياهم، إما بأعيانِهم وأسمائِهم، وإما بصفاتٍ قد عرَفوهم بها.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان إبداءُ المنافِقين بألسنتِهم ما في قلوبهم من بَعْضاءِ المؤمنين إلى إخوانِهم من الكفارِ، غيرَ مُدْرِكٍ به المؤمنون معرفةَ ما هم عليه لهم، مع إظهارِهم الإيمانَ بألسنتِهم لهم، والتَّوَدُّدِ إليهم، كان بَيِّنًا أن الذى نهَى اللَّهُ المؤمنين عن اتِّخاذِهم لأنفسِهم بِطانةً دونَهم، هم الذين قد ظهَرَت لهم بَغْضاؤُهم بألسنتِهم، على ما وصَفهم اللهُ ﵎ به، فعَرَفهم المؤمنون بالصفةِ التي نَعَتَهم اللهُ بها، وأنهم هم الذين وصَفهم تعالى ذكرُه بأنهم أصحابُ النارِ هم فيها خالدون، ممن كان له ذِمَّةٌ وعهدٌ مِن رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابه، مِن أهلِ الكتابِ؛ لأنهم لو كانوا المنافِقين، لكان الأمرُ فيهم على ما قد بَيَّنا، ولو كانوا الكفارَ ممن قد ناصَب المؤمنين الحربَ، لم يكن المؤمنون مُتَّخِذِيهم لأنفسهم بِطانةً مِن دونِ المؤمنين مع اختلافِ
أمرُ فيهم على ما قد بَيَّنا، ولو كانوا الكفارَ ممن قد ناصَب المؤمنين الحربَ، لم يكن المؤمنون مُتَّخِذِيهم لأنفسهم بِطانةً مِن دونِ المؤمنين مع اختلافِ بلادِهم، وافتراقِ أمصارِهم، ولكنهم الذين كانوا بينَ أَظْهُرِ دُورِ المؤمنين مِن أهلِ الكتابِ، أيامَ رسولُ اللهِ ﷺ، ممن كان له مِن رسولِ اللهِ ﷺ عهدٌ وعقدٌ، مِن يهودِ بني إسرائيلَ.
والبَغْضاءُ مصدرٌ، وقد ذُكِر أنها في قراءةِ ابن مسعودٍ: (قَدْ بَدَا البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ). على وَجْهِ التذكير، وإنما جاز ذلك بالتَّذكيرِ ولَفْظُه لَفْظُ المؤنثِ؛ لأن المصادرَ تأنيتُها ليس بالتأنيثِ اللازمِ، فيجوزُ تذكيرُ ما خرج منها على لفظِ
المؤنثِ وتأنيتُه، كما قال اللهُ جل ثناؤه: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]. وكما قال: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧].
ه، كما قال اللهُ جل ثناؤه: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]. وكما قال: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧]. وفي موضع آخَرَ: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤]، و ﴿جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٣، ٨٥].
وقال: ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ وإنما بدا ما بَدا مِن البغضاءِ منهم بألسنتِهم؛ لأن المعنىَّ به الكلامُ الذى ظهَر للمؤمنين منهم مِن أفواهِهم، فقال: قد بَدَتِ البغضاءُ بألسنتِهم مِن أفواهِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾.
يَعْنى جل ثناؤه بذلك: والذى تُخْفِي ﴿صُدُورُهُمْ﴾. . يعنى: صدورُ هؤلاء الذين نَهاهم عن اتخاذِهم بِطانةً، فتَخْبِنُه عنكم أيُّها المؤمنون، ﴿أَكْبَرُ﴾. يقولُ: أكبرُ مما قد بَدا لكم بألسنتِهم مِن أفواههم مِن البَغْضاءِ وأعظمُ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. يقولُ: وما تُخْفِى صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتِهم.
حُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. يقولُ: ما تُكِنُّ صدورُهم أكبرُ مما قد أبدَوا بألسنتِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾.
يَعْنى بذلك جلّ ثناؤه: قد بَيَّنا لكم أيها المؤمنون ﴿الْآيَاتِ﴾. يعني بالآيات
العبَرَ. يقولُ: قد بَيَّنا لكم من أمرِ هؤلاء اليهودِ الذين نَهَيناكم أن تتَّخِذوهم بِطانةً من دونِ المؤمنين، ماتعتبرون وتتَّعظون به من أمْرِهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يعنى: إن كنتم تَعْقِلُون عن اللهِ مَواعظه، وأمره ونهيَه، وتعرِفون مواقعَ نَفْعِ ذلك منكم، ومَبْلَغَ عائدتِه عليكم.
ْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾
يقول ﵎ ناهيًا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة، أي: يُطْلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم لا يألون المؤمنين خَبَالا أي: يَسْعَوْنَ في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن، وبما يستطيعونه من المكر والخديعة، ويودون ما يُعْنتُ المؤمنين ويخرجهم ويَشُقّ عليهم.
وقوله: (لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ) أي: من غيركم من أهل الأديان، وبطانة الرجل: هم خاصّة أهله الذين يطلعون على داخل أمره.
م ويَشُقّ عليهم.
وقوله: (لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ) أي: من غيركم من أهل الأديان، وبطانة الرجل: هم خاصّة أهله الذين يطلعون على داخل أمره.
وقد روى البخاري، والنسائي، وغيرهما، من حديث جماعة، منهم: يونس، ويحيى بن سعيد، وموسى بن عقبة، وابن أبي عتيق -عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد؛ أن رسول الله ﷺ قال: "مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِي وَلا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَة إلا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخيرِ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالسُّوءِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَم اللهُ ".
وقد رواه الأوزاعي ومعاوية بن سلام، عن الزهري، عن أبي سلمة [عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه فيحتمل أنه عند الزهري عن أبي سلمة] عنهما. وأخرجه النسائي عن الزهري
أيضا وعلقه البخاري في صحيحه فقال: وقال عبيد الله بن أبي جعفر، عن صَفْوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن أبي أيوب الأنصاري، فذكره.
وأخرجه النسائي عن الزهري
أيضا وعلقه البخاري في صحيحه فقال: وقال عبيد الله بن أبي جعفر، عن صَفْوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن أبي أيوب الأنصاري، فذكره. فيحتمل أنه عند أبي سلمة عن ثلاثة من الصحابة والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو أيوب محمد بن الوَزَّان، حدثنا عيسى بن يونس، عن أبي حَيّان التيمي عن أبي الزِّنْباع، عن ابن أبي الدِّهْقانة قال: قيل لعمر بن الخطاب، ﵁: إن هاهنا غُلاما من أهل الحِيرة، حافظ كاتب، فلو اتخذته كاتبا؟ فقال: قد اتخذت إذًا بطانة من دون المؤمنين.
ففي هذا الأثر مع هذه الآية دلالة على أن أهل الذَّمَّة لا يجوز استعمالهم في الكتابة، التي فيها استطالة على المسلمين واطِّلاع على دَوَاخل أمُورهم التي يُخْشَى أن يُفْشوها إلى الأعداء من أهل الحرب؛ ولهذا قال تعالى: (لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ).
مين واطِّلاع على دَوَاخل أمُورهم التي يُخْشَى أن يُفْشوها إلى الأعداء من أهل الحرب؛ ولهذا قال تعالى: (لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ).
وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن إسرائيل، حدثنا هُشَيم، حدثنا العَوَّام، عن الأزهر بن راشد قال: كانوا يأتون أنَسًا، فإذا حَدَّثهم بحديث لا يدرون ما هو، أتَوا الحسن -يعني البصري-فيفسره لهم. قال: فحدَّث ذات يوم عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ، ولا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا فلم يدروا ما هو، فأتوا الحسن فقالوا له: إن أنسا حَدّثنا أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الشِّركِ ولا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا فقال الحسن: أما قوله: "ولا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا: محمد ﷺ. وأما قوله: "لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الشِّركِ" يقول: لا تستشيروا المشركين في أموركم.
سن: أما قوله: "ولا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا: محمد ﷺ. وأما قوله: "لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الشِّركِ" يقول: لا تستشيروا المشركين في أموركم. ثم قال الحسن: تصديق ذلك في كتاب الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ).
هكذا رواه الحافظ أبو يعلى، ﵀، وقد رواه النسائي عن مجاهد بن موسى، عن هشيم. ورواه الإمام أحمد، عن هُشَيم بإسناده مثله، من غير ذكر تفسير الحسن البصري.
وهذا التفسير فيه نظر، ومعناه ظاهر: "لا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيّا أي: بخط عربي، لئلا يشابه نقش خاتم النبي ﷺ، فإنه كان نَقْشُه محمد رسول الله؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه
نهى أن يَنْقُشَ أحد على نقشه.
ُمْ عَرَبيّا أي: بخط عربي، لئلا يشابه نقش خاتم النبي ﷺ، فإنه كان نَقْشُه محمد رسول الله؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه
نهى أن يَنْقُشَ أحد على نقشه. وأما الاستضاءة بنار المشركين، فمعناه: لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم، بل تَبَاعَدُوا منهم وهَاجروا من بلادهم؛ ولهذا روى أبو داود [﵀] لا تَتَرَاءَى نَاراهُمَا" وفي الحديث الآخر: "مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ أَوْ سَكَنَ مَعَهُ، فَهُوَ مِثْلُهُ"؛ فحَمْلُ الحديث على ما قاله الحسن، ﵀، والاستشهاد عليه بالآية فيه نظر، والله أعلم.
ثم قال تعالى: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) أي: قد لاح على صَفَحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل؛ ولهذا قال: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ).
مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل؛ ولهذا قال: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ).
وقوله تعالى: (هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) أي: أنتم -أيها المؤمنون-تحبون المنافقين مما يظهرون لكم من الإيمان، فتحبونهم على ذلك وهم لا يحبونكم، لا باطنا ولا ظاهرا (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) أي: ليس عندكم في شيء منه شك ولا رَيْب، وهم عندهم الشك والرِّيَب والحِيرة.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) أي: بكتابكم وكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم، منهم لكم.
ابن عباس: (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) أي: بكتابكم وكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم، منهم لكم. رواه ابن جرير.
(وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) والأنامل: أطراف الأصابع، قاله قتادة.
وقال الشاعر:
أوَدُّ كما ما بَلّ حَلْقِيَ ريقَتى … وَمَا حَمَلَتْ كَفَّايَ أنْمُلي العَشْرا
وقال ابن مسعود، والسُّدِّي، والرَّبِيع بن أنس: (الأنَامِلَ) الأصابع.
عر:
أوَدُّ كما ما بَلّ حَلْقِيَ ريقَتى … وَمَا حَمَلَتْ كَفَّايَ أنْمُلي العَشْرا
وقال ابن مسعود، والسُّدِّي، والرَّبِيع بن أنس: (الأنَامِلَ) الأصابع.
وهذا شأن المنافقين يُظْهِرون للمؤمنين الإيمانَ والمودّة، وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه، كما قال تعالى: (وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) وذلك أشد الغيظ والحنق، قال الله تعالى: (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله مُتمّ نعمته على عباده المؤمنين ومُكَملٌ دينه، ومُعْلٍ كلمتَه ومظهر دينَه، فموتوا أنتم بغيظكم (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتُكنُّه سَرَائرُكُم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها.
حسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها.
ثم قال: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا) وهذه الحال دالة على شدة
العداوة منهم للمؤمنين وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب، ونصر وتأييد، وكثروا وعزّ أنصارهم، ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المسلمين سَنَة -أي: جَدْب-أو أُديل عليهم الأعداء، لما لله في ذلك من الحكمة، كما جرى يوم أُحُد، فَرح المنافقون بذلك، قال الله تعالى مخاطبا عباده المؤمنين: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ]) يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكَيْدِ الفُجّار، باستعمال الصبر والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
وكَيْدِ الفُجّار، باستعمال الصبر والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه.
ثم شَرَعَ تعالى في ذكر قصة أحد، وما كان فيها من الاختبار لعباده المؤمنين، والتمييز بين المؤمنين والمنافقين، وبيان صَبْر الصابرين، فقال تعالى: