القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يعلمُ هؤلاء المكذِّبون بحقيقةِ خبرِ اللهِ أن الرومَ ستَغْلِبُ فارسَ- ﴿ظَاهِرًا﴾ مِن أمرِ حياتِهم الدنيا وتدبيرِ معايشِهم فيها، وما يُصْلِحُهم، رهم عن أمرِ آخرتِهم، وما لهم فيه النجاةُ من عقابِ اللهِ هنالك غافلون، لا يُفَكِّرون فيه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ يحيى بنُ واضحٍ الأنصاريُّ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، قال: ثنا يزيدُ النحويُّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
لأنصاريُّ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، قال: ثنا يزيدُ النحويُّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. [يعنى: معايشَهم؛ متى يحصُدون، ومتى يغرِسون.
حدَّثني أحمد بنُ الوليدِ الرمليُّ، قال: ثنا عمرُ بنُ عثمانَ بنِ عمرَ، عن عاصمِ ابنِ عليٍّ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، قال: ثنا ابنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾]. قال: متى يَزْرعون، متى يَغْرِسون.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنى شَرَقيٌّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: هو السرَّاجُ أو نحوُه.
حدَّثنا أبو هريرةَ محمدُ بنُ فِراسٍ الضُّبَعِيُّ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، قال: ثنا شعبةُ، عن شَرَقيٍّ، عن عكرِمةَ فى قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
بنُ فِراسٍ الضُّبَعِيُّ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، قال: ثنا شعبةُ، عن شَرَقيٍّ، عن عكرِمةَ فى قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: السرَّاجون.
حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ الرمليُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا شعبةُ،
عن شَرَقيٍّ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: الخرَّازون والسرَّاجون.
حدَّثنا بشرٌ بنُ آدمَ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: معايشَهم، وما يُصْلِحُهم.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه
حدَّثني بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا الضحاكُ بنُ مخلدٍ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ؛ وعن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا الضحاكُ بنُ مخلدٍ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ؛ وعن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. [قال: معايشَهم.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾]. يعنى: الكفارُ، يعرفون عُمرانَ الدنيا، وهم فى أمرِ الدِّينِ جُهَّالٌ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
ا، وهم فى أمرِ الدِّينِ جُهَّالٌ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: معايشَهم، وما يصلحُهم.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا
مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: من حرفتِها وتصرُّفِها وبُغْيتِها، ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ، قال: يَعْلَمون متى زرعُهم، ومتى حصادُهم.
قال: ثنا حفصُ بنُ راشدٍ الهلاليُّ، عن شعبةَ، عن شَرَقيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
مون متى زرعُهم، ومتى حصادُهم.
قال: ثنا حفصُ بنُ راشدٍ الهلاليُّ، عن شعبةَ، عن شَرَقيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: السَّرَّاجُ ونحوُه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: صرفَها في معيشتِها.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.
وقال آخرون فى ذلك ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: تَسْتَرِقُ الشياطينُ السمعَ، فيَسْمَعون الكلمةَ التي قد نزَلت، يَنْبَغى لها أن تكونَ في الأرضِ. قال: ويُرْمون بالشهُبِ، فلا يَنْجو أن يَحترِقَ، أو يُصيبَه شرٌّ منه. قال: فيَسْقُطُ فلا يَعودُ أبدًا. قال: ويَرْمى بذاك الذي سمِع إلى أوليائِه من الإنسِ. قال:
فيَحْمِلون عليه ألفَ كَذْبةٍ.
َحترِقَ، أو يُصيبَه شرٌّ منه. قال: فيَسْقُطُ فلا يَعودُ أبدًا. قال: ويَرْمى بذاك الذي سمِع إلى أوليائِه من الإنسِ. قال:
فيَحْمِلون عليه ألفَ كَذْبةٍ. قال: فما رأَيتَ الناسَ يقولون: يكونُ كذا وكذا. قال: فيَجِيءُ الصحيحُ منه، كما يقولون، الذي سمِعوه في السماءِ، وبقيَّتُه من الكذبِ الذي يخوضون فيه.
﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾.
وقوله: (وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ) أي: هذا الذي أخبرناك به -يا محمد -من أنا سننصر الروم على فارس، وعد من الله حق، وخَبَر صدق لا يخلف، ولا بد من كونه ووقوعه؛ لأن الله قد جرت سنته أن ينصر أقرب الطائفتين المقتتلتين إلى الحق، ويجعل لها العاقبة، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أي: بحكم الله في كونه وأفعاله المحكمة الجارية على وفق العدل.
وقوله: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) أي: أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مُغَفّل لا ذهن له ولا فكرة.
دنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مُغَفّل لا ذهن له ولا فكرة.
قال الحسن البصري: والله لَبَلَغَ من أحدهم بدنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنه، وما يحسن أن يصلي.
وقال ابن عباس في قوله: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) يعني: الكفار، يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال.
قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾.
قوله تعالى: وعد الله مصدر مؤكد لنفسه؛ لأن قوله قبله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ إلى قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ هو نفس الوعد كما لا يخفى، أي وعد الله ذلك وعدًا.
وقد ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أربعة أمور:
الأول: أنه لا يخلف وعده.
والثاني: أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون.
والثالث: أنهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا.
والرابع: أنهم غافلون عن الآخرة.
وهذه الأمور الأربعة جاءت موضحة في غير هذا الموضع.
أما الأول منها: وهو كونه لا يخلف وعده، فقد جاء في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ وقد بين تعالى
غير هذا الموضع.
أما الأول منها: وهو كونه لا يخلف وعده، فقد جاء في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ وقد بين تعالى
أن وعيده للكفار لا يخلف أيضًا في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ الآية.
والتحقيق: أن القول الذي لا يبدل لديه في هذه الآية الكريمة، هو وعيده للكفار.
وكقوله تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾ وقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾ فقوله: (حق) في هاتين الآيتين، أي: وجب وثبت، فلا يمكن تخلفه بحال.
حَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾ وقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾ فقوله: (حق) في هاتين الآيتين، أي: وجب وثبت، فلا يمكن تخلفه بحال.
وأما الثاني منها: وهو أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون، فقد جاء موضحًا في آيات كثيرة، فقد بين تعالى في آيات أن أكثر الناس هم الكافرون، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
هم غافلين عن الآخرة فقد جاء في آيات كثيرة، كقوله تعالى عنهم: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ الآية.
وقوله تعالى عنهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾، ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ والآيات في ذلك كثيرة معلومة.
تنبيه
اعلم أنه يجب على كل مسلم في هذا الزمان: أن يتدبر آية الروم هذه تدبرًا كثيرًا، ويبين ما دلت عليه لكل من استطاع بيانه له من الناس.
وإيضاح ذلك أن من أعظم فتن آخر الزمان التي ابتلى الله بها ضعاف العقول من المسلمين شدة إتقان الإفرنج لأعمال الحياة الدنيا، ومهارتهم فيها على كثرتها، واختلاف أنواعها مع عجز المسلمين عن ذلك، فظنوا أن من قدر على تلك الأعمال أنه على الحق، وأن من عجز عنها متخلف وليس على الحق، وهذا جهل
فاحش، وغلط مادح.
واختلاف أنواعها مع عجز المسلمين عن ذلك، فظنوا أن من قدر على تلك الأعمال أنه على الحق، وأن من عجز عنها متخلف وليس على الحق، وهذا جهل
فاحش، وغلط مادح. وفي هذه الآية الكريمة إيضاح لهذه الفتنة وتخفيف لشأنها أنزله الله في كتابه قبل وقوعها بأزمان كثيرة، فسبحان الحكيم الخبير ما أعلمه، وما أعظمه، وما أحسن تعليمه.
فقد أوضح جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن أكثر الناس لا يعلمون، ويدخل فيهم أصحاب هذه العلوم الدنيوية دخولًا أوليًا، فقد نفى عنهم جلَّ وعلا اسم العلم بمعناه الصحيح الكامل؛ لأنهم لا يعلمون شيئًا عمن خلقهم، فأبرزهم من العدم إلى الوجود، ورزقهم، وسوف يميتهم، ثم يحييهم، ثم يجازيهم على أعمالهم، ولم يعلموا شيئًا عن مصيرهم الأخير الذي يقيمون فيه إقامة أبدية في عذاب فظيع دائم، ومن غفل عن جميع هذا فليس معدودًا من جنس من يعلم كما دلت عليه الآيات القرآنية المذكورة، ثم لما نفى عنهم جلَّ وعلا اسم العلم بمعناه الصحيح الكامل أثبت لهم نوعًا من العلم في غاية الحقارة بالنسبة إلى غيره.
دلت عليه الآيات القرآنية المذكورة، ثم لما نفى عنهم جلَّ وعلا اسم العلم بمعناه الصحيح الكامل أثبت لهم نوعًا من العلم في غاية الحقارة بالنسبة إلى غيره.
وعاب ذلك النوع المذكور من العلم بعيبين عظيمين:
أحدهما: قلته وضيق مجاله؛ لأنه لا يجاوز ظاهرًا من الحياة الدنيا، والعلم المقصور على ظاهر من الحياة الدنيا في غاية الحقارة، وضيق المجال بالنسبة إلى العلم بخالق السماوات والأرض جلَّ وعلا، والعلم بأوامره ونواهيه، وبما يقرب عبده منه، وما يبعده منه، وما يخلد في النعيم الأبدي والعذاب الأبدي من أعمال الخير والشر.
والثاني منهما: هو دناءة هدف ذلك العلم، وعدم نبل غايته، لأنه لا يتجاوز الحياة الدنيا، وهي سريعة الانقطاع والزوال.
والعذاب الأبدي من أعمال الخير والشر.
والثاني منهما: هو دناءة هدف ذلك العلم، وعدم نبل غايته، لأنه لا يتجاوز الحياة الدنيا، وهي سريعة الانقطاع والزوال. ويكفيك من تحقير هذا العلم الدنيوي أن أجود أوجه الإعراب في قوله:
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا﴾ أنه بدل من قوله قبله لا يعلمون، فهذا العلم كلا علم لحقارته.
قال الزمخشري في الكشاف: وقوله: يعلمون بدل من قوله: لا يعلمون، وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه، وجعله بحيث يقوم مقامه، ويسد مسده؛ ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا.
وقوله: ﴿ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يفيد أن للدنيا ظاهرًا وباطنًا فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها، والتنعم بملاذها، وباطنها وحقيتها أنها مجاز إلى الآخرة، يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة. وفي تنكير الظاهر أنهم لا يعلمون إلَّا ظاهرًا واحدًا من ظواهرها.
ذها، وباطنها وحقيتها أنها مجاز إلى الآخرة، يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة. وفي تنكير الظاهر أنهم لا يعلمون إلَّا ظاهرًا واحدًا من ظواهرها. و ﴿هُمْ﴾ الثانية يجوز أن يكون مبتدأ، وغافلون خبره، والجملة خبر ﴿هُمْ﴾ الأولى، وأن يكون تكريرًا للأولى، وغافلون خبر الأولى. وأية كانت فذكرها مناد على أنهم معدن الغفلة عن الآخرة وَمقرها ومحلها، وأنها منهم تنبع وإليهم ترجع. انتهى كلام صاحب الكشاف.
وقال غيره: وفي تنكير قوله: ظاهرًا تقليل لمعلومهم، وتقليله يقربه من النفي حتى يطابق المبدل منه. اهـ.
ها منهم تنبع وإليهم ترجع. انتهى كلام صاحب الكشاف.
وقال غيره: وفي تنكير قوله: ظاهرًا تقليل لمعلومهم، وتقليله يقربه من النفي حتى يطابق المبدل منه. اهـ. ووجهه ظاهر.
واعلم أن المسلمين يجب عليهم تعلم هذه العلوم الدنيوية، كما أوضحنا ذلك غاية الإِيضاح في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ وهذه العلوم الدنيوية التي بينا حقارتها بالنسبة إلى ما غفل عنه أصحابها الكفار، إذا تعلمها المسلمون، وكان كل من تعليمها واستعمالها مطابقًا لما أمر الله به على لسان نبيه ﷺ : كانت من أشرف العلوم وأنفعها؛ لأنها يستعان
بها على إعلاء كلمة الله ومرضاته جلَّ وعلا، وإصلاح الدنيا والآخرة، فلا عيب فيها إذن كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ فالعمل في إعداد المستطاع من القوة امتثالًا لأمر الله تعالى وسعيًا في مرضاته، وإعلاء كلمته ليس من جنس علم الكفار الغافلين عن الآخرة، كما ترى. والآيات بمثل ذلك كثيرة.
المستطاع من القوة امتثالًا لأمر الله تعالى وسعيًا في مرضاته، وإعلاء كلمته ليس من جنس علم الكفار الغافلين عن الآخرة، كما ترى. والآيات بمثل ذلك كثيرة. والعلم عند الله تعالى.
•