القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي يفعلُ ما وصفتُ لكم في هذه الآياتِ هو ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: يعنى: عالمُ ما يغيبُ عن أبصارِكم، أيُّها الناسُ، فلا تُبْصِرونه، مما تُكِنُّه الصدورُ، وتُخْفِيه النفوسُ، وما لم يَكُنْ بعدُ مما هو كائنٌ. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: يعني: ما شاهَدَتْه الأبصارُ فأبصَرَته وعاينَته، وما هو موجودٌ، ﴿الْعَزِيزُ﴾.
لبٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ إبراهيمَ إشْكابُ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. قال: أمَا إِنَّ اسْتَ القردِ ليست بحَسَنةٍ، ولكنه أحكَم خَلْقَها.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو النضر، قال: ثنا أبو سعيدٍ المؤدِّبُ، عن
خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أنه كان يقرؤُها: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. قال: أمَا إِنَّ اسْتَ القردِ ليست بحسنةٍ، ولكنه أحكَمها.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾.
أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. قال: أَتقَنَ كُلَّ شيءٍ خَلَقه.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن موسى، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]: أحْصَى كلَّ شيءٍ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذي حَسَّنَ خَلْقَ كلِّ شيءٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. حَسَّن على نحو ما خَلق.
وذُكِر عن الحجَّاج، عن ابن مُجريج، عن الأعْرجِ، عن مجاهدٍ، قال: هو مثلُ: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، فلم يجعلْ خلقَ البهائمِ في خلقِ الناسِ، ولا خلقَ الناسِ في خلقِ البهائمِ، ولكن خلَق كلّ شيءٍ فقَدَّره تقديرًا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعلْمَ كلَّ شيءٍ خلْقَه.
لقَ البهائمِ في خلقِ الناسِ، ولا خلقَ الناسِ في خلقِ البهائمِ، ولكن خلَق كلّ شيءٍ فقَدَّره تقديرًا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعلْمَ كلَّ شيءٍ خلْقَه. كأنهم وجَّهوا تأويلِ
الكلامِ إلى أنه ألْهَمَ خلْقَه ما يَحْتاجون إليه، وأن قولَه: ﴿أَحْسَنَ﴾. إنما هو مِن قولِ القائلِ: فلانٌ يُحْسِنُ كذا. إذا كان يَعْلَمُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شَرِيك، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: (أحسن كل شيءٍ خَلْقَه). قال: أعطَى كلَّ شيءٍ خَلْقَه؛ قال: الإنسانُ للإنسان، والفرسُ للفرس، والحمارُ للحمار.
وعلى هذا القولُ، "الخَلْقُ" و "الكلُّ" منصوبان بوقوعِ "أحسنَ" عليهما.
وأَولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ على قراءةِ مَن قَرأه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾.
َلْقُ" و "الكلُّ" منصوبان بوقوعِ "أحسنَ" عليهما.
وأَولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ على قراءةِ مَن قَرأه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. بفتحِ اللامِ قولُ مَن قال: معناه أحْكَم وأتقَن؛ لأنه لا معنَى لذلك إذ قُرِئ كذلك إلا أحدُ وجهَين؛ إمَّا هذا الذي قلْنا من معنى الإحكامِ والإتقان، أو معنى التَّحْسين الذي هو في معنى الجمالِ والحُسْنِ، فلما كان في خَلْقِه ما لا يُشَكُّ في قُبْحِه وسَمَاجَتِه، عُلِم أنه لم يَعْنِ به أنه حَسَّن كلَّ ما خلَق، ولكن معناه أنه أحكَمه وأتقَن صنعتَه. وأما على القراءةِ الأخرى التي هي بتَسْكينِ اللامِ، فإن أَولى تأويلاتِه به قولُ مَن قال: معنى ذلك: أعلَم [وألْهم] كلِّ شيءٍ خلْقَه هو أحسَنَهم، كما قال: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]؛ لأن ذلك أظهرُ معانيه.
وأمَّا الذي وجَّهَ تأويلَ ذلك إلى أنه بمعنى: الذي أحسَن خَلْقَ كلِّ شيءٍ.
أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]؛ لأن ذلك أظهرُ معانيه.
وأمَّا الذي وجَّهَ تأويلَ ذلك إلى أنه بمعنى: الذي أحسَن خَلْقَ كلِّ شيءٍ. فإنه
جَعَل الخَلْقَ نَصْبًا، بمعنى التفسيرِ، كأنه قال: الذي أحسَن كلَّ شيءٍ خَلْقًا منه. وقد كان بعضُهم يقولُ: هو من المُقَدَّمِ الذي معناه التأخيرُ. ويُوجِّهه إلى أنه نظيرُ قولِ الشاعرِ:
وَظَعْنى إليك الليل حِضْنَيه إنَّني … لتلك إذا هابَ الهدانُ فَعُولُ
يعنى: وظَعْنى حِضْنى الليلِ إليك.
ونظيرُ قولِ الآخرِ:
كأن هندًا ثَناياها وبَهْجَتَها … يومَ التَقَيْنا على أدْحالِ دَبَّابٍ
أي كأن ثَنايا هندٍ وبَهْجتَها.
وقولُه: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبدأ خلقَ آدمَ مِن طينٍ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾. يعني: ذرِّيتَه مِن سُلالةٍ. يقولُ: من الماءِ الذي انسَلَّ فخرج منه.
مِنْ طِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبدأ خلقَ آدمَ مِن طينٍ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾. يعني: ذرِّيتَه مِن سُلالةٍ. يقولُ: من الماءِ الذي انسَلَّ فخرج منه. وإنما يعنى: مِن إراقةٍ من مائه؛ كما قال الشاعرُ:
فجاءتْ به عَضْبَ الأَدِيمِ غَضَنْفَرًا … سُلالَةَ فَرْجٍ كان غيرَ حَصِينِ
وقولُه: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾. يقولُ: مِن نُطْفَةٍ ضعيفةٍ رقيقةٍ.
وبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ
مِنْ طِينٍ﴾. وهو خلق آدم، ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾: أي: ذرِّيتَه، ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾، والسُّلالة: هي الماءُ المَهِينُ الضعيفُ.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن أبي يحيى الأعْرجِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾.
لمَهِينُ الضعيفُ.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن أبي يحيى الأعْرجِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾. قال: صَفْو الماءِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾. قال: ضعيفٍ؛ نُطفةِ الرجلِ.
﴿مَهِينٍ﴾. فَعِيلٍ مِن قولِ القائلِ: مَهُنَ فلانٌ. وذلك إِذا زَلَّ وضَعُفَ.
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾.
يقول تعالى: إنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) قال: أحسن خلق كل شيء. كأنه جعله من المقدم والمؤخر.
ثم لما ذكر خلق السماوات والأرض، شرع في ذكر خلق الإنسان فقال: (وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ) يعني: خلق أبا البشر آدم من طين.
(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) أي: يتناسلون كذلك من نطفة تخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة.
عني: خلق أبا البشر آدم من طين.
(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) أي: يتناسلون كذلك من نطفة تخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة.
(ثُمَّ سَوَّاهُ) يعني: آدم، لما خلقه من تراب خلقه سويا مستقيما، (وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ)، يعني: العقول، (قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ) أي: بهذه القوى التي رزقكموها الله ﷿. فالسعيد مَنْ استعملها في طاعة ربه ﷿.