مُ مَقاماتٍ وأَنْدِيَةٍ … ويَوْمُ سَيْرٍ إِلى الأَعْداءِ تَأْوِيبِ
أي رجوعٍ. وقد كان بعضُهم يقرؤُه: (اوبِى مَعَهُ). من آبَ يئوبُ، بمعنى: تصرَّفى معه. وتلك قراءةٌ لا أستجيزُ القراءةَ بها؛ لخلافِها قراءةَ الحُجَّةِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني سليمانُ بنُ عبد الجبارِ، قال: ثنى محمدُ بنُ الصَّلتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، وحدثنا محمد بن سنانٍ القَزّازُ، قال: ثنا الحسينُ بن الحسن الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدينة، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ قال: سَبِّحى معه.
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. يقولُ: سَبِّحي معه.
حدَّثنا أبو عبد الرحمن العلائيُّ، قال: ثنا مِسْعرٌ، عن أبي حُصَينٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾.
ي مَعَهُ﴾. يقولُ: سَبِّحي معه.
حدَّثنا أبو عبد الرحمن العلائيُّ، قال: ثنا مِسْعرٌ، عن أبي حُصَينٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. قال: سَبِّحى.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرة: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. قال: سَبِّحى معه. بلسان الحبشةِ.
حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا فُضيلٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. قال: سَبِّحى معه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ قال: سَبِّحى معه.
حدَّثنا بشرُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. أي: سبِّحى معه إذا سبَّح.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾. قال: سبِّحى معه. قال: والطيرُ أيضًا.
سبَّح.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾. قال: سبِّحى معه. قال: والطيرُ أيضًا.
حُدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. يقولُ: سبِّحى معه.
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا مروانُ بن معاويةَ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. قال: سبِّحى معه.
وقوله: ﴿وَالطَّيْرَ﴾. وفى نصب الطير وجهانِ؛ أحدُهما على ما قاله ابن زيدٍ، من أن الطيرَ نُودِيت كما نُوديت الجبالُ، فتكونُ منصوبةً من أجل أنَّها معطوفةٌ على مرفوعٍ، بما لا يَحسُنُ إعادة رافعه عليه، فيكون كالمصروفِ عن جهتِه.
والآخَرُ: على ضميرٍ متروكٍ استِغْناءَ بدَلالةِ الكلامِ عليه، فيكونُ معنى الكلام: فقلنا: يا جبالُ أوِّبى معه وسخَّرنا له الطيرَ. وإن رُفِع ردًّا على ما في قولِه: سبِّحى.
متروكٍ استِغْناءَ بدَلالةِ الكلامِ عليه، فيكونُ معنى الكلام: فقلنا: يا جبالُ أوِّبى معه وسخَّرنا له الطيرَ. وإن رُفِع ردًّا على ما في قولِه: سبِّحى. من ذكر الجبال كان جائزًا، وقد يجوز رَفْعُ الطير وهو معطوفٌ على الجبال، وإن لم يَحسُنْ نداؤُها بالذي نُودِيت به الجبالُ، فيكون ذلك كما قال الشاعر:
ألا يا عمْرُو والضَّحَّاكَ سيرًا … فَقَدْ جاوَزْتُما خَمَرَ الطَّرِيقِ
وقولُه: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾. ذكر أنَّ الحديد كان في يديه كالطين المبلولِ يُصرِّفُه في يديه كيف شاء بغير إدخالِ نارٍ ولا ضربٍ بحديدٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: سخَّر الله له الحديد بغيرِ نارٍ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بن بشيرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: كان يُسوِّيها بيدِه؛ لا يُدخِلُها نارًا، ولا يَضرِبُها بحديدةٍ.
وقوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾.
رٍ، عن قتادة في قوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: كان يُسوِّيها بيدِه؛ لا يُدخِلُها نارًا، ولا يَضرِبُها بحديدةٍ.
وقوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. يقولُ: وعهدنا إليه أن اعمل سابغاتٍ، وهى التوامُّ الكَوامِلُ مِن الدروعِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. قال: دروعٌ، وكان أوَّلَ مَن صنَعها داودُ، إنما كان قبلَ ذلك صفائِحُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. قال: السابغاتُ: الدروعُ من الحديدِ.
وقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. اختلَف أهل التأويل في السَّرْدِ؛ فقال بعضُهم: السَّرْدُ: هو مِسمارُ حَلَقِ الدِّرْعِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾.
بعضُهم: السَّرْدُ: هو مِسمارُ حَلَقِ الدِّرْعِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: كان يجعَلُها بغيرِ نارٍ، ولا يَقْرَعُها بحديد، ثم يَسْرُدُها، والسَّرْدُ: المساميرُ التي في الحَلَقِ.
وقال آخرون: بل هو الحَلَق بعينها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه:
﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: والسَّرْدُ: حَلَقه. أي: قدِّرْ تلك الحَلَق. قال: وقال الشاعرُ:
* أجاد المُسَدِّي سَرْدَها وأذَالها*
قال: يقولُ: وسَّعها، وأجاد حَلَقَها.
[حدثني عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. يقولُ: حَلَقِ الحديدِ].
وقال بعض أهل العلم بكلام العربٍ: يقالُ: دِرْعُ مَسْرودَةٌ.
ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. يقولُ: حَلَقِ الحديدِ].
وقال بعض أهل العلم بكلام العربٍ: يقالُ: دِرْعُ مَسْرودَةٌ. إذا كانت مسمورةَ الحَلَقِ، واستَشهد لقيلِه ذلك بقولِ الشاعرِ:
وَعَلَيْهِما مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُما … دَاوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوَابِغَ تُبَّعُ
وقيل: إن الله ﷿ إنما قال لداودَ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. لأنها كانت قبل ذلك صفائحَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا خالدُ بنُ قَيْسٍ، عن قتادة: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾.
ِ﴾. لأنها كانت قبل ذلك صفائحَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا خالدُ بنُ قَيْسٍ، عن قتادة: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: كانت صفائِحَ، فأُمِر أَن يَسْرُدَها حَلَقًا.
وعنَى بقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾: قدِّرِ المساميرَ في حَلَقِ الدِّرْعِ حتى يكونَ
بمقدار؛ لا تُغلِّظ المسمار وتُضَيِّقِ الحَلَقة فتُفصَمَ الحَلَقةُ، ولا تُوسِّع الحَلَقةً وتُصَغِّرِ المسمار وتُدِقَّه فيَسْلَسَ في الحَلَقَةِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. يعنى بالسردِ ثقبَ الدروع حينَ يَشُدُّ قَتيرها. وعنى بقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾: قدر المسامير.
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾.
نا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: قدِّر المساميرَ والحَلَقَ، لا تُدقَّ المساميرَ فتسْلسَ، ولا تُجِلَّها. قال محمدُ بنُ عمرٍو: فتُقْصَمَ. وقال الحارثُ: فتُفصَمَ.
حدَّثني عليُّ بن سهل، قال: ثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: لا تُصغِّرِ المِسمارَ، وتُعَظِّمِ الحَلَقَةَ فيَسْلَسَ، ولا تُعَظِّمِ المِسمارَ وتُصَغِّرِ الحَلَقَةَ [فتَفْصَمَ الحَلَقَةُ].
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُيينةَ، قال: ثنا أبي، عن الحكم في قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: لا تُغلِّظ المسمار فيَفْصِمَ الحَلَقَةَ، ولا تُدِقَّه فيَقْلَقَ.
وقوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: واعمَلْ يا داودُ أنت وآلك بطاعة اللهِ، ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
، ولا تُدِقَّه فيَقْلَقَ.
وقوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: واعمَلْ يا داودُ أنت وآلك بطاعة اللهِ، ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: إِنِّي بما تَعملُ أنت وأتباعُك ذو بصرٍ، لا يَخفَى عليَّ منه شيءٌ، وأنا مُجازيك وإياهم على جميعِ ذلك.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾.
يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود، صلوات الله وسلامه عليه، مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العَدَد والعُدَد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال " لقد أوتي هذا مِزْمَارًا من مزامير آل داود".
وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صَنج ولا بَرْبَط ولا وَتَر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري، ﵁.
ومعنى قوله: (أَوِّبِي) أي: سبحي. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد.
وزعم أبو ميسرة أنه بمعنى سَبّحي بلسان الحبشة.
تَر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري، ﵁.
ومعنى قوله: (أَوِّبِي) أي: سبحي. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد.
وزعم أبو ميسرة أنه بمعنى سَبّحي بلسان الحبشة. وفي هذا نظر، فإن التأويب في اللغة هو الترجيع، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها.
وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه "الجُمل" في باب النداء منه: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) أي: سيري معه بالنهار كله، والتأويب: سير النهار كله، والإسآد: سير الليل كله. وهذا لفظه، وهو غريب جدًا لم أجده لغيره، وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة، لكنه بعيد في معنى الآية هاهنا. والصواب أن المعنى في قوله تعالى: (أَوِّبِي مَعَهُ) أي: رَجّعي معه مُسَبّحة معه، كما تقدم، والله أعلم.
وقوله: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ): قال الحسن البصري، وقتادة، والأعمش وغيرهم: كان لا يحتاج أن يُدخلَه نارًا ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط؛ ولهذا قال: (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ) وهي: الدروع.
تادة، والأعمش وغيرهم: كان لا يحتاج أن يُدخلَه نارًا ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط؛ ولهذا قال: (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ) وهي: الدروع. قال قتادة: وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا ابن سَمَاعة، حدثنا ابن ضَمْرَة، عن ابن شَوْذَب قال: كان داود، ﵇، يرفع في كل يوم درعًا فيبيعها بستة آلاف درهم: ألفين له ولأهله، وأربعة آلاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحُوّاري.
(وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ): هذا إرشاد من الله لنبيه داود، ﵇، في تعليمه صنعة الدروع.
قال مجاهد في قوله: (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ): لا تُدِقّ المسمار فَيقلَق في الحلقة، ولا تُغَلّظه فيفصمها، واجعله بقدر.
وقال الحكم بن عُتيبة: لا تُغَلظه فيفصم، ولا تُدِقّه فيقلَق. وهكذا روي عن قتادة، وغير واحد.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السرد: حَلَق الحديد.
ر.
وقال الحكم بن عُتيبة: لا تُغَلظه فيفصم، ولا تُدِقّه فيقلَق. وهكذا روي عن قتادة، وغير واحد.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السرد: حَلَق الحديد. وقال بعضهم: يقال: درع مسرودة: إذا كانت مسمورة الحلق، واستشهد بقول الشاعر:
وَعَليهما مَسْرُودَتَان قَضَاهُما … دَاودُ أو صنعَ السَّوابغ تُبّعُ
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود، عليه والسلام، من طريق إسحاق بن بشر -وفيه كلام-عن أبي إلياس، عن وهب بن مُنَبه ما مضمونه: أن داود، ﵇، كان يخرج متنكرًا، فيسأل الركبان عنه وعن سيرته، فلا يسأل أحدًا إلا أثنى عليه خيرًا في عبادته وسيرته ومعدلته، صلوات الله وسلامه عليه. قال وهب: حتى بعث الله مَلَكًا في صورة رجل، فلقيه داود فسأله كما كان يسأل غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته، إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان كاملا قال: ما هي؟
عث الله مَلَكًا في صورة رجل، فلقيه داود فسأله كما كان يسأل غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته، إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان كاملا قال: ما هي؟ قال: يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين، يعني: بيت المال، فعند ذلك نصب داود، ﵇، إلى ربه في الدعاء أن يعلمه عملا بيده يستغني به ويغني به عياله، فألان له الحديد، وعلمه صنعة الدروع، فعمل الدرع، وهو أول مَنْ عملها، فقال الله: (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) يعني: مسامير الحلق، قال: وكان يعمل الدرع، فإذا ارتفع من عمله درع باعها، فتصدق بثلثها، واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله، وأمسك الثلث يتصدق به يوما بيوم إلى أن يعمل غيرها. وقال: إن الله أعطى داود شيئًا لم يعطه غيره من حسن الصوت، إنه كان إذا قرأ الزبور تسمع الوحش حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته.
يعطه غيره من حسن الصوت، إنه كان إذا قرأ الزبور تسمع الوحش حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته. وكان شديد الاجتهاد، وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير، وكأن قد أعطي سبعين مزمارًا في حلقه.
وقوله: (وَاعْمَلُوا صَالِحًا) أي: في الذي أعطاكم الله من النعم، (إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أي: مراقب لكم، بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى علي من ذلك شيء.