هُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾. [ص: ٨٢، ٨٣] ثم صدَّق ظنَّه ذلك فيهم، [فحقَّقه بفعلِه] ذلك بهم، واتِّباعهم إياه. وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ المدينةِ والشامِ والبصرةِ: (ولقد صَدَق عليهم) بتخفيفِ الدالِ، بمعنى: ولقد صدَق عليهم في ظنِّه.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، وذلك أن إبليسَ قد صدَّق على كفَرةِ بني آدمَ في ظنِّه، وصدَق عليهم ظنُّه الذي ظنَّ حينَ قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. وحينَ قال: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩] الآية، قال ذلك عدوُّ اللهِ، ظنًّا منه أنه يفعلُ ذلك لا علمًا، فصار ذلك حقًّا باتباعِهم إياه.
هُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩] الآية، قال ذلك عدوُّ اللهِ، ظنًّا منه أنه يفعلُ ذلك لا علمًا، فصار ذلك حقًّا باتباعِهم إياه. فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
فإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ على قراءةِ من قرَأ بتشديدِ الدالِ: ولقد ظنَّ إبليسُ بهؤلاء الذين بدَّلناهم بجنتَيهم جنتَين ذواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ، عقوبةً منَّا لهم - ظنًّا غيرَ يقينٍ؛ عَلِم أنهم يَتَّبعونه ويُطِيعونه في معصيةِ اللهِ، فصدَّق ظنَّه عليهم، بإغوائِه إياهم، حينَ أطاعُوه وعَصَوا ربَّهم، إلا فريقًا من المؤمنين باللهِ، فإنهم ثبتوا على طاعة اللهِ ومعصيةِ إبليسَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: أخبَرنى عمرُو بنُ مالكٍ، عن أبي الجَوزاءِ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ مُشدَّدةً، وقال: ظنَّ ظنًّا، فصدَّق ظنَّه.
ى عمرُو بنُ مالكٍ، عن أبي الجَوزاءِ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ مُشدَّدةً، وقال: ظنَّ ظنًّا، فصدَّق ظنَّه.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾. قال: ظنَّ ظَنًّا، فاتبَعوا ظنَّه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾. قال: واللهِ ما كان إلا ظنًّا ظنَّه، وإنَّ الله لا يُصدِّقُ كاذبًا، ولا يُكذِّبُ صادقًا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾. قال: أرأيتَ هؤلاء الذين كرّمتَهم عليَّ، وفضَّلتَهم وشرَّفتَهم؟ لا تَجِدُ أكثرَهم شاكرين. وكان ذلك ظنًّا منه بغيرِ علمٍ، فقال اللهُ: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾.
لما ذكر [الله] تعالى قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى والشيطان، أخبر عنهم وعن أمثالهم ممن اتبع إبليس والهوى، وخالف الرشاد والهدى، فقال: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ).
قال ابن عباس وغيره: هذه الآية كقوله تعالى إخبارًا عن إبليس حين امتنع من السجود لآدم، ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٦٢]، ثم قال: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] والآيات في هذا كثيرة.
َيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] والآيات في هذا كثيرة.
وقال الحسن البصري: لما أهبط الله آدم من الجنة ومعه حواء، هبط إبليس فَرحا بما أصاب منهما، وقال: إذا أصبت من الأبوين ما أصبت، فالذرية أضعف وأضعف. وكان ذلك ظنًّا من إبليس، فأنزل الله ﷿: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فقال عند ذلك إبليس: "لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح، أعدُه وأُمَنّيه وأخدعه". فقال الله: "وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما لم يُغَرغِر بالموت، ولا يدعوني إلا أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفرني إلا غفرت له".
أُمَنّيه وأخدعه". فقال الله: "وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما لم يُغَرغِر بالموت، ولا يدعوني إلا أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفرني إلا غفرت له". رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ) قال ابن عباس: أي من حجة.
وقال الحسن البصري: والله ما ضربهم بعصا، ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غرورا وأماني دعاهم إليها فأجابوه.
وقوله: (إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ) أي: إنما سلطناه عليهم ليظهرَ أمر مَنْ هو مؤمن بالآخرة وقيامها والحساب فيها والجزاء، فيُحسِنَ عبادة ربه ﷿ في الدنيا، ممن هو منها في شك.
وقوله: (وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) أي: ومع حفظه ضَلّ من ضَلّ من اتباع إبليس، وبحفظه وكلاءته سَلِم مَنْ سلم من المؤمنين أتباع الرسل.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى عنه: ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)﴾ الآية، وفي سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ﴾ قرأه عاصم، وحمزة والكسائي بتشديد الدال، والباقون بالتخفيف.
•