القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا
آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا ذُكِّر هؤلاء المشركون حُجَجَ الله عليهم، ليعتبروا ويتفكَّروا، فيُنيبوا إلى طاعةِ اللهِ ﴿لَا يَذْكُرُونَ﴾. يقولُ: لا ينتفعون بالتذكيرِ فيتذكَّروا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾: أى لا ينتفعون ولا يُبْصِرون.
وقولُه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾. يقولُ: وإذا رأوا حُجَّةً مِن حجج الله عليهم، ودلالةً على نبوّةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾.
ن.
وقولُه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾. يقولُ: وإذا رأوا حُجَّةً مِن حجج الله عليهم، ودلالةً على نبوّةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾. يقولُ: يَسخَرون منها ويستهزِئون.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾: يَسخَرون منها ويستهزِئون.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾. قال: يستهزِئون ويَسخَرون.
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾
يقول تعالى: فَسَل هؤلاء المنكرين للبعث: أيما أشد خلقًا هم أم السماوات والأرض، وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة؟ -وقرأ ابن مسعود: "أم من عددنا"-فإنهم يُقرّون أن هذه المخلوقات أشد خلقًا منهم، وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون البعث؟ وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا.
وقرأ ابن مسعود: "أم من عددنا"-فإنهم يُقرّون أن هذه المخلوقات أشد خلقًا منهم، وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون البعث؟ وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا. كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] ثم بين أنهم خُلقوا من شيء ضعيف، فقال (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ)
قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك: هو الجيّد الذي يلتزق بعضه ببعض. وقال
ابن عباس، وعكرمة: هو اللزج. وقال قتادة: هو الذي يلزق باليد.
وقوله: (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ) أي: بل عجبت -يا محمد-من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث، وأنت موقن مصدق بما أخبر الله به من الأمر العجيب، وهو إعادة الأجسام بعد فنائها. وهم بخلاف أمرك، من شدة تكذيبهم يسخرون مما تقول لهم من ذلك.
قال قتادة: عجب محمد ﷺ، وسَخِر ضُلال بني آدم.
ن الأمر العجيب، وهو إعادة الأجسام بعد فنائها. وهم بخلاف أمرك، من شدة تكذيبهم يسخرون مما تقول لهم من ذلك.
قال قتادة: عجب محمد ﷺ، وسَخِر ضُلال بني آدم. (وَإِذَا رَأَوْا آيَةً) أي: دلالة واضحة على ذلك (يَسْتَسْخِرُونَ) قال مجاهد وقتادة: يستهزئون.
(وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ) أي: إن هذا الذي جئت به إلا سحر مبين، (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ) يستبعدون ذلك ويكذبون به، (قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ) أي: قل لهم يا محمد: نعم تبعثون يوم القيامة بعد ما تصيرون ترابا وعظاما، (وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ) أي: حقيرون تحت القدرة العظيمة، كما قال تعالى ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
عالى ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
ثم قال: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ) أي: إِنما هو أمر واحد من الله ﷿، يدعوهم دعوة واحدة أن يخرجوا من الأرض، فإذا هم [قيام] بين يديه، ينظرون إلى أهوال يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾.
قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حمزة والكسائي: عجبت بالتاء المفتوحة وهي تاء الخطاب المخاطب بها النبي ﷺ. وقرأ حمزة والكسائي: بل عجبت بضم التاء وهي تاء المتكلم، وهو الله جلَّ وعلا.
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن القراءتين المختلفتين يحكم لهما بحكم الآيتين.
وبذلك تعلم أن هذه الآية الكريمة على قراءة حمزة والكسائي فيها إثبات العجب للَّه تعالى، فهي إذًا من آيات الصفات على هذه القراءة.
وقد أوضحنا طريق الحق التي هي مذهب السلف في آيات الصفات، وأحاديثها في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
•