ائِكم، وغيرِ ذلك مما كنتم تَسْتَحِلُّونه وتَأْتُونه، مما كان غيرَ جائزٍ لكم إتيانُه مِن معاصى اللهِ، ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾. يقولُ: ويُريدُ الذين يَطْلُبون لذَّاتِ الدنيا وشهواتِ أنفسِهم فيها ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ عن أمرِ اللهِ ﵎، فتَجُوروا عنه بإتيانِكم ما حرَّم
عليكم، وركوبِكم معاصيَه، ﴿مَيْلًا عَظِيمًا﴾ جَوْرًا وعدولًا عنه شديدًا.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين وَصَفَهم اللهُ بأنهم يَتَّبِعون الشهواتِ؛ فقال بعضُهم: هم الزناةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾. قال: الزنا. ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾.
اصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾. قال: الزنا. ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾. قال: يُريدُون أن تَزْنُوا.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾: أن تكُونوا مثلَهم تَزْنُون كما يَزْنُون.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾. قال: الزنا. ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾. قال: يَزْنى أهلُ الإسلامِ كما يَزْنُون. قال: هي كهيئةِ ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩].
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾. قال: الزنا.
دَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾. قال: الزنا. ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ قال: أن تَزْنُوا.
وقال آخرون: بل هم اليهودُ والنصارى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى، ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾.
وقال آخرون: بل هم اليهودُ خاصةً، وكانت إرادتُهم مِن المسلمين اتِّباعَ شهواتِهم في نكاحِ الأخواتِ مِن الأبِ، وذلك أنهم يُحِلُّون نكاحَهنَّ، فقال الله ﵎ للمؤمنين: ويُريدُ الذين يُحَلِّلون نكاحَ الأخواتِ مِن الأبِ، أن تَميلوا عن الحقِّ، فتَسْتَحِلُّوهن كما استَحَلُّوا.
وقال آخرون: معنى ذلك: كلُّ مُتَّبِعٍ شهوةً في دينِه لغيرِ الذي أُبيح له.
ذكرُ مَن قال ذلك
لأبِ، أن تَميلوا عن الحقِّ، فتَسْتَحِلُّوهن كما استَحَلُّوا.
وقال آخرون: معنى ذلك: كلُّ مُتَّبِعٍ شهوةً في دينِه لغيرِ الذي أُبيح له.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: سمِعتُ ابنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ الآية. قال: يُرِيدُ أَهلُ الباطلِ وأهلُ الشهواتِ في دينِهم، ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ في دينِكم، ﴿مَيْلًا عَظِيمًا﴾ تتَّبِعون أمرَ دينِهم، وتَتْرُكون أمرَ اللهِ وأمرَ دينِكم.
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ويُرِيدُ الذين يَتَّبعون شهواتِ أنفسِهم مِن أهلِ الباطلِ وطُلَّابِ الزنا ونِكَاحِ الأخواتِ مِن الآباءِ وغيرِ ذلك مما حرَّمه اللهُ، أن تميلوا عن الحقِّ وعما أذِن اللهُ لكم فيه،
فتَجُوروا عن طاعتِه إلى معصيتِه، وتَكُونوا أمثالَهم في اتِّباعِ شهواتِ أنفسِكم فيما حرَّم اللهُ، وتَرْكِ طاعتِه، ميلًا عظيمًا.
عما أذِن اللهُ لكم فيه،
فتَجُوروا عن طاعتِه إلى معصيتِه، وتَكُونوا أمثالَهم في اتِّباعِ شهواتِ أنفسِكم فيما حرَّم اللهُ، وتَرْكِ طاعتِه، ميلًا عظيمًا.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن الله ﷿ عَمَّ بقولِه: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾، فَوَصَفَهم باتِّباعِ شهواتِ أنفسِهم المذمومِة، وعمَّهم بوَصْفِهم بذلك، مِن غيرِ وصفِهم باتباعِ بعضِ الشهواتِ المذمومةِ. فإذ كان ذلك كذلك، فأوْلى المعانى بالآيةِ ما دلَّ عليه ظاهرُها، دونَ باطِنِها الذي لا شاهدَ عليه مِن أصلٍ أو قياسٍ. وإذا كان ذلك كذلك، كان داخلًا في الذين يَتَّبعون الشهواتِ، اليهودُ والنصارى والزناةُ، وكلُّ مُتَّبعٍ باطلًا؛ لأنَّ كلَّ مُتَّبعٍ ما نهاه اللهُ عنه فمتبعٌ شهوةَ نفسِه. وإذا كان ذلك بتأويلِ الآيةِ أولى، وَجَبَتْ صحةُ ما اخترنا مِن القولِ في تأويلِ ذلك.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾
وقوله: ([وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ] وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا) أي: يُريد أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة (أَنْ تَمِيلُوا) يعني: عن الحق إلى الباطل (مَيْلا عَظِيمًا* يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) أي: في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم، ولهذا أباح [نكاح] الإماء بشروطه، كما قال مجاهد وغيره: (خُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا) فناسبه التخفيف؛ لضعفه في نفسه وضعف عزمه وهمته.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل [الأحمسي] حدثنا وَكِيع، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه: (خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا) أي: في أمر النساء، وقال وكيع: يذهب عقله عندهن.
نا محمد بن إسماعيل [الأحمسي] حدثنا وَكِيع، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه: (خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا) أي: في أمر النساء، وقال وكيع: يذهب عقله عندهن.
وقال موسى الكليم ﵊ لنبينا صلوات الله وسلامه عليه ليلة الإسراء حِينَ مر عليه راجعا من عند سدْرة المنتهى، فقال له: ماذا فرض عليكم؟ فقال: "أمرني بخمسين
صلاة في كل يوم وليلة" فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت الناس قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا، وإن أمتك أضعف أسماعا وأبصارا وقلوبا، فرجع فوضع عشرا، ثم رجع إلى موسى فلم يزل كذلك حتى بقيت خمسًا [قال الله ﷿: "هن خمس وهن خمسون، الحسنة بعشر أمثالها"] الحديث.