Allah hendak menerangkan (syariat-Nya) kepadamu, dan menunjukkan jalan-jalan (kehidupan) orang yang sebelum kamu (para nabi dan orang-orang saleh) dan Dia menerima tobatmu. Allah Maha Mengetahui, Mahabijaksana
َ أن يُوحِىَ ما أوحَى إلى نبيِّه مِن ذلك عليكم، ليَتَجاوزَ لكم - بتوبتِكم - عما سلَف منكم مِن قبيحِ ذلك، قبلَ إنابتِكم وتوبتِكم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾. يقُولُ: واللهُ ذو علمٍ بما يُصْلِحُ عبادَه في أديانِهم ودنياهم، وغيرِ ذلك مِن أمورِهم، وبما يَأْتون ويَذَرون؛ مما أحلَّ أو حرَّم عليهم، حافظٌ ذلك كلَّه عليهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ بتدبيرِه فيهم، في تصريفِهم فيما صرَّفهم فيه.
واختلَف أهلُ العربيةِ في معنى قولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، فقال بعضُهم: معنى ذلك: يريدُ اللهُ هذا مِن أجلِ أن يُبَيِّنَ لكم. وقال ذلك كما قال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]. بكسرِ اللامِ؛ لأن معناه: أُمِرتُ بهذا مِن أجلِ ذلك.
وقال آخرون: معنى ذلك: يُريدُ اللهُ أن يُبَيِّنَ لكم، ويهديَكم سُنَنَ الذين مِن قبلِكم. وقالوا: مِن شأنِ العربِ التعقيبُ بينَ كَيْ و لامِ كَيْ وأَنْ، وَوَضْعُ كلِّ واحدةٍ منهن موضعَ كلِّ واحدةٍ مِن أختِها مع "أَرَدتُ" و "أَمَرتُ"، فيقولون: أَمَرْتُك أن تَذْهَبَ ولِتَذْهَبَ.
كَيْ و لامِ كَيْ وأَنْ، وَوَضْعُ كلِّ واحدةٍ منهن موضعَ كلِّ واحدةٍ مِن أختِها مع "أَرَدتُ" و "أَمَرتُ"، فيقولون: أَمَرْتُك أن تَذْهَبَ ولِتَذْهَبَ. وأرَدتُ أن تَذْهَبَ وَلِتَذْهَبَ. كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]. وقال في موضعٍ
آخرَ: ﴿[إِنِّي أُمِرْتُ] أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤]. وكما قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨]. ثم قال في موضع آخرَ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ [التوبة: ٣٢]. واعتلُّوا في تَوْجيهِهم "أنْ" مع "أَمَرتُ" و "أَرَدتُ" إلى معني "كَىْ"، وتوجيه "كَىْ" مع ذلك إلى معنى "أنْ"، لطَلَبِ "أَرَدتُ" و "أمَرتُ" الاستقبالَ، وأنَّهما لا يَصْلُحُ معهما الماضي؛ لا يُقالُ: أَمَرتُك أن قُمْتَ. ولا: أرَدتُ أن قُمْتَ.
ذلك إلى معنى "أنْ"، لطَلَبِ "أَرَدتُ" و "أمَرتُ" الاستقبالَ، وأنَّهما لا يَصْلُحُ معهما الماضي؛ لا يُقالُ: أَمَرتُك أن قُمْتَ. ولا: أرَدتُ أن قُمْتَ. قالوا: فلما كانت "أنْ" قد تَكُونُ مع الماضي في غيرِ "أرَدتُ" و "أمَرتُ"، وكَّدوا لها معنى الاستقبالِ بما لا يَكُونُ معه ماضٍ مِن الأفعالِ بحالٍ، مِن "كَىْ" و "اللامِ" التي في معنى "كَىْ". قالوا: ولذلك جَمَعتِ العربُ بينَهن أحيانًا في الحرفِ الواحدِ، فقال قائلُهم في الجمعِ:
أَرَدْتَ لِكَيْمَا أَن تَطِيرَ بِقِرْبَتِي … فتَتْرُكَها شَنًّا بِبَيْدَاءَ بَلْقَعِ
فجمَع بينَهنَّ لاتفاقِ مَعانِيهنَّ واختلافِ ألفاظِهن، كما قال الآخرُ:
* قد يَكْسِبُ المالَ الهِدانُ الجافِى *
*بغَيْرِ لا عَصْفٍ ولا اصْطِرَافِ *
فجمَع بينَ "غيرِ" و "لا"، توكيدًا للنفى، قالوا: وربما يَجُوزُ أَن يُجْعَلَ "أنْ" مكانَ "كَىْ"، و "كَىْ" مكانَ "أنْ"، في الأماكنِ التي لا يَصْحَبُ جالبَ ذلك ماضٍ مِن الأفعالِ أو غيرُ المستقبلِ.
لوا: وربما يَجُوزُ أَن يُجْعَلَ "أنْ" مكانَ "كَىْ"، و "كَىْ" مكانَ "أنْ"، في الأماكنِ التي لا يَصْحَبُ جالبَ ذلك ماضٍ مِن الأفعالِ أو غيرُ المستقبلِ. فأما ما صَحِبَه ماضٍ مِن الأفعالِ وغيرُ المستقبلِ، فلا يَجوزُ ذلك. لا يَجُوزُ عندَهم أن يُقالَ: ظَنَنتُ ليَقُومَ. ولا: أظنُّ ليَقُومَ. بمعنى: أظنُّ أن يقُومَ. لأنَّ التي تدخُلُ مع الظنِّ تكُونُ مع الماضي مِن الفعلِ؛ يقالُ: أظنُّ أن قد قام زيدٌ. ومع المستقبلِ، ومع الأسماءِ.
قال أبو جعفرٍ: وأولى القولَيْن في ذلك بالصوابِ عندى، قولُ مَن قال: إن اللامَ في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ بمعنى: يُريدُ اللهُ أَن يُبَينَ لكم. لِمَا ذَكَرتُ مِن علةِ مَن قال أن ذلك كذلك.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾
يخبر تعالى أنه يُريدُ أن يبين لكم -أيها المؤمنون-ما أحل لكم وحرم عليكم، مما تقدم ذكره في هذه السورة وغيرها، (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) يعني: طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) أي من الإثم والمحارم، (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله.