القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وقال قرينُ هذا الإنسانِ الذي جاء ربَّه يومَ القيامةِ معه سائقٌ وشهيدٌ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾: الملَكُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هذا سائقُه الذي وكِّل به، وقرَأ: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾.
وقولُه: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِ قَرينِ هذا الإنسانِ عندَ موافاتِه ربَّه به: ربِّ هذا ما لديَّ عتيدٌ.
َهِيدٌ﴾.
وقولُه: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِ قَرينِ هذا الإنسانِ عندَ موافاتِه ربَّه به: ربِّ هذا ما لديَّ عتيدٌ. يقولُ: هذا الذي هو عندِي مُعَدٌّ محفوظٌ.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾. قال: والعتيدُ الذي قد أخَذه، وجاء به السائقُ والحافظُ معه جميعًا.
وقولُه: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. فيه متروكٌ استُغنِي بدلالةِ الظاهرِ عليه منه، وهو: يُقالُ: ألقِيا في جهنمَ. و قال تعالى ذكرُه: أَلْقِيا. فأخرَج الأمرَ للقرينِ - وهو بلفظِ واحدٍ - مُخرَجَ خطابِ الاثنين. وفي ذلك وجهان من التأويلِ؛ أحدُهما: أن يَكونَ القرينُ بمعنى الاثنين، كالرسولِ والاسمِ الذي يكونُ بلفظِ الواحدِ في الواحد والتثنيةِ والجمعِ، فردَّ قولَه: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾.
ُهما: أن يَكونَ القرينُ بمعنى الاثنين، كالرسولِ والاسمِ الذي يكونُ بلفظِ الواحدِ في الواحد والتثنيةِ والجمعِ، فردَّ قولَه: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾. إلى المعنى.
والثاني: أن يكونَ كما كان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ؛ وهو أن العربَ تَأْمُرُ الواحدَ والجماعةَ بما تَأْمُرُ به الاثنين، فتَقولُ للرجلِ: ويلَك ارحَلَاها وازْجُراها. وذكَر أنه سمِعها من العربِ، قال: وأنشَدني بعضُهم:
فقلتُ لصاحِبي لا تَحْبِسانا … بِنَزْعِ أُصولِهِ واجتزَّ شِيحا
قال: وأَنشَدني أبو ثَرْوانَ:
فإن تَزْجُرَاني يابنَ عفانَ أَنْزَجِرْ … وَإِنْ تَدَعَاني أَحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا
قال: ونرى أن ذلك منهم أن الرجلَ أدنى أعوانِه في إبلِه وغنمِه اثنان،
وكذلك الرُّفْقةُ أدنى ما تكونُ ثلاثةً، فجرى كلامُ الواحدِ على صاحِبَيْه. وقال: ألا ترَى الشعراءَ أكثرَ شيءٍ قِيلًا: يا صاحِبَيَّ، يا خَليلَيَّ.
ثنان،
وكذلك الرُّفْقةُ أدنى ما تكونُ ثلاثةً، فجرى كلامُ الواحدِ على صاحِبَيْه. وقال: ألا ترَى الشعراءَ أكثرَ شيءٍ قِيلًا: يا صاحِبَيَّ، يا خَليلَيَّ. وقال امرُؤ القيسِ:
خَلِيلَيَّ مُرَّا بي على أمِّ جُنْدَبِ … نُقَضِّ لُباناتِ الفؤادِ المعذَّبِ
ثم قال:
ألم [تَرَ أني] كُلَّما جئتُ طارِقًا … وجَدتُ بها طِيبًا وإن لم تَطَيَّبِ
فرجَع إلى الواحدِ، وأوّلُ الكلامِ اثنان. قال: وأنشَدني بعضُهم:
خَلِيلَيَّ قُومَا في عَطالةَ فانظُرَا … أنارًا ترَى مِن [نحوِ بابَيْنِ] أَمْ بَرْقا
وبعضُهم يَرْوِي: أنارًا نَرَى؟
﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. يعني: كلَّ جاحدٍ وحدانيةَ اللَّهِ، ﴿عَنِيدٍ﴾: وهو العاندُ عن الحقِّ وسبيلِ الهدى.
وقولُه: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾. كان قتادةَ يقولُ في "الخيرِ" في هذا الموضعِ: هو الزكاةُ المفروضةُ.
حدَّثنا بذلك بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندِي أنه كلُّ حقٍّ وجَب للَّهِ، أو لآدميٍّ في مالِه.
فروضةُ.
حدَّثنا بذلك بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندِي أنه كلُّ حقٍّ وجَب للَّهِ، أو لآدميٍّ في مالِه. و"الخيرُ" هو المالُ في هذا الموضِع.
وإنما قلْنا ذلك هو الصوابُ من القولِ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذِكْرُه عمَّ بقولِه: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾. الخبرَ عنه، أنه يَمْنَعُ الخَيْرَ، ولم يَخْصُصْ منه شيئًا دونَ شيءٍ، فذلك على كلِّ خيرٍ يُمْكِنُ منعُه طالبَه.
وقولُه: ﴿مُعْتَدٍ﴾. يقولُ: مُعْتَدٍ على الناسِ بلسانِه بالبَذاءِ والفحْشِ في المنطقِ، وبيدِه بالسطوةِ والبطشِ ظلمًا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: مُعتدٍ في منطقِه وسيرتِه وأمرِه.
وقولُه: ﴿مُرِيبٍ﴾ يعني: شاكٍّ في وحدانيةِ اللَّهِ وقُدرتِه على ما يَشَاءُ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مُرِيبٍ﴾: أي شاكٍّ.
﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن الملك الموكل بعمل ابن آدم: أنه يشهد عليه يوم القيامة بما فعل ويقول: (هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) أي: معتد محضر بلا زيادة ولا نقصان.
وقال مجاهد: هذا كلام الملك السائق يقول: هذا ابن آدم الذي وكلتني به، قد أحضرته.
وقد اختار ابن جرير أن يعم السائق والشهيد، وله اتجاه وقوة.
فعند ذلك يحكم الله، سبحانه تعالى، في الخليقة بالعدل فيقول: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ).
ير أن يعم السائق والشهيد، وله اتجاه وقوة.
فعند ذلك يحكم الله، سبحانه تعالى، في الخليقة بالعدل فيقول: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ).
وقد اختلف النحاة في قوله: (ألقيا) فقال بعضهم: هي لغة لبعض العرب يخاطبون المفرد بالتثنية، كما روي عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسي، اضربا عنقه، ومما أنشد ابن جرير على هذه اللغة قول الشاعر:
فإن تزجراني -يا ابن عفان-أنزجر … وإن تتركاني أحم عرضا ممنعا
وقيل: بل هي نون التأكيد، سهلت إلى الألف. وهذا بعيد؛ لأن هذا إنما يكون في الوقف، والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، فالسائق أحضره إلى عرصة الحساب، فلما أدى الشهيد عليه، أمرهما الله تعالى بإلقائه في نار جهنم وبئس المصير.
(أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) أي: كثير الكفر والتكذيب بالحق، (عنيد): معاند للحق، معارض له بالباطل مع علمه بذلك.
جهنم وبئس المصير.
(أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) أي: كثير الكفر والتكذيب بالحق، (عنيد): معاند للحق، معارض له بالباطل مع علمه بذلك. (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ) أي: لا يؤدي ما عليه من الحقوق، ولا بر فيه ولا صلة ولا صدقة، (معتد) أي: فيما ينفقه ويصرفه، يتجاوز فيه الحد.
وقال قتادة: معتد في منطقه وسيرته وأمره.
(مريب) أي: شاك في أمره، مريب لمن نظر في أمره.
(الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) أي: أشرك بالله فعبد معه غيره، (فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ). وقد تقدم في الحديث: أن عنقًا من النار يبرز للخلائق فينادي بصوت يسمع الخلائق: إني وكلت بثلاثة، بكل جبار، ومن جعل مع الله إلها آخر، وبالمصورين ثم تلوى عليهم.
قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية -هو ابن هشام-حدثنا شيبان، عن فِراس عن عطية، عن أبي سعيد الخدري عن نبي الله ﷺ أنه قال: "يخرج عنق من النار يتكلم، يقول: وكلت اليوم بثلاثة:
بكل جبار، ومن جعل مع الله إلها آخر، ومن قتل نفسا بغير نفس.
أبي سعيد الخدري عن نبي الله ﷺ أنه قال: "يخرج عنق من النار يتكلم، يقول: وكلت اليوم بثلاثة:
بكل جبار، ومن جعل مع الله إلها آخر، ومن قتل نفسا بغير نفس. فتنطوي عليهم، فتقذفهم في غمرات جهنم".
(قَالَ قَرِينُهُ): قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم: هو الشيطان الذي وكل به: (رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ) أي: يقول عن الإنسان الذي قد وافى القيامة كافرًا، يتبرأ منه شيطانه، فيقول: (رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ) أي: ما أضللته، (وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) أي: بل كان هو في نفسه ضالا قابلا للباطل معاندًا للحق.
فيقول الإنسي: يا رب، هذا أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني. ويقول الشيطان: (رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) أي: عن منهج الحق. فيقول الرب ﷿ لهما: (لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ) أي: عندي، (وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) أي: قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل، وأنزلت الكتب، وقامت عليكم الحجج والبينات والبراهين.
(مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) قال مجاهد: يعني قد قضيت ما أنا قاض، (وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ) أي: لست أعذب أحدا بذنب أحد، ولكن لا أعذب أحدًا إلا بذنبه، بعد قيام الحجة عليه.