القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أتأمرُ هؤلاء المشركين
أحلامُهم بأن يقولوا لمحمدٍ: هو شاعرٌ وأنَّ ما جاء به شعرٌ، ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ما تأمرُهم أحلامُهم بذلك وعقولُهم، بل هم قومٌ طاغون قد طَغَوا على ربِّهم، فتجاوزوا ما أذِن اللَّهُ لهم وأمَرهم به من الإيمانِ إلى الكفرِ.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾. قال: كانوا يُعَدُّون في الجاهليةِ أهلَ الأحلامِ، فقال اللَّهُ: أم تأمرُهم أحلامُهم بهذا؛ أن يعبُدوا أصنامًا بُكمًا صُمًّا، ويَترُكوا عبادةَ اللَّهِ؟
قال: كانوا يُعَدُّون في الجاهليةِ أهلَ الأحلامِ، فقال اللَّهُ: أم تأمرُهم أحلامُهم بهذا؛ أن يعبُدوا أصنامًا بُكمًا صُمًّا، ويَترُكوا عبادةَ اللَّهِ؟ فلم تَنفَعْهم أحلامُهم حين كانت لدُنْياهم، ولم تكنْ عقولُهم في دينِهم، لم تَنْفَعْهم أحلامُهم.
وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ، يتأوَّلُ قولَه: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ﴾: بل تأمرُهم.
وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [قال مجاهدٌ].
حدَّثنا ابنُ بشارٍ قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمانَ بنُ الأسودِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. قال: بل هم قومٌ طاغون.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. قال: بل هم قومٌ طاغون.
وقولُه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أم يقولُ هؤلاء المُشرِكون: تقوَّل محمدٌ هذا القرآنَ وتَخلَّقَه.
وقولُه: ﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
ُه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أم يقولُ هؤلاء المُشرِكون: تقوَّل محمدٌ هذا القرآنَ وتَخلَّقَه.
وقولُه: ﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: كذَبُوا فيما قالوا من ذلك، بل لا يُؤمنون فيصدِّقوا بالحقِّ الذي جاءهم مِن عندِ ربِّهم.
وقولُه: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾. يقولُ: جلَّ ثناؤُه: فليأتِ قائلو ذلك له مِنَ المُشرِكين بقرآنٍ مثلِه، فإنَّهم من أهلِ لسانِ محمدٍ، ولن يتعذَّرَ عليهم أن يأتوا من ذلك بمثلِ الذي أتَى به محمدٌ، إن كانوا صادقين في أن محمدًا تقوَّلَه وتَخلَّقَه.
﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾
ثم قال تعالى: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا) أي: عقولهم تأمرهم بهذا الذي يقولونه فيك من الأقوال الباطلة التي يعلمون في أنفسهم أنها كذب وزور؟ (أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) أي: ولكن هم قوم ضلال معاندون، فهذا هو الذي يحملهم على ما قالوه فيك.
وقوله: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ) أي: اختلقه وافتراه من عند نفسه، يعنون القرآن: قال الله: (بَلْ لا يُؤْمِنُونَ) أي: كفرهم هو الذي يحملهم على هذه المقالة. (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) أي: إن كانوا صادقين في قولهم: "تَقوَّله وافتراه" فليأتوا بمثل ما جاء به محمد [ﷺ] من هذا القرآن، فإنهم لو اجتمعوا هم وجميع أهل الأرض من الجن والإنس، ما جاءوا بمثله، ولا بعشر سور [من] مثله، ولا بسورة من مثله.
قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾.
قد قدمنا أن الله تحداهم بسورة واحدة من هذا القرآن في سورة البقرة في قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، وفي سورة يونس في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية.
وتحداهم في سورة هود بعشر سور منه في قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية.
وتحداهم في سورة الطور - هذه - به كله، في قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ الآية.
وبين في سورة بني إسرائيل أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك، في قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ الآية.
على شيء من ذلك، في قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ الآية.
وقد أطلق جل وعلا اسم الحديث على القرآن في قوله هنا: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾، كما أطلق عليه ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَينَ يَدَيهِ﴾ الآية.
•