ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾. قال: بأيِّ نِعَمِ ربِّك تَتَمارى.
وقولُه: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه جلَّ ثناؤُه لمحمدٍ ﷺ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾، وَوَصْفِه إيَّاه بأنه مِن النُّذُرِ
الأُولى، وهو آخِرُهم؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك أنه نذيرٌ لقومِه كما كانتِ النُّذُرُ الذين قبلَه نُذُرًا لقومِهم. كما يقالُ: هذا واحدٌ مِن بني آدمَ، وواحدٌ مِن الناسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾.
دٌ مِن الناسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. قال: أنْذَر محمدٌ ﷺ كما أَنْذَرَتِ الرسلُ مِن قبلِه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾: إنما بُعِث محمدٌ ﷺ بما بُعِث به الرسلُ قبلَه.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمَانٍ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. قال: [هو محمدٌ ﷺ].
وقال آخرون: بل معنى ذلك غيرُ هذا كلِّه. وقالوا: معناه: هذا الذي أَنْذَرتُكم به أيُّها القومُ مِن الوقائِع التي ذكرْتُ لكم أَنِّي أوْقَعْتُها بالأممِ قبلَكم، مِن النُّذُرِ التي أَنْذَرتُها الأممَ قبلَكم في صحفِ إبراهيمَ وموسى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي مالكٍ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾.
اهيمَ وموسى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي مالكٍ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. قال: مما أَنْذَرُوا به قومَهم في صحفِ إبراهيمَ وموسى.
وهذا [القولُ الذي ذُكِر] عن أبي مالكٍ أَشْبَهُ بتأويلِ الآيةِ؛ وذلك أن اللَّهَ جل ثناؤُه ذكَر ذلك في سياقِ الآياتِ التي أخْبَر عنها أنها في صحفِ إبراهيمَ وموسى نذيرٌ مِن النُّذُرِ الأولى، التي جاءتِ الأممَ قبلَكم كما جاءَتْكم، فقولُه: ﴿هَذَا﴾، بأن يكونَ إشارةً إلى ما تقَدَّمَه مِن الكلامِ، أَوْلَى وأشْبَهُ منه بغيرِ ذلك.
وقولُه: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾. يقولُ: دَنَتِ الدانيةُ. وإنما يعني: دنَتِ القيامةُ القريبةُ منكم أيُّها الناسُ. يقالُ منه: أزِف رَحيلُ فلانٍ.
يرِ ذلك.
وقولُه: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾. يقولُ: دَنَتِ الدانيةُ. وإنما يعني: دنَتِ القيامةُ القريبةُ منكم أيُّها الناسُ. يقالُ منه: أزِف رَحيلُ فلانٍ. إذا دنا وقرُب، كما قال نابغةُ بني ذُبيانَ:
أَزِف التّرَحُّلُ غيرَ أن رِكابَنا … لمَّا تَزُلْ برِحالِها وكَأَن قَدِ
وكما قال كعبُ بنُ زُهَيْرٍ:
بان الشبابُ وأَمْسَى الشَّيْبُ قد أزِفا … ولا أرَى لشبابٍ ذاهبٍ خَلَفَا
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾: من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللَّهُ وحذَّره عبادَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾. قال: اقْتَرَبَت الساعةُ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾.
في قولِه: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾. قال: اقْتَرَبَت الساعةُ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾. قال: الساعةُ، ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
وقولُه: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾. يقولُ: ليس للآزفةِ التي قد أزِفَت؛ وهي الساعةُ التي قد دَنَت، مِن دونِ اللَّهِ كشفٌ. يقولُ: ليس تَنْكَشِفُ فتقومَ إلا بإقامةِ اللَّهِ إياها وكشْفِها دونَ مَن سِواه مِن خلقِه؛ لأنه لم يُطْلِعْ عليها مَلَكًا مُقَرَّبًا
ولا نبيًّا مرسلًا.
[وقال: ﴿كَاشِفَةٌ﴾. فأنَّثَ]، وهي بمعنى الانكشافِ. كما قيل: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]. [بمعنى: فهل تَرَى لهم من بقاءٍ]؟ وكما قيل: العاقبةُ. وما له من ناهيةٍ. وكما قال: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]. بمعنى: تكذيبٌ. ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]. بمعنى: خيانةٍ.
﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾
(هَذَا نَذِيرٌ) يعني: محمدا ﷺ (مِنَ النُّذُرِ الأولَى) أي: من جنسهم، أرسل كما أرسلوا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩].
(أَزِفَتِ الآزِفَة) أي: اقتربت القريبة، وهي القيامة، (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ) أي: لا يدفعها إذًا من دون الله أحد، ولا يطلع على علمها سواه.
ثم قال تعالى منكرا على المشركين في استماعهم القرآن وإعراضهم عنه وتلهيهم: (تَعْجَبُونَ) من أن يكون صحيحا، (وَتَضْحَكُونَ منه استهزاء وسخرية) (وَلا تَبْكُونَ) أي: كما يفعل الموقنون به، كما أخبر عنهم: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩].
استهزاء وسخرية) (وَلا تَبْكُونَ) أي: كما يفعل الموقنون به، كما أخبر عنهم: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩].
وقوله: (وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ) قال سفيان الثوري، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الغناء، هي يمانية، اسْمِد لنا: غَنّ لنا. وكذا قال عكرمة.
وفي رواية عن ابن عباس: (سَامِدُونَ): معرضون. وكذا قال مجاهد، وعكرمة. وقال الحسن: غافلون. وهو رواية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وفي رواية عن ابن عباس: تستكبرون. وبه يقول السدي.
ثم قال آمرا لعباده بالسجود له والعبادة المتابعة لرسوله ﷺ والتوحيد والإخلاص: (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) أي: فاخضعوا له وأخلصوا ووحدوا.
قال البخاري: حدثنا أبو مَعْمَر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: سجد النبي ﷺ بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس.
ال البخاري: حدثنا أبو مَعْمَر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: سجد النبي ﷺ بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. انفرد به دون مسلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح، عن مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن جعفر بن المطلب بن أبي وَدَاعة، عن أبيه قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة سورة النجم، فسجد وسَجَد من عنده، فرفعتُ رأسي وأبيتُ أن أسجد، ولم يكن أسلم يومئذ المطلب،
فكان بعد ذلك لا يسمع أحدًا يقرؤها إلا سجد معه.
وقد رواه النسائي في الصلاة، عن عبد الملك بن عبد الحميد، عن أحمد بن حنبل، به.
ذكر حديث له مناسبة بما تقدم من قوله تعالى: (هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى * أَزِفَتِ الآزِفَة)، فإن النذير هو: الحذر لما يعاين من الشر، الذي يخشى وقوعه فيمن أنذرهم، كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦].
إن النذير هو: الحذر لما يعاين من الشر، الذي يخشى وقوعه فيمن أنذرهم، كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]. وفي الحديث: "أنا النذير العُريان" أي: الذي أعجله شدة ما عاين من الشر عن أن يلبس عليه شيئًا، بل بادر إلى إنذار قومه قبل ذلك، فجاءهم عُريانا مسرعا مناسب لقوله: (أَزِفَتِ الآزِفَة) أي: اقتربت القريبة، يعني: يوم القيامة كما قال في أول السورة التي بعدها: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]، قال الإمام أحمد:
حدثنا أنس بن عياض، حدثني أبو حازم -لا أعلم إلا عن سهل بن سعد-قال: قال رسول الله ﷺ: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود حتى أنضجوا خُبْزَتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه".
لذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود حتى أنضجوا خُبْزَتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه". وقال أبو حازم: قال رسول الله ﷺ -قال أبو ضَمْرَة: لا أعلم إلا عن سهل بن سعد-قال: "مثلي ومثل الساعة كهاتين" وفرق بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام، ثم قال: "مثلي ومثل الساعة كمثل فَرسَي رِهَان"، ثم قال: "مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قومه طليعة، فلما خشي أن يسبق ألاح بثوبه: أتيتم أتيتم". ثم يقول رسول الله ﷺ: "أنا ذلك". وله شواهد من وجوه أخر من صحاح وحِسان. ولله الحمد والمنة، وبه الثقة والعصمة.
آخر [تفسير] سورة النجم ولله الحمد والمنة
تفسير سورة القمر
وهي مكية.
قد تقدم في حديث أبي واقد: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بقاف، واقتربت الساعة، في الأضحى والفِطْر، وكان يقرأ بهما في المحافل الكبار، لاشتمالهما على ذكر الوعد والوعيد وبدء الخلق وإعادته، والتوحيد وإثبات النبوات، وغير ذلك من المقاصد العظيمة.
﷽