برَ عنهم مُغْنِيًا عن البيانِ عنهم على الوجهِ الذي ذكَرْنا؛ لدلالةِ الكلامِ على معناه، فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾. يُعَجِّبُ نبيَّه منهم، فقال: وأصحابُ اليمينِ الذين يُؤْخَذُ بهم ذاتَ
اليمينِ إلى الجنةِ، أيُّ شيءٍ أصحابُ اليمينِ!
﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأصحابُ الشمالِ الذين يُؤْخَذُ بهم ذاتَ الشمالِ إلى النارِ. والعربُ تُسَمِّي اليدَ اليُسْرَى: الشُّؤْمَى، ومنه قولُ أعشى بني ثعلبةَ:
فأَنْحَى على شُؤْمَى يَدَيْهِ فَذَادها … بِأَظْمَأَ من فَرْعِ الذُّؤَابَةِ أَسْحَما
وقولُه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾.
نه قولُ أعشى بني ثعلبةَ:
فأَنْحَى على شُؤْمَى يَدَيْهِ فَذَادها … بِأَظْمَأَ من فَرْعِ الذُّؤَابَةِ أَسْحَما
وقولُه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾. وهم الزوجُ الثالثُ، وهم الذين سبَقوا إلى الإيمانِ باللَّهِ ورسولِه، وهم المهاجِرون الأوَّلون.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ - يعني: العَتَكِيُّ - عن عثمانَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ سُراقةَ قولَه: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾. قال: اثنان في الجنةِ وواحدٌ في النارِ. يقولُ: الحورُ العينُ للسابِقين، والعُرُبُ الأترابُ لأصحابِ اليمينِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾.
َّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾. أي: ماذا لهم، وماذا أعدَّ لهم؟! ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾. ماذا لهم، وماذا أعدَّ لهم؟! ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾. أي: من كلِّ أمةٍ.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمعِتُ ابنَ زيدٍ يقولُ: وجدتُ الهَوَى ثلاثةَ أَثلاثٍ؛ فالمرءُ يَجْعَلُ هواه علمَه، فيُدالُ هواه على علمِه، ويَقْهَرُ هواه عِلمَه، حتى إن العلمَ مع الهوى قبيحٌ ذليلٌ، فالعلمُ ذليلٌ والهَوى غالبٌ قاهرٌ، [فهذا الذي] قد جعَل الهوى والعلمَ في قلبِه، فهذا من أزواجِ النارِ، فإذا كان ممن يريدُ اللَّهُ به خيرًا استفَاق واستَنْبَه فإذا هو عونٌ للعلمِ على الهوى، حتى يُدِيلَ اللَّهُ العلمَ على الهوى، فإذا حَسُنت حالُ المؤمنِ واستقامت طريقتُه، كان الهوى ذليلًا وكان العلمُ غالبًا قاهرًا، فإذا كان ممن يريدُ اللَّهُ به خيرًا ختَم عملَه بإدالةِ العلمِ، فتوفَّاه اللَّهُ حينَ
منِ واستقامت طريقتُه، كان الهوى ذليلًا وكان العلمُ غالبًا قاهرًا، فإذا كان ممن يريدُ اللَّهُ به خيرًا ختَم عملَه بإدالةِ العلمِ، فتوفَّاه اللَّهُ حينَ توفَّاه، وعلمُه هو القاهرُ وهو العاملُ به، وهواه الذليلُ القبيحُ ليس له في ذلك
نصيبٌ ولا فعلٌ، والثالثُ الذي قبَّح اللَّهُ هواه بعلمِه، فلا يَطْمَعُ هواه أن يَغْلِبَ العلمَ، ولا أن يَكُونَ [له مع العلمِ] نِصْفٌ ولا نَصيبٌ، فهذا الثالثُ، وهو خيرُهم كلِّهم، وهو الذي قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه في صورةِ الواقعةِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾. قال: فزَوْجان في الجنةِ، وزَوْجٌ في النارِ. قال: فالسابقُ الذي يَكُونُ العلمُ غالبًا للهوَى، والآخرُ الذي ختَم اللَّهُ له بإدالةِ العلمِ على الهوَى.
قال: فزَوْجان في الجنةِ، وزَوْجٌ في النارِ. قال: فالسابقُ الذي يَكُونُ العلمُ غالبًا للهوَى، والآخرُ الذي ختَم اللَّهُ له بإدالةِ العلمِ على الهوَى. فهذان زَوْجانِ في الجنةِ، والآخرُ هواه قاهرٌ لعلمِه، فهذا زوجُ النارِ.
واختلَف أهلُ العربيةِ في رفعِ "أصحابِ الميمنةِ وأصحابِ المشأمةِ"؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: خبرُ قولِه: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾، [وخبرُ قولِه]: ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾. قال: ويَقُولُ: زَيدٌ ما زَيدٌ! يُرِيدُ: زَيدٌ شديدٌ. وقال غيرُه: قولُه: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ لا تكونُ الجملةُ خبرَه، ولكن الثاني عائدٌ على الأوَّلِ، وهو تَعَجُّبٌ، فكأنه قال: أصحابُ الميمنةِ ما هم! والقارعةُ ما هي! والحاقةُ ما هي!
مَيْمَنَةِ﴾ لا تكونُ الجملةُ خبرَه، ولكن الثاني عائدٌ على الأوَّلِ، وهو تَعَجُّبٌ، فكأنه قال: أصحابُ الميمنةِ ما هم! والقارعةُ ما هي! والحاقةُ ما هي! فكان الثاني عائدَ الأولِ، وكان تعجُّبًا، والتعجبُ بمعنى الخبرِ، ولو كان استفهامًا لم يَجُزْ أن يكونَ خبرًا للابتداءِ؛ لأن الاستفهامَ لا يكونُ خبرًا، والخبرُ لا يكونُ استفهامًا، والتعجبُ يكونُ خبرًا، فكان [خبرَ الابتداءِ]. وقولُه: زيدٌ وما زيدٌ، لا يكونُ إِلَّا من كلامَيْنِ؛ لأنه لا تَدْخُلُ الواوُ في خبرِ الابتداءِ، كأنه قال: هذا زيدٌ وما هو: أي ما أشدَّه وما أعلمَه.
واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنِيِّين بقولِه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾؛ فقال
بعضُهم: هم الذين صلَّوا القبلَتَين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن خارجةَ، عن قُرَّةَ، عن ابنِ سيرينَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾: الذين صلَّوا القبلتين.
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن خارجةَ، عن قُرَّةَ، عن ابنِ سيرينَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾: الذين صلَّوا القبلتين.
وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني به عبدُ الكريمِ بنُ أبي عميرٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرٍو، قال: ثنا عثمانُ بن أبي سودةَ، قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾: أوَّلُهم رواحًا إلى المساجدِ، وأسرَعُهم خفوقًا في سبيلِ اللَّهِ.
والرفعُ في "السابقين" من وجهَيْنِ؛ أحدُهما: أن يكونَ الأولُ مرفوعًا بالثاني، ويكونُ معنى الكلامِ حينَئذٍ: والسابقون الأوَّلون، كما يُقالُ: السابقُ الأولُ. والثاني: أن يكونَ مرفوعًا بقولِه: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾. [فيكونَ قولُه: ﴿السَّابِقُونَ﴾. الثانيةُ توكيدًا للأوَّلِ، تشديدًا له.
وقولُه: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾]. يقولُ جلَّ ثناؤُه: أولئك الذين يُقَرِّبُهم اللَّهُ منه يومَ القيامةِ إذا أدخَلَهم الجنةَ.
وقولُه: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. يقولُ: في بساتينِ النعيمِ الدائمِ.
ِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾.
الواقعة: من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لتحقق كونها ووجودها، كما قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥]
وقوله: (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ) أي: ليس لوقوعها إذا أراد الله كونها صارف يصرفها، ولا دافع يدفعها، كما قال: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٧]، وقال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج: ١، ٢]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣].
ومعنى (كَاذِبَة) -كما قال محمد بن كعب-: لا بد أن تكون.
َخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣].
ومعنى (كَاذِبَة) -كما قال محمد بن كعب-: لا بد أن تكون. وقال قتادة: ليس فيها مثنوية ولا
ارتداد ولا رجعة.
قال ابن جرير: والكاذبة: مصدر كالعاقبة والعافية.
وقوله: (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ) أي: تحفض أقواما إلى أسفل سافلين إلى الجحيم، وإن كانوا في الدنيا أعزّاء. وترفع آخرين إلى أعلى عليّين، إلى النعيم المقيم، وإن كانوا في الدنيا وضعاء. وهكذا قال الحسن وقتادة، وغيرهما.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يزيد بن عبد الرحمن بن مصعب المعنى، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن أبيه، عن سِمَاك، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس: (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ) تخفض أناسًا وترفع آخرين.
وقال عبيد الله العتكي، عن عثمان بن سراقة، ابن خالة عمر بن الخطاب: (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ) [قال]: الساعة خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة.
يد الله العتكي، عن عثمان بن سراقة، ابن خالة عمر بن الخطاب: (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ) [قال]: الساعة خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة.
وقال محمد بن كعب: تخفض رجالا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالا كانوا في الدنيا مخفوضين.
وقال السُّدِّيّ: خفضت المتكبرين، ورفعت المتواضعين.
وقال العَوْفِيّ، عن ابن عباس: (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ) أسمعت القريب والبعيد. وقال عكرمة: خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى. وكذا قال الضحاك، وقتادة.
وقوله: (إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا) أي: حركت تحريكا فاهتزت واضطربت بطولها وعرضها.
َيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١].
وقوله: (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا) أي: فُتِّتَتْ فَتًّا. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعِكْرِمَة، وقتادة، وغيرهم.
وقال ابن زيد: صارت الجبال كما قال [الله] تعالى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [المزمل: ١٤].
وقوله: (فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا)، قال أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي، ﵁: (هَبَاءً مُنْبَثًّا)
كرهَج الغبار يسطع ثم يذهب، فلا يبقى منه شيء.
وقال العَوْفِيّ عن ابن عباس في قوله: (فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا): الهباء الذي يطير من النار، إذا اضطرمت يطير منه الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئا.
وقال عكرمة: المنبث: الذي ذرته الريح وبثته.
فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا): الهباء الذي يطير من النار، إذا اضطرمت يطير منه الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئا.
وقال عكرمة: المنبث: الذي ذرته الريح وبثته. وقال قتادة: (هَبَاءً مُنْبَثًّا) كيبيس الشجر الذي تذروه الرياح.
وهذه الآية كأخواتها الدالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة، وذهابها وتسييرها ونسفها -أي قلعها-وصيرورتها كالعهن المنفوش.
وقوله: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً) أي: ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف: قوم عن يمين العرش، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيمن، ويؤتون كتبهم بأيمانهم، ويؤخذ بهم ذات اليمين. قال السُّدِّيّ: وهم جمهور أهل الجنة.
ى ثلاثة أصناف: قوم عن يمين العرش، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيمن، ويؤتون كتبهم بأيمانهم، ويؤخذ بهم ذات اليمين. قال السُّدِّيّ: وهم جمهور أهل الجنة. وآخرون عن يسار العرش، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيسر، ويؤتون كتبهم بشمائلهم، ويؤخذ بهم ذات الشمال، وهم عامة أهل النار -عياذًا بالله من صنيعهم-وطائفة سابقون بين يديه وهم أخص وأحظى وأقرب من أصحاب اليمين الذين هم سادتهم، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء، وهم أقل عددا من أصحاب اليمين؛ ولهذا قال: (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]، وذلك على أحد القولين
َادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]، وذلك على أحد القولين في الظالم لنفسه كما تقدم بيانه.
قال سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً) قال: هي التي في سورة الملائكة: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾.
وقال ابن جُرَيْج عن ابن عباس: هذه الأزواج الثلاثة هم المذكورون في آخر السورة وفي سورة الملائكة.
وقال يزيد الرقاشي: سألت ابن عباس عن قوله: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً) قال: أصنافا ثلاثة.
وقال مجاهد: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً) [قال]: يعني: فرقا ثلاثة. وقال ميمون بن مِهْران: أفواجا ثلاثة.
مْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً) قال: أصنافا ثلاثة.
وقال مجاهد: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً) [قال]: يعني: فرقا ثلاثة. وقال ميمون بن مِهْران: أفواجا ثلاثة. وقال عُبَيد الله العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخطاب: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً) اثنان في الجنة، وواحد في النار.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سِمَاك، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] قال: الضرباء، كل رجل من قوم كانوا يعملون عمله، وذلك بأن الله يقول: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) قال: هم الضرباء.
بُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) قال: هم الضرباء.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله المثنى، حدثنا البراء الغنوي، حدثنا الحسن، عن معاذ بن جبل؛ أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ فقبض بيده قبضتين فقال: "هذه للجنة ولا أبالي، وهذه للنار ولا أبالي".
وقال أحمد أيضا: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعَة، حدثنا خالد بن أبي عمران، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "أتدرون من السابقون إلى ظل يوم القيامة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم".
وقال محمد بن كعب وأبو حَرْزَةَ يعقوب بن مجاهد: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ): هم الأنبياء، ﵈. وقال السُّدِّيّ: هم أهل عليين.
للناس كحكمهم لأنفسهم".
وقال محمد بن كعب وأبو حَرْزَةَ يعقوب بن مجاهد: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ): هم الأنبياء، ﵈. وقال السُّدِّيّ: هم أهل عليين. وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ)، قال: يوشع بن نون، سبق إلى موسى، ومؤمن آل "يس"، سبق إلى عيسى، وعلي بن أبي طالب، سبق إلى محمد رسول الله ﷺ. رواه ابن أبي حاتم، عن محمد بن هارون الفلاس، عن عبد الله بن إسماعيل المدائني البزاز، عن شُعَيْب بن الضحاك المدائني، عن سفيان بن عُيَيْنَة، عن ابن أبي نَجِيح به.
وقال ابن أبي حاتم: وذكر محمد بن أبي حماد، حدثنا مِهْرَان، عن خارجة، عن قُرَّة، َ عن ابن سِيرين: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) الذين صلوا للقبلتين.
ورواه ابن جرير من حديث خارجة، به.
وقال الحسن وقتادة: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) أي: من كل أمة.
َالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) الذين صلوا للقبلتين.
ورواه ابن جرير من حديث خارجة، به.
وقال الحسن وقتادة: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) أي: من كل أمة.
وقال الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة أنه قرأ هذه الآية: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) ثم قال: أولهم رواحًا إلى المسجد، وأولهم خروجًا في سبيل الله.
وهذه الأقوال كلها صحيحة، فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١]، فمن سابق إلى هذه الدنيا وسبق إلى الخير، كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان؛ ولهذا قال تعالى: (أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ).
ان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان؛ ولهذا قال تعالى: (أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن زكريا القزاز الرازي، حدثنا خارجة بن مُصعَب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: قالت الملائكة: يا رب، جعلت لبني آدم الدنيا فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون، فاجعل لنا الآخرة. فقال: لا أفعل. فراجعوا ثلاثا، فقال: لا أجعل من خلقت بيدي كمن قلت له: كن، فكان. ثم قرأ عبد الله: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ).
وقد روى هذا الأثر الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه: "الرد على الجهمية"، ولفظه: فقال الله ﷿: "لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن فكان".