ثُلَّتان، وهي جَماعتان وأمَّتان وفِرْقتان: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾. يعني: جماعةٌ من الذين مضَوا قبلَ أمةِ محمدٍ ﷺ.
﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾. يقولُ: وجماعةٌ من أمةِ محمدٍ ﷺ.
[وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت الآثارُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ].
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: قال الحسنُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾: من الأممِ، ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾: أمةُ محمدٍ ﷺ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾.
عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: أمةٌ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثنا الحسنُ، عن حديثِ عمرانَ بنِ حصينٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: تحدَّثنا عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ذاتَ ليلةٍ حتى أَكْرَينا في الحديثِ، ثم رجَعنا إلى أَهْلِينا، فلما أَصْبَحنا غدَوْنا على رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "عُرِضَتْ عليَّ الأنبياءُ الليلةَ بأتباعِها من أُمَمِها، فكان النبيُّ يَجِيءُ معَهُ الثُّلَّةُ من أُمَّتِه، والنبيُّ معَه العصابةُ من أُمَّتِه؛ والنبيُّ معَه النفرُ من أُمَّتِه، والنبيُّ معَه الرجلُ من أُمَّتِه، والنبيُّ ما معَه من أمتِه أحدٌ من قومِه، حتى أتَى عليَّ موسى بنُ عمرانَ في كَبْكبةٍ من بني إسرائيلَ؛ فلما رأيتُهم أعجَبُوني، فقُلْتُ: أي ربِّ، مَن هؤلاء؟ قال: هذا أخوك موسى بنُ عمرانَ ومَن معَه من بني إسرائيلَ.
بنُ عمرانَ في كَبْكبةٍ من بني إسرائيلَ؛ فلما رأيتُهم أعجَبُوني، فقُلْتُ: أي ربِّ، مَن هؤلاء؟ قال: هذا أخوك موسى بنُ عمرانَ ومَن معَه من بني إسرائيلَ. فقلتُ: يا ربِّ، فأينَ أُمَّتي؟ فقِيل: انظر عن يمينِك، فإذا ظِرابُ مكةَ قد سُدَّت بوجوهِ الرجالِ، فقلتُ: مَن هؤلاء؟ قِيل: هؤلاء أمَّتُك. فقيل: أَرضِيتَ؟ فقلتُ: ربِّ رضيتُ، ربِّ رضيتُ، قِيل: انظر عن يسارِك. فإذا الأفقُ قد سُدَّ بوجوهِ الرجالِ، فقلتُ: ربِّ مَن هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أُمَّتُك. فقِيل: أرضيتَ؟ فقلتُ: ربِّ رَضِيتُ. فقِيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفًا من أُمَّتِك، يدخُلون الجنةَ لا حسابَ عليهم". قال: فأنشَأ عُكَّاشةُ بنُ مِحْصَنٍ، رجلٌ من بني أسدِ بنِ خزيمةَ، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، ادْعُ رَبَّك أن يَجْعَلَني منهم. قال: "اللَّهم اجْعَلْه منهم". ثم أنشَأ رجلٌ آخرُ فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، ادْعُ رَبَّك أن يَجْعَلَني منهم. قال: "سبَقَك بها عُكَّاشةُ".
جْعَلَني منهم. قال: "اللَّهم اجْعَلْه منهم". ثم أنشَأ رجلٌ آخرُ فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، ادْعُ رَبَّك أن يَجْعَلَني منهم. قال: "سبَقَك بها عُكَّاشةُ". فقال نبيُّ اللَّهِ ﷺ: "فِدًى لكم أَبي وأُمِّي، إن استَطَعتم أن تَكونوا من السَّبعينَ فكونوا، فإن عجَزتم وقصَّرتم، فكونوا من أهلِ الظِّرابِ، فإن
عجَزتم وقصَّرتم، فكونوا من أهل الأُفقِ، فإني رأيتُ ثَمَّ أُناسًا يَتَهَرَّشون كثيرًا - أو قال: - يَتَهَوَّشون ". قال: فتراجَع المؤمنون، أو قال: فتراجَعْنا على هؤلاءِ السبعينَ. فصار من أمرِهم أن قالوا: نراهم ناسًا وُلِدوا في الإسلامِ، فلم يَزَالوا يَعْمَلون به حتى ماتوا عليه. فنمَى حديثُهم ذاك إلى نبيِّ اللَّهِ ﷺ، فقال: "ليس كذاك، ولكنهم الذين لا يَسْتَرْقون، ولا يَكْتَوون، ولا يَتَطَيَّرون، وعلى ربِّهم يَتَوكَّلون". ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال يومَئذٍ: "إني لأَرْجو أن يكونَ مَن تَبِعني مِن أُمَّتِي رُبعَ أهلِ الجنةِ". فكَبَّرنا، ثم قال: "إني لأَرْجو أن تَكونوا الشطرَ".
ن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال يومَئذٍ: "إني لأَرْجو أن يكونَ مَن تَبِعني مِن أُمَّتِي رُبعَ أهلِ الجنةِ". فكَبَّرنا، ثم قال: "إني لأَرْجو أن تَكونوا الشطرَ". فكبَّرنا، ثم تلَا رسولُ اللَّهِ ﷺ هذه الآيةَ: " ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ ".
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ بشرٍ البجليُّ، عن الحكمِ بنِ عبدِ الملكِ، عن قتادةَ، عن الحسنِ عن عمرانَ بنِ حصينٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: تحدَّثنا لَيْلةً عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ، حتى أكْرَينا - أو أَكثَرنا - ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال: "فإذا الظِّرابُ ظِرابُ مكةَ مَسدودةٌ بوجوهِ الرجالِ". وقال أيضًا: "فإني رأيتُ عندَه أناسًا يَتَهاوَشونَ كثيرًا". قال: فقلْنا: مَن هؤلاء السبعون ألفًا؟ فاتفَق رأيُنا على أنهم قومٌ وُلِدوا في الإسلامِ، ويَموتون عليه. قال: فذكَرْنا ذلك لرسولِ اللَّهِ ﷺ فقال: "لا، ولكنهم قومٌ لا يَكْتَوون". وقال أيضًا: ثم قال
رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إني لأرْجو أن تَكُونوا ربعَ أهلِ الجنةِ".
ل: فذكَرْنا ذلك لرسولِ اللَّهِ ﷺ فقال: "لا، ولكنهم قومٌ لا يَكْتَوون". وقال أيضًا: ثم قال
رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إني لأرْجو أن تَكُونوا ربعَ أهلِ الجنةِ". فكبَّر أصحابُه، ثم قال: "إني لأَرْجو أن تَكونوا ثلثَ أهلِ الجنةِ". فكبَّر أصحابُه، ثم قال: "إني لأَرْجو أن تكونوا شطرَ أهل الجنةِ". ثم قرَأ: " ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ ".
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عوفٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ الحارثِ، قال: كلُّهم في الجنةِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أنه بلَغه أن النبيَّ ﷺ قال: "أَتَرْضَون أن تكُونوا ربعَ أهلِ الجنةِ؟ ". قالوا: نعم. قال: "أَتَرْضَون أن تَكُونوا ثلثَ أهلِ الجنةِ؟ ". قالوا: نعم. قال: "والذي نفسي بيدِه، إني لأَرْجو أن تَكونوا شطرَ أهلِ الجنةِ".
لجنةِ؟ ". قالوا: نعم. قال: "أَتَرْضَون أن تَكُونوا ثلثَ أهلِ الجنةِ؟ ". قالوا: نعم. قال: "والذي نفسي بيدِه، إني لأَرْجو أن تَكونوا شطرَ أهلِ الجنةِ". ثم تلا هذه الآيةَ: " ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ ".
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن بُدَيلٍ، عن كعبٍ أنه قال: "أهلُ الجنةِ عشرون ومائةُ صفٍّ، ثمانون صفًّا منها من هذه الأُمةِ".
وفي رفعِ: ﴿ثُلَّةٌ﴾ وجهان؛ أحدُهما: الاستئنافُ، والآخرُ: بقولِه: لأصحابِ اليمينِ ثُلَّتان. ثُلَّةٌ من الأوَّلين.
وقد روِي عن النبيِّ ﷺ خبرٌ من وجهٍ غيرِ صحيحٍ، أنه قال: "الثُّلَّتان جميعًا من أُمَّتي".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبانِ بنِ أبي عيَّاشٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾. قال: قال النبيُّ ﷺ: "هما جميعًا من أُمَّتي".
وقولُه: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾.
وقولُه: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾. يقولُ: هم في سمومِ جهنمَ وحميمِها.
وقولُه: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: وظلٍّ من دخانٍ شديدِ السوادِ. والعربُ تقولُ لكلِّ شيءٍ وصَفتْه بشدةِ السوادِ: أسودُ يَحمومٌ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ أبي الشواربِ، قال: ثنا [عبدُ الواحدِ] بنُ زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ
الشيبانيُّ، قال: ثنى يزيدُ بنُ الأصمِّ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ في: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: هو ظلُّ الدخانِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ ليثٍ، عن الشيبانيِّ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ الشيبانيَّ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الشيبانيِّ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾.
باسٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الشيبانيِّ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: هو الدخانُ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ طهمانَ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: الدخانُ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. يقولُ: من دُخانِ جهنَّمَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: الدخانُ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثَّامٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ في
قولِه: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾.
ِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: الدخانُ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثَّامٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ في
قولِه: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: دخانُ جهنَّمَ.
حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأمويُّ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: الدخانُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: من دخانِ جهنَّمَ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ الشيبانيِّ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ابنِ عباسٍ، ومنصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾.
نا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ الشيبانيِّ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ابنِ عباسٍ، ومنصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قالا: الدخانُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: من دخانٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: كنا نحدَّثُ أنها ظلُّ الدخانِ.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: ظلُّ الدخانِ دخانِ جَهنمَ، زعَم ذلك بعضُ أهلِ العلمِ.
وقولُه: ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ليس ذلك الظلُّ بباردٍ كبردِ ظلالِ سائرِ الأشياءِ، ولكنه حارٌ؛ لأنه دخانٌ من سعيرِ جَهنمَ، وليس بكريمٍ؛ لأنه مُؤْلِمُ مَن استظلَّ به.
ولُ تعالى ذكرُه: ليس ذلك الظلُّ بباردٍ كبردِ ظلالِ سائرِ الأشياءِ، ولكنه حارٌ؛ لأنه دخانٌ من سعيرِ جَهنمَ، وليس بكريمٍ؛ لأنه مُؤْلِمُ مَن استظلَّ به. والعربُ تُتْبِعُ كلَّ منفيٍّ عنه صفةُ حمدٍ، نفيَ الكرمِ عنه، فتقولُ: ما هذا الطعامُ بطيبٍ ولا كريمٍ، وما هذا اللحمُ بسمينٍ ولا كريمٍ، وما هذه الدارُ بنظيفةٍ ولا كريمةٍ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزيعٍ، قال: ثنا النضرُ، قال: ثنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾. قال: كلُّ شرابٍ ليس بعذبٍ فليس بكريمٍ.
وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾. قال: لا باردِ المنزلِ، ولا كريمِ المنظرِ.
وقولُه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾.
سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾. قال: لا باردِ المنزلِ، ولا كريمِ المنظرِ.
وقولُه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن هؤلاء الذين وصَف صفتَهم من أصحابِ الشمالِ، كانوا قبلَ أن يُصيبَهم من عذابِ اللَّهِ ما
أصابهم في الدنيا، ﴿مُتْرَفِينَ﴾، يعني: مُنَعَّمين.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾. يقولُ: مُنَعَّمين.
وقولُه: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وكانوا يُقيمون على الذنبِ العظيمِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُصِرُّونَ﴾، قال: يُدْمِنون.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾].
ْمِنون.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾]. قال: يَذْهبون، أو يُدْمِنون.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَانُوا
يُصِرُّونَ﴾. قال: لا يتُوبون ولا يَسْتَغْفِرون. والإصرارُ عندَ العربِ على الذنبِ الإقامةُ عليه، وتركُ الإقلاعِ عنه.
وقولُه: ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾، يعني: على الذنبِ العظيمِ، وهو الشركُ باللهِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. قال: على الذنبِ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو تُمَيْلَة، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾.
ِيمِ﴾. قال: على الذنبِ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو تُمَيْلَة، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. قال: الشركِ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. يعني الشركَ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. قال: الذنبِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. قال: الحنثُ العظيمُ الذنبُ العظيمُ. قال: وذلك الذنبُ العظيمُ
الشركُ؛ لا يَتُوبون ولا يَسْتَغْفِرون.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. هو الشركُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، [عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ]، عن مجاهدٍ: ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. قال: الذنبِ العظيمِ.
﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾.
لما ذكر تعالى حال أصحاب اليمين، عطف عليهم بذكر أصحاب الشمال، فقال: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ) أي: أي شيء هم فيه أصحاب الشمال؟ ثم فَسَّر ذلك فقال: (فِي سَمُومٍ) وهو: الهواء الحار (وَحَمِيمٍ) وهو: الماء الحار.
(وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) قال ابن عباس: ظل الدخان. وكذا قال مجاهد، وعِكْرِمَة، وأبو صالح، وقتادة، والسُّدِّيّ، وغيرهم.
يَحْمُومٍ) وهو الدخان الأسود (لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ) أي: ليس طيب الهبوب ولا حَسَن المنظر، كما قال الحسن وقتادة: (وَلا كَرِيمٍ) أي: ولا كريم المنظر. وقال الضحاك: كل شراب ليس بعذب فليس بكريم.
وقال ابن جرير: العرب تتبع هذه اللفظة في النفي، فيقولون: "هذا الطعام ليس بطيب ولا كريم، هذا اللحم ليس بسمين ولا كريم، وهذه الدار ليست بنظيفة ولا كريمة".
ثم ذكر تعالى استحقاقهم لذلك، فقال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ) أي: كانوا في الدار الدنيا منعمين مقبلين على لذات أنفسهم، لا يلوون على ما جاءتهم به الرسل.
(وَكَانُوا يُصِرُّونَ) أي: يُصَمِّمون ولا ينوون توبة (عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) وهو الكفر بالله، وجعل الأوثان والأنداد أربابًا من دون الله.
قال ابن عباس: (الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) الشرك.
ن ولا ينوون توبة (عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) وهو الكفر بالله، وجعل الأوثان والأنداد أربابًا من دون الله.
قال ابن عباس: (الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) الشرك. وكذا قال مجاهد، وعِكْرِمَة، والضحاك، وقتادة، والسُّدِّيّ، وغيرهم.
وقال الشعبي: هو اليمين الغموس.
(وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ)؟ يعني: أنهم يقولون ذلك مكذبين به مستبعدين لوقوعه، قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) أي: أخبرهم يا محمد أن الأولين والآخرين من بني آدم سيجمعون إلى عَرَصات القيامة، لا نغادر منهم أحدًا، كما قال: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٣ - ١٠٥].
ْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٣ - ١٠٥]. ولهذا قال هاهنا: (لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) أي: هو موقت بوقت مُحَدَّد، لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص.