قيل: ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾. وإنما هو: لا تَتَكَلَّمُ. فحُذِفت إحدى التاءين؛ اجْتِزاءً بدلالةِ الباقيةِ منهما عليها.
وقولُه: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. [يقولُ: فمِن هذه النفوسِ التي لا تتكَلَّمُ يومَ القيامة إلا بإذن ربِّها، شقيٌّ وسعيدٌ]، وعاد على النفسِ، وهى فى ذِكْرِ واحدةٍ، بذكرِ الجميعِ في قولِه: ﴿فَمِنْهُمْ﴾؛ [لأن النفسَ وإن كانت في لفظِ واحدةٍ، فإنها بمعنى الجميعِ، فلذلك قيل: ﴿فَمِنْهُمْ] شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ [من هذه النفوسِ]، ﴿فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ وهو أولُ نُهاقِ الحمارِ وشِبْهِه، ﴿وَشَهِيقٌ﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ [من هذه النفوسِ]، ﴿فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ وهو أولُ نُهاقِ الحمارِ وشِبْهِه، ﴿وَشَهِيقٌ﴾. وهو آخرُ نَهِيقِه إذا ردَّده فى الجوفِ عندَ فراغِه مِن نُهاقِه، كما قال رُؤْبةُ بنُ العَجَّاجِ:
حشْرَج في الجوفِ سحِيلًا أو شَهَقْ
حتى يُقالَ ناهِقٌ وما نهَقْ
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾. يقولُ: صوتٌ شديدٌ، وصوتٌ ضعيفٌ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ]، عن أبي العاليةِ فى قولِه: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾.
فٌ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ]، عن أبي العاليةِ فى قولِه: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾. قال: الزفيرُ في الحَلْقِ، والشهيقُ في الصدرِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ ابن أنسٍ، عن أبى العاليةِ بنحوِه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: صوتُ الكافرِ فى النارِ صوتُ الحمارِ، أولُه زَفيرٌ، وآخرُه شَهِيقٌ.
حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ ومحمدُ بنُ مَعْمَرٍ البَحْرانيُّ ومحمدُ بن المُثَنَّى ومحمدُ ابنُ بَشَّارٍ، قالوا: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ سفيانَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ
دينارٍ، عن ابنِ عمرَ، [عن عمرَ]، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. سأَلْتُ النبيَّ ﷺ، فقلتُ: يا نبيَّ اللهِ، فعلامَ عَمَلُنا؟ على شيءٍ قد فُرِغ منه أم على شيءٍ لم يُفْرَغْ منه؟
الآيةُ: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. سأَلْتُ النبيَّ ﷺ، فقلتُ: يا نبيَّ اللهِ، فعلامَ عَمَلُنا؟ على شيءٍ قد فُرِغ منه أم على شيءٍ لم يُفْرَغْ منه؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "على شيءٍ قد فُرِغ منه يا عمرُ، وجرَت به الأقلامُ، ولكنْ كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له". اللفظُ لحديثِ ابنِ مَعْمَرٍ.
وقولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. يعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: لابِثين فيها. ويعنِى بقولِه: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: أبدًا. وذلك أن العربَ إذا أرادت أن تَصِفَ الشيءَ بالدوامِ أبدًا، قالت: هذا دائمٌ دَوامَ السماواتِ والأرضِ. بمعنى أنه دائمٌ أبدًا، وكذلك يقولون: هو باقٍ ما اخْتَلَف الليلُ والنهارُ، وما سَمَر ابْنَا سَمِيرٍ، وما لأْلأَتِ [العُفْرُ بأذنابِها]. يعنُون بذلك كلِّه: أبدًا.
ائمٌ أبدًا، وكذلك يقولون: هو باقٍ ما اخْتَلَف الليلُ والنهارُ، وما سَمَر ابْنَا سَمِيرٍ، وما لأْلأَتِ [العُفْرُ بأذنابِها]. يعنُون بذلك كلِّه: أبدًا. فخاطَبَهم جلَّ ثناؤُه بما يتعارفونه بينَهم، فقال: خالِدِينَ [في النارِ] ما دامَتِ السَّمَاوَاتُ
والأرْضُ. والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا.
وكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك بنحوٍ مما قلنا فيه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. قال: ما دامَت الأرضُ أرضًا، والسماءُ سماءً.
ثم قال جلّ ثناؤُه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. قال: ما دامَت الأرضُ أرضًا، والسماءُ سماءً.
ثم قال جلّ ثناؤُه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. واختَلَف أهلُ العلمِ والتأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: هذا استثناءٌ استثْناه اللهُ في أهلِ التوحيدِ [أنه يُخْرِجُهم] من النار إذا شاء بعدَ أن أدْخَلَهم النارَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. قال: اللهُ أعلمُ بثُنْياه. وقد ذُكِر لنا أن ناسًا يُصِيبُهم سَفْعٌ من النارِ بذنوبٍ أصابوها، ثم يُدْخِلُهم الجنةَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ﴾: واللهُ أعلمُ
بثَنِيَّتِه.
عن الضحاكِ بنِ مُزاحِمٍ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾. إلى قولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. قال: يخرجُ قومٌ مِن النارِ، فيدخلون الجنةَ، فهم الذين استُثْنِى لهم.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عامرِ بنِ جَشِيبٍ، عن خالدِ بن مَعْدانَ في قولِه: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾. [النبأ: ٢٣] وقولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ - ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾: إنهما فى أهلِ التوحيدِ.
وقال آخرون: الاستثناءُ فى هذه الآيةِ فى أهلِ التوحيدِ. إلا أنهم قالوا: معنى قولِه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. إلا أن يَشَاءَ رَبُّك أن يَتَجاوَزَ عنهم فلا يُدْخِلَهم النارَ.
هذه الآيةِ فى أهلِ التوحيدِ. إلا أنهم قالوا: معنى قولِه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. إلا أن يَشَاءَ رَبُّك أن يَتَجاوَزَ عنهم فلا يُدْخِلَهم النارَ. ووجَّهوا الاستثناءَ إلى أنه من قولِه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ - ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ لا مِن الخلودِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا ابنُ التَّيْميِّ، عن أبيه، عن أبي نَضْرةَ، عن جابرٍ، أو عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أو عن رجلٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ فى قولِه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. قال: هذه الآيةُ تَأْتِى على القرآنِ كلِّه، يقولُ: حيث كان في القرآنِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. تَأْتِى عليه.
بُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. قال: هذه الآيةُ تَأْتِى على القرآنِ كلِّه، يقولُ: حيث كان في القرآنِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. تَأْتِى عليه. قال: وسمِعْتُ أبا مِجْلَزٍ يقولُ: هو جزاؤُه، فإن شاء اللهُ تجاوَز عن عذابِه.
وقال آخرون: عُنِى بذلك أهلُ النارِ، وكلُّ مَن دخَلَها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن المسيبِ، عمَّن ذكَره، عن ابنِ عباسٍ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: لا يَموتون، ولا هم منها يُخْرَجون، ما دامت السماواتُ والأرضُ، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. قال: استثنَى اللهُ، قال: يَأْمُرُ النارَ أَن تَأْكُلَهم. قال: وقال ابنُ مسعودٍ: لَيَأْتِيَنَّ على جهنم زمانٌ تَخْفِقُ أبوابُها ليس فيها أحدٌ، وذلك بعد ما يَلْبَثون فيها أحقابًا.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن بَيانٍ، عن الشعبيِّ، قال: جهنمُ أسرعُ الدارين عُمْرانًا، وأسرعُهما خَرابًا.
وقال آخرون: أَخْبَرنا اللهُ بمشيئتِه لأهلِ الجنةِ، فعرَّفَنا معنى ثُنْياه بقولِه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
ُ الدارين عُمْرانًا، وأسرعُهما خَرابًا.
وقال آخرون: أَخْبَرنا اللهُ بمشيئتِه لأهلِ الجنةِ، فعرَّفَنا معنى ثُنْياه بقولِه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. أنها فى الزيادةِ على مقدارِ مدةِ السماواتِ والأرضِ. قالوا: ولم يُخْبِرْنا بمشيئتِه فى أهلِ النارِ، وجائزٌ أن تكونَ مشيئتُه فى الزيادةِ، وجائزٌ أن تكونَ في النقصانِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. فقرَأ حتى بلَغ
﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. قال: فأخبَرنا الذي يَشاءُ لأهلِ الجنةِ، فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
َرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. فقرَأ حتى بلَغ
﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. قال: فأخبَرنا الذي يَشاءُ لأهلِ الجنةِ، فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. ولم يُخْبِرْنا بالذى يَشاءُ لأهلِ النارِ.
وأولى هذه الأقوالِ في تأويلِ هذه الآية بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْناه عن قتادةَ والضحاكِ، من أن ذلك استثناءٌ فى أهلِ التوحيدِ من أهلِ الكبائرِ أنه مُدْخِلُهم النارَ، فتاركُهم فيها أبدًا، إلا ما شاء من تركِهم فيها أقلَّ من ذلك، ثم يُخْرِجُهم منها فيُدْخِلُهم الجنةَ.
التوحيدِ من أهلِ الكبائرِ أنه مُدْخِلُهم النارَ، فتاركُهم فيها أبدًا، إلا ما شاء من تركِهم فيها أقلَّ من ذلك، ثم يُخْرِجُهم منها فيُدْخِلُهم الجنةَ. كما قد بيَّنَّا في غيرِ هذا الموضعِ بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.
وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ فى ذلك بالصحةِ؛ لأنَّ اللهَ، ﷿، قد أَوْعَد أهلَ الشركِ به الخلودَ في النارِ، وتَظاهَرَت بذلك الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ استثناءً فى أهلِ الشركِ، وأن الأخبارَ قد تَواتَرَت عن رسولِ اللهِ ﷺ أن اللهَ يُدْخِلُ قومًا مِن أهلِ الإيمانِ به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يُخْرِجُهم منها فيُدْخِلُهم الجنةَ، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ ذلك استثناءً فى أهلِ التوحيدِ قبلَ دخولِها، مع صحةِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بما ذكَرْنا، وأنّا إن جعَلْناه استثناءً في ذلك، كنا قد دخَلْنا في قولِ مَن يقولُ: لا يَدْخُلُ الجنةَ فاسقٌ، ولا النارَ مؤمنٌ.
أخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بما ذكَرْنا، وأنّا إن جعَلْناه استثناءً في ذلك، كنا قد دخَلْنا في قولِ مَن يقولُ: لا يَدْخُلُ الجنةَ فاسقٌ، ولا النارَ مؤمنٌ. وذلك خلافُ مذاهبِ أهلِ العلمِ، وما جاءت به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، فإذا فسَد هذانِ القولانِ، فلا قولَ قال به القُدْوةُ من أهلِ العلمِ إلا الثالثُ. ولأهلِ العربيةِ في
ذلك مذهبٌ غيرُ ذلك سنَذْكُرُه بعدُ، ونبَيِّنُه إن شاءَ اللهُ تعالى.
وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. يقولُ ﷿: إِنَّ رَبَّك يا محمدُ لا يَمْنَعُه مانعٌ عن فعلِ ما أرادَ فعلَه بمَن عصاه وخالَف أمرَه، مِن الانتقامِ منه، ولكنه يَفْعَلُ ما يَشاءُ، فيَمْضِى فعلُه فيهم وفيمَن شَاءَ مِن خلقِه؛ فعلُه وقضاؤُه.
﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ أي: أولهم وآخرهم، فلا يبقى منهم أحد، كما قال: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].
(وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) أي: يوم عظيم تحضره الملائكة كلهم، ويجتمع فيه الرسل جميعهم، وتحشر فيه الخلائق بأسرهم، من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب، ويحكم فيهم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها.
وقوله: (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ) أي: ما نؤخر إقامة يوم القيامة إلا لأنه قد سبقت كلمة الله وقضاؤه وقدره، في وجود أناس معدودين من ذرية آدم، وضرب مدة معينة إذا انقضت وتكامل وجود أولئك المقدر خروجهم من ذرية آدم، أقام الله الساعة؛ ولهذا قال: (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ) أي: لمدة مؤقتة لا يزاد عليها ولا ينتقص منها، (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ) يقول: يوم يأتي هذا اليوم وهو يوم القيامة، لا يتكلم أحد [يومئذ] إلا بإذن الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ
ِإِذْنِهِ) يقول: يوم يأتي هذا اليوم وهو يوم القيامة، لا يتكلم أحد [يومئذ] إلا بإذن الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]، وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة الطويل: "ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهُم سَلّم سلّم".
وقوله: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) أي: فمن أهل الجمع شقي ومنهم سعيد، كما قال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا موسى بن حيان، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا سليمان بن سفيان، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر ﵁، قال: لما نزلت (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) سألت النبي ﷺ، قلت: يا رسول الله، علام نعمل؟ على شيء قد فُرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه؟
عمر، عن عمر ﵁، قال: لما نزلت (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) سألت النبي ﷺ، قلت: يا رسول الله، علام نعمل؟ على شيء قد فُرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه؟ فقال: "على شيء قد فرغ منه يا عمر وجرت به الأقلام،
ولكن كل ميسر لما خلق له".
ثم بين تعالى حال الأشقياء وحال السعداء، فقال: