Dan sekiranya Rasul itu Kami jadikan (dari) malaikat, pastilah Kami jadikan dia (berwujud) laki-laki, dan (dengan demikian) pasti Kami akan menjadikan mereka tetap ragu sebagaimana kini mereka ragu
القولُ في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولو جعَلْنا رسولَنا إلى هؤلاء العادلين بي، القائلين: لولا أُنْزِل على محمدٍ ملكٌ بتصديقه. مَلَكًا يَنْزِلُ عليه من السماءِ، ويَشْهَدُ [بتصديق محمدٍ] ﷺ، ويَأْمُرُهم باتِّباعِه، ﴿لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾. يقولُ: لَجَعَلْناه في صورةِ رجلٍ من البشرِ؛ لأنهم لا يَقْدِرون أَن يَرَوُا المَلَكَ في صورتِه. يقولُ: وإذ كان ذلك كذلك، فسواءٌ أَنْزَلْتُ عليهم بذلك ملَكًا أو بشرًا، إذ كنتُ إِذا أَنْزَلْتُ عليهم ملَكًا إنما أُنْزِلُه بصورةِ إِنْسيٍّ، وحُجَجي في كلتا الحالتين عليهم ثابتةٌ بأنك صادقٌ، وأن ما جئتَهم به حقٌّ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾.
ٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾. يقولُ: ما أتاهم إلا في صورة رجلٍ؛ لأنهم لا يَسْتَطِيعون النظر إلى الملائكةِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾: في صورة رجلٍ، في خَلْقِ رجلٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾. يقولُ: لو بَعَثْنا إليهم ملكًا لَجَعَلْناه في صورة آدميٍّ.
حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾.
َعَلْناه في صورة آدميٍّ.
حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾. يقولُ: في صورة آدميٍّ.
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة مثلَه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾. قال: لَجَعَلْنا ذلك الملك في صورة رجلٍ، لم نُرْسِلْه في صورة الملائكة.
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ﴾: ولو أَنْزَلْنَا مَلَكًا من السماءِ مُصَدِّقًا لك يا محمد، شاهدًا لك عند هؤلاء العادلين بي، الجاحدين آياتك على حقيقة نبوَّتك، فجعلناه في صورة رجل من بنى آدم، إذ كانوا لا يُطيقون رؤية الملكِ بصورته التي خلقتُه بها - التَبَس عليهم أمرُه، فلم يَدْرُوا أَمَلَكٌ هو أم إنْسيٌّ، فلم يُوقنوا به أنه مَلَكٌ، ولم يُصَدِّقوا به، وقالوا: ليس هذا مَلَكًا. وللبسْنا عليهم ما يَلْبِسُونه على أنفسِهم من حقيقة أمرِك، وصحة برهانك وشاهدك على نبوَّتك.
يقال منه: لَبَسْتُ عليهم الأمرَ أَلْبِسُه لَبْسًا. إذا خلطتَه عليهم. و: لَبِسْتُ الثوبَ أَلْبَسُه لبسًا. واللَّبوس اسمُ الثياب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾.
المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾. يقولُ: لشَبَّهنا عليهم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾. يقولُ: ما لَبَس قومٌ على أنفسهم إلا لَبَس اللهُ عليهم، واللَّبْسُ إنما هو من الناس.
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾.
َبْسُ إنما هو من الناس.
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾. يقولُ: شبَّهنا عليهم ما يُشبِّهون على أنفسِهم.
وقد رُوى عن ابن عباس في ذلك قولٌ آخرُ، وهو ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾: فهم أهل الكتاب، فارَقوا دينَهم، وكذَّبوا رسلهم، وهو تحريفُ الكلام عن مواضعِه.
حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سَمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيد بن سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاك في قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾: يعنى: التحريف، هم أهلُ الكتاب، فرَّقوا كتبهم ودينهم، وكذَّبوا رسلهم، فلبَس اللهُ عليهم ما لبَسوا على أنفسهم.
وقد بيَّنا فيما مضى قبلُ أن هذه الآياتِ مِن أول السورة بأن تكون في أمر المشركين من عبدةِ الأوْثانِ، أشبه منها بأمرِ أهل الكتاب من اليهود والنصارى، بما أغْنَى عن إعادته.
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾
وقوله: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) أي: ولو أنزلنا مع الرسول البَشَرِيّ ملكًا، أي: لو بعثنا إلى البشر رسولا ملكيًا لكان على هيئة رجل لتُفْهَم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشري، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٥]، فمن رحمة الله تعالى بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق
ْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٥]، فمن رحمة الله تعالى بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق
رسلا منهم، ليدعو بعضهم بعضا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٤].
قال الضحاك، عن ابن عباس في [قوله: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا)] الآية. يقول: لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل؛ لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون.
م ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل؛ لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون. وقال الوالبي عنه: ولشبهنا عليهم.
وقوله: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) هذا تسلية لرسوله محمد ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة.
ثم قال: (قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) أي: فكروا في أنفسكم، وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية الذين كذبوا رسله وعاندوهم، من العذاب والنكال، والعقوبة في الدنيا، مع ما ادَّخَر لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وكيف نَجَّى رسله وعباده المؤمنون.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ أي لو بعثنا إلى البشر رسولاً ملكيا لكان على هيئة الرجل لتمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه؛ لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من شدة النور، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر، كما هم يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة للرسول البشري.
وهذه الآية الكريمة تدل على أن الرسول ينبغي أن يكون من نوع المرسل إليهم، كما أشار تعالى إلى ذلك أيضاً بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً (٩٥)﴾.
•