القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ الذين يخافون ربَّهم بالغيبِ. يقولُ: وهم لم يَرَوْه،
﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ يقولُ: لهم عفوٌ مِن اللَّهِ عن ذنوبِهم، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. يقولُ: وثوابٌ مِن اللَّهِ لهم على خَشْيتِهم إيَّاه بالغيبِ جزيلٌ.
وقولُه: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأَخْفُوا قولَكم وكلامَكم أيُّها الناسُ أو أَعْلِنوه وأَظْهِروه، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. يقولُ: إنه ذو علمٍ بضمائرِ الصدورِ التي لم يُتَكلَّمْ بها، فكيف بما نُطِق به وتكلِّم به، أُخْفى ذلك أو أُعْلِن؛ لأنَّ مَن لم تَخْفَ عليه ضمائرُ الصدورِ، فغَيْرُها أَحْرى ألا يَخْفى عليه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾
يقول تعالى مخبرًا عمن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه إذا كان غائبًا عن الناس، فينكف عن المعاصي ويقوم بالطاعات، حيث لا يراه أحد إلا الله، بأنه له مغفرة وأجر كبير، أي: يكفر عنه ذنوبه، ويجازى بالثواب الجزيل، كما ثبت في الصحيحين: "سبعة يظلهم الله تعالى في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله"، فذكر منهم: "رجلا دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلا تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".
وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا الحارث بن عبيد، عن ثابت، عن أنس قال: قالوا: يا رسول الله، إنا نكون عندك على حال، فإذا فارقناك كنا على غيره؟ قال: "كيف أنتم وربكم؟ " قالوا: الله ربنا في السر والعلانية. قال: "ليس ذلكم النفاق".
لم يروه عن ثابت إلا الحارث بن عُبَيد فيما نعلمه.