Tanya Kitab
Daftar surahSurah Al-Baqarah › Ayat 3

QS 2:3

Surah Al-Baqarah (البقرة) ayat 3

2:3
ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ
(Yaitu) mereka yang beriman kepada yang gaib, melaksanakan salat, dan menginfakkan6) sebagian rezeki yang Kami berikan kepada mereka
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 2Ayat 4 →

Tafsir dalam korpus (84 potongan)

QS 2:3 (jilid 1 hlm. 240) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 240 · #50141
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾. حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾. قال: يُصَدِّقون. حدَّثني يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ السَّهْميُّ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يُصَدِّقون. حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يَخْشَوْن. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، قال: قال الزُّهريُّ: الإيمانُ العملُ. وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن العَلاءِ بنِ المُسَيَّبِ بنِ رافعٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال:
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 240) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 240 · #50142
عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن العَلاءِ بنِ المُسَيَّبِ بنِ رافعٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الإيمانُ التصديقُ. ومعنى الإيمانِ عندَ العربِ التصديقُ، فيُدْعَى المُصَدِّقُ بالشيءِ قولًا مؤمنًا به، ويُدْعَى المُصَدِّقُ قولَه بفعلِه مؤمنًا، ومِن ذلك قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]. يعني: وما أنت بمُصَدِّقٍ لنا في قولِنا. وقد تَدْخُلُ الخشيةُ للَّهِ في معنى الإيمانِ الذي هو تَصديقُ القولِ بالعملِ. والإيمانُ كلمةٌ جامعةٌ للإقرارِ باللَّهِ وكتبِه ورسلِه، وتصديقِ الإقرارِ بالفعلِ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 241) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 241 · #50143
ُلُ الخشيةُ للَّهِ في معنى الإيمانِ الذي هو تَصديقُ القولِ بالعملِ. والإيمانُ كلمةٌ جامعةٌ للإقرارِ باللَّهِ وكتبِه ورسلِه، وتصديقِ الإقرارِ بالفعلِ. فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويلِ الآيةِ وأشبهُ بصفةِ القومِ أن يَكُونوا موصُوفِين بالتصديقِ بالغيبِ قولًا واعتقادًا وعملًا؛ إذ كان جلَّ ثناؤُه لم يَحْصُرْهم مِن معنى الإيمانِ على معنًى دونَ معنًى، بل أجْمَل وصفَهم به، مِن غيرِ خُصوصِ شيءٍ مِن مَعانِيه أخْرَجَه من صفتِهم بخبرٍ ولا عقلٍ. القولُ في تأويلِ قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿بِالْغَيْبِ﴾. حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بِالْغَيْبِ﴾. قال: بما جاء منه.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 241) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 241 · #50144
ِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بِالْغَيْبِ﴾. قال: بما جاء منه. يعني مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ ﴿بِالْغَيْبِ﴾: أما "الغيبُ"، فما غاب عن العبادِ مِن أمرِ الجنَّةِ وأمرِ النارِ، وما ذكرَ اللَّهُ ﵎ في القرآنِ، لم يكنْ تصديقُهم بذلك - يعني المؤمنين من العربِ - مِن قِبَلِ [أصلِ كتابٍ] أو عِلْمٍ كان عندَهم. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، قال: الغيبُ القرآنُ. حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ العَقَديُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 242) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 242 · #50145
َثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ العَقَديُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. قال: آمَنوا بالجنةِ والنارِ والبَعْثِ بعدَ الموتِ وبيومِ القيامةِ، وكلُّ هذا غيبٌ. حُدِّثْتُ عن عمَّارِ بِنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾: آمَنوا باللَّهِ وملائكتِه ورسلِه واليومِ الآخرِ وجنتِه ونارِه ولقائِه، وآمَنوا بالحياةِ بعدَ الموتِ، فهذا غيبٌ كلُّه. وأصلُ الغيبِ كلُّ ما غاب عنك مِن شيءٍ، وهو مِن قولِك: غاب فلانٌ يَغِيبُ غَيْبًا. وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في أعيانِ القومِ الذين أنْزَل اللَّهُ جلَّ ثناؤُه هاتين الآيتَيْن مِن أولِ هذه السورةِ فيهم، وفي نعتِهم وصفتِهم التي وصَفهم بها مِن إيمانِهم بالغيبِ وسائرِ المعاني التي حوَتْها الآيتان مِن صفاتِهم غيرَه؛ فقال بعضُهم: هم مؤمنو العربِ خاصةً، دونَ غيرِهم مِن مؤمني أهلِ الكتابينِ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 243) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 243 · #50146
مِن إيمانِهم بالغيبِ وسائرِ المعاني التي حوَتْها الآيتان مِن صفاتِهم غيرَه؛ فقال بعضُهم: هم مؤمنو العربِ خاصةً، دونَ غيرِهم مِن مؤمني أهلِ الكتابينِ. واستَدَلُّوا على صحةِ قولِهم ذلك وحقيقةِ تأويلِهم بالآيةِ التي تَتْلُو هاتين الآيتين، وهو قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قالوا: فلم يَكُنْ للعربِ كتابٌ قبلَ الكتابِ الذي أنْزَله اللَّهُ ﷿ على محمدٍ ﷺ، تَدِينُ بتصديقِه والإقرارِ والعملِ به، وإنما كان الكتابُ لأهلِ الكتابَيْن غيرِها.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 243) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 243 · #50147
َكُنْ للعربِ كتابٌ قبلَ الكتابِ الذي أنْزَله اللَّهُ ﷿ على محمدٍ ﷺ، تَدِينُ بتصديقِه والإقرارِ والعملِ به، وإنما كان الكتابُ لأهلِ الكتابَيْن غيرِها. قالوا: فلما قصَّ اللَّهُ جلَّ ثناؤه نبأَ الذين يُؤْمِنون بما أُنْزِل إلى محمدٍ وما أُنْزِل مِن قبلِه، بعدَ اقْتِصاصِه نبأَ المؤمنين بالغيبِ - علِمْنا أن كلَّ صِنْفٍ منهم غيرُ الصنفِ الآخَرِ، وأن المؤْمنين بالغيبِ نوعٌ غيرُ النوعِ المُصَدِّقِ بالكتابَيْن اللذَّيْن أحدُهما مُنَزَّلٌ على محمدٍ ﷺ، والآخرُ منهما على مَن قَبلَه [مِن رسلِ] اللَّهِ ﷿. قالوا: وإذ كان ذلك كذلك، صحّ ما قلْنا مِن أن تأويلَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 243) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 243 · #50148
هما على مَن قَبلَه [مِن رسلِ] اللَّهِ ﷿. قالوا: وإذ كان ذلك كذلك، صحّ ما قلْنا مِن أن تأويلَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. إنما هو: الذين يُؤْمِنون بما غاب عنهم من الجنةِ والنارِ، والثوابِ والعقابِ، والبعثِ، والتصديقِ باللَّهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، وجميعِ ما كانت العربُ لا تَدِينُ به في جاهليَّتِها، مما أوْجَب اللَّهُ جلَّ ثناؤُه على عبادِه الدَّيْنُونةَ به، دونَ غيرِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: أما ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ فهم المؤمنون مِن العربِ، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: أما "الغيبُ"، فما غاب عن العبادِ مِن أمرِ الجنةِ والنارِ، وما ذكَر اللَّهُ في القرآنِ، لم يكُنْ تصديقُهم بذلك مِن قِبَلِ أصلِ
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 244) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 244 · #50149
َقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: أما "الغيبُ"، فما غاب عن العبادِ مِن أمرِ الجنةِ والنارِ، وما ذكَر اللَّهُ في القرآنِ، لم يكُنْ تصديقُهم بذلك مِن قِبَلِ أصلِ كتابٍ أو علمٍ كان عندَهم ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ هؤلاء المؤمنون مِن أهلِ الكتابِ. وقال بعضُهم: بل نزَلَتْ هذه الآياتُ الأربعُ في مؤمني أهلِ الكتابِ خاصةً؛ لإيمانِهم بالقرآنِ عندَ إخبارِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه إياهم فيه عن الغُيوبِ التي كانوا يُخْفُونها بينَهم ويُسِرُّونها، فعلِموا عندَ إظهارِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﷺ على ذلك منهم في تنزيلِه أنه مِن عندِ اللَّهِ - جلَّ وعز -، فآمَنوا بالنبيِّ ﷺ، وصدَّقوا بالقرآنِ وما فيه مِن الإخبارِ عن الغيوبِ التي لا عِلْمَ لهم بها؛ لِما استقرَّ عندَهم بالحُجَّةِ التي احْتَجَّ اللَّهُ ﵎ بها عليهم في كتابِه، مِن الإخبارِ فيه عمَّا كانوا يَكْتُمونه مِن ضَمائرِهم - أن جميعَ ذلك مِن عندِ اللَّهِ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 244) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 244 · #50150
عندَهم بالحُجَّةِ التي احْتَجَّ اللَّهُ ﵎ بها عليهم في كتابِه، مِن الإخبارِ فيه عمَّا كانوا يَكْتُمونه مِن ضَمائرِهم - أن جميعَ ذلك مِن عندِ اللَّهِ. وقال بعضُهم: بل الآياتُ الأربعُ مِن أولِ هذه السورةِ أُنْزِلَت على محمدٍ ﷺ بوصفِ جميعِ المؤمنين الذين ذلك صفتُهم، مِن العربِ، والعجمِ، وأهلِ الكتابَيْن سِواهم، وإنما هذه صفةُ صِنْفٍ مِن الناسِ، والمؤمنُ بما أنْزَل اللَّهُ على محمدٍ ﷺ وما أُنْزِل مِن قبلِه هو المؤمنُ بالغيبِ. قالوا: وإنما وصَفهم اللَّهُ بالإيمانِ بما أُنْزِل إلى محمدٍ وبما أُنْزِل إلى مَن قبلَه، بعدَ تقَضِّي وصفِه إياهم بالإيمانِ بالغيبِ؛ لأن وصفَه إياهم بما وصَفهم به مِن الإيمانِ بالغيبِ كان مَعْنِيًّا به أنهم يُؤْمنون بالجنةِ والنارِ والبعثِ وسائرِ الأمورِ التي كلَّفهم اللَّهُ جلَّ ثناؤُه الإيمانَ بها، مما لم يَرَوْه ولم يَأْتِ بعدُ مما هو آتٍ، دونَ الإخبارِ عنهم أنهم يُؤْمنون بما جاء به محمدٌ ﷺ ومَن قبلَه مِن الرسلِ ومن الكتبِ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 245) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 245 · #50151
ثناؤُه الإيمانَ بها، مما لم يَرَوْه ولم يَأْتِ بعدُ مما هو آتٍ، دونَ الإخبارِ عنهم أنهم يُؤْمنون بما جاء به محمدٌ ﷺ ومَن قبلَه مِن الرسلِ ومن الكتبِ. قالوا: فلما كان معنى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. غيرَ موجودٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. كانت الحاجةُ مِن العبادِ إلى معرفتِهم صفتَهم بذلك ليَعْرفوهم، نظيرَ حاجتِهم إلى معرفتِهم بالصفةِ التي وُصِفوا بها مِن إيمانِهم بالغيبِ؛ ليَعْلَموا ما يَرْضَى اللَّهُ مِن أفعالِ عبادِه، ويُحِبُّه مِن صفاتِهم، فيَكُونوا به، إن وفَّقهم له ربُّهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرِو بنِ العباسِ الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مَيْمونٍ المَكِّيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: أربعُ آياتٍ مِن سورةِ البقرة في نعتِ المؤمنين، وآيتان في نعتِ الكافرين، وثلاثَ عشْرةَ في المنافقين.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 245) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 245 · #50152
نا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: أربعُ آياتٍ مِن سورةِ البقرة في نعتِ المؤمنين، وآيتان في نعتِ الكافرين، وثلاثَ عشْرةَ في المنافقين. حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مُجاهدٍ بمثلِه. وحدَّثني [المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ]، قال: حدَّثنا موسى بنُ مسعودٍ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: أربعُ آياتٍ مِن فاتحةِ هذه السورةِ - يعني سورةَ البقرةِ - في الذين آمنوا، وآيتان في قادةِ الأحْزابِ. وأولى القولين عندي بالصوابِ، وأشبهُهما بتأويلِ الكتابِ، القولُ الأولُ، وهو أن الذين وصَفَهم اللَّهُ تعالى ذِكرُه بالإيمانِ بالغيبِ، وما وصَفَهم به جلَّ ثناؤُه في الآيتين الأوَّلَتَيْن، غيرُ الذين وصَفهم بالإيمانِ بالذي أُنْزِل على محمدٍ والذي أُنْزِل على مَن قبلَه مِن الرسلِ؛ لما ذكَرْتُ مِن العللِ قبلُ لمن قال ذلك.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 246) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 246 · #50153
ين الأوَّلَتَيْن، غيرُ الذين وصَفهم بالإيمانِ بالذي أُنْزِل على محمدٍ والذي أُنْزِل على مَن قبلَه مِن الرسلِ؛ لما ذكَرْتُ مِن العللِ قبلُ لمن قال ذلك. ومما يَدُلُّ أيضًا مع ذلك على صحةِ هذا القولِ، أنه جَنَّس - بعدَ وصفِ المؤمنين بالصفتَيْن اللتين وصَف، وبعدَ تَصْنيفِه كلَّ صنفٍ منهما على ما صنَّف الكفارَ - جنسين، فجعَل أحدَهما مطبوعًا على قلبِه، مختومًا عليه، مأْيوسًا مِن إيمانِه، والآخرَ منافقًا يُرائي بإظهارِ الإيمانِ في الظاهرِ، ويَسْتَسِرُّ النفاقَ في الباطنِ، فصيَّر الكفارَ جنسين، كما صيَّر المؤمنين في أولِ السورةِ جنسين، ثم عرَّف عبادَه نعتَ كلِّ صنفٍ منهم وصفتَهم، وما أعدَّ لكلِّ فريقٍ منهم مِن ثوابٍ أو عقابٍ، وذمَّ أهلَ الذمِّ منهم، وشكَر سعْيَ أهلِ الطاعةِ منهم.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 247) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 247 · #50154
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. وإقامتُها أداؤُها بحدودِها وفروضِها والواجبِ فيها، على مَن فُرِضَت عليه، كما يقالُ: أقام القومُ سُوقَهم. إذا لم يُعَطِّلوها مِن البيعِ والشراءِ فيها. وكما قال الشاعرُ: أقَمْنا لأهلِ العراقَيْن سُوقَ الضِّـ … ــرابِ فخاموا وولَّوْا جميعَا وكما حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 247) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 247 · #50155
الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. قال: الذين يقيمون الصلاةَ بفَرضِها. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ قال: إقامةُ الصلاةِ تمامُ الركوعِ والسجودِ، والتِّلاوةُ، والخشوعُ، والإقبالُ عليها فيها. حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا جُوَيْبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: يعني الصلاةَ المفروضةَ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 248) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 248 · #50156
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الصَّلَاةَ﴾. وأما الصلاةُ في كلامِ العربِ فإنها الدعاءُ، كما قال الأعْشَى: لها حارسٌ لا يَبْرَحُ الدهرَ بيتَها … وإن ذُبِحَت صلَّى عليها وزَمْزَما يعني بذلك: دعا لها. وكقولِه الآخرِ أيضًا: وقابَلَها الرِّيحَ في دَنِّها … وصلَّى على دَنِّها وارْتَسَمْ وأرَى أن الصلاةَ المفروضةَ سُمِّيَت صلاةً؛ لأن المُصَلِّيَ مُتَعَرِّضٌ لاستنجاحِ طَلِبتِه مِن ثوابِ اللَّهِ بعملِه، مع ما يَسْألُ ربَّه فيها مِن حاجاتِه، تَعَرُّضَ الداعي بدعائِه ربَّه استنجاحَ حاجاتِه وسُؤْلِه.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 249) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 249 · #50157
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾. اخْتَلَف المُفَسِّرون في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زِيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. قال: يُؤْتُون الزكاةَ احتسابًا لها. حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. قال: زكاةَ أموالِهم. حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 249) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 249 · #50158
َ﴾. قال: زكاةَ أموالِهم. حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. قال: كانت النفقاتُ قُرْبانًا يَتَقَرَّبون بها إلى اللَّهِ على قدرِ مَيْسورِهم وجُهْدِهم، حتى نزَلَت فرائضُ الصدقاتِ؛ سبعُ آياتٍ في سورةِ "براءة"، مما يُذْكَرُ فيهن الصدقاتُ، هن المُثْبَتاتُ الناسخاتُ. وقال بعضُهم بما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعنِ مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: هي نفقةُ الرجلِ على أهلِه، وهذا قبلَ أن تَنْزِلَ الزكاةُ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 250) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 250 · #50159
دانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: هي نفقةُ الرجلِ على أهلِه، وهذا قبلَ أن تَنْزِلَ الزكاةُ. وأولى التأويلاتِ بالآيةِ وأحقُّها بصفةِ القومِ، أن يَكونوا كانوا لجميعِ اللازمِ لهم في أموالِهم مُؤَدِّين؛ زكاةً كان ذلك أو نفقةَ مَن لزِمته نفقتُه مِن أهلٍ وعِيالٍ وغيرِهم، ممَّن تَجِبُ عليهم نفقتُه بالقَرابةِ والمِلْكِ وغيرِ ذلك؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناوُه عمَّ وصْفَهم، إذ وصَفهم بالإنفاقِ مما رزَقهم، فمدَحهم بذلك مِن صفتِهم، فكان معلومًا أنهم إذ لم يَخْصُصْ مدْحَهم ووصْفَهم بنوعٍ مِن النفقاتِ المحمودِ عليها صاحبُها دونَ نوعٍ، بخبرٍ ولا غيرِه - أنهم مَوْصوفون بجميعِ معاني النفقاتِ المحمودِ عليها صاحبُها، مِن طيبِ ما رزَقهم ربُّهم مِن أموالِهم وأمْلاكِهم، وذلك الحلالُ منه الذي لم يَشُبْهُ حرامٌ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 164) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 164 · #80814
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (٣)﴾ قال أبو جعفر الرازي، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: الإيمان التصديق. وقال علي بن أبي طلحة وغيره، عن ابن عباس، (يُؤْمِنُونَ) يصدقون. وقال مَعْمَر عن الزهري: الإيمان العمل. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: (يُؤْمِنُونَ) يخشون. قال ابن جرير وغيره: والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولا واعتقادًا وعملا قال: وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القول بالعمل، والإيمان كلمة جامعةٌ للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 165) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 165 · #80815
ًا وعملا قال: وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القول بالعمل، والإيمان كلمة جامعةٌ للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل. قلت: أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن، والمراد به ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١]، وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، وكذلك إذا استعمل مقرونا مع الأعمال؛ كقوله: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الإنشقاق: ٢٥، والتين: ٦]، فأما إذا استعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولا وعملا. هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عُبَيد وغير واحد إجماعًا: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 165) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 165 · #80816
إلا اعتقادًا وقولا وعملا. هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عُبَيد وغير واحد إجماعًا: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أوردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة. ومنهم من فسره بالخشية، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الملك: ١٢]، وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣]، والخشية خلاصة الإيمان والعلم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد. قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) قال: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله. وكذا قال قتادة بن دعامة.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 165) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 165 · #80817
بِ) قال: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله. وكذا قال قتادة بن دعامة. وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: أما الغَيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة، وأمر النار، وما ذكر في القرآن. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (بِالْغَيْبِ) قال: بما جاء منه، يعني: مِنَ الله تعالى. وقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زِرّ، قال: الْغَيْب القرآن. وقال عطاء بن أبي رباح: من آمن بالله فقد آمن بالغيب. وقال إسماعيل بن أبي خالد: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) قال: بغيب الإسلام. وقال زيد بن أسلم: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) قال: بالقدر.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 166) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 166 · #80818
آمن بالغيب. وقال إسماعيل بن أبي خالد: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) قال: بغيب الإسلام. وقال زيد بن أسلم: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) قال: بالقدر. فكل هذه متقاربة في معنى واحد؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به. وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فذكرنا أصحَاب النبي ﷺ وما سبقوا به، قال: فقال عبد الله: إن أمر محمد ﷺ كان بينا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إلى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٥]. وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مَرْدُويه، والحاكم في مستدركه، من طرق، عن الأعمش، به. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 166) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 166 · #80819
َ﴾ [البقرة: ١ - ٥]. وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مَرْدُويه، والحاكم في مستدركه، من طرق، عن الأعمش، به. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وفي معنى هذا الحديث الذي رواه [الإمام] أحمد، حدثنا أبو المغيرة، أخبرنا الأوزاعي، حدثني أسيد بن عبد الرحمن، عن خالد بن دُرَيك، عن ابن مُحَيريز، قال: قلت لأبي جمعة: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ قال: نعم، أحدثك حديثًا جيدًا: تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله، هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 166) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 166 · #80820
سول الله ﷺ قال: نعم، أحدثك حديثًا جيدًا: تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله، هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال: "نعم"، "قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني". طريق أخرى: قال أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسيره: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل عن عبد الله بن مسعود، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن صالح بن جُبَيْر، قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري، صاحب رسول الله ﷺ ببيت المقدس، ليصلي فيه، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة، فلما انصرف خرجنا نشيعه، فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقا؛ أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ، قلنا: هات رحمك الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول الله، هل من قوم أعظم أجرًا منا؟
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 166) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 166 · #80821
م بحديث سمعته من رسول الله ﷺ، قلنا: هات رحمك الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول الله، هل من قوم أعظم أجرًا منا؟ آمنا بك واتبعناك، قال: "ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرا" مرتين. ثم رواه من حديث ضَمْرَة بن ربيعة، عن مرزوق بن نافع، عن صالح بن جبير، عن أبي جمعة، بنحوه. وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوِجَادة التي اختلف فيها أهل الحديث، كما قررته في أول شرح البخاري؛ لأنه مدحهم على ذلك وذكر أنهم أعظم أجرًا من هذه الحيثية لا مطلقا. وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي: حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي، عن المغيرة بن قيس التميمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: "أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ ". قالوا: الملائكة. قال: "وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ ". قالوا: فالنبيون. قال: "وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 167) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 167 · #80822
"أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ ". قالوا: الملائكة. قال: "وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ ". قالوا: فالنبيون. قال: "وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ ". قالوا: فنحن. قال: "وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ". قال: فقال رسول الله ﷺ: "ألا إن أعجب الخلق إليّ إيمانا لَقَوْمٌ يكونون من بعدكم يَجدونَ صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها". قال أبو حاتم الرازي: المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث. قلت: ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده، وابن مردويه في تفسيره، والحاكم في مستدركه، من حديث محمد بن أبي حميد، وفيه ضعف، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ، بمثله أو نحوه.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 167) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 167 · #80823
في مسنده، وابن مردويه في تفسيره، والحاكم في مستدركه، من حديث محمد بن أبي حميد، وفيه ضعف، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ، بمثله أو نحوه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وقد روي نحوه عن أنس بن مالك مرفوعًا، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن محمد المسندي، حدثنا إسحاق بن إدريس، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري، أخبرني جعفر بن محمود، عن جدته تويلة بنت أسلم، قالت: صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا: أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلون البيت الحرام. قال إبراهيم: فحدثني رجال من بني حارثة: أن رسول الله ﷺ حين بلغه ذلك قال: "أولئك قوم آمنوا بالغيب". هذا حديث غريب من هذا الوجه.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 168) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 168 · #80824
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ قال ابن عباس: أي: يقيمون الصلاة بفروضها. وقال الضحاك، عن ابن عباس: إقامة الصلاة إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها. وقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها وسجودها. وقال مقاتل بن حيان: إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها وتمام ركوعها وسجودها وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي ﷺ، فهذا إقامتها. وقال علي بن أبي طلحة، وغيره عن ابن عباس: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) قال: زكاة أموالهم. وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) قال: هي نفقة الرجل على أهله، وهذا قبل أن تنزل الزكاة.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 168) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 168 · #80825
ن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) قال: هي نفقة الرجل على أهله، وهذا قبل أن تنزل الزكاة. وقال جُوَيْبر، عن الضحاك: كانت النفقات قربات يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات: سبعُ آيات في سورة براءة، مما يذكر فيهن الصدقات، هن الناسخات المُثْبَتَات. وقال قتادة: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) فأنفقوا مما أعطاكم الله، هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم، يوشك أن تفارقها. واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات، فإنه قال: وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم: أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مُؤَدّين، زكاة كان ذلك أو نفقة مَنْ لزمته نفقته، من أهل أو عيال وغيرهم، ممن تجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك؛ لأن الله تعالى عم وصفهم ومدحهم بذلك، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 168) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 168 · #80826
من أهل أو عيال وغيرهم، ممن تجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك؛ لأن الله تعالى عم وصفهم ومدحهم بذلك، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه. قلت: كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال، فإن الصلاة حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه؛ والإنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك، ثم الأجانب، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) ولهذا ثبت في الصحيحين عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت".
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 169) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 169 · #80827
ت في الصحيحين عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت". والأحاديث في هذا كثيرة. وأصل الصلاة في كلام العرب الدعاء، قال الأعشى: لها حارس لا يبرحُ الدهرَ بَيْتَها … وإن ذُبحَتْ صلى عليها وزَمْزَما وقال أيضًا وقابلها الريح في دَنّها … وصلى على دَنّها وارتسم أنشدهما ابن جرير مستشهدا على ذلك. وقال الآخر -وهو الأعشى أيضًا-: تقول بنتي وقد قَرَّبتُ مرتحلا … يا رب جنب أبي الأوصابَ والوَجَعَا عليكِ مثلُ الذي صليتِ فاغتمضي … نوما فإن لِجَنب المرء مُضْطجعا يقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 169) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 169 · #80828
بتُ مرتحلا … يا رب جنب أبي الأوصابَ والوَجَعَا عليكِ مثلُ الذي صليتِ فاغتمضي … نوما فإن لِجَنب المرء مُضْطجعا يقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي. وهذا ظاهر، ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة، بشروطها المعروفة، وصفاتها، وأنواعها [المشروعة] المشهورة. وقال ابن جرير: وأرى أن الصلاة المفروضة سميت صلاة؛ لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبتَه من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل ربه من حاجته. [وقيل: هي مشتقة من الصلَوَيْن إذا تحركا في الصلاة عند الركوع، وهما عرقان يمتدان من الظهر حتى يكتنفا عجب الذنب، ومنه سمي المصلي؛ وهو الثاني للسابق في حلبة الخيل، وفيه نظر، وقيل: هي مشتقة من الصلى، وهو الملازمة للشيء من قوله: ﴿لا يَصْلاهَا﴾ أي: يلزمها ويدوم فيها ﴿إِلا الأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥] وقيل: مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوّم، كما أن المصلي يقوّم عوجه بالصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 169) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 169 · #80829
بة في النار لتقوّم، كما أن المصلي يقوّم عوجه بالصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر، والله أعلم]. وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه، إن شاء الله.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 55) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 55 · #95906
قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ عبر في هذه الآية الكريمة بمن التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه الله بعض ماله لا كله. ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه، والذي ينبغي إمساكه، ولكنه بين في مواضع أخر أن القدر الذي ينبغي إنفاقه: هو الزائد على الحاجة وسد الخلة التي لا بد منها، وذلك كقوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾، والمراد بالعفو الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات، وهو مذهب الجمهور. ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم. وقال بعض العلماء: [العفو] [١] نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع. ومنه قول الشاعر: خذي العفو مني تستديمي ...
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 56) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 56 · #95907
أولادهم. وقال بعض العلماء: [العفو] [١] نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع. ومنه قول الشاعر: خذي العفو مني تستديمي ... مودتي ولا تنطقي [في] [٢] سورتي حين أغضب وهذا القول راجع إلى ما ذكرنا، وبقية الأقوال ضعيفة. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فنهاه عن البخل بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾، ونهاه عن الإسراف بقوله: ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْط﴾ فيتعين الوسط بين الأمرين، كما بينه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (٦٧)﴾ فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير، وبين البخل والاقتصاد، فالجود: غير التبذير، والاقتصاد: غير البخل، فالمنع في محل الإعطاء مذموم، وقد نهى الله عنه نبيه ﷺ بقوله ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ والإعطاء في محل المنع مذموم أيضا، وقد نهى الله عنه نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَلا
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 56) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 56 · #95908
وقد نهى الله عنه نبيه ﷺ بقوله ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ والإعطاء في محل المنع مذموم أيضا، وقد نهى الله عنه نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وقد قال الشاعر: لا تمدحن [٣] ابن عباد وإن هطلت ... يداه كالمزن حتى تخجل الديما فإنها فلتات [٤] من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما وقد بين تعالى في مواضع أخر: أن الإنفاق المحمود لا يكون كذلك، إلا إذا كان مصرفه الذي صرف فيه مما يرضي الله، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية- وصرح بأن الإنفاق فيما لا يرضي الله حسرة على صاحبه في قوله: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ الآية- وقد قال الشاعر: إن الصنيعة لا تعد صنيعة ...
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 57) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 57 · #95909
ق فيما لا يرضي الله حسرة على صاحبه في قوله: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ الآية- وقد قال الشاعر: إن الصنيعة لا تعد صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع فإن قيل: هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد على الحاجة الضرورية، مع أن الله تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا، وذلك في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 57) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 57 · #95910
نفقوا، وذلك في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾. فالظاهر في الجواب -والله تعالى أعلم- هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالا، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعا، وذلك كما إذا كانت على المنفق نفقات واجبة، كنفقة الزوجات ونحوها فتبرع بالإنفاق في غير واجب، وترك الفرض لقوله ﷺ: "وابدأ بمن تعول"، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله، ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم، فلا يجوز له ذلك، وإلايثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة، وكان واثقا من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال. وأما على القول بأن قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ يعني به الزكاة. فالأمر واضح، والعلم عند الله تعالى. •
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 228) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 228 · #108000
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٣] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ. يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا مُتَّصِلًا بقوله: لِلْمُتَّقِينَ [الْبَقَرَة: ٢] عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِإِرْدَافِ صِفَتِهِمُ الْإِجْمَالِيَّةِ بِتَفْصِيلٍ يُعْرَفُ بِهِ الْمُرَادُ، وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ مَبْدَأُ اسْتِطْرَادٍ لِتَصْنِيفِ أَصْنَافِ النَّاسِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ فِي تَلَقِّي الْكِتَابِ الْمُنَوَّهِ بِهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ بَعْدَ أَنْ كَانُوا قَبْلَ الْهِجْرَةِ صِنْفَيْنِ، فَقَدْ كَانُوا قَبْلَ الْهِجْرَةِ صِنْفًا مُؤْمِنِينَ وَصِنْفًا كَافِرِينَ مُصَارِحِينَ، فَزَادَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ صِنْفَانِ: هُمَا الْمُنَافِقُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَالْمُشْرِكُونَ الصُّرَحَاءُ هُمْ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 228) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 228 · #108001
صَارِحِينَ، فَزَادَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ صِنْفَانِ: هُمَا الْمُنَافِقُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَالْمُشْرِكُونَ الصُّرَحَاءُ هُمْ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ الْأَوَّلُونَ، وَالْمُنَافِقُونَ ظَهَرُوا بِالْمَدِينَةِ فَاعْتَزَّ بِهِمُ الْأَوَّلُونَ الَّذِينَ تَرَكَهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِدَارِ الْكُفْرِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ كَانُوا فِي شُغْلٍ عَنِ التَّصَدِّي لِمُنَاوَأَةِ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الْإِسْلَامُ فِي الْمَدِينَةِ بِجِوَارِهِمْ أَوْجَسُوا خِيفَةً فَالْتَفُّوا مَعَ الْمُنَافِقِينَ وَظَاهَرُوا الْمُشْرِكِينَ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 228) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 228 · #108002
لَامِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الْإِسْلَامُ فِي الْمَدِينَةِ بِجِوَارِهِمْ أَوْجَسُوا خِيفَةً فَالْتَفُّوا مَعَ الْمُنَافِقِينَ وَظَاهَرُوا الْمُشْرِكِينَ. وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ فَرِيقَانِ: فَرِيقٌ هُمُ الْمُتَّقُونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِمَّنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ وَكَانَ الْقُرْآنُ هُدًى لَهُمْ بِقَرِينَةِ مُقَابَلَةِ هَذَا الْمَوْصُولِ بِالْمَوْصُولِ الْآخَرِ الْمَعْطُوفِ بِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [الْبَقَرَة: ٤] إِلَخْ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 228) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 228 · #108003
عْطُوفِ بِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [الْبَقَرَة: ٤] إِلَخْ. فَالْمُثْنَى عَلَيْهِمْ هُنَا هُمُ الَّذِينَ كَانُوا مُشْرِكِينَ فَسَمِعُوا الدَّعْوَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ فَتَدَبَّرُوا فِي النَّجَاةِ وَاتَّقَوْا عَاقِبَةَ الشِّرْكِ فَآمَنُوا، فَالْبَاعِثُ الَّذِي بَعَثَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ هُوَ التَّقْوَى دُونَ الطَّمَعِ أَوِ التَّجْرِبَةِ، فَوَائِلُ بْنُ حُجْرٍ مَثَلًا لَمَّا جَاءَ مِنَ الْيَمَنِ رَاغِبًا فِي الْإِسْلَامِ هُوَ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وَمُسَيْلِمَةُ حِينَ وَفَدَ مَعَ بَنِي حَنِيفَةَ مُضْمِرَ الْعَدَاءِ طَامِعًا فِي الْمُلْكِ هُوَ مِنْ غَيْرِ الْمُتَّقِينَ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 228) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 228 · #108004
هُوَ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وَمُسَيْلِمَةُ حِينَ وَفَدَ مَعَ بَنِي حَنِيفَةَ مُضْمِرَ الْعَدَاءِ طَامِعًا فِي الْمُلْكِ هُوَ مِنْ غَيْرِ الْمُتَّقِينَ. وَفَرِيقٌ آخَرُ يَجِيءُ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الْبَقَرَة: ٤] الْآيَاتِ. وَقَدْ أُجْرِيَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ لِلثَّنَاءِ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ الْإِشْرَاكِ بِأَنْ كَانَ رَائِدُهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ هُوَ التَّقْوَى وَالنَّظَرُ فِي الْعَاقِبَةِ، وَلِذَلِكَ وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أَيْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِالْبَعْثِ وَالْمَعَادِ كَمَا حَكَى عَنْهُمُ الْقُرْآنُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَلِذَلِكَ اجْتُلِبَتْ فِي الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ بِهَذِهِ الصِّلَاتِ الثَّلَاثِ صِيغَةُ الْمُضَارِعِ الدَّالَّةُ عَلَى التَّجَدُّدِ إِيذَانًا بِتَجَدُّدِ إِيمَانِهِمْ بِالْغَيْبِ وَتَجَدُّدِ إِقَامَتِهِمُ الصَّلَاةَ وَالْإِنْفَاقَ إِذْ لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِذَلِكَ
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 229) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 229 · #108005
َّجَدُّدِ إِيذَانًا بِتَجَدُّدِ إِيمَانِهِمْ بِالْغَيْبِ وَتَجَدُّدِ إِقَامَتِهِمُ الصَّلَاةَ وَالْإِنْفَاقَ إِذْ لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ جَاءَهُمْ هُدَى الْقُرْآنِ. وَجَوَّزَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» كَوْنَهُ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا مُبْتَدَأً وَكَوْنَ: أُولئِكَ عَلى هُدىً [الْبَقَرَة: ٥] خَبَرَهُ. وَعِنْدِي أَنَّهُ تَجْوِيزٌ لِمَا لَا يَلِيقُ، إِذِ الِاسْتِئْنَافُ يَقْتَضِي الِانْتِقَالَ مِنْ غَرَضٍ إِلَى آخَرَ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالِاقْتِضَابِ وَإِنَّمَا يَحْسُنُ فِي الْبَلَاغَةِ إِذَا أُشِيعَ الْغَرَضُ الْأَوَّلُ وَأُفِيضَ فِيهِ حَتَّى أُوعِبَ أَوْ حَتَّى خِيفَتْ سَآمَةُ السَّامِعِ، وَذَلِكَ مَوْقِعُ أَمَّا بَعْدُ أَوْ كَلِمَةُ هَذَا وَنَحْوُهُمَا، وَإِلَّا كَانَ تَقْصِيرًا مِنَ الْخَطِيبِ وَالْمُتَكَلِّمِ لَا سِيَّمَا وَأُسْلُوبُ الْكِتَابِ أَوْسَعُ مِنْ أُسْلُوبِ الْخَطَابَةِ لِأَنَّ الْإِطَالَةَ فِي أَغْرَاضِهِ أَمْكَنُ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 229) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 229 · #108006
نَ الْخَطِيبِ وَالْمُتَكَلِّمِ لَا سِيَّمَا وَأُسْلُوبُ الْكِتَابِ أَوْسَعُ مِنْ أُسْلُوبِ الْخَطَابَةِ لِأَنَّ الْإِطَالَةَ فِي أَغْرَاضِهِ أَمْكَنُ. وَالْغَيْبُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْغَيْبَةِ: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [يُوسُف: ٥٢] لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ [الْمَائِدَة: ٩٤] وَرُبَّمَا قَالُوا بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْحُطَيْئَةُ: كَيْفَ الْهِجَاءُ وَمَا تَنْفَكُّ صَالِحَةٌ ... مِنْ آلِ لَامَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ تَأْتِينِي وَفِي الْحَدِيثِ: «دَعْوَةُ الْمُؤْمِنِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ» . وَالْمُرَادُ بِالْغَيْبِ مَا لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ مِمَّا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ صَرِيحًا بِأَنَّهُ وَاقِعٌ أَوْ سَيَقَعُ مِثْلَ وُجُودِ اللَّهِ، وَصِفَاتِهِ، وَوُجُودِ الْمَلَائِكَةِ، وَالشَّيَاطِينِ، وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَمَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 229) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 229 · #108007
َيَقَعُ مِثْلَ وُجُودِ اللَّهِ، وَصِفَاتِهِ، وَوُجُودِ الْمَلَائِكَةِ، وَالشَّيَاطِينِ، وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَمَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ. فَإِنْ فَسَّرَ الْغَيْبَ بِالْمَصْدَرِ أَيِ الْغِيبَةِ كَانَتِ الْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا فَالْوَصْفُ تَعْرِيضٌ بِالْمُنَافِقِينَ، وَإِنْ فَسَّرَ الْغَيْبَ بِالِاسْمِ وَهُوَ مَا غَابَ عَنِ الْحِسِّ مِنَ الْعَوَالِمِ الْعُلْوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ، كَانَتِ الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةً بِيُؤْمِنُونَ، فَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أَخْبَرَ الرَّسُولُ مِنْ غَيْرِ عَالَمِ الشَّهَادَةِ كَالْإِيمَانِ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْبَعْثِ وَالرُّوحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَفِي حَدِيثِ الْإِيمَانِ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 229) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 229 · #108008
حَدِيثِ الْإِيمَانِ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» . وَهَذِهِ كُلُّهَا مِنْ عَوَالِمِ الْغَيْبِ. كَانَ الْوَصْفُ تَعْرِيضًا بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ وَقَالُوا: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ: ٧] فَجَمَعَ هَذَا الْوَصْفَ بِالصَّرَاحَةِ ثَنَاءً عَلَى الْمُؤْمِنِينَُُ، وَبِالتَّعْرِيضِ ذَمًّا لِلْمُشْرِكِينَ بِعَدَمِ الِاهْتِدَاءِ بِالْكِتَابِ، وَذَمًّا لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالظَّاهِرِ وَهُمْ مُبْطِنُونَ الْكُفْرَ، وَسَيُعَقِّبُ هَذَا التَّعْرِيضَ بِصَرِيحِ وَصْفِهِمْ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ [الْبَقَرَة: ٦] الْآيَاتِ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 230) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 230 · #108009
ُعَقِّبُ هَذَا التَّعْرِيضَ بِصَرِيحِ وَصْفِهِمْ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ [الْبَقَرَة: ٦] الْآيَاتِ. وَقَوْلِهِ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ [الْبَقَرَة: ٨] . وَيُؤْمِنُونَ مَعْنَاهُ يُصَدِّقُونَ، وَآمَنَ مَزِيدُ أَمِنَ وَهَمْزَتُهُ الْمَزِيدَةُ دَلَّتْ عَلَى التَّعْدِيَةِ، فَأَصْلُ آمَنَ تَعْدِيَةُ أَمِنَ ضِدَّ خَافَ فَآمَنَ مَعْنَاهُ جَعَلَ غَيْرَهُ آمِنًا ثُمَّ أَطْلَقُوا آمَنَ عَلَى مَعْنَى صَدَّقَ وَوَثِقَ حَكَى أَبُو زَيْدٍ عَنِ الْعَرَبِ: «مَا آمَنْتُ أَنْ أَجِدَ صَحَابَةً» يَقُولُهُ الْمُسَافِرُ إِذَا تَأَخَّرَ عَنِ السَّفَرِ، فَصَارَ آمَنَ بِمَعْنَى صَدَّقَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ آمَنَ مُخْبِرَهُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَهُ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ آمَنَ نَفْسَهُ مِنْ أَنْ تَخَافَ مِنْ كَذِبِ الْخَبَرِ مُبَالَغَةً فِي أَمِنَ كَأَقْدَمَ عَلَى الشَّيْءِ بِمَعْنَى تَقَدَّمَ إِلَيْهِ وَعَمِدَ إِلَيْهِ، ثُمَّ صَارَ
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 230) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 230 · #108010
مِنْ أَنْ تَخَافَ مِنْ كَذِبِ الْخَبَرِ مُبَالَغَةً فِي أَمِنَ كَأَقْدَمَ عَلَى الشَّيْءِ بِمَعْنَى تَقَدَّمَ إِلَيْهِ وَعَمِدَ إِلَيْهِ، ثُمَّ صَارَ فِعْلًا قَاصِرًا إِمَّا عَلَى مُرَاعَاةِ حَذْفِ الْمَفْعُولِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ بِحَيْثُ نَزَلَ الْفِعْلُ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، وَإِمَّا عَلَى مُرَاعَاةِ الْمُبَالَغَةِ الْمَذْكُورَةِ أَيْ حَصَلَ لَهُ الْأَمْنُ أَيْ مِنَ الشَّكِّ وَاضْطِرَابِ النَّفْسِ وَاطْمَأَنَّ لِذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى الْأَمْنِ وَالِاطْمِئْنَانِ مُتَقَارِبٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ يُضَمِّنُونَ آمَنَ مَعْنَى أَقَرَّ فَيَقُولُونَ آمَنَ بِكَذَا أَيْ أَقَرَّ بِهِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَيُضَمِّنُونَهُ مَعْنَى اطْمَأَنَّ فَيَقُولُونَ آمَنَ لَهُ: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ [الْبَقَرَة: ٧٥] .
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 230) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 230 · #108011
بِهِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَيُضَمِّنُونَهُ مَعْنَى اطْمَأَنَّ فَيَقُولُونَ آمَنَ لَهُ: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ [الْبَقَرَة: ٧٥] . وَمَجِيءُ صِلَةِ الْمَوْصُولِ فِعْلًا مُضَارِعًا لِإِفَادَةِ أَنَّ إِيمَانَهُمْ مُسْتَمِرٌّ مُتَجَدِّدٌ كَمَا عَلِمْتَ آنِفًا، أَيْ لَا يَطْرَأُ عَلَى إِيمَانِهِمْ شَكٌّ وَلَا رِيبَةٌ. وَخَصَّ بِالذِّكْرِ الْإِيمَانَ بِالْغَيْبِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِالْغَيْبِ أَيْ مَا غَابَ عَنِ الْحِسِّ هُوَ الْأَصْلُ فِي اعْتِقَادِ إِمْكَانِ مَا تُخْبِرُ بِهِ الرُّسُلَ عَنْ وُجُودِ اللَّهِ وَالْعَالَمِ
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 230) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 230 · #108012
ِيمَانَ بِالْغَيْبِ أَيْ مَا غَابَ عَنِ الْحِسِّ هُوَ الْأَصْلُ فِي اعْتِقَادِ إِمْكَانِ مَا تُخْبِرُ بِهِ الرُّسُلَ عَنْ وُجُودِ اللَّهِ وَالْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، فَإِذَا آمَنَ بِهِ الْمَرْءُ تَصَدَّى لِسَمَاعِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ وَلِلنَّظَرِ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فَسَهُلَ عَلَيْهِ إِدْرَاكُ الْأَدِلَّةِ، وَأَمَّا مَنْ يَعْتَقِدُ أَنْ لَيْسَ وَرَاءَ عَالَمِ الْمَادِّيَّاتِ عَالَمٌ آخَرُ وَهُوَ مَا وَرَاءَ الطَّبِيعَةِ فَقَدْ رَاضَ نَفْسَهُ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِيمَانِ بِوُجُودِ اللَّهِ وَعَالَمِ الْآخِرَةِ كَمَا كَانَ حَالُ الْمَادِّيِّينَ وَهُمُ الْمُسَمَّوْنَ بِالدَّهْرِيِّينَ الَّذِينَ قَالُوا: مَا يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: ٢٤] وَقَرِيبٌ مِنَ اعْتِقَادِهِمُ اعْتِقَادُ الْمُشْرِكِينَ وَلِذَلِكَ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ الْمُجَسَّمَةَ وَمُعْظَمُ الْعَرَبِ كَانُوا يُثْبِتُونَ مِنَ الْغَيْبِ وُجُودَ الْخَالِقِ وَبَعْضُهُمْ يُثْبِتُ
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 230) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 230 · #108013
كِينَ وَلِذَلِكَ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ الْمُجَسَّمَةَ وَمُعْظَمُ الْعَرَبِ كَانُوا يُثْبِتُونَ مِنَ الْغَيْبِ وُجُودَ الْخَالِقِ وَبَعْضُهُمْ يُثْبِتُ الْمَلَائِكَةَ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِسِوَى ذَلِكَ. وَالْكَلَامُ عَلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ وَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [الْبَقَرَة: ٨] . وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ. الْإِقَامَةُ مَصْدَرُ أَقَامَ الَّذِي هُوَ مُعَدَّى قَامَ، عُدِّيَ إِلَيْهِ بِالْهَمْزَةِ الدَّالَّة على الْجعل، وَالْإِقَامَةُ جَعْلُهَا قَائِمَةً، مَأْخُوذٌ مِنْ قَامَتِ السُّوقُ إِذَا نَفَقَتْ وَتَدَاوَلَ النَّاسُ فِيهَا الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَصْرِيحُ بَعْضِ أَهْلِ اللِّسَانِ بِهَذَا الْمُقَدَّرِ. قَالَ أَيْمَنُ ابْن خريم الأنطري (١) : أَقَامَتْ غَزَالَةُ سُوقَ الضِّرَابْ ...
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 231) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 231 · #108014
التَّقْدِيرِ تَصْرِيحُ بَعْضِ أَهْلِ اللِّسَانِ بِهَذَا الْمُقَدَّرِ. قَالَ أَيْمَنُ ابْن خريم الأنطري (١) : أَقَامَتْ غَزَالَةُ سُوقَ الضِّرَابْ ... لِأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ حَوْلًا قَمِيطًا وَأَصْلُ الْقِيَامِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الِانْتِصَابُ الْمُضَادُّ لِلْجُلُوسِ وَالِاضْطِجَاعِ، وَإِنَّمَا يَقُومُ الْقَائِمُ لِقَصْدِ عَمَلٍ صَعْبٍ لَا يَتَأَتَّى مِنْ قُعُودٍ، فَيَقُومُ الْخَطِيبُ وَيَقُومُ الْعَامِلُ وَيَقُومُ الصَّانِعُ وَيَقُومُ الْمَاشِي فَكَانَ لِلْقِيَامِ لَوَازِمٌ عُرْفِيَّةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنْ عَوَارِضِهِ اللَّازِمَةِ وَلِذَلِكَ أُطْلِقَ مَجَازًا عَلَى النَّشَاطِ فِي قَوْلِهِمْ قَامَ بِالْأَمْرِ، وَمِنْ أَشْهَرِ اسْتِعْمَالِ هَذَا الْمَجَازِ قَوْلِهِمْ قَامَتِ السُّوقُ وَقَامَتِ الْحَرْبُ، وَقَالُوا فِي ضِدِّهِ رَكَدَتْ وَنَامَتْ، وَيُفِيدُ فِي كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَعْنًى مُنَاسِبًا لِنَشَاطِهِ الْمَجَازِيِّ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ وَشَاعَ فِيهَا
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 231) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 231 · #108015
امَتْ، وَيُفِيدُ فِي كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَعْنًى مُنَاسِبًا لِنَشَاطِهِ الْمَجَازِيِّ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ وَشَاعَ فِيهَا حَتَّى سَاوَى الْحَقِيقَةَ فَصَارَتْ كَالْحَقَائِقِ وَلِذَلِكَ صَحَّ بِنَاءُ الْمَجَازِ الثَّانِي وَالِاسْتِعَارَةِ عَلَيْهَا، فَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ شَبَّهَتِ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالْعِنَايَةَ بِهَا بِجَعْلِ الشَّيْءِ قَائِمًا، وَأَحْسَبُ أَنَّ تَعْلِيقَ هَذَا الْفِعْلِ بِالصَّلَاةِ مِنْ مُصْطَلَحَاتِ الْقُرْآنِ وَقَدْ جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي أَوَائِلِ نُزُولِهِ فَقَدْ وَرَدَ فِي سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ [٢٠] : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَهِيَ ثَالِثَةُ السُّوَرِ نُزُولًا.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 231) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 231 · #108016
اءَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي أَوَائِلِ نُزُولِهِ فَقَدْ وَرَدَ فِي سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ [٢٠] : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَهِيَ ثَالِثَةُ السُّوَرِ نُزُولًا. وَذَكَرَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» وُجُوهًا أُخَرَ بَعِيدَةً عَنْ مَسَاقِ الْآيَةِ. وَقَدْ عَبَّرَ هُنَا بِالْمُضَارِعِ كَمَا وَقَعَ فِي قَوْلِهِ: يُؤْمِنُونَ لِيَصْلُحَ ذَلِكَ لِلَّذِينَ أَقَامُوا الصَّلَاةَ فِيمَا مَضَى وَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ قَبْلِ نُزُولِ الْآيَةِ، وَالَّذِينَ هُمْ بِصَدَدِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَالَّذِينَ سَيَهْتَدُونَ إِلَى ذَلِكَ وَهُمُ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ إِذِ الْمُضَارِعُ صَالِحٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ لِأَنَّ مَنْ فَعَلَ الصَّلَاةَ فِي الْمَاضِي فَهُوَ يَفْعَلُهَا الْآنَ وَغَدًا، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْهَا فَهُوَ إِمَّا يَفْعَلُهَا الْآنَ أَوْ غَدًا وَجَمِيعُ أَقْسَامِ هَذَا النَّوْعِ جُعِلَ الْقُرْآنُ هُدًى لَهُمْ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 231) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 231 · #108017
ْآنَ وَغَدًا، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْهَا فَهُوَ إِمَّا يَفْعَلُهَا الْآنَ أَوْ غَدًا وَجَمِيعُ أَقْسَامِ هَذَا النَّوْعِ جُعِلَ الْقُرْآنُ هُدًى لَهُمْ. وَقَدْ حَصَلَ مِنْ إِفَادَةِ الْمُضَارِعِ التَّجَدُّدَُُ تَأْكِيدُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَادَّةُ الْإِقَامَةِ مِنَ الْمُوَاظَبَةِ وَالتَّكَرُّرِ لِيَكُونَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِمْ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ أَصْرَحَ. وَالصَّلَاةُ اسْمٌ جَامِدٌ بِوَزْنِ فَعَلَةَ مُحَرَّكُ الْعَيْنِ (صَلَوَةَ) وَرَدَ هَذَا اللَّفْظُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ كَقَوْلِ الْأَعْشَى: تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ يَمَّمْتُ مُرْتَحِلًا ... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي ... جَفْنًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا وَوَرَدَ بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي قَوْلِ الْأَعْشَى: يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الْمَلِي ...
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 232) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 232 · #108018
مِضِي ... جَفْنًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا وَوَرَدَ بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي قَوْلِ الْأَعْشَى: يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الْمَلِي ... كِ طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا (١) فَأَمَّا الصَّلَاةُ الْمَقْصُودَةُ فِي الْآيَةِ فَهِيَ الْعِبَادَةُ الْمَخْصُوصَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى قِيَامٍ وَقِرَاءَةٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَتَسْلِيمٍ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ كَانَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ آبَائِهِمْ فِي لُغَاتِهِمْ فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ حَالَتْ أَحْوَالٌ وَنُقِلَتْ أَلْفَاظٌ مِنْ مَوَاضِعَ إِلَى مَوَاضِعَ أُخَرَ بِزِيَادَاتٍ، وَمِمَّا جَاءَ فِي الشَّرْعِ الصَّلَاةَ وَقَدْ كَانُوا عَرَفُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ على هاته الهيأة قَالَ النَّابِغَةُ: أَوْ دُرَّةٌ صدفيّة غوّاصها ...
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 232) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 232 · #108019
ْعِ الصَّلَاةَ وَقَدْ كَانُوا عَرَفُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ على هاته الهيأة قَالَ النَّابِغَةُ: أَوْ دُرَّةٌ صدفيّة غوّاصها ... بهيج مَتَى يَرَهَا يُهِلُّ وَيَسْجُدُ (٢) وَهَذَا وَإِنْ كَانَ كَذَا فَإِنَّ الْعَرَبَ لَمْ تُعَرِّفْهُ بِمِثْلِ مَا أَتَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ مِنَ الْأَعْدَادِ وَالْمَوَاقِيتِ اهـ. قُلْتُ لَا شَكَّ أَنَّ الْعَرَبَ عَرَفُوا الصَّلَاةَ وَالسُّجُودَ وَالرُّكُوعَ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَقَالَ: رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ [إِبْرَاهِيم: ٣٧] وَقَدْ كَانَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمُ الْيَهُودُ يُصَلُّونَ أَيْ يَأْتُونَ عِبَادَتَهُمْ بِهَيْأَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَسَمَّوْا كَنِيسَتَهُمْ صَلَاةً، وَكَانَ بَيْنَهُمُ النَّصَارَى وَهُمْ يُصَلُّونَ وَقَدْ قَالَ النَّابِغَةُ فِي ذِكْرِ دَفْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْحَارِثِ الْغَسَّانِيِّ: فَآبَ مُصَلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ...
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 232) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 232 · #108020
َى وَهُمْ يُصَلُّونَ وَقَدْ قَالَ النَّابِغَةُ فِي ذِكْرِ دَفْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْحَارِثِ الْغَسَّانِيِّ: فَآبَ مُصَلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ... وَغُودِرَ بِالْجُولَانِ حَزْمٌ وَنَايِلُُُ (٣) عَلَى رِوَايَةِ مُصَلُّوهُ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ أَرَادَ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ عِنْدَ دَفْنِهِ مِنَ الْقُسُسِ وَالرُّهْبَانِ، إِذْ قَدْ كَانَ مُنْتَصِرًا وَمِنْهُ الْبَيْتُ السَّابِقُ. وَعَرَفُوا السُّجُودَ قَالَ النَّابِغَةُ: أَوْ دُرَّةٌ صَدَفِيَّةٌ غَوَّاصُهَا ...
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 233) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 233 · #108021
ْبَانِ، إِذْ قَدْ كَانَ مُنْتَصِرًا وَمِنْهُ الْبَيْتُ السَّابِقُ. وَعَرَفُوا السُّجُودَ قَالَ النَّابِغَةُ: أَوْ دُرَّةٌ صَدَفِيَّةٌ غَوَّاصُهَا ... بَهِجٌ مَتَى يَرَهَا يُهِلُّ وَيَسْجُدُ وَقَدْ تَرَدَّدَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ فِي اشْتِقَاقِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ قَوْمٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الصَّلَا وَهُوَ عِرْقٌ غَلِيظٌ فِي وَسَطِ الظَّهْرِ وَيَفْتَرِقُ عِنْدَ عَجْبِ الذَّنَبِ فَيَكْتَنِفَهُ فَيُقَالُ: حِينَئِذٍ هُمَا صَلَوَانٌ، وَلَمَّا كَانَ الْمُصَلِّي إِذَا انْحَنَى لِلرُّكُوعِ وَنَحْوِهِ تَحَرَّكَ ذَلِكَ الْعِرْقُ اشْتُقَّتِ الصَّلَاةُ مِنْهُ كَمَا يَقُولُونَ أَنِفَ مِنْ كَذَا إِذَا شَمَخَ بِأَنْفِهِ لِأَنَّهُ يَرْفَعُهُ إِذَا اشْمَأَزَّ وَتَعَاظَمَ فَهُوَ مِنَ الِاشْتِقَاقِ مِنَ الْجَامِدِ كَقَوْلِهِمُ اسْتَنْوَقَ الْجَمَلُ وَقَوْلِهِمْ تَنَمَّرَ فُلَانٌ، وَقَوْلِهَا: «زَوْجِي إِذَا دَخَلَ فَهِدَ وَإِذَا خَرَجَ أَسِدَ» (١) وَالَّذِي دَلَّ عَلَى هَذَا الِاشْتِقَاقِ هُنَا عَدَمُ
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 233) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 233 · #108022
ْلِهِمْ تَنَمَّرَ فُلَانٌ، وَقَوْلِهَا: «زَوْجِي إِذَا دَخَلَ فَهِدَ وَإِذَا خَرَجَ أَسِدَ» (١) وَالَّذِي دَلَّ عَلَى هَذَا الِاشْتِقَاقِ هُنَا عَدَمُ صُلُوحِيَّةِ غَيْرِهِ فَلَا يُعَدُّ الْقَوْلُ بِهِ ضَعِيفًا لِأَجْلِ قِلَّةِ الِاشْتِقَاقِ مِنَ الْجَوَامِدِ كَمَا تَوَهَّمَهُ السَّيِّدُ. وَإِنَّمَا أُطْلِقَتْ عَلَى الدُّعَاءِ لِأَنَّهُ يُلَازِمُ الْخُشُوعَ وَالِانْخِفَاضَ وَالتَّذَلُّلَ، ثُمَّ اشْتَقُّوا مِنَ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ اسْمٌ جَامِدٌ صَلَّى إِذَا فَعَلَ الصَّلَاةَ وَاشْتَقُّوا صَلَّى مِنَ الصَّلَاةِ كَمَا اشْتَقُّوا صَلَّى الْفَرَسُ إِذَا جَاءَ مُعَاقِبًا لِلْمُجَلِّي فِي خَيْلِ الْحَلَبَةِ، لِأَنَّهُ يَجِيءُ مُزَاحِمًا لَهُ فِي السَّبْقِ،
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 233) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 233 · #108023
َّلَاةِ كَمَا اشْتَقُّوا صَلَّى الْفَرَسُ إِذَا جَاءَ مُعَاقِبًا لِلْمُجَلِّي فِي خَيْلِ الْحَلَبَةِ، لِأَنَّهُ يَجِيءُ مُزَاحِمًا لَهُ فِي السَّبْقِ، وَاضِعًا رَأْسَهُ عَلَى صَلَا سَابِقِهِ وَاشْتَقُّوا مِنْهُ الْمُصَلِّي اسْمًا لِلْفَرَسِ الثَّانِي فِي خَيْلِ الْحَلَبَةِ، وَهَذَا الرَّأْيُ فِي اشْتِقَاقِهَا مُقْتَضَبٌ مِنْ كَلَامِهِمْ وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ اعْتِمَادُهُ إِذْ لَمْ يَصْلُحُ لِأَصْلِ اشْتِقَاقِهَا غَيْرُ ذَلِكَ. وَمَا أَوْرَدَهُ الْفَخْرُ فِي «التَّفْسِيرِ» أَنَّ دَعْوَى اشْتِقَاقِهَا مِنَ الصَّلْوَيْنِ يُفْضِي إِلَى طَعْنٍ عَظِيمٍ فِي كَوْنِ الْقُرْآنِ حُجَّةً لِأَنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ مِنْ أَشَدِّ الْأَلْفَاظِ شُهْرَةً، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ تَحْرِيكِ الصَّلْوَيْنِ مِنْ أَبْعَدِ الْأَشْيَاءِ اشْتِهَارًا فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ، فَإِذَا جَوَّزْنَا أَنَّهُ خَفِيَ وَانْدَرَسَ حَتَّى لَا يَعْرِفَهُ إِلَّا الْآحَادُ لَجَازَ مِثْلُهُ فِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ فَلَا
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 233) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 233 · #108024
أَهْلِ النَّقْلِ، فَإِذَا جَوَّزْنَا أَنَّهُ خَفِيَ وَانْدَرَسَ حَتَّى لَا يَعْرِفَهُ إِلَّا الْآحَادُ لَجَازَ مِثْلُهُ فِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ فَلَا نَقْطَعُ بِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَا يَتَبَادَرُ مِنْهَا إِلَى أَفْهَامِنَا فِي زَمَانِنَا هَذَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ مَوْضُوعَةً لَمَعَانٍ أُخَرَ خَفِيَتْ عَلَيْنَا اهـ يردهُ بِالِاسْتِعْمَالِ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَفْظٌ مَشْهُورٌ مَنْقُولًا مِنْ معنى خَفِي لِأَنَّهُ الْعِبْرَةَ فِي الشُّيُوعِ بِالِاسْتِعْمَالِ وَأَمَّا الِاشْتِقَاقُ فَبَحْثٌ عِلْمِيٌّ وَلِهَذَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: «وَاشْتِهَارُ هَذَا اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي مَعَ عَدَمِ اشْتِهَارِهِ فِي الْأَوَّلِ لَا يَقْدَحُ فِي نَقْلِهِ مِنْهُ» .
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 233) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 233 · #108025
لَ الْبَيْضَاوِيُّ: «وَاشْتِهَارُ هَذَا اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي مَعَ عَدَمِ اشْتِهَارِهِ فِي الْأَوَّلِ لَا يَقْدَحُ فِي نَقْلِهِ مِنْهُ» . وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ هَذَا كِتَابَتُهَا بِالْوَاوِ فِي الْمَصَاحِفِ إِذْ لَوْلَا قَصْدُ الْإِشَارَةِ إِلَى مَا اشْتُقَّتْ مِنْهُ مَا كَانَ وَجْهٌ لِكِتَابَتِهَا بِالْوَاوِ وَهُمْ كَتَبُوا الزَّكَاةَ وَالرِّبَا وَالْحَيَاةَ بِالْوَاوِ إِشَارَةً إِلَى الْأَصْلِ. وَأَمَّا قَوْلُ «الْكَشَّافِ» : وَكِتَابَتُهَا بِالْوَاوِ عَلَى لَفْظِ الْمُفَخَّمِ أَيْ لُغَةِ تَفْخِيمِ اللَّامِ يَرُدُّهُ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُصْنَعْ فِي غَيْرِهَا مِنَ اللَّامَاتِ الْمُفَخَّمَةِ. وَمَصْدَرُ صَلَّى قِيَاسُهُ التَّصْلِيَةُ وَهُوَ قَلِيلُ الْوُرُودِ فِي كَلَامِهِمْ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 234) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 234 · #108026
ِكَ لَمْ يُصْنَعْ فِي غَيْرِهَا مِنَ اللَّامَاتِ الْمُفَخَّمَةِ. وَمَصْدَرُ صَلَّى قِيَاسُهُ التَّصْلِيَةُ وَهُوَ قَلِيلُ الْوُرُودِ فِي كَلَامِهِمْ. وَزَعَمَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَّهُ لَا يُقَالُ صَلَّى تَصْلِيَةً وَتَبِعَهُ الْفَيْرُوزَابَادِيُّ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ وَرَدَ بِقِلَّةٍ فِي نَقْلِ ثَعْلَبٍ فِي «أَمَالِيهِ» . وَقَدْ نُقِلَتِ الصَّلَاةُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ إِلَى الْخُضُوعِ بِهَيْأَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَدُعَاءٍ مَخْصُوصٍ وَقِرَاءَةٍ وَعَدَدٍ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّ أَصْلَهَا فِي اللُّغَةِ الْهَيْئَةُ فِي الدُّعَاءِ وَالْخُضُوعِ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَأَوْفَقُ بِقَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَمَنْ تَابَعَهُ بِنَفْيِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَسْتَعْمِلْ لَفْظًا إِلَّا فِي حَقِيقَتِهِ اللُّغَوِيَّةِ بِضَمِيمَةِ شُرُوطٍ لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِهَا.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 234) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 234 · #108027
قَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَسْتَعْمِلْ لَفْظًا إِلَّا فِي حَقِيقَتِهِ اللُّغَوِيَّةِ بِضَمِيمَةِ شُرُوطٍ لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِهَا. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الْحَقَائِقُ الشَّرْعِيَّةُ مَوْضُوعَةٌ بِوَضْعٍ جَدِيدٍ وَلَيْسَتْ حَقَائِقَ لُغَوِيَّةً وَلَا مَجَازَاتٍ. وَقَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : الْحَقَائِقُ الشَّرْعِيَّةُ مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ اشْتُهِرَتْ فِي مَعَانٍ. وَالْحَقُّ أَنَّ هَاتِهِ الْأَقْوَالَ تَرْجِعُ إِلَى أَقْسَامٍ مَوْجُودَةٍ فِي الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ. وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. صِلَةٌ ثَالِثَةٌ فِي وَصْفِ الْمُتَّقِينَ مِمَّا يُحَقِّقُ مَعْنَى التَّقْوَى وَصِدْقِ الْإِيمَانِ مِنْ بَذْلِ عَزِيزٍ عَلَى النَّفْسِ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَمَّا كَانَ مَقَرُّهُ الْقَلْبَ وَمُتَرْجِمُهُ اللِّسَانَ كَانَ مُحْتَاجًا
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 234) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 234 · #108028
ْ بَذْلِ عَزِيزٍ عَلَى النَّفْسِ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَمَّا كَانَ مَقَرُّهُ الْقَلْبَ وَمُتَرْجِمُهُ اللِّسَانَ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى دَلَائِلَ صِدْقِ صَاحِبِهِ وَهِيَ عَظَائِمُ الْأَعْمَالِ، مِنْ ذَلِكَ الْتِزَامُ آثَارِهِ فِي الْغَيْبَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَمِنْ ذَلِكَ مُلَازَمَةُ فِعْلِ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّهَا دَلِيلٌ عَلَى تَذَكُّرِ الْمُؤْمِنِ مَنْ آمَنَ بِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ السَّخَاءُ بِبَذْلِ الْمَالِ لِلْفُقَرَاءِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ بِذَلِكَ. وَالرِّزْقُ مَا يَنَالُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَوْجُودَاتِ هَذَا الْعَالَمِ الَّتِي يَسُدُّ بِهَا ضَرُورَاتِهِ وَحَاجَاتِهِ وَيَنَالُ بِهَا مُلَائِمَهُ، فَيُطْلِقُ عَلَى كُلِّ مَا يَحْصُلُ بِهِ سَدُّ الْحَاجَةِ فِي الْحَيَاةِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَيَوَانِ وَالشَّجَرِ الْمُثْمِرِ وَالثِّيَابِ وَمَا يُقْتَنَى بِهِ ذَلِكَ مِنَ النَّقْدَيْنِ، قَالَ تَعَالَى:
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 234) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 234 · #108029
مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَيَوَانِ وَالشَّجَرِ الْمُثْمِرِ وَالثِّيَابِ وَمَا يُقْتَنَى بِهِ ذَلِكَ مِنَ النَّقْدَيْنِ، قَالَ تَعَالَى: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [النِّسَاء: ٨] أَيْ مِمَّا تَرَكَهُ الْمَيِّتُ- وَقَالَ: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا [الرَّعْد: ٢٦] وَقَالَ فِي قِصَّةِ قَارُونَ: وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ- إِلَى قَوْلِهِ-
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 234) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 234 · #108030
قَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا [الرَّعْد: ٢٦] وَقَالَ فِي قِصَّةِ قَارُونَ: وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ- إِلَى قَوْلِهِ- وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ [الْقَصَص: ٧٦- ٨٢] مُرَادًا بِالرِّزْقِ كُنُوزُ قَارُونَ وَقَالَ: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ [الشورى: ٢٧] وَأَشْهَرُ اسْتِعْمَالِهِ بِحَسَبِ مَا رَأَيْتُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ وَمَوَارِدِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ مَا يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ لِلْإِنْسَانِ، وَأَمَّا إِطْلَاقُهُ عَلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الْحَيَوَانُ مِنَ الْمَرْعَى وَالْمَاءِ فَهُوَ عَلَى الْمَجَازِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود: ٦] وَقَوْلِهِ: وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً [آل عمرَان: ٣٧] وَقَوْلِهِ: لَا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ [يُوسُف: ٣٧] .
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 235) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 235 · #108031
َّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود: ٦] وَقَوْلِهِ: وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً [آل عمرَان: ٣٧] وَقَوْلِهِ: لَا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ [يُوسُف: ٣٧] . وَالرِّزْقُ شَرْعًا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَالرِّزْقِ لُغَةً إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْلِ إِلَّا لِدَلِيلٍ، فَيَصْدُقُ اسْمُ الرِّزْقِ عَلَى الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لِأَنَّ صِفَةَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إِلَيْهَا هُنَا فَبَيَانُ الْحَلَالِ مِنَ الْحَرَامِ لَهُ مَوَاقِعٌ أُخْرَى وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا طَيِّبًا وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ التَّشْرِيعِ مِثْلَ الْخَمْرِ وَالتِّجَارَةِ فِيهَا قَبْلَ تَحْرِيمِهَا، بَلِ الْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ يُنْفِقُونَ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 235) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 235 · #108032
افِ أَحْوَالِ التَّشْرِيعِ مِثْلَ الْخَمْرِ وَالتِّجَارَةِ فِيهَا قَبْلَ تَحْرِيمِهَا، بَلِ الْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ يُنْفِقُونَ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ. وَخَالَفَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي ذَلِكَ فِي جُمْلَةِ فُرُوعِ مَسْأَلَةِ خَلْقِ الْمَفَاسِدِ وَالشُّرُورِ وَتَقْدِيرِهِمَا، وَمَسْأَلَةُ الرِّزْقِ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي جَرَتْ فِيهَا الْمُنَاظَرَةُ بَيْنَ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ كَمَسْأَلَةِ الْآجَالِ، وَمَسْأَلَةِ السِّعْرِ، وَتَمَسُّكِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي مَسْأَلَةِ الرِّزْقِ بِأَدِلَّةٍ لَا تُنْتِجُ الْمَطْلُوبَ. وَالْإِنْفَاقُ إِعْطَاءُ الرِّزْقِ فِيمَا يَعُودُ بِالْمَنْفَعَةِ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْعِيَالِ وَمَنْ يُرْغَبُ فِي صِلَتِهِ أَوِ التَّقَرُّبِ لِلَّهِ بِالنَّفْعِ لَهُ مِنْ طَعَامٍ أَوْ لِبَاسٍ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 235) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 235 · #108033
َنْفَعَةِ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْعِيَالِ وَمَنْ يُرْغَبُ فِي صِلَتِهِ أَوِ التَّقَرُّبِ لِلَّهِ بِالنَّفْعِ لَهُ مِنْ طَعَامٍ أَوْ لِبَاسٍ. وَأُرِيدَ بِهِ هُنَا بَثُّهُ فِي نَفْعِ الْفُقَرَاءِ وَأَهْلِ الْحَاجَةِ وَتَسْدِيدِ نَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ بِقَرِينَةِ الْمَدْحِ وَاقْتِرَانِهِ بِالْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ هُنَا خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ، وَمَا هِيَ إِلَّا الْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ وَالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ إِذْ لَا يُمْدَحُ أَحَدٌ بِإِنْفَاقِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ إِذْ ذَلِكَ مِمَّا تَدْعُو إِلَيْهِ الْجِبِلَّةُ فَلَا يَعْتَنِي الدِّينُ
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 235) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 235 · #108034
لْعَامَّةِ إِذْ لَا يُمْدَحُ أَحَدٌ بِإِنْفَاقِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ إِذْ ذَلِكَ مِمَّا تَدْعُو إِلَيْهِ الْجِبِلَّةُ فَلَا يَعْتَنِي الدِّينُ بِالتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ فَمِنَ الْإِنْفَاقِ مَا هُوَ وَاجِبٌ وَهُوَ حَقٌّ عَلَى صَاحِبِ الرِّزْقِ، لِلْقَرَابَةِ وَلِلْمَحَاوِيجِ مِنَ الْأُمَّةِ وَنَوَائِبِ الْأُمَّةِ كَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ وَالزَّكَاةِ، وَبَعْضُهُ مُحَدَّدٌ وَبَعْضُهُ تَفْرِضُهُ الْمَصْلَحَةُ الشَّرْعِيَّةُ الضرورية أَو الحاجية وَذَلِكَ مُفَصَّلٌ فِي تَضَاعِيفِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَمِنَ الْإِنْفَاقِ تَطَوَّعٌ وَهُوَ مَا فِيهِ نَفْعُ مَنْ دَعَا الدِّينُ إِلَى نَفْعِهِ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 235) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 235 · #108035
تَضَاعِيفِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَمِنَ الْإِنْفَاقِ تَطَوَّعٌ وَهُوَ مَا فِيهِ نَفْعُ مَنْ دَعَا الدِّينُ إِلَى نَفْعِهِ. وَفِي إِسْنَادِهِ فِعْلَ (رُزِقْنَا) إِلَى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعَالَى وَجعل مَفْعُوله ضمير الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَا يَصِيرُ الرِّزْقُ بِسَبَبِهِ رِزْقًا لِصَاحِبِهِ هُوَ حَقٌّ خَاصٌّ لَهُ خَوَّلَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ بِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ عَلَى حَسَبِ الْأَسْبَابِ وَالْوَسَائِلِ الَّتِي يَتَقَرَّرُ بِهَا مِلْكُ النَّاسِ لِلْأَمْوَالِ وَالْأَرْزَاقِ، وَهُوَ الْوَسَائِلُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الشَّرِيعَةِ الَّتِي اقْتَضَتِ اسْتِحْقَاقَ أَصْحَابِهَا وَاسْتِئْثَارَهُمْ بِهَا بِسَبَبِ الْجُهْدِ مِمَّا عَمِلَهُ الْمَرْءُ بِقُوَّةِ بَدَنِهِ الَّتِي لَا مِرْيَةَ فِي أَنَّهَا حَقُّهُ مِثْلَ انْتِزَاعِ
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 235) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 235 · #108036
ا وَاسْتِئْثَارَهُمْ بِهَا بِسَبَبِ الْجُهْدِ مِمَّا عَمِلَهُ الْمَرْءُ بِقُوَّةِ بَدَنِهِ الَّتِي لَا مِرْيَةَ فِي أَنَّهَا حَقُّهُ مِثْلَ انْتِزَاعِ الْمَاءِ وَاحْتِطَابِ الْحَطَبِ وَالصَّيْدِ وَجَنْيِ الثِّمَارِ وَالْتِقَاطِ مَا لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ وَلَا هُوَ كَائِنٌ فِي مِلْكِ أَحَدٍ، وَمِثْلُ خِدْمَتِهِ بِقُوَّتِهِ مِنْ حَمْلِ ثِقْلٍ وَمَشْيٍ لِقَضَاءِ شُؤُونِ مَنْ يُؤَجِّرُهُ وَانْحِبَاسٍ لِلْحِرَاسَةِ، أَوْ كَانَ مِمَّا يَصْنَعُ أَشْيَاءَ مِنْ مَوَادَّ يَمْلِكُهَا وَلَهُ حَقُّ الِانْتِفَاعِ بِهَا كَالْخَبْزِ وَالنَّسْجِ وَالتَّجْرِ وَتَطْرِيقِ الْحَدِيدِ وَتَرْكِيبِ الْأَطْعِمَةِ وَتَصْوِيرِ الْآنِيَةِ مِنْ طِينِ الْفَخَّارِ، أَوْ كَانَ مِمَّا أَنْتَجَهُ مِثْلَ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ وَالتَّوْلِيدِ، أَوْ مِمَّا ابْتَكَرَهُ بِعَقْلِهِ مِثْلَ التَّعْلِيمِ وَالِاخْتِرَاعِ وَالتَّأْلِيفِ وَالطِّبِّ وَالْمُحَامَاةِ وَالْقَضَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْوَظَائِفِ وَالْأَعْمَالِ
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 236) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 236 · #108037
بِعَقْلِهِ مِثْلَ التَّعْلِيمِ وَالِاخْتِرَاعِ وَالتَّأْلِيفِ وَالطِّبِّ وَالْمُحَامَاةِ وَالْقَضَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْوَظَائِفِ وَالْأَعْمَالِ الَّتِي لِنَفْعِ الْعَامَّةِ أَوِ الْخَاصَّةِ، أَوْ مِمَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ مَالِكُ رِزْقٍ مِنْ هِبَاتٍ وَهَدَايَا وَوَصَايَا، أَوْ أُذِنٍ بِالتَّصَرُّفِ كَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، أَوْ كَانَ مِمَّا نَالَهُ بِالتَّعَارُضِ كَالْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ وَالْأَكْرِيَةِ وَالشَّرِكَاتِ وَالْمُغَارَسَةِ، أَوْ مِمَّا صَارَ إِلَيْهِ مَنْ مَالٍ انْعَدَمَ صَاحِبُهُ بِكَوْنِهِ أَحَقَّ النَّاسِ بِهِ كَالْإِرْثِ. وَتَمَلُّكُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ الْمَشْرُوطِ، وَحَقُّ الْخُمُسِ فِي الرِّكَازِ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 236) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 236 · #108038
َ صَاحِبُهُ بِكَوْنِهِ أَحَقَّ النَّاسِ بِهِ كَالْإِرْثِ. وَتَمَلُّكُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ الْمَشْرُوطِ، وَحَقُّ الْخُمُسِ فِي الرِّكَازِ. فَهَذِهِ وَأَمْثَالُهَا مِمَّا شَمِلَهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: مِمَّا رَزَقْناهُمْ. وَلَيْسَ لِأَحَدٍ وَلَا لِمَجْمُوعِ النَّاسِ حَقٌّ فِيمَا جَعَلَهُ اللَّهُ رِزْقَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِي مَالٍ لَمْ يَسْعَ لِاكْتِسَابِهِ بِوَسَائِلِهِ وَقَدْ جَاءَتْ هِنْد بنت عقبَة زَوْجُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: «إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ أُنْفِقُ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا فَقَالَ لَهَا: «لَا إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ» أَيْ إِلَّا مَا هُوَ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ تَتَصَرَّفُ فِيهِ الزَّوْجَةُ مِمَّا فِي بَيْتِهَا مِمَّا وَضَعَهُ الزَّوْجُ فِي بَيْتِهِ لِذَلِكَ دُونَ مُسَارَقَةٍ وَلَا خِلْسَةٍ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 236) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 236 · #108039
مَعْرُوفٌ أَنَّهُ تَتَصَرَّفُ فِيهِ الزَّوْجَةُ مِمَّا فِي بَيْتِهَا مِمَّا وَضَعَهُ الزَّوْجُ فِي بَيْتِهِ لِذَلِكَ دُونَ مُسَارَقَةٍ وَلَا خِلْسَةٍ. وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ الْمَعْمُولِ عَلَى عَامِلِهِ وَهُوَ يُنْفِقُونَ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ بِالرِّزْقِ فِي عُرْفِ النَّاسِ فَيَكُونُ فِي التَّقْدِيمِ إِيذَانٌ بِأَنَّهُمْ يُنْفِقُونَ مَعَ مَا لِلرِّزْقِ مِنَ الْمَعَزَّةِ عَلَى النَّفْسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ [الْإِنْسَان: ٨] ، مَعَ رَعْيِ فَوَاصِلِ الْآيَاتِ عَلَى حَرْفِ النُّونِ، وَفِي الْإِتْيَانِ بِمِنَ الَّتِي هِيَ لِلتَّبْعِيضِ إِيمَاءٌ إِلَى كَوْنِ الْإِنْفَاقِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا هُوَ إِنْفَاقُ بَعْضِ الْمَالِ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تُكَلِّفِ النَّاسَ حَرَجًا، وَهَذَا الْبَعْضُ يَقِلُّ وَيَتَوَفَّرُ بِحَسَبِ أَحْوَالِ الْمُنْفِقِينَ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 236) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 236 · #108040
َاقُ بَعْضِ الْمَالِ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تُكَلِّفِ النَّاسَ حَرَجًا، وَهَذَا الْبَعْضُ يَقِلُّ وَيَتَوَفَّرُ بِحَسَبِ أَحْوَالِ الْمُنْفِقِينَ. فَالْوَاجِبُ مِنْهُ مَا قَدَّرَتِ الشَّرِيعَةُ نُصُبَهُ وَمَقَادِيرَهُ مِنَ الزَّكَاةِ وَإِنْفَاقِ الْأَزْوَاجِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْعَبِيدِ، وَمَا زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ لَا يَنْضَبِطُ تَحْدِيدُهُ وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ، وَلَمْ يُشَرِّعِ الْإِسْلَامُ وُجُوبَ تَسْلِيمِ الْمُسْلِمِ مَا ارْتَزَقَهُ وَاكْتَسَبَهُ إِلَى يَدِ غَيْرِهِ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 236) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 236 · #108041
تَحْدِيدُهُ وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ، وَلَمْ يُشَرِّعِ الْإِسْلَامُ وُجُوبَ تَسْلِيمِ الْمُسْلِمِ مَا ارْتَزَقَهُ وَاكْتَسَبَهُ إِلَى يَدِ غَيْرِهِ. وَإِنَّمَا اخْتِيرَ ذِكْرُ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَهُمْ دُونَ غَيْرِهَا لِأَنَّهَا أَوَّلُ مَا شُرِعَ مِنَ الْإِسْلَامِ فَكَانَتْ شِعَارَ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُمَا أَقْدَمُ الْمَشْرُوعَاتِ وَهُمَا أُخْتَانِ فِي كَثِيرٍ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ هِيَ دَلَائِلُ إِخْلَاصِ الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ فِي حَالِ الْغَيْبَةِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وَحَالِ خُوَيِّصَةِ النَّفْسِ أَدَلُّ عَلَى الْيَقِينِ وَالْإِخْلَاصِ حِينَ يَنْتَفِي الْخَوْفُ وَالطَّمَعُ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ مَا غَابَ.
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 237) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 237 · #108042
ْمِنِينَ وَحَالِ خُوَيِّصَةِ النَّفْسِ أَدَلُّ عَلَى الْيَقِينِ وَالْإِخْلَاصِ حِينَ يَنْتَفِي الْخَوْفُ وَالطَّمَعُ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ مَا غَابَ. أَوْ لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِمَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْحِسُّ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى قُوَّةِ الْيَقِينِ حَتَّى إِنَّه يتبقى مِنَ الشَّارِعِ مَا لَا قِبَلَ لِلرَّأْيِ فِيهِ وَشَأْنُ النُّفُوسِ أَنْ تَنْبُوَ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ لِأَنَّهَا تَمِيلُ إِلَى الْمَحْسُوسِ فَالْإِيمَانُ بِهِ عَلَى عِلَّاتِهِ دَلِيل قُوَّة الْيَقِين بِالْمُخْبِرِ وَهُوَ الرَّسُولُ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْغَيْبِ مَا قَابَلَ الشَّهَادَةَ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ كُلْفَةٌ بَدَنِيَّةٌ فِي أَوْقَاتٍ لَا يَتَذَكَّرُهَا مُقِيمُهَا أَيْ مُحْسِنُ أَدَائِهَا إِلَّا الَّذِي امْتَلَأَ قَلْبُهُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْخُضُوعِ وَإِظْهَارِ الْعُبُودِيَّةِ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ أَدَاءُ الْمَالِ وَقَدْ عُلِمَ شُحُّ النُّفُوسِ قَالَ تَعَالَى: وَإِذا
QS 2:3 (jilid 1 hlm. 237) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 237 · #108043
َى مَا فِيهَا مِنَ الْخُضُوعِ وَإِظْهَارِ الْعُبُودِيَّةِ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ أَدَاءُ الْمَالِ وَقَدْ عُلِمَ شُحُّ النُّفُوسِ قَالَ تَعَالَى: وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً [المعارج: ٢١] وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الشِّرْكِ كَانُوا مَحْرُومِينَ مِنْهَا فِي حَالِ الشِّرْكِ بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَكَانَ لِذِكْرِهَا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَة الْإِسْلَام. [٤]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 2:4QS 4:60QS 4:162QS 29:45QS 9:61QS 67:12

Dirujuk oleh

Ayat ini dikutip di dalam tafsir ayat-ayat berikut.

QS 2:5QS 57:7-11