القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾. قال: يُصَدِّقون.
حدَّثني يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ السَّهْميُّ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يُصَدِّقون.
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يَخْشَوْن.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، قال: قال الزُّهريُّ: الإيمانُ العملُ.
وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن العَلاءِ بنِ المُسَيَّبِ بنِ رافعٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال:
عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن العَلاءِ بنِ المُسَيَّبِ بنِ رافعٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال:
الإيمانُ التصديقُ.
ومعنى الإيمانِ عندَ العربِ التصديقُ، فيُدْعَى المُصَدِّقُ بالشيءِ قولًا مؤمنًا به، ويُدْعَى المُصَدِّقُ قولَه بفعلِه مؤمنًا، ومِن ذلك قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]. يعني: وما أنت بمُصَدِّقٍ لنا في قولِنا. وقد تَدْخُلُ الخشيةُ للَّهِ في معنى الإيمانِ الذي هو تَصديقُ القولِ بالعملِ.
والإيمانُ كلمةٌ جامعةٌ للإقرارِ باللَّهِ وكتبِه ورسلِه، وتصديقِ الإقرارِ بالفعلِ.
ُلُ الخشيةُ للَّهِ في معنى الإيمانِ الذي هو تَصديقُ القولِ بالعملِ.
والإيمانُ كلمةٌ جامعةٌ للإقرارِ باللَّهِ وكتبِه ورسلِه، وتصديقِ الإقرارِ بالفعلِ. فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويلِ الآيةِ وأشبهُ بصفةِ القومِ أن يَكُونوا موصُوفِين بالتصديقِ بالغيبِ قولًا واعتقادًا وعملًا؛ إذ كان جلَّ ثناؤُه لم يَحْصُرْهم مِن معنى الإيمانِ على معنًى دونَ معنًى، بل أجْمَل وصفَهم به، مِن غيرِ خُصوصِ شيءٍ مِن مَعانِيه أخْرَجَه من صفتِهم بخبرٍ ولا عقلٍ.
القولُ في تأويلِ قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿بِالْغَيْبِ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بِالْغَيْبِ﴾. قال: بما جاء منه.
ِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بِالْغَيْبِ﴾. قال: بما جاء منه. يعني مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ ﴿بِالْغَيْبِ﴾: أما "الغيبُ"، فما غاب عن العبادِ مِن أمرِ الجنَّةِ وأمرِ النارِ، وما
ذكرَ اللَّهُ ﵎ في القرآنِ، لم يكنْ تصديقُهم بذلك - يعني المؤمنين من العربِ - مِن قِبَلِ [أصلِ كتابٍ] أو عِلْمٍ كان عندَهم.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، قال: الغيبُ القرآنُ.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ العَقَديُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾.
َكُنْ للعربِ كتابٌ قبلَ الكتابِ الذي أنْزَله اللَّهُ ﷿ على محمدٍ ﷺ، تَدِينُ بتصديقِه والإقرارِ والعملِ به، وإنما كان الكتابُ لأهلِ الكتابَيْن غيرِها. قالوا: فلما قصَّ اللَّهُ جلَّ ثناؤه نبأَ الذين يُؤْمِنون بما أُنْزِل إلى محمدٍ وما أُنْزِل مِن قبلِه، بعدَ اقْتِصاصِه نبأَ المؤمنين بالغيبِ - علِمْنا أن كلَّ صِنْفٍ منهم غيرُ الصنفِ الآخَرِ، وأن المؤْمنين بالغيبِ نوعٌ غيرُ النوعِ المُصَدِّقِ بالكتابَيْن اللذَّيْن أحدُهما مُنَزَّلٌ على محمدٍ ﷺ، والآخرُ منهما على مَن قَبلَه [مِن رسلِ] اللَّهِ ﷿.
قالوا: وإذ كان ذلك كذلك، صحّ ما قلْنا مِن أن تأويلَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾.
هما على مَن قَبلَه [مِن رسلِ] اللَّهِ ﷿.
قالوا: وإذ كان ذلك كذلك، صحّ ما قلْنا مِن أن تأويلَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. إنما هو: الذين يُؤْمِنون بما غاب عنهم من الجنةِ والنارِ، والثوابِ والعقابِ، والبعثِ، والتصديقِ باللَّهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، وجميعِ ما كانت العربُ لا تَدِينُ به في جاهليَّتِها، مما أوْجَب اللَّهُ جلَّ ثناؤُه على
عبادِه الدَّيْنُونةَ به، دونَ غيرِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: أما ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ فهم المؤمنون مِن العربِ، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: أما "الغيبُ"، فما غاب عن العبادِ مِن أمرِ الجنةِ والنارِ، وما ذكَر اللَّهُ في القرآنِ، لم يكُنْ تصديقُهم بذلك مِن قِبَلِ أصلِ
َقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: أما "الغيبُ"، فما غاب عن العبادِ مِن أمرِ الجنةِ والنارِ، وما ذكَر اللَّهُ في القرآنِ، لم يكُنْ تصديقُهم بذلك مِن قِبَلِ أصلِ كتابٍ أو علمٍ كان عندَهم ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ هؤلاء المؤمنون مِن أهلِ الكتابِ.
وقال بعضُهم: بل نزَلَتْ هذه الآياتُ الأربعُ في مؤمني أهلِ الكتابِ خاصةً؛ لإيمانِهم بالقرآنِ عندَ إخبارِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه إياهم فيه عن الغُيوبِ التي كانوا يُخْفُونها بينَهم ويُسِرُّونها، فعلِموا عندَ إظهارِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﷺ على ذلك منهم في تنزيلِه أنه مِن عندِ اللَّهِ - جلَّ وعز -، فآمَنوا بالنبيِّ ﷺ، وصدَّقوا بالقرآنِ وما فيه مِن الإخبارِ عن الغيوبِ التي لا عِلْمَ لهم بها؛ لِما استقرَّ عندَهم بالحُجَّةِ التي احْتَجَّ اللَّهُ ﵎ بها عليهم في كتابِه، مِن الإخبارِ فيه عمَّا كانوا يَكْتُمونه مِن ضَمائرِهم - أن جميعَ ذلك مِن عندِ اللَّهِ.
عندَهم بالحُجَّةِ التي احْتَجَّ اللَّهُ ﵎ بها عليهم في كتابِه، مِن الإخبارِ فيه عمَّا كانوا يَكْتُمونه مِن ضَمائرِهم - أن جميعَ ذلك مِن عندِ اللَّهِ.
وقال بعضُهم: بل الآياتُ الأربعُ مِن أولِ هذه السورةِ أُنْزِلَت على محمدٍ ﷺ بوصفِ جميعِ المؤمنين الذين ذلك صفتُهم، مِن العربِ، والعجمِ، وأهلِ الكتابَيْن
سِواهم، وإنما هذه صفةُ صِنْفٍ مِن الناسِ، والمؤمنُ بما أنْزَل اللَّهُ على محمدٍ ﷺ وما أُنْزِل مِن قبلِه هو المؤمنُ بالغيبِ.
قالوا: وإنما وصَفهم اللَّهُ بالإيمانِ بما أُنْزِل إلى محمدٍ وبما أُنْزِل إلى مَن قبلَه، بعدَ تقَضِّي وصفِه إياهم بالإيمانِ بالغيبِ؛ لأن وصفَه إياهم بما وصَفهم به مِن الإيمانِ بالغيبِ كان مَعْنِيًّا به أنهم يُؤْمنون بالجنةِ والنارِ والبعثِ وسائرِ الأمورِ التي كلَّفهم اللَّهُ جلَّ ثناؤُه الإيمانَ بها، مما لم يَرَوْه ولم يَأْتِ بعدُ مما هو آتٍ، دونَ الإخبارِ عنهم أنهم يُؤْمنون بما جاء به محمدٌ ﷺ ومَن قبلَه مِن الرسلِ ومن الكتبِ.
ثناؤُه الإيمانَ بها، مما لم يَرَوْه ولم يَأْتِ بعدُ مما هو آتٍ، دونَ الإخبارِ عنهم أنهم يُؤْمنون بما جاء به محمدٌ ﷺ ومَن قبلَه مِن الرسلِ ومن الكتبِ.
قالوا: فلما كان معنى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. غيرَ موجودٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. كانت الحاجةُ مِن العبادِ إلى معرفتِهم صفتَهم بذلك ليَعْرفوهم، نظيرَ حاجتِهم إلى معرفتِهم بالصفةِ التي وُصِفوا بها مِن إيمانِهم بالغيبِ؛ ليَعْلَموا ما يَرْضَى اللَّهُ مِن أفعالِ عبادِه، ويُحِبُّه مِن صفاتِهم، فيَكُونوا به، إن وفَّقهم له ربُّهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرِو بنِ العباسِ الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مَيْمونٍ المَكِّيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: أربعُ آياتٍ مِن سورةِ البقرة في نعتِ المؤمنين، وآيتان في
نعتِ الكافرين، وثلاثَ عشْرةَ في المنافقين.
نا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: أربعُ آياتٍ مِن سورةِ البقرة في نعتِ المؤمنين، وآيتان في
نعتِ الكافرين، وثلاثَ عشْرةَ في المنافقين.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مُجاهدٍ بمثلِه.
وحدَّثني [المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ]، قال: حدَّثنا موسى بنُ مسعودٍ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: أربعُ آياتٍ مِن فاتحةِ هذه السورةِ - يعني سورةَ البقرةِ - في الذين آمنوا، وآيتان في قادةِ الأحْزابِ.
وأولى القولين عندي بالصوابِ، وأشبهُهما بتأويلِ الكتابِ، القولُ الأولُ، وهو أن الذين وصَفَهم اللَّهُ تعالى ذِكرُه بالإيمانِ بالغيبِ، وما وصَفَهم به جلَّ ثناؤُه في الآيتين الأوَّلَتَيْن، غيرُ الذين وصَفهم بالإيمانِ بالذي أُنْزِل على محمدٍ والذي أُنْزِل على مَن قبلَه مِن الرسلِ؛ لما ذكَرْتُ مِن العللِ قبلُ لمن قال ذلك.
ين الأوَّلَتَيْن، غيرُ الذين وصَفهم بالإيمانِ بالذي أُنْزِل على محمدٍ والذي أُنْزِل على مَن قبلَه مِن الرسلِ؛ لما ذكَرْتُ مِن العللِ قبلُ لمن قال ذلك.
ومما يَدُلُّ أيضًا مع ذلك على صحةِ هذا القولِ، أنه جَنَّس - بعدَ وصفِ المؤمنين
بالصفتَيْن اللتين وصَف، وبعدَ تَصْنيفِه كلَّ صنفٍ منهما على ما صنَّف الكفارَ - جنسين، فجعَل أحدَهما مطبوعًا على قلبِه، مختومًا عليه، مأْيوسًا مِن إيمانِه، والآخرَ منافقًا يُرائي بإظهارِ الإيمانِ في الظاهرِ، ويَسْتَسِرُّ النفاقَ في الباطنِ، فصيَّر الكفارَ جنسين، كما صيَّر المؤمنين في أولِ السورةِ جنسين، ثم عرَّف عبادَه نعتَ كلِّ صنفٍ منهم وصفتَهم، وما أعدَّ لكلِّ فريقٍ منهم مِن ثوابٍ أو عقابٍ، وذمَّ أهلَ الذمِّ منهم، وشكَر سعْيَ أهلِ الطاعةِ منهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾.
وإقامتُها أداؤُها بحدودِها وفروضِها والواجبِ فيها، على مَن فُرِضَت عليه، كما يقالُ: أقام القومُ سُوقَهم. إذا لم يُعَطِّلوها مِن البيعِ والشراءِ فيها. وكما قال الشاعرُ:
أقَمْنا لأهلِ العراقَيْن سُوقَ الضِّـ … ــرابِ فخاموا وولَّوْا جميعَا
وكما حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾.
الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. قال: الذين يقيمون الصلاةَ بفَرضِها.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ قال: إقامةُ الصلاةِ تمامُ الركوعِ والسجودِ، والتِّلاوةُ، والخشوعُ، والإقبالُ عليها فيها.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا جُوَيْبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: يعني الصلاةَ المفروضةَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الصَّلَاةَ﴾.
وأما الصلاةُ في كلامِ العربِ فإنها الدعاءُ، كما قال الأعْشَى:
لها حارسٌ لا يَبْرَحُ الدهرَ بيتَها … وإن ذُبِحَت صلَّى عليها وزَمْزَما
يعني بذلك: دعا لها. وكقولِه الآخرِ أيضًا:
وقابَلَها الرِّيحَ في دَنِّها … وصلَّى على دَنِّها وارْتَسَمْ
وأرَى أن الصلاةَ المفروضةَ سُمِّيَت صلاةً؛ لأن المُصَلِّيَ مُتَعَرِّضٌ لاستنجاحِ طَلِبتِه مِن ثوابِ اللَّهِ بعملِه، مع ما يَسْألُ ربَّه فيها مِن حاجاتِه، تَعَرُّضَ الداعي بدعائِه
ربَّه استنجاحَ حاجاتِه وسُؤْلِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾.
اخْتَلَف المُفَسِّرون في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زِيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. قال: يُؤْتُون الزكاةَ احتسابًا لها.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. قال: زكاةَ أموالِهم.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
َ﴾. قال: زكاةَ أموالِهم.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. قال: كانت النفقاتُ قُرْبانًا يَتَقَرَّبون بها إلى اللَّهِ على قدرِ مَيْسورِهم وجُهْدِهم، حتى نزَلَت فرائضُ الصدقاتِ؛ سبعُ آياتٍ في سورةِ "براءة"، مما يُذْكَرُ فيهن الصدقاتُ، هن المُثْبَتاتُ الناسخاتُ.
وقال بعضُهم بما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال:
حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعنِ مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: هي نفقةُ الرجلِ على أهلِه، وهذا قبلَ أن تَنْزِلَ الزكاةُ.
دانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: هي نفقةُ الرجلِ على أهلِه، وهذا قبلَ أن تَنْزِلَ الزكاةُ.
وأولى التأويلاتِ بالآيةِ وأحقُّها بصفةِ القومِ، أن يَكونوا كانوا لجميعِ اللازمِ لهم في أموالِهم مُؤَدِّين؛ زكاةً كان ذلك أو نفقةَ مَن لزِمته نفقتُه مِن أهلٍ وعِيالٍ وغيرِهم، ممَّن تَجِبُ عليهم نفقتُه بالقَرابةِ والمِلْكِ وغيرِ ذلك؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناوُه عمَّ وصْفَهم، إذ وصَفهم بالإنفاقِ مما رزَقهم، فمدَحهم بذلك مِن صفتِهم، فكان معلومًا أنهم إذ لم يَخْصُصْ مدْحَهم ووصْفَهم بنوعٍ مِن النفقاتِ المحمودِ عليها صاحبُها دونَ نوعٍ، بخبرٍ ولا غيرِه - أنهم مَوْصوفون بجميعِ معاني النفقاتِ المحمودِ عليها صاحبُها، مِن طيبِ ما رزَقهم ربُّهم مِن أموالِهم وأمْلاكِهم، وذلك الحلالُ منه الذي لم يَشُبْهُ حرامٌ.
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (٣)﴾
قال أبو جعفر الرازي، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: الإيمان التصديق.
وقال علي بن أبي طلحة وغيره، عن ابن عباس، (يُؤْمِنُونَ) يصدقون.
وقال مَعْمَر عن الزهري: الإيمان العمل.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: (يُؤْمِنُونَ) يخشون.
قال ابن جرير وغيره: والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولا واعتقادًا وعملا قال: وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القول بالعمل، والإيمان كلمة جامعةٌ للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل.
ًا وعملا قال: وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القول بالعمل، والإيمان كلمة جامعةٌ للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل. قلت: أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن، والمراد به ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١]، وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، وكذلك إذا استعمل مقرونا مع الأعمال؛ كقوله: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الإنشقاق: ٢٥، والتين: ٦]، فأما إذا استعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولا وعملا.
هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عُبَيد وغير واحد إجماعًا: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
إلا اعتقادًا وقولا وعملا.
هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عُبَيد وغير واحد إجماعًا: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أوردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.
ومنهم من فسره بالخشية، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الملك: ١٢]، وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣]، والخشية خلاصة الإيمان والعلم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد.
قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) قال: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله.
وكذا قال قتادة بن دعامة.
بِ) قال: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله.
وكذا قال قتادة بن دعامة.
وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: أما الغَيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة، وأمر النار، وما ذكر في القرآن.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (بِالْغَيْبِ) قال: بما جاء منه، يعني: مِنَ الله تعالى.
وقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زِرّ، قال: الْغَيْب القرآن.
وقال عطاء بن أبي رباح: من آمن بالله فقد آمن بالغيب.
وقال إسماعيل بن أبي خالد: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) قال: بغيب الإسلام.
وقال زيد بن أسلم: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) قال: بالقدر.
آمن بالغيب.
وقال إسماعيل بن أبي خالد: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) قال: بغيب الإسلام.
وقال زيد بن أسلم: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) قال: بالقدر. فكل هذه متقاربة في معنى واحد؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به.
وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فذكرنا أصحَاب النبي ﷺ وما سبقوا به، قال: فقال عبد الله: إن أمر محمد ﷺ كان بينا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إلى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٥].
وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مَرْدُويه، والحاكم في مستدركه، من طرق، عن الأعمش، به.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
َ﴾ [البقرة: ١ - ٥].
وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مَرْدُويه، والحاكم في مستدركه، من طرق، عن الأعمش، به.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وفي معنى هذا الحديث الذي رواه [الإمام] أحمد، حدثنا أبو المغيرة، أخبرنا الأوزاعي، حدثني أسيد بن عبد الرحمن، عن خالد بن دُرَيك، عن ابن مُحَيريز، قال: قلت لأبي جمعة: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ قال: نعم، أحدثك حديثًا جيدًا: تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله، هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك.
سول الله ﷺ قال: نعم، أحدثك حديثًا جيدًا: تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله، هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال: "نعم"، "قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني".
طريق أخرى: قال أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسيره: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل عن عبد الله بن مسعود، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن صالح بن جُبَيْر، قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري، صاحب رسول الله ﷺ ببيت المقدس، ليصلي فيه، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة، فلما انصرف خرجنا نشيعه، فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقا؛ أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ، قلنا: هات رحمك الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول الله، هل من قوم أعظم أجرًا منا؟
م بحديث سمعته من رسول الله ﷺ، قلنا: هات رحمك الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول الله، هل من قوم أعظم أجرًا منا؟ آمنا بك واتبعناك، قال:
"ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرا" مرتين.
ثم رواه من حديث ضَمْرَة بن ربيعة، عن مرزوق بن نافع، عن صالح بن جبير، عن أبي جمعة، بنحوه.
وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوِجَادة التي اختلف فيها أهل الحديث، كما قررته في أول شرح البخاري؛ لأنه مدحهم على ذلك وذكر أنهم أعظم أجرًا من هذه الحيثية لا مطلقا.
وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي: حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي، عن المغيرة بن قيس التميمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: "أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ ". قالوا: الملائكة. قال: "وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ ". قالوا: فالنبيون. قال: "وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟
"أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ ". قالوا: الملائكة. قال: "وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ ". قالوا: فالنبيون. قال: "وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ ". قالوا: فنحن. قال: "وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ". قال: فقال رسول الله ﷺ: "ألا إن أعجب الخلق إليّ إيمانا لَقَوْمٌ يكونون من بعدكم يَجدونَ صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها".
قال أبو حاتم الرازي: المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث.
قلت: ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده، وابن مردويه في تفسيره، والحاكم في مستدركه، من حديث محمد بن أبي حميد، وفيه ضعف، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ، بمثله أو نحوه.
في مسنده، وابن مردويه في تفسيره، والحاكم في مستدركه، من حديث محمد بن أبي حميد، وفيه ضعف، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ، بمثله أو نحوه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وقد روي نحوه عن أنس بن مالك مرفوعًا، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن محمد المسندي، حدثنا إسحاق بن إدريس، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري، أخبرني جعفر بن محمود، عن جدته تويلة بنت أسلم، قالت: صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا: أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلون البيت الحرام.
قال إبراهيم: فحدثني رجال من بني حارثة: أن رسول الله ﷺ حين بلغه ذلك قال: "أولئك قوم
آمنوا بالغيب".
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾
قال ابن عباس: أي: يقيمون الصلاة بفروضها.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: إقامة الصلاة إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها.
وقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها وسجودها.
وقال مقاتل بن حيان: إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها وتمام ركوعها وسجودها وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي ﷺ، فهذا إقامتها.
وقال علي بن أبي طلحة، وغيره عن ابن عباس: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) قال: زكاة أموالهم.
وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) قال: هي نفقة الرجل على أهله، وهذا قبل أن تنزل الزكاة.
ن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) قال: هي نفقة الرجل على أهله، وهذا قبل أن تنزل الزكاة.
وقال جُوَيْبر، عن الضحاك: كانت النفقات قربات يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات: سبعُ آيات في سورة براءة، مما يذكر فيهن الصدقات، هن الناسخات المُثْبَتَات.
وقال قتادة: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) فأنفقوا مما أعطاكم الله، هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم، يوشك أن تفارقها.
واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات، فإنه قال: وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم: أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مُؤَدّين، زكاة كان ذلك أو نفقة مَنْ لزمته نفقته، من أهل أو عيال وغيرهم، ممن تجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك؛ لأن الله تعالى عم وصفهم ومدحهم بذلك، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه.
من أهل أو عيال وغيرهم، ممن تجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك؛ لأن الله تعالى عم وصفهم ومدحهم بذلك، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه.
قلت: كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال، فإن الصلاة حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه؛ والإنفاق هو
الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك، ثم الأجانب، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) ولهذا ثبت في الصحيحين عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت".
ت في الصحيحين عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت". والأحاديث في هذا كثيرة.
وأصل الصلاة في كلام العرب الدعاء، قال الأعشى:
لها حارس لا يبرحُ الدهرَ بَيْتَها … وإن ذُبحَتْ صلى عليها وزَمْزَما
وقال أيضًا
وقابلها الريح في دَنّها … وصلى على دَنّها وارتسم
أنشدهما ابن جرير مستشهدا على ذلك.
وقال الآخر -وهو الأعشى أيضًا-:
تقول بنتي وقد قَرَّبتُ مرتحلا … يا رب جنب أبي الأوصابَ والوَجَعَا
عليكِ مثلُ الذي صليتِ فاغتمضي … نوما فإن لِجَنب المرء مُضْطجعا
يقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي.
بتُ مرتحلا … يا رب جنب أبي الأوصابَ والوَجَعَا
عليكِ مثلُ الذي صليتِ فاغتمضي … نوما فإن لِجَنب المرء مُضْطجعا
يقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي. وهذا ظاهر، ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة، بشروطها المعروفة، وصفاتها، وأنواعها [المشروعة] المشهورة.
وقال ابن جرير: وأرى أن الصلاة المفروضة سميت صلاة؛ لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبتَه من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل ربه من حاجته.
[وقيل: هي مشتقة من الصلَوَيْن إذا تحركا في الصلاة عند الركوع، وهما عرقان يمتدان من الظهر حتى يكتنفا عجب الذنب، ومنه سمي المصلي؛ وهو الثاني للسابق في حلبة الخيل، وفيه نظر، وقيل: هي مشتقة من الصلى، وهو الملازمة للشيء من قوله: ﴿لا يَصْلاهَا﴾ أي: يلزمها ويدوم فيها ﴿إِلا الأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥] وقيل: مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوّم، كما أن المصلي يقوّم عوجه بالصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:
بة في النار لتقوّم، كما أن المصلي يقوّم عوجه بالصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر، والله أعلم].
وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه، إن شاء الله.
قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ عبر في هذه الآية الكريمة بمن التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه الله بعض ماله لا كله. ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه، والذي ينبغي إمساكه، ولكنه بين في مواضع أخر أن القدر الذي ينبغي إنفاقه: هو
الزائد على الحاجة وسد الخلة التي لا بد منها، وذلك كقوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾، والمراد بالعفو الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات، وهو مذهب الجمهور.
ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم. وقال بعض العلماء: [العفو] [١] نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع. ومنه قول الشاعر:
خذي العفو مني تستديمي ...
أولادهم. وقال بعض العلماء: [العفو] [١] نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع. ومنه قول الشاعر:
خذي العفو مني تستديمي ... مودتي ولا تنطقي [في] [٢] سورتي حين أغضب
وهذا القول راجع إلى ما ذكرنا، وبقية الأقوال ضعيفة.
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فنهاه عن البخل بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾، ونهاه عن الإسراف بقوله: ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْط﴾ فيتعين الوسط بين الأمرين، كما بينه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (٦٧)﴾ فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير، وبين البخل والاقتصاد، فالجود: غير التبذير، والاقتصاد: غير البخل، فالمنع في محل الإعطاء مذموم، وقد نهى الله عنه نبيه ﷺ بقوله ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ والإعطاء في محل المنع مذموم أيضا، وقد نهى الله عنه نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَلا
وقد نهى الله عنه نبيه ﷺ بقوله ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ والإعطاء في محل المنع مذموم أيضا، وقد نهى الله عنه نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وقد قال الشاعر:
لا تمدحن [٣] ابن عباد وإن هطلت ... يداه كالمزن حتى تخجل الديما
فإنها فلتات [٤] من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
وقد بين تعالى في مواضع أخر: أن الإنفاق المحمود لا
يكون كذلك، إلا إذا كان مصرفه الذي صرف فيه مما يرضي الله، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية- وصرح بأن الإنفاق فيما لا يرضي الله حسرة على صاحبه في قوله: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ الآية- وقد قال الشاعر:
إن الصنيعة لا تعد صنيعة ...
ق فيما لا يرضي الله حسرة على صاحبه في قوله: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ الآية- وقد قال الشاعر:
إن الصنيعة لا تعد صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع
فإن قيل: هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد على الحاجة الضرورية، مع أن الله تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا، وذلك في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾.
نفقوا، وذلك في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾.
فالظاهر في الجواب -والله تعالى أعلم- هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالا، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعا، وذلك كما إذا كانت على المنفق نفقات واجبة، كنفقة الزوجات ونحوها فتبرع بالإنفاق في غير واجب، وترك الفرض لقوله ﷺ: "وابدأ بمن تعول"، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله، ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم، فلا يجوز له ذلك، وإلايثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة، وكان واثقا من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال. وأما على القول بأن قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ يعني به الزكاة. فالأمر واضح، والعلم عند الله تعالى.
•