فةُ العذابِ الذي أهْلَكَهم اللهُ به كما حدثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾. قال: إِنَّ اللَّهَ بِعَث شعيبًا إلى مَدْيَنَ وإلى أصحابِ الأَيْكَةِ - والأيكةُ هي الغَيْضَةُ مِن الشَّجَرِ - وكانوا مع كفرِهم يبخَسُون الكيلَ والوزنَ، فدعاهم فكذَّبوه، فقال لهم ما ذكَر اللهُ في القرآنِ، وما ردُّوا عليه، فلمّا عَتَوا وكذّبوه سأَلوه العذابَ، ففتَح اللهُ عليهم بابًا مِن أبواب جَهَنَّمَ، فَأَهْلَكَهم الَحُرّ منه، فلم يَنْفَعْهم ظلٌّ ولا ماءٌ، ثم إنه بعَث سحابَةً فيها ريحٌ طَيِّبَةٌ، فوجدوا بردَ الريح وطِيبَها، فتنادَوا: الظُّلَّةَ، عليكم بها.
كَهم الَحُرّ منه، فلم يَنْفَعْهم ظلٌّ ولا ماءٌ، ثم إنه بعَث سحابَةً فيها ريحٌ طَيِّبَةٌ، فوجدوا بردَ الريح وطِيبَها، فتنادَوا: الظُّلَّةَ، عليكم بها. فلما اجتمَعوا تحتَ السحابةِ رِجالُهم ونِساؤُهم وصبيانُهم، انطبقَت
عليهم فأَهْلَكَتْهم، فهو قولُه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩].
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان مِن قِصَّةِ خبرِ شعيبٍ وخبِر قومِه ما ذكَر اللهُ في القرآنِ، كانوا أهلَ بَخْسٍ للناسِ في مكاييلِهم وموازينِهم، مع كفرِهم باللهِ وتكذيبِهم نبيَّهم، وكان يَدْعُوهم إلى اللَّهِ جل ثناؤُه وعبادتِه، وتركِ ظلمِ الناسِ وبَخْسِهم في مكاييلِهم وموازينِهم، فقال نُصْحًا لهم، وكان صادقًا: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
ادِهم، وعَتَوا على اللَّهِ، أَخَذهم عذَابُ يومِ الظُّلَّةِ، إنه كان عذابَ يومٍ عظيمٍ. فبلغنى أنَّ رجلًا من أهلِ مدينَ يُقالُ له: عمرُو بنُ جَلْهَاءَ. لما رآها قال:
يا قَوْمِ إِنَّ شعيبًا مُرْسَلٌ فذروا … عنكم سُمَيْرًا وَعِمْرَانَ بنَ شَدّادِ
إنِّي أَرَى غَبْيَةً يا قومِ قد طلَعت … تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلَى صَمَّانَةِ الوادِى
[وإِنَّهُ لن] تَرَوا فيها ضحاءَ غَدٍ … إِلَّا الرَّقِيمَ يُمَشِّي بينَ أَنجَادِ
وسُمَيْرٌ وعِمْرانُ: كاهِناهم، والرقيمُ: كلبُهم.
حدثنا ابن حمُيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: فحدَّثنى ابن إسحاقَ، قال: فبلَغنى - واللهُ أعلمُ - أنَّ الله سلَّط عليهم الحرَّ حتى أنضَجَهم، ثم أنشأَ لهم الظُّلَّةَ كالسحابةِ السوداءِ، فلما رَأَوْها ابتدرُوها يستغيثون ببردِها مما هم فيه مِن الحرِّ، حتى إذا دخَلوا تحتَها أُطبقت عليهم، فهلَكوا جميعًا، ونجَّى الله شعيبًا والذين آمنوا معه برحمتِه.
ْها ابتدرُوها يستغيثون ببردِها مما هم فيه مِن الحرِّ، حتى إذا دخَلوا تحتَها أُطبقت عليهم، فهلَكوا جميعًا، ونجَّى الله شعيبًا والذين آمنوا معه برحمتِه.
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثني أبو عبدِ الله البجليُّ، قال: "أبو جادَ"، و "هوّز"، و "حُطى" و ["كَلَمن"] و "سعفص"، و "قرشت": أسماءُ ملوكِ مدينَ، وكان مَلِكُهم يومَ الظُّلَّةِ في زمانِ شعيبٍ "كلمن"، فقالت أختُ "كلمن" تبكيه:
كَلَمُونٌ هَدَّ رُكْنِى … هُلْكُهُ وَسْطَ المَحِلَّهْ
سيدُ القومِ أتاه الـ … ــحَتْفُ نارٌ وَسْطَ ظُلَّهْ
جُعِلَت نارًا عليهم … دارُهم كالمُضْمَحِلَّهْ
َّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤] والمناسبة في ذلك -والله أعلم -أنهم لما تهكموا بنبي الله شعيب في
قولهم: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] فجاءت الصيحة فأسكتتهم.
وقال تعالى إخبارا عنهم في سورة الشعراء: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ [إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ]﴾ [الشعراء: ١٨٧] فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة، وقد اجتمع عليهم ذلك كله: أصابهم عذاب يوم الظلة، " وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولَهَب ووهَج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس وخمدت
ة، " وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولَهَب ووهَج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس وخمدت الأجساد، (فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)
ثم قال تعالى: (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا) أي: كأنهم لما أصابتهم النقمة لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها.
ثم قال مقابلا لقيلهم: (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ)