خفضٍ في قولِ بعضهم. وقد بيَّنْتُ العلل لكلِّ فريقٍ منهم، والصواب عندنا من القول في ذلك، فيما مضَى من كتابنا هذا، بما أغْنَى عن إعادته فى هذا الموضعِ. وهي في قراءةِ عبد اللهِ فيما ذُكِر: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْذِرْ قَوْمَكَ) بغيرِ "أن"، وجاز ذلك لأن الإرسال بمعنى القول، فكأنه قيل: قلنا لنوحٍ: أَنذِرْ قومك من قبل أن يأتيَهم عذابٌ أليمٌ. وذلك العذاب الأليمُ هو الطُّوفانُ الذي غرَّقهم الله به.
وقولُه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. يقول تعالى ذكرُه: قال نوحٌ لقومِه: يا قوم إني لكم نذيرٌ مبينٌ، أُنْذِرُكم عذابَ الله، فاحْذَرُوه أن يَنْزِلَ بكم على كفرِكم به، ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: قد أبَنْتُ لكم إنذارى إياكم.
وقولُه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾. يقول تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِ
نوحٍ لقومِه: إني لكم نذيرٌ مبينٌ بأن اعْبُدوا اللهَ. يقولُ: إني لكم نذيرٌ أُنْذِرُكم، وآمُرُكم بعبادةِ اللهِ، ﴿وَاتَّقُوهُ﴾.
ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِ
نوحٍ لقومِه: إني لكم نذيرٌ مبينٌ بأن اعْبُدوا اللهَ. يقولُ: إني لكم نذيرٌ أُنْذِرُكم، وآمُرُكم بعبادةِ اللهِ، ﴿وَاتَّقُوهُ﴾. يقولُ: واتَّقُوا عقابَه، بالإيمانِ به والعملِ بطاعتِه، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾. يقولُ: وانْتَهوا إلى ما آمُرُكم به، واقْبَلُوا نَصيحتي لكم.
وقد حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا الله وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾. قال: أرْسَل اللهُ المرسَلين بأن يُعْبَدَ اللهُ وحده، وأن تُتَّقَى محارمُه، وأن يطاعَ أمرُه.
وقولُه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾. يقولُ: يَغْفِرْ لكم ذنوبَكم.
فإن قال قائلٌ: أو ليست "مِن" دالةً على البعضِ؟ قيل: إن لها معنيين وموضعين؛ فأما أحد الموضعين فهو الموضعُ الذى لا يَصْلُحُ فيه غيرُها. وإذا كان ذلك كذلك لم تَدُلُّ إلا على البعض؛ وذلك كقولِك: اشْتَريْتُ مِن مماليكِك. فلا يَصْلُحُ فى هذا الموضع غيرُها، ومعناها البعضُ: اشْتَرَيْتُ بعضَ مماليكِك. و: من مماليكِك مملوكًا.
لى البعض؛ وذلك كقولِك: اشْتَريْتُ مِن مماليكِك. فلا يَصْلُحُ فى هذا الموضع غيرُها، ومعناها البعضُ: اشْتَرَيْتُ بعضَ مماليكِك. و: من مماليكِك مملوكًا. والموضعُ الآخرُ هو الذى يَصْلُحُ فيه مكانَها "عن"، فإذا صلَحَت مكانَها "عن" دلَّت على الجميعِ؛ وذلك كقولِك: وجِع بطنى مِن طعامٍ طعِمْتُه. فإن معنى ذلك: أوْجَع بطنى طعامٌ طعِمْتُه. وتَصْلُحُ مكانَ "من" "عن"، وذلك أنك تَضَعُ موضعَها "عن"، فيَصْلُحُ الكلامُ فتقولُ: وجِع بطنى عن طعامٍ طعِمْتُه. و: مِن طعامٍ طعِمْتُه. فكذلك قولُه: ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ إنما هو: ويَصْفَحُ لكم، ويَعْفُو لكم عنها، وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معناه: يَغْفِرْ لكم من ذنوبِكم ما قد وعَدَكم العقوبة عليه، فأمَّا ما لم يَعِدْكم العقوبةَ عليه،
فقد تقدَّم عفوُه لكم عنها.
وقولُه: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: ويُؤَخِّرُ في آجالِكم فلا يُهْلِكْكم بالعذابِ، لا بغرقٍ ولا غيرِه، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
.
وقولُه: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: ويُؤَخِّرُ في آجالِكم فلا يُهْلِكْكم بالعذابِ، لا بغرقٍ ولا غيرِه، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: إلى حينٍ كتَب أنه يُبْقِيكم إليه، إن أنتم أطَعْتُموه وعبَدْتُموه، فى أمِّ الكتابِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: ما قد خُطِّ من الأجَلِ، فإذا جاء أجلُ اللهِ لا يُؤَخِّرُ.
وقولُه: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن أجَلَ اللهِ الذى قد كتَبه على خلقِه فى أمِّ الكتابِ، إذا جاء عندَه لا يُؤَخَّرُ عن مِيقاتِه، فيُنْظَرَ بعدَه، ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: لو عَلِمتُم أن ذلك كذلك لأَنَبْتُم إلى طاعةِ ربِّكم.
نهاكم عنه.
(يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) أي: إذا فعلتم ما آمرتكم به وصدقتم ما أرسلت به إليكم، غفر الله لكم ذنوبكم.
و" من " هاهنا قيل: إنها زائدة. ولكن القول بزيادتها في الإثبات قليل. ومنه قول بعض العرب: "قد كان من مطر". وقيل: إنها بمعنى "عن" تقديره: يصفح لكم عن ذنوبكم واختاره ابن جرير وقيل: إنها للتبعيض، أي يغفر لكم الذنوب العظام التي وعدكم على ارتكابكم إياها الانتقام.
(وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي: يمد في أعماركم ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تنزجروا عما نهاكم عنه، أوقعه بكم.
وقد يستدل بهذه الآية من يقول: إن الطاعة والبر وصلة الرحم، يزاد بها في العمر حقيقة؛ كما ورد به الحديث: "صلة الرحم تزيد في العمر".
وقوله: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: بادروا بالطاعة قبل حلول النقمة، فإنه إذا أمر [الله] تعالى بكون ذلك لا يرد ولا يمانع، فإنه العظيم الذي قهر كل شيء، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات.