لُوا﴾ لقومِهم لما سمِعوه:
﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾. يقولُ: يدُلُّ على الحقِّ وسبيلِ الصوابِ، ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾. يقولُ: [فصدَّقنا به]، ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ من خلقِه.
وكان سببُ استماعِ هؤلاء النفرِ مِن الجنِّ القرآنَ، كما حدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا أبو هشامٍ، يعنى المخزومىَّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بِشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: ما قرَأ رسولُ اللهِ ﷺ على الجنِّ ولا رآهم، انطلَق رسولُ اللهِ ﷺ في نفرٍ من أصحابِه، عامِدين إلى سوقِ عُكاظٍ. قال: وقد حِيلَ بينَ الشياطينِ وبينَ خَبَرِ السماءِ، وأُرسِلت عليهم الشهُبُ، [فرجَعت الشياطيُن إلى قومِهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حِيلَ بيننا وبينَ خبرِ السماءِ، وأُرسِلت علينا الشهُبُ]. فقالوا: ما حال بينَكم وبينَ خبرِ السماءِ إلا شيءٌ حدَث.
إلى قومِهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حِيلَ بيننا وبينَ خبرِ السماءِ، وأُرسِلت علينا الشهُبُ]. فقالوا: ما حال بينَكم وبينَ خبرِ السماءِ إلا شيءٌ حدَث. قال: فانطلِقوا فاضرِبوا مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، فانظُروا ما هذا الذي حدَث.
قال: فانطلَقوا يَضْرِبون مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، يَتَتبَّعون ما هذا الذي حالَ بينَهم وبينَ خبرِ السماءِ. قال: فانطلَق النفرُ الذين توجَّهوا نحوَ تِهامةَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بنخلةَ، وهو عامدٌ إلى سوقِ عُكاظٍ، وهو يُصَلِّى بأصحابِه صلاةَ الفجرِ. قال: فلما سمِعوا القرآنَ استمَعوا له، فقالوا: هذا واللهِ الذي حال بينَكم وبينَ خبرِ السماءِ. قال: فهنالِك (*) حينَ رجَعوا إلى قومِهم فقالوا: يا قومَنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾.
َلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ﴾، يعني: فُرِغ مِن الصلاةِ، ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. يقول: مؤمِنين. لم يَعْلَمْ بهم رسولُ اللهِ ﷺ، ولم يَشْعُرْ أنه صُرِف إليه أحدٌ، حتى أنزَلَ اللهُ عليه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾.
وقولُه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فآمنا به ولن نُشْرِكَ بربِّنا أحدًا، وآمَنا بأنه تعالى أمْرُ ربِّنا وسلطانُه وقدرتُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. يقولُ: فعلُه وأمرُه وقدرتُه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾.
أمرُه وقدرتُه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. يقولُ: تعالى أمرُ ربِّنا.
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنَّى، قالا: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ في هذه الآيةِ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. يقولُ: أمرُ رَبِّنا.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن السدىِّ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: أمرُ ربِّنا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾. قال: تعالى أمرُه أن يَتَّخِذَ -ولا يكُونُ الذى قالوا- صاحبةً أو ولدًا، وقرَأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [حتى ختَمَها] [الإخلاص: ١، ٢].
لى أمرُه أن يَتَّخِذَ -ولا يكُونُ الذى قالوا- صاحبةً أو ولدًا، وقرَأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [حتى ختَمَها] [الإخلاص: ١، ٢]. قال: لا يَكُونُ ذلك منه.
وقال آخرون: عُنِى بذلك جلالُ ربِّنا وذكرُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قال عكرِمةُ في قولِه تعالى: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: جلالُ ربِّنا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمارة، قال: ثنى خالدُ بن يزيدَ، قال: ثنا أبو إسرائيلَ، عن
فضيلٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: جلالُ رَبِّنا.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيمِيِّ، قال: قال عكرمةُ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾: جلالُ ربِّنا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. أى: تعالى جلالُه وعظمتُه وأمرُه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾.
ُّ رَبِّنَا﴾. أى: تعالى جلالُه وعظمتُه وأمرُه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: تعالى أمرُ ربِّنا؛ تعالَت عظمتُه.
وقال آخرون: معنى ذلك: غِنَى ربِّنا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قال الحسنُ فى قولِه: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: غِنَى ربِّنا.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن الحسنِ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: غِنَى ربِّنا.
حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسن في قولِه: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: غِنَى ربِّنا
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن سليمانَ التيميِّ، عن الحسنِ وعكرِمةَ في قولِه: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال أحدُهما: غِناه. وقال الآخر: عظمتُه.
وقال آخرون: عُنِى بذلك الجَدُّ الذى هو أبو الأبِ.
ِّ، عن الحسنِ وعكرِمةَ في قولِه: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال أحدُهما: غِناه. وقال الآخر: عظمتُه.
وقال آخرون: عُنِى بذلك الجَدُّ الذى هو أبو الأبِ. وقالوا: ذلك كان [جَهْلَةً من كلامِ الجنِّ].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثني أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبى سارةَ، عن أبيه، عن أبي جعفرٍ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: كان كلامًا من جهلةِ الجنِّ.
وقال آخرون: عُنِى بذلك ذِكْرُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ قال: ذِكْرُه.
وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى به: تعالَت عظمةُ ربِّنا وقدرتُه وسلطانُه.
ولِ اللهِ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ قال: ذِكْرُه.
وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى به: تعالَت عظمةُ ربِّنا وقدرتُه وسلطانُه.
وإنما قلْنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن للجَدِّ فى كلامِ العربِ معنَيَيْنِ؛ أحدُهما: الجَدُّ الذى هو أبو الأبِ أو أبو الأمِّ، وذلك غيرُ جائزٍ أن يُوصَفَ به هؤلاء النفَرُ، الذين وصَفهم اللهُ بهذه الصفةِ، وذلك أنهم قد قالوا: ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. ومَن وصَف اللهَ بأن له والدًا أو جَدًّا، و هو أبو الأبِ أو أبو الأمِّ، فلا شكَّ أنه مِن المشرِكين. والمعنى الآخرُ: الجَدُّ الذى هو بمعنى الحَظِّ؛ يُقالُ: فلانٌ ذو جَدٍّ في هذا الأمرِ. إذا كان له حظٌّ فيه، وهو الذي يُقالُ له بالفارسيةِ: البَخْتُ. وهذا المعنى الذى قصَده هؤلاء النفَرُ مِن الجِنِّ بقيلِهم: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾.
له حظٌّ فيه، وهو الذي يُقالُ له بالفارسيةِ: البَخْتُ. وهذا المعنى الذى قصَده هؤلاء النفَرُ مِن الجِنِّ بقيلِهم: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. إن شاء اللهُ، وإنما عَنَوا أن حَظْوتَه من المُلكِ والسلطانِ والقدرةِ والعظمةِ عاليةٌ، فلا تكونُ له صاحبةٌ ولا ولدٌ؛ لأن الصاحبةَ إنما تكونُ للضعيفِ العاجِزِ، الذى تَضْطَرُّه الشهوةُ الباعثةُ إلى اتخاذِها له، وأن الولدَ إنما يكونُ عن شهوةٍ أزعَجته إلى البِضاعِ الذى يحدُثُ منه الولدُ؛ فقال النفَرُ مِن الجنِّ: علا مُلكُ ربِّنا وسُلطانُه وقدرتُه وعظمتُه أن يكونَ ضعيفًا ضَعْفَ خلقِه الذين تَضْطَرُّهم الشهوةُ إلى اتخاذِ صاحبةٍ، أو وِقاعِ شيءٍ يكونُ منه ولدٌ.
وقد بيَّن عن صحةِ ما قُلْنا فى ذلك إخبارُ الله عنهم أنهم [قالوا: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾، فأخبر جلَّ ثناؤه أنهم] إنما نزَّهوا اللهَ عن اتخاذِ الصاحبةِ والولدِ
بقولِه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾.
حُها، وأما أبو عمرٍو فإنه كان يَكْسِرُ جميعَها [مِن أولِها إلى] قولِه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾. فإنه كان يَفْتَحُ هذه وما بعدَها. فأما الذين فتَحوا جميعَها إلا في موضعِ القولِ كقولِه: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا﴾. وقوله: (قال إنَّما أدْعُو رَبِّى)، ونحوِ ذلك، فإنهم عطَفوا "أنَّ" فى كلِّ السورةِ على قولِه: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾، وآمنَّا بكلِّ ذلك. ففتَحوها بوقوعِ الإيمانِ عليها. وكان الفرَّاءُ يقولُ: لا يَمنَعْك أن تجدَ الإيمانَ يَقْبُحُ في بعض ذلك -مِن الفتحِ، وإنَّ الذي [يَقْبُحُ مِن] ظهورِ الإيمانِ قد يَحْسُنُ فيه فعلٌ مضارعٌ للإيمانِ يُوجِبُ فتحَ "أنَّ"، كما قالتِ العربُ:
إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يومًا … وزَجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيونا
فنصَب العيونَ لإتْباعِها الحواجبَ، وهى لا تُزَجَّجُ، وإنما تُكْحَلُ، فَأَضْمَر لها الكَحْلَ، [كذلك يُضْمَرُ] في الموضع الذى لا يَحْسُنُ فيه "آمنَّا": "صدَّقْنا"، و "أُلْهِمنا"، و "شهِدنا".
لا تُزَجَّجُ، وإنما تُكْحَلُ، فَأَضْمَر لها الكَحْلَ، [كذلك يُضْمَرُ] في الموضع الذى لا يَحْسُنُ فيه "آمنَّا": "صدَّقْنا"، و "أُلْهِمنا"، و "شهِدنا". قال: ويُقَوِّى النصْبَ قولُه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾. فينبَغِى لمن كسَر أَنْ يَحذِفَ "أن" مِن "لو"؛ لأنَّ "إِنَّ" إذا خُفِّفَت لم تكن في حكايةٍ، ألا تَرَى أنك تقولُ: أقولُ لو فعَلتَ لفعَلتُ. ولا تُدْخِلُ "أنْ". وأما الذين [كسَروا كلَّها] وهم في ذلك يقولون: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾. فكأَنَّهم أَضْمَروا يمينًا مع "لو"، وقطَعوها عن النَّسَقِ على أوَّلِ الكلامِ، فقالوا: واللهِ أنْ لو اسْتَقاموا. قال: والعربُ تُدْخِلُ "أنْ" فى هذا الموضعِ مع اليمينِ وتحذِفُها، قال الشاعرُ:
فأُقْسِمُ لو شيءٌ أتانا رَسُولُه … سِواكَ ولَكِنْ لم نَجِدْ لَكَ مَدْفَعَا
[قال: وأنشَدني] آخَرُ:
أما واللهِ أنْ لو كنتَ حُرًّا … وما بالحُرِّ أنتَ ولا العَتِيقِ
فأَدْخَل "أنْ". ومن كسَر كلَّها ونصَب: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾.
نشَدني] آخَرُ:
أما واللهِ أنْ لو كنتَ حُرًّا … وما بالحُرِّ أنتَ ولا العَتِيقِ
فأَدْخَل "أنْ". ومن كسَر كلَّها ونصَب: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾. فإنه خصَّ
ذلك بالوَحْيِ، وجعَل: ﴿وَأَلَّوِ﴾ مضمرةً فيها اليمينُ على ما وصَفْتُ. وأما نافعٌ فإنَّ ما فتَح مِن ذلك، فإنه ردَّه على قولِه: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ﴾. وما كسَره فإنه جعَله مِن قولِ الجنِّ. وأحبُّ ذلك إلىَّ أن أقرَأَ به الفتحُ فيما كان وحيًا، والكسرُ فيما كان مِن قولِ الجنِّ؛ لأنَّ ذلك أفصحُها فى العربيةِ، وأبْيَنُها في المعنى، وإن كان للقراءاتِ الأُخَرِ وجوهٌ غيرُ مدفوعةٍ صحتُها.
مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾
يقول تعالى آمرا رسوله ﷺ أن يخبر قومه: أن الجن استمعوا القرآن فآمنوا به وصدقوه وانقادوا له، فقال تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) أي: إلى السداد والنجاح، (فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] وقد قدمنا الأحاديث الواردة في ذلك بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقوله: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: (جَدُّ رَبِّنَا) أي: فعله وأمره وقدرته.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: جد الله: آلاؤه وقدرته ونعمته على خلقه.
وروي عن مجاهد وعكرمة: جلال ربنا.
قوله تعالى: (جَدُّ رَبِّنَا) أي: فعله وأمره وقدرته.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: جد الله: آلاؤه وقدرته ونعمته على خلقه.
وروي عن مجاهد وعكرمة: جلال ربنا. وقال قتادة: تعالى جلاله وعظمته وأمره. وقال السدي: تعالى أمر ربنا. وعن أبي الدرداء، ومجاهد أيضا وابن جريج: تعالى ذكره. وقال سعيد بن جبير: (تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا) أي: تعالى ربنا.
فأما ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: الجد: أب. ولو علمت الجن أن في الإنس جدا ما قالوا: تعالى جَدّ ربنا.
فهذا إسناد جيد، ولكن لست أفهم ما معنى هذا الكلام؛ ولعله قد سقط شيء، والله أعلم.
ل: الجد: أب. ولو علمت الجن أن في الإنس جدا ما قالوا: تعالى جَدّ ربنا.
فهذا إسناد جيد، ولكن لست أفهم ما معنى هذا الكلام؛ ولعله قد سقط شيء، والله أعلم. وقوله: (مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا) أي: تعالى عن اتخاذ الصاحبة والأولاد، أي: قالت
الجن: تنزه الرب تعالى جلاله وعظمته، حين أسلموا وآمنوا بالقرآن، عن اتخاذ الصاحبة والولد.
ثم قالوا: (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا) قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والسدي: (سَفِيهُنَا) يعنون: إبليس، (شَطَطًا) قال السُّدِّي، عن أبي مالك: (شَطَطًا) أي: جورا. وقال ابن زيد: ظلما كبيرا.
ويحتمل أن يكون المراد بقولهم: (سَفِيهُنَا) اسم جنس لكل من زعم أن لله صاحبة أو ولدا.
ُدِّي، عن أبي مالك: (شَطَطًا) أي: جورا. وقال ابن زيد: ظلما كبيرا.
ويحتمل أن يكون المراد بقولهم: (سَفِيهُنَا) اسم جنس لكل من زعم أن لله صاحبة أو ولدا. ولهذا قالوا: (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا) أي: قبل إسلامه (عَلَى اللَّهِ شَطَطًا) أي: باطلا وزورا؛ ولهذا قال: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) أي: ما حسبنا أن الإنس والجن يتمالئون على الكذب على الله في نسبة الصاحبة والولد إليه. فلما سمعنا هذا القرآن وآمنا به، علمنا أنهم كانوا يكذبون على الله في ذلك.
وقوله: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) أي: كنا نرى أن لنا فضلا على الإنس؛ لأنهم كانوا يعوذون بنا، إي: إذا نزلوا واديا أو مكانا موحشا من البراري وغيرها كما كان عادة العرب في جاهليتها.
َقًا) أي: كنا نرى أن لنا فضلا على الإنس؛ لأنهم كانوا يعوذون بنا، إي: إذا نزلوا واديا أو مكانا موحشا من البراري وغيرها كما كان عادة العرب في جاهليتها. يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان، أن يصيبهم بشيء يسوؤهم كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم، (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) أي: خوفا وإرهابا وذعرا، حتى تبقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم، كما قال قتادة: (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) أي: إثما، وازدادت الجن عليهم بذلك جراءة.
وقال الثوري، عن منصور عن إبراهيم: (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) أي: ازدادت الجن عليهم جرأة.
وقال السدي: كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن أن أضَرّ أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي، قال: فإذا عاذ بهم من دون الله، رَهقَتهم الجن الأذى عند ذلك.
رض فينزلها فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن أن أضَرّ أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي، قال: فإذا عاذ بهم من دون الله، رَهقَتهم الجن الأذى عند ذلك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، حدثنا الزبير بن الخرِّيت، عن عكرمة قال: كان الجن يَفْرَقُون من الإنس كما يفرَق الإنس منهم أو أشد، وكان الإنس إذا نزلوا واديا هرب الجن، فيقول سيد القوم: نعوذ بسيد أهل هذا الوادي.
فقال الجن: نراهم يفرقون منا كما نفرق منهم. فدنوا من الإنس فأصابوهم بالخبل والجنون، فذلك قول الله: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا)
وقال أبو العالية، والربيع، وزيد بن أسلم: (رَهَقًا) أي: خوفا. وقال العوفي، عن ابن عباس: (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) أي: إثما. وكذا قال قتادة.
هُمْ رَهَقًا)
وقال أبو العالية، والربيع، وزيد بن أسلم: (رَهَقًا) أي: خوفا. وقال العوفي، عن ابن عباس: (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) أي: إثما. وكذا قال قتادة. وقال مجاهد: زاد الكفار طغيانا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي، حدثنا القاسم بن مالك -يعني المزني-عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبيه، عن كَردم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي من المدينة في حاجة، وذلك أول ما ذكر رسول الله ﷺ بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم. فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم، فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي، جارك. فنادى مناد لا نراه، يقول: يا سرحان، أرسله. فأتى الحملَ يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة.
أخذ حملا من الغنم، فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي، جارك. فنادى مناد لا نراه، يقول: يا سرحان، أرسله. فأتى الحملَ يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة. وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا)
ثم قال: ورُوي عن عبيد بن عمير، ومجاهد، وأبي العالية، والحسن، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النَّخَعي، نحوه.
وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل -وهو ولد الشاة-وكان جنّيا حتى يُرهب الإنسي ويخاف منه، ثم رَدَّه عليه لما استجار به، ليضله ويهينه، ويخرجه عن دينه، والله أعلم.
وقوله: (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا) أي: لن يبعث الله بعد هذه المدة رسولا. قاله الكلبي، وابن جرير.