القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قواريرَ في صفاءِ الصفاءِ مِن فضةِ الفضةِ، من البياضِ.
كما حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاء، قال: قال الحسن في قوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: صفاءُ القواريرِ في بياضِ الفضةِ.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ كثيرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: بياضُ الفضةِ في صفاءِ القواريرِ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، قال: أخبَرنا ابنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، قال: أخبَرنا ابنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: كان ترابُها مِن فضةٍ.
وقولُه: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾، قال: صفاءُ الزجاجِ في بياضِ الفضةِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: لو احتاج أهلُ الباطلِ أن يَعْمَلُوا إناءً مِن فضةٍ، يُرى ما فيه مِن خَلْفِه كما يُرى ما في باطنِ القواريرِ، ما قَدَرُوا عليه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: هي مِن فضةٍ، وصفاؤُها صفاءُ القواريرِ وبياضُ الفضةِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: على صفاءِ القواريرِ وبياضِ الفضةِ.
وقولُه: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾.
ُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: على صفاءِ القواريرِ وبياضِ الفضةِ.
وقولُه: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. يقولُ: قدَّروا تلك الآنيةَ التي يُطافُ عليهم بها
تقديرًا على [قَدْرِ رِيِّهم]، لا تزيد ولا تَنْقُصُ عن ذلك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: قُدِّرتْ لرِيِّ القومِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: [قَدْرَ ريِّهم].
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عبيدٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: لا تَنْقُصُ ولا تَفِيضُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾.
قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: لا تَتْرَعُ فتُهَرَاقَ، ولا يَنقُصُون [مِن مائِها] فتَنْقُصَ، فهي مَلْأَى.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾: قدَّروها لرِيِّهم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾.
قال: قُدِّرَتْ على رِيِّ القومِ.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: قدَّروها لريِّهم على قَدْرِ شُرْبِهم؛ أهلُ الجنةِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٌ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾.
. قال: قدَّروها لريِّهم على قَدْرِ شُرْبِهم؛ أهلُ الجنةِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٌ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: مُمْتَلِئةٌ لا تُهَراقُ، وليست بناقصةٍ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: قَدَّروها على قَدْرِ الكفِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: قُدِّرَتُ للكفِّ.
واختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿قَدَّرُوهَا﴾ بفتح القافِ، بمعنى: قدَّرها لهم السُّقاةُ الذين يَطُوفون بها عليهم. ورُوِى عن الشعبيِّ وغيرِه من المتقدمين، أنَّهم قرءَوا ذلك بضمِّ القافِ: (قُدِّروها) بمعنى: قُدِّرَتْ عليهم، فلا زيادةَ فيها ولا نُقْصَانَ.
والقراءةُ التي لا أستجيزُ القراءةَ بغيرِها فتحُ القافِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأَةِ عليه.
قولُه: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾.
ُ التي لا أستجيزُ القراءةَ بغيرِها فتحُ القافِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأَةِ عليه.
قولُه: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويُسْقَى هؤلاء الأبرارُ في الجنةِ كأسًا؛ وهى كلُّ إناءٍ كان فيه شرابٌ، فإذا كان فارغًا مِن الخَمْرِ لم يُقَلْ له: كأس. وإنما يقالُ له: إناءٌ. كما يقالُ للطَّبَقِ الذي تُهْدَى فيه الهديةُ: المِهْدَى. مقصورًا، ما دامت عليه الهديةُ، فإذا فَرَغ مما عليه كان طَبَقًا أو خِوَانًا ولم يكنْ، مِهْدًى، ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾. يقولُ: كان مِزاجُ شرابِ الكأسِ التي يُسْقَون منها زَنْجَبِيلًا.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: يُمْزَجُ لهم شرابُهم بالزَّنْجَبِيلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ، ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾.
لهم شرابُهم بالزَّنْجَبِيلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ، ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾. قال: تُمْزَجُ بِالزَّنْجَبِيلِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾. قال: يَأْثُرُ لهم ما كانوا يشربون في الدنيا. زاد
الحارثُ في حديثهِ: فيُحَبِّبُه إليهم.
وقال بعضُهم: الزَّنْجَبِيلُ: اسمٌ للعينِ التي منها مِزاجُ شرابِ الأبرارِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾: رفيعةً يَشْرَبُها المُقَرَّبون صِرْفًا، وتُمْزَجُ لسائرِ أهلِ الجنةِ.
وقولُه: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: عينًا في الجنةِ تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا.
َبون صِرْفًا، وتُمْزَجُ لسائرِ أهلِ الجنةِ.
وقولُه: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: عينًا في الجنةِ تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا. قيل: عُنِى بقولِه: ﴿سَلْسَبِيلًا﴾: سَلِسَةٌ مُنْقادًا ماؤُها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾: عينًا سَلِسَةٌ مُسْتَقِيدًا ماؤُها.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾، قال: سَلِسَةٌ يَصْرِفونها حيثُ شاءُوا.
وقال آخرون: عُنِى بذلك أنَّها شديدةُ الجرْيَةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾.
ةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾. قال: حديدةَ الجِرْيَةِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن شِبْلٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: سَلِسَةَ الجِرْيَةِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾: حديدةَ الجِرْيَةِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
واختلَف أهلُ العربيةِ في معنى السَّلْسبِيل وفي إعرابِه؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: إنَّ "سلسبيل" صفةٌ للعين بالتَّسَلْسُلِ.
ي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
واختلَف أهلُ العربيةِ في معنى السَّلْسبِيل وفي إعرابِه؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: إنَّ "سلسبيل" صفةٌ للعين بالتَّسَلْسُلِ. وقال بعضُهم: إنما أراد عينًا تُسَمَّى سلسبيلًا؛ أي تُسَمَّى مِن طِيبِها السلسبيلَ، أي تُوصفُ للناسِ، كما تقولُ: الأَعْوَجِيُّ والأَرْحبيُّ والمَهْرِيُّ من الإبلِ، وكما تُنْسَبُ الخيلُ إذا
وُصفت إلى هذه الخيلِ المعروفةِ المنسوبةِ، كذلك تُنْسَبُ العينُ إلى أنَّها تُسَمَّى؛ لأن القرآنَ نزَل على كلامِ العربِ، قال: وأنشَدني يونسُ:
صَفْراءُ مِن نَبْعٍ يُسَمَّى سَهْمُها … مِنْ طُولِ ما صَرَعَ الصُّبُودَ الصَّيِّبُ
فرفع "الصَّيِّب"؛ لأنه لم يُرِدْ أنْ يُسَمَّى بالصَّيِّبِ، إنما الصَّيِّبُ مِن صفةِ الاسمِ والسهمِ. وقولُه: "يسمى سهمها". أي يُذْكَرُ سَهْمُها. قال: وقال بعضُهم: لا، بل هو اسمُ العينِ، وهو معرفةٌ، ولكنه لما كان رأسَ آيةٍ وكان مفتوحًا، زِيدَتْ فيه الألفُ، كما قال: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾.
ْمُها. قال: وقال بعضُهم: لا، بل هو اسمُ العينِ، وهو معرفةٌ، ولكنه لما كان رأسَ آيةٍ وكان مفتوحًا، زِيدَتْ فيه الألفُ، كما قال: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾. وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: السلسبيلُ نعتٌ، أراد: سَلِسٌ في الحَلْقِ، فلذلك حَرِيٌّ أن تُسَمَّى بسلاستِها.
وقال آخرُ منهم: ذكَروا أنَّ السلسبيلَ اسمٌ للعينِ، وذكَروا أنه صفةٌ للماءِ لسَلَسِه وعُذُوبتِه. قال: ونرى أنه لو كان اسمًا للعينِ، لكان تركُ الإجراءِ فيه أكثرَ، ولم نَرَ أحدًا ترَك إجراءَها، وهو جائزٌ في العربيةِ؛ لأنَّ العرب تُجْرِى ما لا يُجْرَى في الشعرِ، كما قال مُتمِّمُ بنُ نُوَيْرةَ:
فما وَجُدُ أَظْآرٍ ثَلاثٍ رَوَائِمٍ … رَأَيْنَ مَجَرًّا مِن حُوارٍ ومَصْرَعًا
فأجرَى "روائم" وهى مما لا يُجْرَى.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنَّ قولَه: ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ صفةٌ للعينِ، وُصِفَتْ بالسَّلاسةِ في الحَلْقِ، وفى حال الجَرْي، وانقيادِها لأهلِ الجنةِ، يُصَرِّفونها حيثُ شاءُوا، كما قال مجاهدٌ، وقتادةُ.
سَبِيلًا﴾ صفةٌ للعينِ، وُصِفَتْ بالسَّلاسةِ في الحَلْقِ، وفى حال الجَرْي، وانقيادِها لأهلِ الجنةِ، يُصَرِّفونها حيثُ شاءُوا، كما قال مجاهدٌ، وقتادةُ. وإنما عُنِى بقولِه: ﴿تُسَمَّى﴾: تُوصَفُ.
وإنما قلتُ ذلك أولى بالصوابِ؛ لإجماعِ أهلِ التأويلِ على أن قولَه: ﴿سَلْسَبِيلًا﴾ صفةٌ لا اسمٌ.
َقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾
يخبر تعالى عن أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم، وما أسبغ عليهم من الفضل العَميم فقال: (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ) وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة "الصافات"، وذكر الخلاف في الاتكاء: هل هو الاضطجاع، أو التمرفق، أو التربع أو التمكن في الجلوس؟ وأن الأرائك هي السُّرر تحت الحجال.
وقوله: (لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا) أي: ليس عندهم حَرّ مزعج، ولا برد مؤلم، بل هي مزاج واحد دائم سَرْمَدْيّ، ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا﴾ [الكهف: ١٠٨].
(وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا) أي: قريبة إليهم أغصانها، (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا) أي: متى تعاطاه دنا القطْفُ إليه وتدلى من أعلى غصنه، كأنه سامع طائع، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وقال تعالى ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣]
ن أعلى غصنه، كأنه سامع طائع، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وقال تعالى ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣]
قال مجاهد: (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا) إن قام ارتفعت بقَدْره، وإن قعد تَدَلَّتْ له حتى ينالها، وإن اضطجع تَدَلَّت له حتى ينالها، فذلك قوله: (تَذْلِيلا)
وقال قتادة: لا يرد أيديهم عنها شوكٌ ولا بُعدُ.
وقال مجاهد: أرض الجنة من وَرق، وترابها المسك، وأصول شجرها من ذهب وفضة، وأفنانها من اللؤلؤ الرطب والزبرجد والياقوت، والوَرَق والثمر بين ذلك. فمن أكل منها قائما لم يؤذه، ومن أكل منها قاعدا لم يؤذه، ومن أكل منها مضطجعًا لم يؤذه.
وقوله: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ) أي: يطوف عليهم الخَدَم بأواني الطعام، وهي من فضة، وأكواب الشراب وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم.
وقوله: (قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ) فالأول منصوب بخبر "كان" أي: كانت قوارير.
ن فضة، وأكواب الشراب وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم.
وقوله: (قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ) فالأول منصوب بخبر "كان" أي: كانت قوارير. والثاني منصوب إما على البدلية أو تمييز؛ لأنه بينه بقوله: (قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ)
قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن البصري، وغير واحد: بياض الفضة في صفاء الزجاج، والقوارير لا تكون إلا من زجاج. فهذه الأكواب هي من فضة، وهي مع هذا شفافة يرى ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا.
قال ابن المبارك، عن إسماعيل، عن رجل، عن ابن عباس: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: (قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا) أي: على قدر ريّهم، لا تزيد عنه ولا تنقص، بل هي مُعَدّة لذلك، مقدرة بحسب ريّ صاحبها. هذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي صالح، وقتادة، وابن أبزى، وعبد الله بن عُبَيد بن عمير، وقتادة، والشعبي، وابن زيد. وقاله ابن جرير وغير واحد.
قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي صالح، وقتادة، وابن أبزى، وعبد الله بن عُبَيد بن عمير، وقتادة، والشعبي، وابن زيد. وقاله ابن جرير وغير واحد. وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة.
وقال العَوفي، عن ابن عباس: (قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا) قدرت للكف. وهكذا قال الربيع بن أنس. وقال الضحاك: على قدر أكُفّ الخُدّام. وهذا لا ينافي القول الأول، فإنها مقدرة في القَدْر والرّي.
وقوله: (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا) أي: ويسقون -يعني الأبرار أيضا-في هذه الأكواب (كَأْسًا) أي: خمرًا، (كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا) فتارة يُمزَج لهم الشراب بالكافور
وهو بارد، وتارة بالزنجبيل وهو حار، ليعتدل الأمر، وهؤلاء يمزج لهم من هذا تارة ومن هذا تارة. وأما المقربون فإنهم يشربون من كل منهما صِرْفًا، كما قاله قتادة وغير واحد.
بالزنجبيل وهو حار، ليعتدل الأمر، وهؤلاء يمزج لهم من هذا تارة ومن هذا تارة. وأما المقربون فإنهم يشربون من كل منهما صِرْفًا، كما قاله قتادة وغير واحد. وقد تقدم قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ وقال هاهنا: (عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا) أي: الزنجبيل عين في الجنة تسمى سلسبيلا.
قال عكرمة: اسم عين في الجنة. وقال مجاهد: سميت بذلك لسلاسة سيلها وحِدّة جَريها.
وقال قتادة: (عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا) عين سَلِسَة مُستَقِيد ماؤها.
وحكى ابنُ جرير عن بعضهم أنها سميت بذلك لسلاستها في الحَلْق. واختار هو أنها تَعُمّ ذلك كلَّه، وهو كما قال.
وقوله تعالى: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا) أي: يطوف على أهل الجنة للخدْمَة ولدانٌ من ولدان الجنة (مُخَلَّدُونَ) أي: على حالة واحدة مخلدون عليها، لا يتغيرون عنها، لا تزيد أعمارهم عن تلك السن.
) أي: يطوف على أهل الجنة للخدْمَة ولدانٌ من ولدان الجنة (مُخَلَّدُونَ) أي: على حالة واحدة مخلدون عليها، لا يتغيرون عنها، لا تزيد أعمارهم عن تلك السن. ومن فسرهم بأنهم مُخَرّصُونَ في آذانهم الأقرطة، فإنما عبر عن المعنى بذلك؛ لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير.
وقوله: (إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا) أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة، وكثرتهم، وصباحة وجوههم، وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلؤا منثورا.
هُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا) أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة، وكثرتهم، وصباحة وجوههم، وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلؤا منثورا. ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن.
قال قتاده، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف خادم، كل خادم على عمل ما عليه صاحبه.
وقوله: (وَإِذَا رَأَيْتَ) أي: وإذا رأيت يا محمد، (ثَمَّ) أي: هناك، يعني في الجنة ونعيمها وسَعَتها وارتفاعها وما فيها من الحَبْرَة والسرور، (رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) أي: مملكةً لله هُناك عظيمةً وسلطانًا باهرًا.
وثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لآخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولا إليها: إن لك مثلَ الدنيا وعشرة أمثالها.
وقد قَدّمنا في الحديث المَرويّ من طريق ثُوَير بن أبي فاختة، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه".
يق ثُوَير بن أبي فاختة، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه". فإذا كان هذا عطاؤه تعالى لأدنى من يكون في الجنة، فما ظنك بما هو أعلى منزلة، وأحظى عنده تعالى.
وقد روى الطبراني هاهنا حديثًا غريبًا جدًا فقال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن
عمار الموصلي، حدثنا عفيف بن سالم، عن أيوب بن عتبة، عن عطاء، عن ابن عمر قال: جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله ﷺ: فقال له رسول الله: "سل واستفهم". فقال: يا رسول الله، فُضّلْتُم علينا بالصور والألوان والنبوة، أفرأيتَ إن آمنتُ بما آمنتَ به وعملتُ بمثل ما عملتَ به، إني لكائن معكَ في الجنة؟ قال: "نعم، والذي نفسي بيده، إنه لَيُرَى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام". ثم قال رسول الله ﷺ: "من قال: لا إله إلا الله، كان له بها عَهدٌ عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده، كتب له مائة ألف حسنة، وأربعة وعشرون ألف حسنة". فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله؟
الله، كان له بها عَهدٌ عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده، كتب له مائة ألف حسنة، وأربعة وعشرون ألف حسنة". فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: "إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وُضِعَ على جبل لأثقله، فتقوم النعمة -أو: نعَم الله-فتكاد تستنفذ ذلك كله، إلا أن يَتَغَمّده الله برحمته". ونزلت هذه السورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قوله: (وَمُلْكًا كَبِيرًا) فقال الحبشي: وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة؟ قال: "نعم". فاستبكى حتى فاضت نفسه.
الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قوله: (وَمُلْكًا كَبِيرًا) فقال الحبشي: وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة؟ قال: "نعم". فاستبكى حتى فاضت نفسه. قال ابن عمر: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يُدليه في حُفرَته بيده.
وقوله: (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ) أي: لباس أهل الجنة فيها الحرير، ومنه سندس، وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم، والإستبرق منه ما فيه بريق ولمعان، وهو مما يلي الظاهر، كما هو المعهود في اللباس (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ) وهذه صفة الأبرار، وأما المقربون فكما قال: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]
فِضَّةٍ) وهذه صفة الأبرار، وأما المقربون فكما قال: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]
ولما ذكر تعالى زينة الظاهر بالحرير والحلي قال بعده: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) أي: طهر بواطنهم من الحَسَد والحقد والغل والأذى وسائر الأخلاق الرّديَّة، كما روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: إذا انتهى أهلُ الجنة إلى باب الجنة وَجَدوا هنالك عينين فكأنما ألهموا ذلك فشربوا من إحداهما [فأذهب الله] ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى فَجَرت عليهم نضرةُ النعيم.
وقوله: (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) أي: يقال لهم ذلك تكريما لهم وإحسانا إليهم كقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] وكقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]