القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ الذين ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ برُّوا بوفائِهم للهِ بالنذورِ التي كانوا يَنْذُرُونها في طاعةِ اللهِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾. قال: إذا نَذَرُوا في حقِّ اللهِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾.
ولَه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾. قال: إذا نَذَرُوا في حقِّ اللهِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾. قال: كانوا يَنْذُرُون طاعةَ الله؛ مِن الصلاةِ والزكاةِ، والحجِّ والعمرةِ، وما افْتَرَض عليهم، فسمَّاهم اللهُ بذلك الأبرارَ، فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يُوفُونَ
بِالنَّذْرِ﴾. قال: بطاعةِ اللهِ، وبالصلاةِ والحجِّ والعمرةِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ قولَه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾.
يُوفُونَ
بِالنَّذْرِ﴾. قال: بطاعةِ اللهِ، وبالصلاةِ والحجِّ والعمرةِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ قولَه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾. قال: في غيرِ معصيةٍ.
وفي الكلامِ محذوفٌ اجْتُزِئَ بدلالةِ الكلامِ عليه منه، وهو كان ذلك، وذلك أن معنى الكلامِ: إنَّ الأبرارَ يشربون من كأسٍ كان مزاجُها كافورًا، كانوا يُوفُون بالنذرِ، فَتُرِك ذكرُ "كانوا"، لدلالةِ الكلامِ عليها، والنذرُ: هو كلُّ ما أَوْجَبه الإنسانُ على نفسِه مِن فعلٍ؛ ومنه قولُ عنترةَ:
الشَّاتِمَىْ عِرْضِى ولم أَشْتِمُهُما … والنَّاذرَينِ إذا لَقيتُهما دَمى
وقولُه: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾.
ومنه قولُ عنترةَ:
الشَّاتِمَىْ عِرْضِى ولم أَشْتِمُهُما … والنَّاذرَينِ إذا لَقيتُهما دَمى
وقولُه: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويَخافون عقابَ اللهِ بتَرْكِهم الوفاءَ بما نَذَرُوا اللهِ مِن بِرٍّ، في يومٍ كان شرُّه مُسْتَطِيرًا؛ ممتدًّا طويلًا فاشِيًا.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾: استطار واللهِ شرُّ ذلك اليومِ، حتى ملأ السمواتِ والأرضَ، وأمَّا رجلٌ يقولُ عليه نَذْرٌ أَلَّا يَصِل رحمًا، ولا يتصدَّقَ، ولا يَصْنَعَ خيرًا، فإنه لا يَنْبَغِي أَنْ يُكَفِّرَ عنه، ويأبى ذلك.
ومنه قولُهم: اسْتَطَار الصَّدْعُ في الزجاجةِ، واسْتَطَال: إذا امتدَّ، ولا يقالُ ذلك في الحائطِ؛ ومنه قولُ الأعشى:
فبَانَتْ وقَدْ أَثْأَرَتْ فِي الفُؤَا … دِ صَدْعًا عَلَى نَأْيها مُسْتَطِيرًا
يعني: ممتدًّا فاشِيًا.
تدَّ، ولا يقالُ ذلك في الحائطِ؛ ومنه قولُ الأعشى:
فبَانَتْ وقَدْ أَثْأَرَتْ فِي الفُؤَا … دِ صَدْعًا عَلَى نَأْيها مُسْتَطِيرًا
يعني: ممتدًّا فاشِيًا.
وقولُه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كان هؤلاء الأبرارُ يُطْعِمُون الطعامَ على حبِّهم إيَّاه، وشَهْوَتِهم له.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ عِياضٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾. قال: وهم يَشْتَهُونه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو العُرْيانِ، قال: سألتُ سليمانَ بن قيسٍ، أبا مقاتلِ بنَ سليمانَ، عن قولِه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾. قال: على حُبِّهم للطعامِ.
وقوله: ﴿مِسْكِينًا﴾. يعنى جلَّ ثناؤه: ذوى الحاجةِ الذين قد أذلَّتهم الحاجةُ، ﴿وَيَتِيمًا﴾. وهو الطفلُ الذي قد مات أبوه ولا شيءَ له، ﴿وَأَسِيرًا﴾.
مِ.
وقوله: ﴿مِسْكِينًا﴾. يعنى جلَّ ثناؤه: ذوى الحاجةِ الذين قد أذلَّتهم الحاجةُ، ﴿وَيَتِيمًا﴾. وهو الطفلُ الذي قد مات أبوه ولا شيءَ له، ﴿وَأَسِيرًا﴾. وهو الحربيُّ مِن أهل دارِ الحربِ يُؤْخَذُ قهرًا بالغَلَبَةِ، أو مِن أَهلِ القبلةِ يُؤْخَذُ فَيُحْبَسُ
بحقٍّ، فأَثْنى الله على هؤلاءِ الأبرارِ، بإطعامِهم هؤلاءِ تقرُّبا بذلك إلى اللهِ، وطلبَ رضاه، ورحمةً منهم لهم.
واختلف أهلُ العلم في الأسيرِ الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: بما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾.
ُهم: بما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. قال: لقد أمَر اللهُ بالأُسَراءِ أن يُحْسَنَ إليهم، وإنَّ أَسْرَاهم يومئذٍ لأهلُ الشركِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَسِيرًا﴾.
قال: كان أسراهم يومئذٍ المشركَ، وأخوك المسلمُ أحقُّ أنْ تُطْعِمه.
قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن أبي عمرٍو، أن عكرمةَ قال في قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. زعَم أنه قال: كان الأَسْرى في ذلك الزمانِ المشركَ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا أشعثُ، عن الحسنِ: ﴿وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾.
زعَم أنه قال: كان الأَسْرى في ذلك الزمانِ المشركَ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا أشعثُ، عن الحسنِ: ﴿وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. قال: ما كان أُسَراؤهم إلا المشركين.
وقال آخرون: عُنِي بذلك: المسجونُ مِن أهلِ القبلةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ،
عن مجاهدٍ، قال: الأسيرُ: المَسْجُونُ.
حدَّثني أبو شيبةَ بنُ أبي شيبةَ، قال: ثنا عمرُ بنُ حفصٍ، قال: ثني أبي، عن حجاجٍ، قال: ثني عمرُو بنُ مرَّةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِ اللهِ: ﴿مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾: مِن أهلِ القبلةِ وغيرِهم، فسألتُ عطاءً، فقال مثلَ ذلك.
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا يحيى - يعني ابنَ عيسى -، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَسِيرًا﴾.
فسألتُ عطاءً، فقال مثلَ ذلك.
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا يحيى - يعني ابنَ عيسى -، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَسِيرًا﴾. قال: الأسيرُ هو المحبوسُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله وصَف هؤلاءِ الأبرارَ، بأنَّهم كانوا في الدنيا يُطْعِمُون الأسير، والأسيرُ الذي قد وصَفْتُ صفتَه، واسمُ الأسيرِ قد يَشْتَمِلُ على الفريقين، وقد عمَّ الخبرَ عنهم أنهم يُطْعِمُونهم، فالخبرُ على عمومِه حتى يَخُصَّه ما يجب التسليمُ له. وأما قولُ مَن قال: لم يكنْ لهم أسيرٌ يومئذٍ إلا أهلَ الشركِ، فإن ذلك وإنْ كان كذلك، فلم يُخصَصْ بالخبرِ المُوفون بالنذرِ يومئذٍ، وإنما هو خبرٌ مِن الله عن كلِّ مَن كانت هذه صفتَه يومئذٍ، وبعدَه إلى يومِ القيامةِ، وكذلك الأسيرُ معنِيٌّ به أسيرُ المشركين والمسلمين يومئذٍ، وبعد ذلك إلى قيامِ الساعةِ.
وقوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾.
يومِ القيامةِ، وكذلك الأسيرُ معنِيٌّ به أسيرُ المشركين والمسلمين يومئذٍ، وبعد ذلك إلى قيامِ الساعةِ.
وقوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يقولون: إنما نُطْمِعُكم، إذا هم أَطْعَمُوهم، لوجهِ اللهِ. يَعْنُون طلبَ رضا اللهِ والقُرْبةِ إليه، ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. يقولون للذين يُطْعِمُونهم ذلك الطعامَ: لا نُريدُ منكم أيُّها الناسُ، على إطعامِناكم، ثوابًا ولا شُكُورًا.
وفى قولِه: ﴿وَلَا شُكُورًا﴾ وجهان مِن المعنى؛ أحدُهما: أن يكونَ جمعَ الشُّكْرِ كما الفُلوسُ جمعُ فَلْسٍ، والكُفُورُ جمعُ كَفْرٍ. والآخرُ: أَن يكون مصدرًا واحدًا في معنى جمعٍ، كما يقالُ: قَعَد قُعُودًا، وخرَج خُرُوجًا.
وقد حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سالمٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾.
َّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سالمٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. قال: أما إنَّهم ما تكلَّموا به، ولكن عَلِمه اللهُ مِن قلوبِهم، فأَثْنى به عليهم؛ ليَرْغَبَ في ذلك راغبٌ.
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمِ بن أبى الوضاحِ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. قال: أما واللهِ ما قالوه بألسنتِهم، ولكن عَلِمه اللهُ من قلوبِهم، فأَثْنى عليهم؛ ليَرْغَبَ في ذلك راغبٌ.
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾
قال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل؛ ولهذا قال: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) أي: هذا الذي مُزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صرفا بلا مزج ويَرْوَوْنَ بها؛ ولهذا ضمن يشرَب "يروى" حتى عداه بالباء، ونصب (عَيْنًا) على التمييز.
قال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور. وقال بعضهم: هو من عين كافور.
ْوَوْنَ بها؛ ولهذا ضمن يشرَب "يروى" حتى عداه بالباء، ونصب (عَيْنًا) على التمييز.
قال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور. وقال بعضهم: هو من عين كافور. وقال بعضهم: يجوز أن يكون منصوبًا بـ (يَشْرَبُ) حكى هذه الأقوال الثلاثة ابنُ جرير.
وقوله: (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) أي: يتصرفون فيها حيث شاؤوا وأين شاؤوا، من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم.
والتفجير هو الإنباع، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]. وقال: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣].
وقال مجاهد: (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) يقودونها حيث شاؤوا، وكذا قال عكرمة، وقتادة.
سراء: ٩٠]. وقال: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣].
وقال مجاهد: (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) يقودونها حيث شاؤوا، وكذا قال عكرمة، وقتادة. وقال الثوري: يصرفونها حيث شاؤوا.
وقوله: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من [فعل] الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر.
قال الإمام مالك، عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم بن مالك، عن عائشة، ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يَعصي الله فلا يَعصِه"، رواه البخاري من حديث مالك.
ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد، وهو اليوم الذي شره مستطير، أي: منتشر عام على الناس إلا من رَحِمَ الله.
قال ابن عباس: فاشيًا. وقال قتادة: استطار -والله-شرّ ذلك اليوم حتى مَلأ السماوات والأرض.
قال ابن جرير: ومنه قولهم: استطار الصدع في الزجاجة واستطال.
ه.
قال ابن عباس: فاشيًا. وقال قتادة: استطار -والله-شرّ ذلك اليوم حتى مَلأ السماوات والأرض.
قال ابن جرير: ومنه قولهم: استطار الصدع في الزجاجة واستطال. ومنه قول الأعشى:
فَبَانَتْ وَقَد أسْأرت في الفُؤا … د صَدْعًا، على نَأيها مُستَطيرًا
يعني: ممتدا فاشيا.
وقوله: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ) قيل: على حب الله تعالى. وجعلوا الضمير عائدًا إلى الله ﷿ لدلالة السياق عليه. والأظهر أن الضمير عائد على الطعام، أي: ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له، قاله مجاهد، ومقاتل، واختاره ابن جرير، كقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وكقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
وروى البيهقي، من طريق الأعمش، عن نافع قال: مرض ابن عمر فاشتهى عنبا -أول ما جاء العنب-فأرسلت صفية -يعني امرأته-فاشترت عنقودًا بدرهم، فاتبع الرسولَ السائل، فلما دخل به قال السائل: السائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه. فأعطوه إياه.
جاء العنب-فأرسلت صفية -يعني امرأته-فاشترت عنقودًا بدرهم، فاتبع الرسولَ السائل، فلما دخل به قال السائل: السائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه. فأعطوه إياه. ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت عنقودًا فاتبع الرسولَ السائلُ، فلما دخل قال السائل: السائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه. فأعطوه إياه. فأرسلت صفية إلى السائل فقالت: والله إن عُدتَ لا تصيبُ منه خيرًا أبدًا. ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت به.
وفي الصحيح: "أفضل الصدقة أن تَصَدّقَ وأنت صحيح، شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر" أي: في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه؛ ولهذا قال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) أما المسكين واليتيم، فقد تقدم بيانهما وصفتهما. وأما الأسير: فقال سعيد بن جبير، والحسن، والضحاك: الأسير: من أهل القبلة. وقال ابن عباس: كان أسراؤهم يومئذ مشركين.
ن واليتيم، فقد تقدم بيانهما وصفتهما. وأما الأسير: فقال سعيد بن جبير، والحسن، والضحاك: الأسير: من أهل القبلة. وقال ابن عباس: كان أسراؤهم يومئذ مشركين. ويشهد لهذا أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء، وهكذا قال سعيد بن جبير، وعطاء، والحس، وقتادة.
وقد وصى رسول الله ﷺ بالإحسان إلى الأرقاء في غير ما حديث، حتى إنه كان آخر ما أوصى أن جعل يقول: "الصلاةَ وما ملكت أيمانكم".
وقال عكرمة: هم العبيد -واختاره ابن جرير-لعموم الآية للمسلم والمشرك.
قال مجاهد: هو المحبوس، أي: يطعمون لهؤلاء الطعام وهم يشتهونه ويحبونه، قائلين بلسان الحال: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) أي: رجاءَ ثواب الله ورضاه (لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا) أي: لا نطلب منكم مجازاة تكافئونا بها ولا أن تشكرونا عند الناس.
قال مجاهد وسعيد بن جبير: أما والله ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم الله به من قلوبهم، فأثنى عليهم به ليرغب في ذلك راغب.
ئونا بها ولا أن تشكرونا عند الناس.
قال مجاهد وسعيد بن جبير: أما والله ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم الله به من قلوبهم، فأثنى عليهم به ليرغب في ذلك راغب.
(إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) أي: إنما نفعل هذا لعل الله أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه، في اليوم العبوس القمطرير.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (عَبُوسًا) ضيقا، (قَمْطَرِيرًا) طويلا.
وقال عكرمة وغيره، عنه، في قوله: (يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) أي: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عَرَق مثل القَطرَان.
وقال مجاهد: (عَبُوسًا) العابس الشفتين، (قَمْطَرِيرًا) قال: تقبيض الوَجه بالبُسُور.
وقال سعيد بن جبير، وقتادة: تعبس فيه الوجوه من الهول، (قَمْطَرِيرًا) تقليص الجبين وما بين العينين، من الهول.
وقال ابن زيد: العبوس: الشر.
جه بالبُسُور.
وقال سعيد بن جبير، وقتادة: تعبس فيه الوجوه من الهول، (قَمْطَرِيرًا) تقليص الجبين وما بين العينين، من الهول.
وقال ابن زيد: العبوس: الشر. والقمطرير: الشديد.
وأوضح العبارات وأجلاها وأحلاها، وأعلاها وأولاها -قولُ ابن عباس، ﵁.
قال ابن جرير: والقمطرير هو: الشديد؛ يقال: هو يوم قمطرير ويوم قُماطِر، ويوم عَصِيب وعَصَبْصَب، وقد اقمطرّ اليومُ يقمطرّ اقمطرارا، وذلك أشد الأيام وأطولها في البلاء والشدة، ومنه قول بعضهم:
بنَي عَمّنا، هل تَذكُرونَ بَلاءنَا? … عَلَيكم إذَا ما كانَ يومُ قُمَاطرُ
قال الله تعالى: (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا) وهذا من باب التجانس البليغ، (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ) أي: آمنهم مما خافوا منه، (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً) أي: في وجوههم، (وَسُرُورًا) أي: في قلوبهم. قاله الحسن البصري، وقتادة، وأبو العالية، والربيع بن أنس.
أي: آمنهم مما خافوا منه، (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً) أي: في وجوههم، (وَسُرُورًا) أي: في قلوبهم. قاله الحسن البصري، وقتادة، وأبو العالية، والربيع بن أنس. وهذه كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨، ٣٩]. وذلك أن القلب إذا سُرَّ استنار الوجه، قال كعب بن مالك في حديثه الطويل: وكان رسول الله ﷺ
إذا سُرَّ، استنار وجهه حتى كأنه قطعة قَمَر وقالت عائشةُ: دخل عَلَيّ رسول الله ﷺ مسرورا تَبرُقُ أسَاريرُ وَجْهه. الحديث.
وقوله: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا) أي: بسبب صبرهم أعطاهم ونَوّلهم وبوّأهم (جَنَّةً وَحَرِيرًا) أي: منزلا رحبا، وعيشا رَغَدًا ولباسًا حَسَنًا.
وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة هشام بن سليمان الدّارَاني قال: قرئ على أبي سليمان الداراني سورة: (هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ) فلما بلغ القارئ إلى قوله: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا) قال بما صبروا على ترك الشهوات في الدنيا، ثم أنشد:
لْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ) فلما بلغ القارئ إلى قوله: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا) قال بما صبروا على ترك الشهوات في الدنيا، ثم أنشد:
كَم قَتيل بشَهوةٍ وأسير … أفّ مِنْ مُشتَهِي خِلاف الجَميل
شَهوَاتُ الإنْسان تورثه الذُّل … وَتُلْقيه في البَلاء الطَّويل