Dan barang siapa mundur pada waktu itu, kecuali berbelok untuk (siasat) perang atau hendak menggabungkan diri dengan pasukan lain, maka sungguh, orang itu kembali dengan membawa kemurkaan dari Allah. Tempatnya ialah neraka Jahanam, dan seburuk-buruknya tempat kembali
ِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾. يقولُ: إلا مُسْتطرِدًا لقتالِ عدوِّه بطلبِ عَوْرةٍ له يمكنُه إصابتُها، فيكُرُّ عليه، ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾. أو إلَّا أن يولِّيَهم ظهرَه، ﴿مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾. يقولُ: صائرًا إلى حيزِ المؤمنين الذين يفيئون به معهم إليهم لقتالِهم، ويَرْجِعون به إليهم معهم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾. قال: المتحرِّفُ: المتقدِّمُ من أصحابِه؛ ليرى عورةً من العدوِّ فيُصيبَها. قال: والمتحيِّزُ: الفارُّ إلى النبيِّ ﷺ وأصحابِه، وكذلك من فرَّ اليومَ إلى أميرِه وأصحابِه.
: المتقدِّمُ من أصحابِه؛ ليرى عورةً من العدوِّ فيُصيبَها. قال: والمتحيِّزُ: الفارُّ إلى النبيِّ ﷺ وأصحابِه، وكذلك من فرَّ اليومَ إلى أميرِه وأصحابِه. قال الضحَّاكُ: وإنما هذا وعيدٌ من اللهِ لأصحابِ محمدٍ ﷺ، ألا يفروا، وإنما كان النبيُّ ﵊ وأصحابُه فئَتَهم.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾: أمَّا المتحرِّفُ، يقولُ: الاستطرادُ، يريدُ العورةَ، ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾.
إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾: أمَّا المتحرِّفُ، يقولُ: الاستطرادُ، يريدُ العورةَ، ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾. قال: المتحيِّزُ إلى الإمامِ وجندِه إن هو كرَّ فلم يكنْ له بهم طاقةٌ، ولا يُعْذَرُ الناسُ وإن كثُروا أن يولُّوا عن الإمامِ.
واخْتَلف أهلُ العلمِ في حكمِ قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾، هل هو خاصٌّ فى أهلِ بدرٍ، أم هو فى المؤمنين جميعًا؟ فقال قومٌ: هو لأهلِ بدرٍ خاصَّةً؛ لأنه لم يكنْ لهم أن يترُكوا رسولَ اللهِ ﷺ مع عدوِّه وينهزموا عنه، [فأَمَّا اليومَ فلهم] الانهزامُ؟
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن أبي نَضْرةَ فى قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: ذاك يومَ بدرٍ، لم يكنْ لهم أن ينحازوا، ولو انحاز أحدٌ لم ينحزْ إلَّا إلى.
أبي نَضْرةَ فى قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: ذاك يومَ بدرٍ، لم يكنْ لهم أن ينحازوا، ولو انحاز أحدٌ لم ينحزْ إلَّا إلى. قال أبو موسى: يعنى إلى المشركين.
حدَّثنا إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن داودَ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبى سعيدٍ قولَه ﷿: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال: ولو انحازوا انحازوا إلى المشركين ولم يكنْ يومَئذ مسلمٌ في الأرضِ غيرُهم.
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا داودُ، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيدٍ، قال: نزَلت في يومِ بدرٍ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾.
حدَّثنا ابنُ المثنى وعليُّ بنُ مسلمٍ الطُّوسيُّ، قال ابنُ المثنى: ثنى عبدُ الصمدِ، وقال عليٌّ: ثنا عبُد الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن داودَ -يعني ابن أبي هندٍ- عن أبى نضرةَ، عن أبي سعيدٍ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: يومَ بدرٍ.
: ثنا عبُد الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن داودَ -يعني ابن أبي هندٍ- عن أبى نضرةَ، عن أبي سعيدٍ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: يومَ بدرٍ. قال أبو موسى: حُدِّثت أن فى كتابِ غُنْدَرٍ هذا الحديثَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، عن أبي سعيدٍ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن أبى نضرةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: إنما كان ذلك يومَ بدرٍ، ولم يكنْ للمسلمين فئةٌ إلَّا رسولُ اللهِ ﷺ، فأما بعدَ ذلك، فإن المسلمين بعضُهم
فئةٌ لبعضٍ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى عن داودَ، عن أبي نضرةَ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: هذه نزلَت فى أهلِ بدرٍ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ عونٍ، قال: كتبتُ إلى نافعٍ أسألُه عن قولِه: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾: أكان ذلك اليومَ أم هو بعدُ؟
ُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ عونٍ، قال: كتبتُ إلى نافعٍ أسألُه عن قولِه: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾: أكان ذلك اليومَ أم هو بعدُ؟ قال: وكتبَ إليَّ: إنما كان ذلك يومَ بدرٍ.
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدٌ، عن سفيانَ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: إنما كان الفِرارُ يومَ بدرٍ، لم يكن لهم ملجأٌ يلجئون إليه، فأما اليومَ فليس فِرارٌ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الربيعِ، عن الحسنِ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: كانت هذه يومَ بدرٍ خاصَّةً، ليس الفرارُ من الزحفِ من الكبائرِ.
قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: كانت هذه يومَ بدرٍ خاصَّةً.
قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، عن حبيبِ بنِ الشهيدِ، عن الحسنِ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: نزَلت فى أهلِ بدرٍ.
حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾.
َئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: نزَلت فى أهلِ بدرٍ.
حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: ذلكم يومُ بدرٍ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن المباركِ بنِ فَضالةَ، عن الحسنِ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: ذلك يومُ بدرٍ، فأما اليومَ فإنِ انحازَ إلى فئةٍ أو مِصرٍ، أحسَبُه قال: فلا بأسَ به.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ عقبةَ، قال: قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ عونٍ، قال: كتبت إلى نافعٍ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: إنما هذا يومُ بدرٍ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ لَهِيعةَ قال: ثنى يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ، قال: أَوْجب اللهُ لمن فرَّ يومَ بدرٍ النارَ. قال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾.
قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن جريرِ بنِ حازمٍ، قال: ثني قيسُ بنُ سعدٍ، قال: سألت عطاءَ بنَ أبي رباحٍ عن قولِه: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: هذه منسوخةٌ بالآية التي في الأنفالِ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]. قال: وليس لقومٍ أن يفرُّوا من مِثْلَيهم. قال: [ونسِخَت تلك إلا] هذه العِدَّةَ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سليمانَ التَّيْميِّ.
مٍ أن يفرُّوا من مِثْلَيهم. قال: [ونسِخَت تلك إلا] هذه العِدَّةَ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سليمانَ التَّيْميِّ. عن أبي عثمانَ، قال: لما قُتِل أبو عُبيدٍ جاء الخبرُ إلى عمرَ، فقال: يا أيُّها الناسُ أنا
فئتُكم.
قال ابنُ المباركِ، عن معمرٍ وسفيانَ الثوريِّ وابنِ عُيينةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال عمرُ ﵁: أنا فئةُ كلِّ مسلمٍ.
وقال آخرون: بل هذه الآيةُ حكمُها عامٌّ فى كلِّ من ولَّى الدُّبُرَ عن العدوِّ منهزمًا.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ ابنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أكبرُ الكبائرِ: الإشراكُ باللهِ، والفرارُ يومَ الزحفِ؛ لأن اللهَ ﷿ يقولُ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
ٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
وأولى التأويلين فى هذه الآيةِ بالصوابِ عندى: قولُ من قال: حكمُها مُحْكَمٌ، وأنها نزَلت فى أهلِ بدرٍ، وحكمُهما ثابتٌ في جميعِ المؤمنين، وأن اللهَ حرَّم على المؤمنين إذا لَقُوا العدوَّ أن يُولُّوهم الدُّبُرَ منهزمين، إلَّا لتحرُّفٍ لقتالٍ، أو لتحيُّزٍ إلى فئةٍ من المؤمنين حيثُ كانت من أرضِ الإسلامِ، وأن من ولَّاهم الدُّبُرَ بعدَ
الزحفِ لقتالٍ، منهزمًا بغيرِ نيةِ إحدى الخَلَّتين اللتين أباح اللهُ التوليةَ بهما، فقد اسْتَوجَب من اللهِ وعيدَه، إلَّا أن يتفضَّلَ عليه بعفوِه.
بعدَ
الزحفِ لقتالٍ، منهزمًا بغيرِ نيةِ إحدى الخَلَّتين اللتين أباح اللهُ التوليةَ بهما، فقد اسْتَوجَب من اللهِ وعيدَه، إلَّا أن يتفضَّلَ عليه بعفوِه.
وإنما قلنا: هي مُحْكَمةٌ غير منسوخةٍ؛ لما قد بيَّنا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا وغيرِه، أنَّه لا يجوزُ أن يُحْكَمَ لحكمِ آيةٍ بنسخٍ، وله في غيرِ النسخِ وجهٌ، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها، من خبرٍ يقطعُ العذرَ، أو حُجَّةِ عقلٍ، ولا حجةَ من هذين المعنيين تدلُّ على نسخِ حكمِ قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾.
وأما قولُه: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: فقد رجَع بغضبٍ من اللهِ، ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ: ومصيرُه الذي يصيرُ إليه في مَعادِه يومَ القيامةِ جهنمُ ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وبئس الموضعُ الذى يصيرُ إليه ذلك المصيرُ.
يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ) أي: يفر بين يدي قرنه مكيدة؛ ليريه أنه [قد] خاف منه فيتبعه، ثم يكر عليه فيقتله، فلا بأس عليه في ذلك. نص عليه سعيد بن جبير، والسدي.
وقال الضحاك: أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرة من العدو فيصيبها.
(أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ) أي: فر من هاهنا إلى فئة أخرى من المسلمين، يعاونهم ويعاونوه فيجوز له ذلك، حتى [و] لو كان في سرية ففر إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم، دخل في هذه الرخصة.
قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زُهَيْر، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عمر، ﵄، قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ، فحاص الناس حيصة -وكنت فيمن حاص -فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا؟ ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا؟ فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: "من القوم؟ " فقلنا: نحن الفرارون.
فبتنا؟ ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا؟ فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: "من القوم؟ " فقلنا: نحن الفرارون. فقال: "لا بل أنتم العَكَّارون، أنا فئتكم، وأنا فئة المسلمين" قال: فأتيناه حتى قَبَّلنا يده.
وهكذا رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من طرق عن يزيد بن أبي زياد وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من حديثه.
ورواه ابن أبي حاتم، من حديث يزيد بن أبي زياد به. وزاد في آخره: وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: (أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ)
قال أهل العلم: معنى قوله: "العَكَّارون" أي: العطافون. وكذلك قال عمر بن الخطاب. ﵁، في أبي عبيد لما قتل على الجسر بأرض فارس، لكثرة الجيش من ناحية المجوس، فقال عمر: لو انحاز إليّ كنت له فئة.
" أي: العطافون. وكذلك قال عمر بن الخطاب. ﵁، في أبي عبيد لما قتل على الجسر بأرض فارس، لكثرة الجيش من ناحية المجوس، فقال عمر: لو انحاز إليّ كنت له فئة. هكذا رواه محمد بن سيرين، عن عمر
وفي رواية أبي عثمان النهدي، عن عمر قال: لما قتل أبو عبيد قال عمر: يا أيها الناس، أنا فئتكم.
وقال مجاهد: قال عمر: أنا فئة كل مسلم.
وقال عبد الملك بن عُمَيْر، عن عمر: أيها الناس، لا تغرنكم هذه الآية، فإنما كانت يوم بدر، وأنا فئة لكل مسلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري، حدثنا خلاد بن سليمان الحضرمي، حدثنا نافع: أنه سأل ابن عمر قلت: إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا، ولا ندري من الفئة: إمامنا أو عسكرنا؟ فقال: إن الفئة رسول الله ﷺ.
بن سليمان الحضرمي، حدثنا نافع: أنه سأل ابن عمر قلت: إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا، ولا ندري من الفئة: إمامنا أو عسكرنا؟ فقال: إن الفئة رسول الله ﷺ. فقلت إن الله يقول: (إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ) فقال: إنما نزلت هذه الآية في يوم بدر، لا قبلها ولا بعدها.
وقال الضحاك في قوله: (أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ) المتحيز: الفار إلى النبي وأصحابه، وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه.
فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب، فإنه حرام وكبيرة من الكبائر، لما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "اجتنبوا السبع الموبقات". قيل: يا رسول الله، وما هن؟
حرام وكبيرة من الكبائر، لما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "اجتنبوا السبع الموبقات". قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتَّوَلِّي يوم الزحف، وقَذْفِ المحصنات الغافلات المؤمنات"
ولهذا الحديث شواهد من وجوه أخر؛ ولهذا قال تعالى: (فَقَدْ بَاءَ) أي: رجع (بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ) أي: مصيره ومنقلبه يوم ميعاده: (جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)
وقال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عَدِيّ، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرَّقِّي، عن زيد بن أبي أُنَيْسَة، حدثنا جبلة بن سُحَيْم، عن أبي المثنى العبدي، سمعت السدوسي -يعني ابن الخصاصية، وهو بشير بن معبد -قال: أتيت النبي ﷺ لأبايعه، فاشترط علي: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حَجَّة الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله".
ادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حَجَّة الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله". فقلت: يا رسول الله، أما اثنتان فوالله لا أطيقهما: الجهاد، فإنهم زعموا أنه من ولى الدُّبُر فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت ذلك خشعت نفسي وكرهت الموت. والصدقة، فوالله ما لي إلا غُنَيْمَةٌ وعشر ذَوْدٍ هُنَّ رَسَل أهلي وحَمُولتهم. فقبض رسول الله ﷺ يده، ثم حرك يده، ثم قال: "فلا جهاد ولا صدقة، فيم تدخل الجنة إذا؟ " فقلت: يا رسول الله، أنا أبايعك.
وْدٍ هُنَّ رَسَل أهلي وحَمُولتهم. فقبض رسول الله ﷺ يده، ثم حرك يده، ثم قال: "فلا جهاد ولا صدقة، فيم تدخل الجنة إذا؟ " فقلت: يا رسول الله، أنا أبايعك. فبايعته عليهنَّ كلهنَّ.
هذا حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه في الكتب الستة.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو النضر، حدثنا يزيد بن ربيعة، حدثنا أبو الأشعث، عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا ينفع معهن عمل: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف".
وهذا أيضا حديث غريب جدا.
وقال الطبراني أيضا: حدثنا العباس بن الفضل الأسْفَاطِيّ، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر الشَّنِّي، حدثني عمرو بن مرة قال: سمعت بلال بن يسار بن زيد -مولى رسول الله ﷺ -قال: سمعت أبي حدث عن جدي قال: قال رسول الله: "من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه، غفر له وإن كان قد فر من الزحف".
وهكذا رواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل، به. وأخرجه الترمذي، عن البخاري، عن موسى بن إسماعيل به.
إله إلا هو وأتوب إليه، غفر له وإن كان قد فر من الزحف".
وهكذا رواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل، به. وأخرجه الترمذي، عن البخاري، عن موسى بن إسماعيل به. وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه
قلت: ولا يعرف لزيد مولى النبي ﷺ، عنه سواه.
وقد ذهب ذاهبون إلى أن الفرار إنما كان حراما على الصحابة؛ لأنه -يعني الجهاد -كان فرض عين عليهم. وقيل: على الأنصار خاصة؛ لأنهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره. وقيل: [إنما] المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة، يروى هذا عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي نضرة، ونافع مولى ابن عمر، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وغيرهم.
هذا عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي نضرة، ونافع مولى ابن عمر، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وغيرهم.
وحجتهم في هذا: أنه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها سوى عصابتهم تلك، كما قال النبي ﷺ: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض"؛ ولهذا قال عبد الله بن المبارك، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) قال: ذلك يوم بدر، فأما اليوم: فإن انحاز إلى فئة أو مصر -أحسبه قال: فلا بأس عليه.
بن فضالة، عن الحسن في قوله: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) قال: ذلك يوم بدر، فأما اليوم: فإن انحاز إلى فئة أو مصر -أحسبه قال: فلا بأس عليه.
وقال ابن المبارك أيضا، عن ابن لَهِيعَة: حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: أوجب الله تعالى لمن فر يوم بدر النار، قال: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا] وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، ثم كان يوم حُنَيْن بعد ذلك بسبع سنين، قال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ٢٧].
نَيْن بعد ذلك بسبع سنين، قال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ٢٧].
وفي سنن أبي داود، والنسائي، ومستدرك الحاكم، وتفسير ابن جرير، وابن مَرْدُوَيه، من حديث داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أنه قال في هذه الآية: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) إنما أنزلت في أهل بدر وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر، وإن كان سبب النزول فيهم، كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم، من أن الفرار من الزحف من الموبقات، كما هو مذهب الجماهير، والله [تعالى] أعلم.