Sesungguhnya orang-orang yang berpaling di antara kamu ketika terjadi pertemuan (pertempuran) antara dua pasukan itu,158) sesungguhnya mereka digelincirkan oleh setan, disebabkan sebagian kesalahan (dosa) yang telah mereka perbuat (pada masa lampau), tetapi Allah benar-benar telah memaafkan mereka. Sungguh, Allah Maha Pengampun, Maha Penyantun
مِلوا مِن الذنوبِ.
﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾. يقولُ: ولقد تَجاوَز اللهُ لهم عن عقوبةِ ذنبِهم، فصفَح لهم عنه.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. يعني به: مُغَطٍّ على ذنوبِ مَنْ آمَن به واتَّبَع رسولَه، بعفوِه عن عقوبِته إياهم عليها، ﴿حَلِيمٌ﴾. يعنى أنه ذو أَناةٍ، لا يَعْجَلُ على مَن عصاه وخالَف أمرَه بالنِّقْمةِ.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في أعيانِ القومِ الذين عُنُوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها كلُّ مَن ولَّى الدُّبُرَ عن المشركين بأُحُدٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو بكر بنُ عياشٍ، قال: ثنا عاصمُ بنُ كُلَيْبٍ، عن أبيه، قال: خطَب عمرُ يومَ الجمعةِ، فقرَأ "آل عمرانَ"، وكان يُعْجِبُه إذا خطَب أن يَقْرَأَها، فلما انْتَهى إلى قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِمٌ﴾. قال: لما كان يومُ أحدٍ هَزْمناهم، ففرَرْتُ حتى صَعِدْتُ الجبلَ، فلقد رأيْتُنى أَنْزُو كأننى أرْوَى، والناسُ يقولون: قُتِل محمدٌ.
قَى الْجَمْعَانِمٌ﴾. قال: لما كان يومُ أحدٍ هَزْمناهم، ففرَرْتُ حتى صَعِدْتُ الجبلَ، فلقد رأيْتُنى أَنْزُو كأننى أرْوَى، والناسُ يقولون: قُتِل محمدٌ. فقلتُ: لا أَجِدُ أحدًا يقولُ: قُتِل محمدٌ. إلا قتَلْتَه، حتى اجْتَمَعْنا على الجبلِ، فنزلَت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ الآية كلّها.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ الآية: وذلك يومَ أُحدٍ، ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ توَلَّوا عن القتالِ، وعن نبيِّ اللهِ ﷺ يومَئذٍ، وكان ذلك مِن أمرِ الشيطانِ وتخويفِه، فأَنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه ما تَسْمَعون، أنه قد تَجاوَز لهم عن ذلك، وعفا عنهم.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ الآية.
عنهم.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ الآية. فذكَر نحوَ قولِ قتادةَ.
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك خاصٌّ ممَّن ولَّى الدُّبُرَ يومَئِذٍ. قالوا: وإنما عُنِى به الذين لحِقوا بالمدينةِ منهم دونَ غيرِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: لما انْهَزَموا يومَئِذٍ، تفَرَّق عن رسول اللهِ ﷺ أصحابُه، فدخَل بعضُهم المدينةَ، وانْطَلَق بعضُهم [فوقَ الجبلِ إلى] الصخرةِ، فقاموا عليها، فذكَر اللهُ ﷿ الذين انْهَزَموا فدخَلوا المدينةَ، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ الآية.
وقال آخَرون: بل نزَل ذلك في رجالٍ بأعيانِهم معروفين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال عكرمةُ في قولِه جل وعز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾.
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال عكرمةُ في قولِه جل وعز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾. قال: نزَلت في رافعِ بن المُعَلَّى وغيرِه مِن [الأنصارِ، وأبي] حُذيفةَ بن عُتبةَ، ورجلٍ آخرَ.
قال ابن جُريجٍ: وقولُه: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾: إذ لم يُعاقِبْهم.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: فرَّ عثمانُ بنُ عفانَ، وعقبةُ بنُ عثمانَ وسعدُ بنُ عثمانَ - رجلان مِن الأنصارِ - حتى بلَغوا الجَلْعَبَ - جبلٌ بناحيةِ المدينةِ مما يَلِى الأعْوَصَ - فأقاموا به ثلاثًا، ثم رجَعوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال لهم: "لقد ذهَبْتُم فيها عريضةً ".
ْتَزَلَّهم الشيطانُ عثمانُ بنُ عفانَ، وسعدُ بنُ عثمانَ وعقبةُ بنُ عثمانَ، الأنصاريان ثم الزُّرَقيَّان.
وأما قولُه: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾. فإن معناه: ولقد تَجاوَز اللهُ عن الذين توَلَّوْا منكم يومَ الْتَقى الجَمْعان أن يُعاقِبَهم بتَوَلِّيهم عن عدوِّهم.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ يقولُ: ولقد عفا اللهُ إذ لم يُعاقِبْهم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه - في تولِّيهم يومَ أُحدٍ -: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾: فلا أَدْرِى ذلك العفوُ عن تلك العِصابةِ، أم عفوٌ عن المسلمين كلِّهم؟.
وقد بيَّنا تأويلَ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. فيما مضَى.
الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾
يقول تعالى مُمْتَنا على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمَنَة، وهو النعاس الذي غشيهم وهم مسْتَلْئمو السلاح في حال هَمِّهم وغَمِّهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان كما قال تعالى في سورة الأنفال، في قصة بدر: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [وَيُنزلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ]﴾ [الأنفال: ١١].
وقال [الإمام] أبو محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم وكيع عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود قال: النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان.
: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم وكيع عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود قال: النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان.
قال البخاري: قال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، ﵁، قال: كنت فيمن تَغَشاه النعاس يوم أحُد، حتى سقط سيفي من يدي مرارا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه.
هكذا رواه في المغازي معلقا. ورواه في كتاب التفسير مُسْنَدًا عن شيبان، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة قال: غَشينا النعاس ونحن في مَصَافنا يوم أحد. قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه.
وقد رواه الترمذي والنسائي والحاكم، من حديث حَمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن
أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحُد، وجعلت أنظر وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت جَحَفَتِه من النعاس.
لحاكم، من حديث حَمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن
أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحُد، وجعلت أنظر وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت جَحَفَتِه من النعاس. لفظ الترمذي، وقال: حسن صحيح.
ورواه النسائي أيضا، عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن أبي قتيبة، عن ابن أبي عدي، كلاهما عن حميد، عن أنس قال: قال أبو طلحة: كنت فيمن ألقي عليه النعاس -الحديث.
وهكذا رُوي عن الزبير وعبد الرحمن بن عوف، ﵁.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو الحسين محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخزومي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك؛ أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحُد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه، قال: والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هَمٌّ إلا أنفسهُم، أجبن قوم وأرعنه، وأخْذَله للحق (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) كَذَبَةَ، أهل شك وريب في الله، ﷿.
س لهم هَمٌّ إلا أنفسهُم، أجبن قوم وأرعنه، وأخْذَله للحق (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) كَذَبَةَ، أهل شك وريب في الله، ﷿.
هكذا رواه بهذه الزيادة، وكأنها من كلام قتادة، ﵀، وهو كما قال؛ فإن الله ﷿ يقول: (ثُمَّ أَنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ) يعني: أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله سينصر رسوله ويُنْجِز له مأموله، ولهذا قال: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) يعني: لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) كما قال في الآية الأخرى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] وهكذا هؤلاء، اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنَّها الفيصلة وأن الإسلام قد باد
َنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] وهكذا هؤلاء، اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنَّها الفيصلة وأن الإسلام قد باد وأهلُه، هذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة.
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم (يَقُولُونَ) في تلك الحال: (هَلْ لَنَا مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيْءٍ) قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ) ثم فَسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله: (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا) أي: يسرون هذه المقالة عن رسول الله ﷺ.
قال [محمد] بن إسحاق بن يسار: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فوالله إني لأسمع قول مُعْتَب بن
ل الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فوالله إني لأسمع قول مُعْتَب بن
قُشَير، ما أسمعه إلا كالحلم، [يقول]: " لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا " فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله [تعالى] (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا) لقول مُعتَب. رواه ابن أبي حاتم.
قال الله تعالى: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) أي: هذا قدر مقدر من الله ﷿، وحكم حَتْم لا يحاد عنه، ولا مناص منه.
وقوله: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) أي: يختبركم بما جرى عليكم، وليميز الخبيثَ من الطيب، ويظهر أمْرَ المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال، (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر.
َ من الطيب، ويظهر أمْرَ المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال، (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر.
ثم قال إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) أي: ببعض ذنوبهم السالفة، كما قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من جَزَاء السيئةَ السيئة بعدها.
ثم قال تعالى: (وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) أي: عَمّا كان منهم من الفرار (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) أي: يغفر الذنب ويحلُم عن خلقه، ويتجاوز عنهم، وقد تقدم حديث ابن عمر في شأن عثمان، ﵁، وتوليه يوم أحد، وأن الله [قد] عفا عنهم، عند قوله: (وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ) ومناسب ذكره هاهنا.
قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عَمْرو، حدثنا زائدة، عن عاصم، عن شقيق، قال: لقي عبدُ الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: ما لي أراك جفوتَ أمير المؤمنين عثمانَ؟
نا معاوية بن عَمْرو، حدثنا زائدة، عن عاصم، عن شقيق، قال: لقي عبدُ الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: ما لي أراك جفوتَ أمير المؤمنين عثمانَ؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم عَيْنَيْن -قال عاصم: يقول يوم أحد-ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سُنة عمر. قال: فانطلق فَخَبر ذلك عثمان، قال: فقال: أما قوله: إني لم أفر يوم عَيْنَيْن فكيف يعَيرني بذَنْب قد عفا الله عنه، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) وأما قولُهُ: إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقَيَّة بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسهم، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهم فقد شهِد. وأما قوله: "إني لم أترك سنَّة عمر" فإني لا أطيقها ولا هو، فأته فحدثه بذلك.