القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ليس الأمرُ أيُّها الكافرون كما تقولون، من أنكم على الحقِّ في عبادتِكم غير اللَّهِ، ولكنكم تكذِّبون بالثوابِ والعقابِ، والجزاءِ والحسابِ.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى قوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾ قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾. قال: بالحسابِ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾.
ِّينِ (٩)﴾. قال: بالحسابِ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾. قال: بيومِ الحسابِ.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾. قال: يومُ شدةٍ، يومٌ يَدينُ اللَّهُ العبادَ بأعمالِهم.
وقولُه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾. يقولُ: وإن عليكم رُقَباء حافظين يحفَظون أعمالكم، ويُحصونها عليكم.
﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾. يقول: كراما على اللهِ، ﴿كَاتِبِينَ﴾: يكتُبون أعمالَكم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: قال بعضُ أصحابِنا، عن أيوبَ في قولِه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾. قال: يَكْتُبون ما تقولون وما تَعْنُون.
وقولُه: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾.
: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾. قال: يَكْتُبون ما تقولون وما تَعْنُون.
وقولُه: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾. يقولُ: يعلَمُ هؤلاء الحافظون ما تفعلَون من خيرٍ أو شرٍّ، يُحصُون ذلك عليكم.
وقولُه: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن الذين برُّوا بأداءِ فرائضِ اللَّهِ واجتنابِ معاصيه، لفي نعيمِ الجنانِ يُنعَّمون فيها.
﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾
يخبر تعالى عما يصير الأبرار إليه من النعيم، وهم الذين أطاعوا الله ﷿، ولم يقابلوه بالمعاصي.
وقد روى ابن عساكر في ترجمة "موسى بن محمد"، عن هشام بن عمار، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، عن عبيد الله، عن محارب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إنما سماهم الله الأبرار لأنهم بَروا الآباء والأبناء".
ثم ذكر ما يصير إليه الفجار من الجحيم والعذاب المقيم؛ ولهذا قال: (يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ) أي: يوم الحساب والجزاء والقيامة، (وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ) أي: لا يغيبون عن العذاب ساعةً واحدة، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة، ولو يوما واحدا.
هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ) أي: لا يغيبون عن العذاب ساعةً واحدة، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة، ولو يوما واحدا.
وقوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ) تعظيم لشأن يوم القيامة، ثم أكده بقوله: (ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ) ثم فسره بقوله: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) أي: لا يقدر واحد على نفع أحد ولا خلاصه مما هو فيه، إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.
ونذكر هاهنا حديث: "يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، لا أملك لكم من الله شيئا".
على نفع أحد ولا خلاصه مما هو فيه، إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.
ونذكر هاهنا حديث: "يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، لا أملك لكم من الله شيئا". وقد تقدم في آخر تفسير سورة "الشعراء"؛ ولهذا قال: (وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وكقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦]، وكقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤].
قال قتادة: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) والأمر-والله-اليوم لله، ولكنه يومئذ لا ينازعه أحد.
آخر تفسير سورة "الانفطار" ولله الحمد.
تفسير سورة المطففين
وهي مدنية.
﷽