القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: كلا. أي: ليس الأمرُ كما يظُنُّ هؤلاء الكفارُ، أنَّهم غيرُ مبعوثين ولا معذَّبين، إن كتابَهم الذي كُتِب فيه أعمالُهم التي كانوا يعمَلونها في الدنيا ﴿لَفِى سجِّينٍ﴾؛ وهى الأرضُ السابعةُ السفلى. وهو "فِعِّيل" من السِّجْنِ، كما قيل: رجلٌ سِكِّيرٌ. مِن السُّكْرِ، و: فِسِّيقٌ. مِن الفِسقِ.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم مثل الذي قلنا في ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن مغيثِ بن سُمَيٍّ: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾.
ل ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن مغيثِ بن سُمَيٍّ: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: في الأرضِ السابعةِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن مغيثِ بن سُمَيٍّ، قال: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ﴾. قال: الأرضِ السفلى. قال: إبليسُ مُوثَقٌ بالحديدِ والسلاسلِ في الأرضِ السفلى.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى جريرُ بنُ حازمٍ، عن سليمانَ الأعمشِ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، عن هلالِ بن يِسافٍ، قال: كنا جلوسًا إلى كعبٍ أنا وربيعُ بنُ خُثَيمٍ وخالدُ بنُ عرعرةَ ورهطٌ مِن أصحابِنا، فأقبَل ابنُ عباسٍ، فجلَس إلى جنبِ كعبٍ، فقال: يا كعبُ، أخْبِرْنى عن ﴿سِجِّينٍ﴾.
إلى كعبٍ أنا وربيعُ بنُ خُثَيمٍ وخالدُ بنُ عرعرةَ ورهطٌ مِن أصحابِنا، فأقبَل ابنُ عباسٍ، فجلَس إلى جنبِ كعبٍ، فقال: يا كعبُ، أخْبِرْنى عن ﴿سِجِّينٍ﴾. فقال كعبٌ:
أما سجِّينٌ فإنها الأرضُ السابعةُ السفلى، وفيها أرواحُ الكفارِ تحتَ خدِّ إبليسَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾: ذُكر أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو كان يقولُ: هي الأرضُ السفلى؛ فيها أرواحُ الكفارِ، وأعمالُهم أعمالُ السَّوءِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: في أسفل الأرضِ السابعةِ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. يقولُ: أعمالُهم في كتابٍ في الأرضِ السفلى.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: عملُهم في الأرضِ السابعةِ لا يصعدُ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني عمرُ بنُ إسماعيلَ بن مجالدٍ، قال: ثنا مطرِّفُ بنُ مازنٍ قاضى اليمنِ،
عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرضِ السابعةِ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾.
َ، قال: ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرضِ السابعةِ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾. يقولُ: في الأرضِ السفلى.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: الأرضِ السابعةِ السفلى. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: يقالُ: سجِّينٌ الأرضُ السافلةُ، وسجِّينٌ بالسماءِ الدنيا.
وقال آخرون: بل ذلك خدُّ إبليسَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرٍ قال: جاء ابنُ عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فقال له ابنُ عباسٍ: حدِّثْنى عن قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ الآية.
يدٍ، عن شِمْرٍ قال: جاء ابنُ عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فقال له ابنُ عباسٍ: حدِّثْنى عن قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ الآية. قال كعبٌ: إنَّ روحَ الفاجرِ يُصعدُ بها إلى السماءِ فتأبى السماءُ أن تقبلَها، ويُهبطُ بها إلى الأرض فتأبى الأرضُ أنْ تقبلَها، فتَهبِطُ فتدخلُ تحت سبعِ أرضين، حتى يُنْتهى بها إلى سجِّينٍ؛ وهو خدُّ إبليسَ، فيُخْرجُ لها مِن سجِّينٍ مِن تحتِ خدِّ إبليسَ رَقٌّ، فيُرْقمُ ويختمُ ويوضعُ تحتَ حَدِّ إبليسَ - بمعرفتِها الهلاكَ - إلى يومِ القيامةِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: تحتَ خَدِّ إبليسَ.
وقال آخرون: هو جُبٌّ في جهنمَ مفتوحٌ.
انٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: تحتَ خَدِّ إبليسَ.
وقال آخرون: هو جُبٌّ في جهنمَ مفتوحٌ. ورَوَوْا في ذلك خبرًا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.
حدَّثنا به إسحاقُ بنُ وهبٍ الواسطيُّ، قال: ثنا مسعودُ بنُ موسى بن مُشْكانَ الواسطيُّ، قال: ثنا نصرُ بنُ خزيمةَ الواسطيُّ، عن شعيبِ بن صفوانَ، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيٍّ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "الفَلَقُ جُبٌّ في جهنمَ مُغَطًّى، وأما سجِّينٌ فمفتوحٌ".
وقال بعضُ أهلِ العربيةِ: ذكَروا أن "سجين" الصخرةُ التي تحتَ الأرضِ. قال: ونرَى أن "سجين" صفةٌ مِن صفاتِها؛ لأنه لو كان لها اسمًا لم يُجرَ. قال: وإن قلتَ: أجريتُه لأنى ذهبتُ بالصخرةِ إلى أنها الحَجَرُ الذي فيه الكتابُ.
قال: ونرَى أن "سجين" صفةٌ مِن صفاتِها؛ لأنه لو كان لها اسمًا لم يُجرَ. قال: وإن قلتَ: أجريتُه لأنى ذهبتُ بالصخرةِ إلى أنها الحَجَرُ الذي فيه الكتابُ. كان وجهًا.
وإنما اخترتُ القولَ الذي اخترتُ في معنى قولِه: ﴿سِجِّينٍ﴾؛ لما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا المنهالُ بنُ عمرٍو، عن
زاذانَ أبى عمرٍو، عن البراءِ، قال: ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرضِ السفلى.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن زاذانَ، عن البراءِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ، قال، وذكَر نفسَ الفاجرِ، وأنه يُصْعَدُ بها إلى السماءِ، قال: "فيَصْعَدون بها فلا يَمرُّون بها على ملًا من الملائكةِ إلا قالوا: ما هذا الروحُ الخبيثُ؟ ". قال: طفيَقولون: فلانٌ. بأقبَحِ أسمائِه التي كان يُسمَّى بها في الدنيا، حتى يَنْتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيَسْتَفْتِحون له، فلا يُفْتَحُ له".
ُ؟ ". قال: طفيَقولون: فلانٌ. بأقبَحِ أسمائِه التي كان يُسمَّى بها في الدنيا، حتى يَنْتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيَسْتَفْتِحون له، فلا يُفْتَحُ له". ثم قرَأ رسولُ اللَّهِ ﷺ: " ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: (٤٠)]. فيقولُ اللَّهُ: اكْتُبوا كتابَه في أسفلِ الأرضِ، في سجِّينٍ في الأرضِ السفلى".
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سُليمٍ، قال: ثنا ابنُ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: سجينٌ: صخرةٌ في الأرضِ السابعةِ، فيُجعلُ كتابُ الفجارِ تحتَها.
وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وأيُّ شيءٍ أدراك يا محمدُ أيَّ شيءٍ ذلك الكتابُ. ثم بيَّن ذلك تعالى ذكرُه، فقال: هو كتابٌ مرقومٌ.
َ مَا سِجِّينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وأيُّ شيءٍ أدراك يا محمدُ أيَّ شيءٍ ذلك الكتابُ. ثم بيَّن ذلك تعالى ذكرُه، فقال: هو كتابٌ مرقومٌ. وعَنى بالمرقومِ المكتوبَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾. قال: كتابٌ مكتوبٌ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾. قال: رُقِم لهم بشرٌ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾. قال: المرقومُ المكتوبُ.
وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَيذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويلٌ يومَئذٍ للمكذِّبين بهذه الآياتِ، ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. يقولُ: الذين يُكذِّبون بيومِ الحسابِ والمجازاةِ.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾.
وسكّير، ونحو ذلك. ولهذا عظم أمره فقال: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ)؟ أي: هو أمر عظيم، وسجن مقيم وعذاب أليم.
ثم قد قال قائلون: هي تحت الأرض السابعة. وقد تقدم في حديث البراء بن عازب، في حديثه الطويل: يقول الله ﷿ في روح الكافر: اكتبوا كتابه في سجين.
وسجين: هي تحت الأرض السابعة. وقيل: صخرة تحت السابعة خضراء. وقيل: بئر في جهنم.
وقد روى ابن جرير في ذلك حديثا غريبا منكرا لا يصح فقال: حدثنا إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مُشكان الواسطي، حدثنا نَصر بن خُزَيمة الواسطي، عن شعيب بن صفوان، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الفلق: جب في جهنم مغطى، وأما سجين فمفتوح".
والصحيح أن "سجينا" مأخوذ من السَّجن، وهو الضيق، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق، وكل ما تعالى منها اتسع، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها، حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة.
واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها، حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة. ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٥، ٦]. وقال هاهنا: (كَلا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ) وهو يجمع الضيق والسفول، كما قال:
﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣].
وقوله: (كِتَابٌ مَرْقُومٌ) ليس تفسيرا لقوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ) وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين، أي: مرقوم مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه أحد؛ قاله محمد بن كعب القرظي.
ثم قال: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أي: إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السَّجن والعذاب المهين.
نه أحد؛ قاله محمد بن كعب القرظي.
ثم قال: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أي: إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السَّجن والعذاب المهين. وقد تقدم الكلام على قوله: (وَيْلٌ) بما أغنى عن إعادته، وأن المراد من ذلك الهلاك والدمار، كما يقال: ويل لفلان. وكما جاء في المسند والسنن من رواية بَهْز بن حكيم بن معاوية بن حَيَدة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: "ويل للذي يُحَدِّث فيكذب، ليضحِكَ الناس، ويل له، ويل له".
ثم قال تعالى مفسرا للمكذبين الفجار الكفرة: (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) أي: لا يصدقون بوقوعه، ولا يعتقدون كونه، ويستبعدون أمره.
يل له".
ثم قال تعالى مفسرا للمكذبين الفجار الكفرة: (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) أي: لا يصدقون بوقوعه، ولا يعتقدون كونه، ويستبعدون أمره. قال الله تعالى: (وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) أي: معتد في أفعاله؛ من تعاطي الحرام والمجاوزة في تناول المباح والأثيم في أقواله: إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر.
وقوله: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ) أي: إذا سمع كلام الله من الرسول، يكذب به، ويظن به ظن السوء، فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]، وقال: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ [الفرقان: ٥]، قال الله تعالى: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه
(كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله ﷺ، وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرَّيْن الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا؛ ولهذا قال تعالى: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) والرين يعتري قلوبَ الكافرين، والغيم للأبرار، والغين للمقربين.
وقد روى ابن جرير والترمذي والنسائي وابن ماجة من طرق، عن محمد بن عَجْلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن زاد زادت، فذلك قول الله: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وقال الترمذي: حسن صحيح.
داء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن زاد زادت، فذلك قول الله: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وقال الترمذي: حسن صحيح. ولفظ النسائي: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكِت في قلبه نكتة، فإن هو نزع واستغفر وتاب صُقِل قلبه، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، فهو الران الذي قال
الله: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)
وقال أحمد: حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا ابن عَجْلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صُقِل قلبه، فإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، وذاك الران الذي ذكر الله في القرآن: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ".
وقال الحسن البصري: هو الذنب على الذنب، حتى يعمى القلب، فيموت.
الذي ذكر الله في القرآن: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ".
وقال الحسن البصري: هو الذنب على الذنب، حتى يعمى القلب، فيموت. وكذا قال مجاهد ابن جبر وقتادة، وابن زيد، وغيرهم.
وقوله: (كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) أي: لهم يوم القيامة مَنزلٌ ونزل سجين، ثم هم يوم القيامة مع ذلك محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم.
قال الإمام أبو عبد الله الشافعي: [في] هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه ﷿ يومئذ.
وهذا الذي قاله الإمام الشافعي، ﵀، في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣].
﵀، في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم ﷿ في الدار الآخرة، رؤية بالأبصار في عَرَصات القيامة، وفي روضات الجنان الفاخرة.
وقد قال ابن جرير [محمد بن عمار الرازي]: حدثنا أبو معمر المنْقَريّ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن في قوله: (كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) قال: يكشف الحجاب، فينظر إليه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون. كُلّ يوم غدوة وعشية-أو كلاما هذا معناه.
قوله: (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ) أي: ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن من أهل النيران، (ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) أي: يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ، والتصغير والتحقير.