القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: وما كان لنفسٍ خلقتُها مِن سبيلٍ إلى تَصْديقك يا محمدُ إلا بأن آذَنَ لها في ذلك، فلا تُجْهِدنَّ نفسَك في طلبِ هُداها، وبَلِّغْها
وعيدَ اللَّهِ، وعَرِّفْها ما أمرك ربُّك بتَعريفِها، ثم خَلِّها، فإِنَّ هُداها بيدِ خالقِها.
وكان الثورىُّ يقولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال: بقضاءِ اللهِ.
وأما قولُه: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. فإنه يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللهَ يَهْدى مَن يشاءُ مِن خلقِه للإيمانِ بك يا محمدُ، ويأذَنُ له في تَصْديقِك، فيُصدِّقُك ويَتَّبِعُك ويُقِرُّ بما جئتَ به مِن عندِ رَبِّكَ، ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾.
يشاءُ مِن خلقِه للإيمانِ بك يا محمدُ، ويأذَنُ له في تَصْديقِك، فيُصدِّقُك ويَتَّبِعُك ويُقِرُّ بما جئتَ به مِن عندِ رَبِّكَ، ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾. وهو العذابُ وغضبُ اللهِ ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. يعنى: الذين لا يَعْقِلون عن اللهِ حُجَجَه ومواعظَه وآياتِه، التى دلَّ بها جلّ ثناؤُه على نبوّةِ محمدٍ ﷺ وحقيقةِ ما دَعاهم إليه مِن توحيدِ اللهِ وخَلْعِ الأندادِ والأوثانِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللِه، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾. قال: السَّخَطَ.
هذا قال تعالى: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ) أي: تلزمهم وتلجئهم (حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) أي: ليس ذلك عليك ولا إليك، بل [إلى] الله ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى هو الفعال لما يريد، الهادي من يشاء، المضل لمن يشاء، لعلمه وحكمته وعدله؛ ولهذا قال: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ) وهو الخبال والضلال، (عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) أي: حججَ الله وأدلته، وهو العادل في كل
أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ) وهو الخبال والضلال، (عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) أي: حججَ الله وأدلته، وهو العادل في كل ذلك، في هداية من هدى، وإضلال من ضل.