القولُ في تأويل قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك، فترى بها كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؛ الذين قدموا من اليمن يريدون تخريب الكعبة من الحَبَشةِ ورئيسهم أبرهةَ الأشرم الحبشيِّ؟
﴿أَلَم يَجْعَل كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾. يقولُ: ألم يجعل سعيَ الحبشة أصحاب الفيل في تخريب الكعبة، ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾. يعني: في تضليلهم عما أرادوا وحاولوا من تخريبها.
وقوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. [يقولُ تعالى ذكره: وأرسل عليهم ربك طيرًا متفرِّقةً]، يتبع بعضُها بعضًا من نواحٍ شتَّى.
من تخريبها.
وقوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. [يقولُ تعالى ذكره: وأرسل عليهم ربك طيرًا متفرِّقةً]، يتبع بعضُها بعضًا من نواحٍ شتَّى. وهي جماعٌ لا واحد لها، مثل الشماطيطِ والعباديد ونحو ذلك.
وزعم أبو عُبيدة معمرُ بنُ المثنى، أنه لم ير أحدًا يجعلُ لها واحدًا.
وقال الفرَّاءُ: لم أسمع من العربِ في توحيدها شيئًا. قال: وزعم أبو جعفر الرُّوَاسِيُّ، وكان ثقةً، أنه سمع أن واحدها "إيَّالةٌ". قال: وكان الكسائيُّ يقولُ: سمِعتُ النحويين يقولون: إبَّوْلٌ. مثلَ العِجَّوْلِ. قال: وقد سمعتُ بعض النحويين يقولُ: واحدُها "إبَّيلٌ".
وبنحو الذي قلنا في الأبابيل قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلةَ، عن زرٍّ، عن عبدِ اللهِ في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾.
ثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلةَ، عن زرٍّ، عن عبدِ اللهِ في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: فِرَقٌ.
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا حماد بن سلمةَ، عن عاصم، عن زرٍّ، عن عبدِ اللهِ، قال: الفِرَقُ.
حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: يتبع بعضها بعضا.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: هي التي يتبَعُ بعضُها بعضًا.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داود، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارثِ بن نوفلٍ، أنه قال في: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: هي الأقاطيعُ، كالإبل المؤَبَّلةِ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾.
لَ﴾. قال: هي الأقاطيعُ، كالإبل المؤَبَّلةِ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: متفرقةً.
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا الفضل، عن الحسن: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: الكثيرة.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيل، عن جابر، عن ابن سابطٍ، و عن أبي سلمةَ، قالا: الأبابيل: الزُّمَرُ.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ اللهِ: ﴿أَبَابِيلَ﴾. قال: هي شتَّى متتابعة مجتمعةٌ.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: الأبابيل: الكثيرة.
حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قتادة، قال:
الأبابيل: الكثيرة.
[حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾.
قتادة، قتادة، قال:
الأبابيل: الكثيرة.
[حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. يقولُ: متتابعة، بعضُها على أثَرِ بعض.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: الأبابيلُ: المختلفة، تأتى من هاهنا، وتأتى من هاهنا، أنتهم من كلِّ مكانٍ].
وذُكِر أنها كانت طيرًا خرجت من البحر، وقال بعضهم: جاءت من قبل البحرِ.
ثم اختلفوا في صفتها؛ فقال بعضُهم: كانت بيضاءَ.
وقال آخرون: كانت سوداءَ.
وقال آخرون: كانت خضراء، لها خراطيمُ كخراطيم الطيرِ، وأكُفٌّ كأكفِّ الكلابِ.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن ابن عون، عن محمد بن سيرينَ في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾.
لها خراطيمُ كخراطيم الطيرِ، وأكُفٌّ كأكفِّ الكلابِ.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن ابن عون، عن محمد بن سيرينَ في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: قال ابن عباسٍ: هي طيرٌ، وكانت طيرًا لها خراطيمُ كخراطيمِ الطير، وأكفٌّ كأكفِّ الكلابِ.
حدَّثني الحسن بن خلف الواسطيُّ، قال: ثنا وكيعٌ ورَوْحُ بنُ عبادةَ، عن ابن
عونٍ، عن ابن سيرينَ، عن ابن عباس مثله.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن ابن عون، عن ابن عباس نحوه.
حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حُصين، عن عكرمة في قوله: ﴿طيرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: كانت طيرًا خُضْرًا، خرجت من البحر، لها رءوسٌ كرءوس السباع.
حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عُميرٍ: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: هي طيرٌ سودٌ بحريةٌ، في [مناقيرها وأظافيرها] الحجارة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيانَ، عن عبيد بن عمير: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: سود بحرية، في أظافيرها ومناقيرها الحجارةُ.
ا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيانَ، عن عبيد بن عمير: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: سود بحرية، في أظافيرها ومناقيرها الحجارةُ.
قال: ثنا مهرانُ، عن خارجةَ، عن عبد الله بن عون، عن ابن سيرين، عن ابن عباسٍ، قال: لها خراطيمُ كخراطيم الطيرِ، وأكفٌّ كأكفِّ الكلابِ.
حدثنا يحيى بنُ طلحة اليربوعيُّ، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: طيرٌ خُضْرٌ، لها مناقيرُ صُفْرٌ، تختلف عليهم.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير، قال: طير سود تحمل الحجارة في أظافيرها ومناقيرها.
وقوله: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾.
ٌ، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير، قال: طير سود تحمل الحجارة في أظافيرها ومناقيرها.
وقوله: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ترمِي هذه الطيرُ الأبابيلُ التي أرسلها الله على أصحاب الفيلِ، أصحاب الفيلِ، بحجارة من سجيلٍ.
وقد بيَّنا معنى ﴿سِجِّيلٍ﴾ في موضعٍ غير هذا، غير أنَّا نذكُرُ بعضَ ما قيل من ذلك في هذا الموضع، من أقوالِ مَن لم نذكره في ذلك الموضع.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿بِحِجَارَةٍ مَّن سِجِّيلٍ﴾. قال: طينٌ في حجارة.
حدَّثني الحسين بن محمدٍ الذارعُ، قال: ثنا يزيد بن زريعٍ، قال: ثنا سعيد، عن
قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: من طينٍ.
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾.
َةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: من طينٍ.
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: سَنْكَ وكَلْ.
حدثني الحسين بن محمد الذارعُ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن عمارة بن أبي حفصةَ، عن عكرمة في قوله: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: من طينٍ.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن شرقيٍّ، قال: سمعتُ عكرمة يقولُ: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: سَنكَ وكِلْ.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حصينٌ، عن عكرمةَ، قال: كانت ترميهم بحجارةٍ معها. قال: فإذا أصاب أحدهم خرج به الجُدَرِيُّ. قال: كان أولَ يوم رُئى فيه الجدريُّ.
ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حصينٌ، عن عكرمةَ، قال: كانت ترميهم بحجارةٍ معها. قال: فإذا أصاب أحدهم خرج به الجُدَرِيُّ. قال: كان أولَ يوم رُئى فيه الجدريُّ. قال: لم يُرَ قبلَ ذلك اليوم ولا بعدَه.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن موسى بن أبى عائشةَ، قال: ذكر أبو الكَنُودِ، قال: دونَ الحِمَّصة وفوقَ العدسةِ.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن أبى
عائشة، قال: كانت الحجارة التي رُمُوا بها أكبر من العدسةِ، وأصغر من الحِمَّصةِ.
قال: ثنا أبو أحمد الزبيريُّ، قال: ثنا إسرائيل، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن عمرانَ مثلَه.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: "سجِّيلٌ" بالفارسيةِ: سَنكَ وكَلْ؛ حَجَرٌ وطينٌ.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن ابن سابطٍ، قال: هي بالأعجمية: سَنكَ وكِلْ (١).
"سجِّيلٌ" بالفارسيةِ: سَنكَ وكَلْ؛ حَجَرٌ وطينٌ.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن ابن سابطٍ، قال: هي بالأعجمية: سَنكَ وكِلْ (١).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كانت مع كلِّ طائرٍ ثلاثة أحجارٍ؛ حجران في رِجْلَيه وحجرٌ في منقارِه، فجعلت ترميهم بها.
حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: هي من طينٍ.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: هي طيرٌ بِيضٌ، خرجت من قبل البحر، مع كلِّ طيرٍ ثلاثة أحجارٍ؛ حجران في رجليه وحجرٌ في منقارِه، لا يصيب شيئًا إلا هشَمه.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث بن
يعقوبَ أن أباه أخبرَه أنه بلَغه أن الطير التي رمَتْ بالحجارة كانت تحملها بأفواهها، ثم إذا ألقتها نَفِط لها الجلدُ.
وقال آخرون: معنى ذلك: ترميهم بحجارة من السماء الدنيا.
ذكرُ مَن قال ذلك
الطير التي رمَتْ بالحجارة كانت تحملها بأفواهها، ثم إذا ألقتها نَفِط لها الجلدُ.
وقال آخرون: معنى ذلك: ترميهم بحجارة من السماء الدنيا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: السماء الدنيا. قال: والسماء الدنيا اسمها سِجِّيلٌ، وهى التي أنزل الله جل وعزَّ على قوم لوطٍ.
قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبى هلالٍ، أنه بلغه أن الطير التي رمَتْ بالحجارة، أنها طير تخرج من البحرِ، وأن ﴿سِجِّيلٍ﴾: السماء الدنيا.
وهذا القولُ الذي قاله ابن زيد لا نعرفُ لصحته وجهًا في خبر ولا عقلٍ ولا لغةٍ، وأسماء الأشياء لا تُدرَكُ إلا من لغة سائرةٍ، أو خبر من الله تعالى ذكره.
وكان السبب الذي من أجله حلَّتْ عقوبةُ اللهِ تعالى بأصحاب الفيلِ، مسيرَ أبرهة الحبشي بجنده معه الفيل إلى بيت الله الحرام لتخريبه.
ر من الله تعالى ذكره.
وكان السبب الذي من أجله حلَّتْ عقوبةُ اللهِ تعالى بأصحاب الفيلِ، مسيرَ أبرهة الحبشي بجنده معه الفيل إلى بيت الله الحرام لتخريبه.
وكان الذي دعاه إلى ذلك فيما حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضلِ، قال: ثنا ابنُ إسحاق، أن أبرهة بنى كنيسةً بصنعاءَ، وكان نصرانيًّا، فسمَّاها القُلَّيْسَ. لم يُرَ مثلُها في زمانها بشيءٍ من الأرضِ، وكتب إلى النَّجاشيِّ
ملك الحبشةِ: إني قد بنَيتُ لك أيُّها الملك كنيسةً لم يُبنَ مثلُها لملك كان قبلك، ولستُ بمنتَهٍ حتى أصرف إليها حاجَّ العرب. فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشيِّ، غضِب رجلٌ من النَّسَأةِ أحد بني فُقَيمٍ، ثم أحدِ بني مالك، فخرَج حتى أتى القُلَّيسَ فقعد فيها، ثم خرج فلحق بأرضه، فأُخْبِر أبرهةُ بذلك، فقال: من صنعَ هذا؟ فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحُجُّ العرب إليه بمكةَ، لما سمع من قولك: أصرفُ إليه حاجَّ العربِ. فغضب، فجاء فقعَد فيها، أي: إنها ليست لذلك بأهل.
يل: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحُجُّ العرب إليه بمكةَ، لما سمع من قولك: أصرفُ إليه حاجَّ العربِ. فغضب، فجاء فقعَد فيها، أي: إنها ليست لذلك بأهل. فغضب عند ذلك أبرهةُ، وحلف ليسيرنَّ إلى البيتِ فيهدِمُه، وعندَ أبرهة رجالٌ من العرب قد قدموا عليه يلتمسون فضله؛ منهم محمدُ بنُ خُزَاعيِّ ابن حزابة الذَّكوانيُّ، ثم السُّلَميُّ، في نفر من قومه، معه أخٌ له يقال له: قيسُ بنُ خُزاعيٍّ. فبينما هم عندَه، غَشِيَهم عيدٌ لأبرهة، فبعث إليهم فيه بغذائه، وكان يأكلُ الخُصَى، فلما أتى القومَ بغذائه، قالوا: والله لئن أكلنا هذا لا تزال تسبُّنا به العرب ما بقِينا. فقام محمدُ بنُ خُزاعيٍّ، فجاء أبرهة فقال: أيها الملك، إن هذا يوم عيدٍ لنا، لا نأكل فيه إلا الجنوب والأيدى.
نا هذا لا تزال تسبُّنا به العرب ما بقِينا. فقام محمدُ بنُ خُزاعيٍّ، فجاء أبرهة فقال: أيها الملك، إن هذا يوم عيدٍ لنا، لا نأكل فيه إلا الجنوب والأيدى. فقال له أبرهةُ: فسنبعثُ إليكم ما أحبَبْتم، فإنما أكرمتكم بغذائى لمنزلتكم عندى.
ثم إن أبرهة توَّج محمد بن خُزَاعِيٍّ، وأمَّره على مضَرَ، وأمره أن يسير في الناسِ، يدعوهم إلى حجِّ القُلَّيْسِ؛ كنيسته التي بناها، فسار محمد بن خزاعيٍّ، حتى إذا نزل ببعض أرضِ بني كنانةَ - وقد بلغ أهلَ تِهامةَ أمرُه وما جاء له - بعَثوا إليه رجلًا من هُذَيلٍ يقال له: عُرُوةُ بنُ حياضٍ الملاصيُّ.
زاعيٍّ، حتى إذا نزل ببعض أرضِ بني كنانةَ - وقد بلغ أهلَ تِهامةَ أمرُه وما جاء له - بعَثوا إليه رجلًا من هُذَيلٍ يقال له: عُرُوةُ بنُ حياضٍ الملاصيُّ. فرماه بسهمٍ فقتله، وكان مع
محمدِ بن خُزاعيٍّ أخوه قيسُ بنُ خُزاعيٍّ، فهرَب حينَ قُتل أخوه، فلحق بأبرهةَ، فأخبره بقتله، فزاد ذلك أبرهة غضبًا وحَنَقًا، وحلف ليغزوَنَّ بني كنانة، وليهدمنَّ البيت.
ثم إن أبرهةَ حينَ أجمع السير إلى البيتِ، أمر الحبشان فتهيَّأت وتجهَّزت، وخرَج معه بالفيلِ، وسمعت العرب بذلك، فأعظموه وفَظِعوا به، ورأوا جهادَه حقًّا عليهم حين سمعوا أنه يريدُ هدم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج رجلٌ كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له: ذو نَفْرٍ.
ه وفَظِعوا به، ورأوا جهادَه حقًّا عليهم حين سمعوا أنه يريدُ هدم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج رجلٌ كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له: ذو نَفْرٍ. فدعا قومَه ومَن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهادِه عن بيت الله وما يريدُ من هدمه وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، وعَرَض له وقاتله، فهُزِم وتفرَّق أصحابه، وأُخِذ له ذو نَفْرٍ أسيرًا، [فأُتِيَ به]، فلما أراد قتله قال له ذو نَفْرٍ: أَيُّها الملك، لا تقتُلْنى؛ فإنه عسى أن يكونَ بقائى معك خيرًا لك من قتلى. فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاقٍ، وكان أبرهة رجلا حليمًا.
ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريدُ ما خرَج له، حتى إذا كان بأرضِ خثعمٍ، عرَضَ له نُفَيلُ بنُ حبيب الخثعميُّ في قبيلى خثعمٍ؛ شَهران وناهس، ومَن تَبعه من قبائل العرب، فقاتله، فهزَمه أبرهةُ، وأخذ له أسيرًا، فأتى به، فلما همَّ بقتله قال له نفيلٌ: أيُّها الملكُ، لا تقتلنى، فإنى دليلك بأرض العرب، وهاتان يداى لك على قبيلَي خثعمٍ؛ شهرانَ وناهسٍ، بالسمع والطاعة.
تى به، فلما همَّ بقتله قال له نفيلٌ: أيُّها الملكُ، لا تقتلنى، فإنى دليلك بأرض العرب، وهاتان يداى لك على قبيلَي خثعمٍ؛ شهرانَ وناهسٍ، بالسمع والطاعة. فأعفاه وخلَّى سبيله، وخرج به
معه يدله على الطريق، حتى إذا مرَّ بالطائف، خرج إليه مسعودُ بنُ مُعَتِّبٍ في رجالِ ثقيفٍ، فقال: أيُّها الملك، إنما نحن عبيدُك، سامعون لك مطيعون، ليس لك عندَنا خلافٌ، وليس بيتُنا هذا بالبيت الذي تريدُ - يعنون اللاتَ - إنما تريدُ البيت الذي بمكة - يعنون الكعبةَ - ونحن نبعث معك مَن يَدُلُّك. فتجاوَزَ عنهم، وبعثوا معه أبا رِغالٍ، فخرج أبرهةُ ومعه أبو رغالٍ، حتى أنزله المُغَمِّسَ، فلما أنزله به مات أبو رغالٍ هنالك، فرجمت العرب قبرَه، فهو القبرُ الذي يرجمُ الناسُ بالمغمِّسِ.
ولما نزل أبرهة المغمِّسَ، بعث رجلا من الحبشة يقال له: الأسودُ بنُ مقصودٍ.
بو رغالٍ هنالك، فرجمت العرب قبرَه، فهو القبرُ الذي يرجمُ الناسُ بالمغمِّسِ.
ولما نزل أبرهة المغمِّسَ، بعث رجلا من الحبشة يقال له: الأسودُ بنُ مقصودٍ. على خيلٍ له حتى انتهى إلى مكةَ، فساق إليه أموالَ أهلِ مكةَ من قريش وغيرهم، وأصاب منها مائتى بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، وهمت قريش وكنانة وهُذَيْلٌ ومن كان بالحرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به فتركوا ذلك، وبعَث أبرهة حناطة الحميريَّ إلى مكة، وقال له: سَلْ عن سيد هذا البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملكَ يقول لكم: إني لم آتِ لحربِكم، إنما جئتُ لهدم البيتِ، فإن لم تَعَرَّضُوا دونه بحربٍ فلا حاجة لي بدمائِكم، فإن لم يُرِدْ حربى فأتنى به.
فلما دخل حناطة مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم بن عبدِ منافِ بن قُصَيٍّ.
فلا حاجة لي بدمائِكم، فإن لم يُرِدْ حربى فأتنى به.
فلما دخل حناطة مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم بن عبدِ منافِ بن قُصَيٍّ. فجاءه فقال له ما أمره به أبرهةُ، فقال له عبدُ المطلب: والله ما نريد حربَه، وما لنا بذلك من طاقةٍ، هذا بيتُ الله الحرام،
وبيت خليله إبراهيم ﵇ أو كما قال - فإن يمنَعه فهو بيتُه وحَرَمُه، وإن يُخَلِّ بينه وبينه فوالله ما عندنا [من دفعٍ] عنه. أو كما قال له، فقال له حناطة: فانطلق إلى الملكِ، فإنه قد أمرنى أن آتيَه بك. فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعضُ بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذى نَفْرٍ، وكان له صديقا، فَدُلَّ عليه، فجاءه وهو في محبسه، فقال: يا ذا نَفْرٍ، هل عندك غناء فيما نزَل بنا؟ فقال له ذو نَفْر: وما غَناءُ رجل أسير بيدَى ملك، ينتظر أن يقتُلَه غُدُوًّا أو عشيًّا؟!
وهو في محبسه، فقال: يا ذا نَفْرٍ، هل عندك غناء فيما نزَل بنا؟ فقال له ذو نَفْر: وما غَناءُ رجل أسير بيدَى ملك، ينتظر أن يقتُلَه غُدُوًّا أو عشيًّا؟! ما عندى غناء في شيءٍ مما نزل بك، إلا أن أنيسًا سائس الفيل لي صديق، فسأرسل إليه فأوصيه بك، وأُعظِّم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما تريدُ، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك. قال: حسبى. فبعث ذو نَفْرٍ إلى أُنيس، فجاء به، فقال: يا أنيس، إن عبد المطلب سيد قريشٍ، وصاحب عمر مكة، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، وقد أصاب الملك له مائتى بعيرٍ، فاستأذن له عليه، وانفعه عندَه بما استطعت. فقال: أفعلُ.
فكلم أُنيسٌ أبرهة، فقال: أيها الملك، هذا سيد قريش بيابك يستأذن عليك، وهو صاحب غير مكةَ، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، فأذن له عليك، فليكلمك بحاجتِه، وأحسن إليه.
أيها الملك، هذا سيد قريش بيابك يستأذن عليك، وهو صاحب غير مكةَ، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، فأذن له عليك، فليكلمك بحاجتِه، وأحسن إليه. قال: فأذن له أبرهةُ، وكان عبد المطلب رجلًا عظيما وسيمًا جسيما، فلما رآه أبرهه أجله وأكرمه أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يُجلسه معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على
بساطه، وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لتُرجمانه: قل له: ما حاجتك إلى الملكِ؟ فقال له ذلك التُّرجُمان، فقال له عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يردَّ عليَّ مائتي بعيرٍ أصابها لي. فلما قال له ذلك قال أبرهة لتُرجُمانه: قل له: قد كنتَ أعجبتني حين رأيتك، ثم زَهِدتُ فيك حين كلَّمتَني؛ أتكلمنى في مائتى بعير أصَبتُها لك، وتترك بيتًا هو دينُك ودين آبائك، قد جئتُ لهدمه فلا تكلِّمُني فيه؟! قال له عبد المطلب: إنى أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان ليُمْنَعَ منى.
بيتًا هو دينُك ودين آبائك، قد جئتُ لهدمه فلا تكلِّمُني فيه؟! قال له عبد المطلب: إنى أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان ليُمْنَعَ منى. قال: أنت وذاك، اردُدْ إليَّ إبلى.
وكان فيما زعَم بعضُ أهل العلم قد ذهَب مع عبد المطلب إلى أبرهة حين بعَث إليه حُناطةَ - يَعْمَرُ بنُ نُفَاثَةَ بن علي بن الدُّئِلِ بن بكرِ بن عبدِ مناةِ بن كنانةَ، وهو يومئذ سيِّدُ كنانةَ، وخُويلد بن وائلةَ الهُذَليُّ، وهو يومَئِذٍ سيدُ هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامةَ، على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأتى عليهم، والله أعلم.
وكان أبرهة قد ردَّ على عبد المطلب الإبل التي أصاب له، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكةَ، والتحرُّزِ في شَعَفِ الجبال والشعاب؛ تخوُّفًا عليهم من [مَعَرَّةِ الجيش]، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحَلْقَةِ البابِ؛ باب الكعبة، وقام معه نفرٌ من قريش يدعُون اللَّهَ ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذٌ بحَلْقة باب الكعبة:
لمطلب فأخذ بحَلْقَةِ البابِ؛ باب الكعبة، وقام معه نفرٌ من قريش يدعُون اللَّهَ ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذٌ بحَلْقة باب الكعبة:
يا رَبِّ لا أَرْجُو لهم سواكا
يا رَبِّ فَامْنَعْ مِنهُمُ حِماكا
إن عدوَّ البيتِ مَنْ عاداكا
امنعهم أَنْ يُخْرِبوا قُرَاكا
وقال أيضًا:
لا هُمَّ إِنَّ العبد يمـ … نَعُ رَحْلَهُ فامنَعْ حِلالك
لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ … ومحالُهم غَدْوًا مِحالَكْ
فلئن فعلت فربما … أَوْلى فأمرٌ ما بدَا لَكْ
ولئن فعلت فإنه … أمرٌ تُتِمُّ به فعالَكْ
وكنتَ إذا أتى باغ بسَلْمٍ … نُرَجِّى أن تكونَ لنا كذلكْ
فولَّوْا لم ينالُوا غيرَ خِزْيٍ … وكان الحَيْنُ يُهلكهم هنالِكْ
ولم أسمع بأرجسَ من رجالٍ … أرادوا العِزَّ فانتَهَكوا حرامَكْ
جَرُّوا جموعَ بلادِهِمْ … والفيلَ كي يَسْبُوا عِيالَكْ
يٍ … وكان الحَيْنُ يُهلكهم هنالِكْ
ولم أسمع بأرجسَ من رجالٍ … أرادوا العِزَّ فانتَهَكوا حرامَكْ
جَرُّوا جموعَ بلادِهِمْ … والفيلَ كي يَسْبُوا عِيالَكْ
ثم أرسَل عبد المطلبِ حَلْقةَ باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريشٍ إلى شَعَفِ الجبال فتحرَّزُوا فيها، ينتظرون ما أبرهةُ فاعلٌ بمكة إذا دخلها، فلما أصبَح أبرهةُ تهيَّأَ لدخول مكةَ، وهيَّأَ فيلَه وعَبَّأ جيشَه، وكان اسمُ الفيلِ محمودًا، وأبرهةُ مُجْمعٌ لهدم البيتِ، ثم الانصراف إلى اليمن، فلما وجَّهوا الفيلَ، أقبَل نُفَيلُ بنُ
حبيبٍ الخثعميُّ حتى قام إلى جنبِه، ثم أخذ بأذنِه فقال: ابرُكْ محمود، وارجع راشدًا من حيثُ جئتَ، فإنك في بلدِ الله الحرام.
ا الفيلَ، أقبَل نُفَيلُ بنُ
حبيبٍ الخثعميُّ حتى قام إلى جنبِه، ثم أخذ بأذنِه فقال: ابرُكْ محمود، وارجع راشدًا من حيثُ جئتَ، فإنك في بلدِ الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبَرَك الفيل، وخرج نُفَيلُ بنُ يشتدُّ حتى أصعد في الجبلِ، وضربوا الفيل ليقوم فأبَى، وضربوا في رأسه بالطَّبَرْزِينِ ليقوم فأبَى، فأدخلوا مَحاجِنَ لهم في مَرَاقِّه، فبزَغوه بها ليقوم فأبَى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يُهَروِلُ، ووجهوه إلى الشام ففعَل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرقِ ففعَل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحرِ أمثال الخطاطيف، مع كلِّ طير ثلاثة أحجارٍ يحمِلُها؛ حجرٌ في منقارِه، وحجران في رجليه مثل الحِمَّصِ والعَدَسِ، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلَّهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدِرُون الطريق الذي منه جاءوا، ويسألون عن نُفَيلِ بن حبيب، ليدلهم على الطريق إلى اليمنِ، فقال نُفَيلُ بنُ حبيب حين رأى ما أَنزَل الله بهم من نقمته:
أين المَفَرُّ والإلَهُ الطالِبْ
، ويسألون عن نُفَيلِ بن حبيب، ليدلهم على الطريق إلى اليمنِ، فقال نُفَيلُ بنُ حبيب حين رأى ما أَنزَل الله بهم من نقمته:
أين المَفَرُّ والإلَهُ الطالِبْ
والأَشْرَمُ المَغْلُوبُ غَيْرُ الغَالِبُ
فخرَجوا يتساقطون بكلِّ طريق، ويهلكون على كلِّ مَنْهلٍ، فأُصِيبَ أبرهة في جسدِه، وخرجوا به معهم، تسقط، أنامله أُنْمُلةً أُنملةٌ، كلما سقطت أنملةٌ أَتبَعَتُها مِدَّةٌ تُمثُّ قيحًا ودمًا، حتى قَدِموا به صنعاء وهو مثلُ فرخِ الطيرِ، فما مات حتى انصَدَع
صدره عن قلبهِ، فيما يزعُمون.
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن يعقوب بن عتبةَ بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدَّث أن أول ما رُئيتِ الحصبةُ والجُدَرِيُّ بأرض العربِ ذلك العامَ، وأنَّه أولُ ما رُئى بها مُرارُ الشجرِ، الحرملُ والحنظلُ والعُشَرُ، ذلك العام.
أنه حدَّث أن أول ما رُئيتِ الحصبةُ والجُدَرِيُّ بأرض العربِ ذلك العامَ، وأنَّه أولُ ما رُئى بها مُرارُ الشجرِ، الحرملُ والحنظلُ والعُشَرُ، ذلك العام.
حدثنا بشرٌ، قال ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ﴾: أقبل أبرهة الأشرم من الحبشة ومن معه من غزاة أهل اليمن، إلى بيتِ اللهِ ليهدِمَه؛ من أجل بيعة لهم أصابها العرب بأرض اليمن، فأقبلوا بفيلهم، حتى إذا كانوا بالصِّفَاحِ برَك، فكانوا إذا وجَّهوه إلى بيتِ اللَّهِ أَلقَى بجِرَانِهِ الأرضَ، وإذا وجَّهوه إلى بلدهم انطلق وله هَرْولةٌ، حتى إذا كان بنخلة اليمانية بعث الله عليهم طيرًا بيضًا أبابيل، والأبابيل: الكثيرة، مع كلِّ [طائر منها] ثلاثة أحجار؛ حجران في رجليه، وحجرٌ في منقاره، فجعلت ترميهم بها حتى جعلهم اللهُ ﷿ كعصفٍ مأكولٍ. قال: فنجَا أبو يَكسُومَ، وهو أبرهةُ، فجعل كلما قدم أرضًا تساقطَ بعضُ لحمِه، حتى أتى قومه، فأخبرهم الخبرَ ثم هلَك.
وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾.
جَا أبو يَكسُومَ، وهو أبرهةُ، فجعل كلما قدم أرضًا تساقطَ بعضُ لحمِه، حتى أتى قومه، فأخبرهم الخبرَ ثم هلَك.
وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾. يعنى تعالى ذكرُه: فجعَل الله أصحابَ الفيلِ كزرعٍ أكَلَتْه الدواب فراثَتْه، فيَبِس وتفرقت أجزاؤُه. شبَّه تقطُّعَ
أوصالهم بالعقوبةِ التي نزلت بهم، وتفرُّقَ آراب أبدانهم بها، بتفرُّقِ أجزاء الرَّوَثِ الذي حدث عن أكل الزرعِ.
وقد كان بعضُهم يقولُ: العَصْفُ هو القشرُ الخارج الذي يكون على حبِّ الحِنْطَة من خارج كهيئة الغلافِ لها.
ذكر من قال: عُنى بذلك ورقُ الزرعِ
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: ورقِ الحنطة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾.
أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: ورقِ الحنطة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: هو التِّبنُ.
وحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾: كزرعٍ مأكول.
حدثني محمدُ بنُ عمارة الأسديُّ، قال: ثنا زُريقُ بن مرزوقٍ، قال: ثنا هبيرةُ، عن سلمةَ بن نُبَيطٍ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: هو الهَبُّورُ، بالنَّبَطِيَّة. وفي رواية: المقهورُ.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: ورقِ الزرع وورق البقلِ، إذا أكلته البهائم فراثَته، فصار دَرِينًا.
ذكرُ مَن قال: عُنى به قشرُ الحبِّ
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: البُرُّ يُؤكَلُ ويُلْقِي عَصْفَه الريحُ، والعَصْفُ: الذي يكونُ فوقَ البُرِّ؛ هو لِحاءُ البُرِّ.
أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: البُرُّ يُؤكَلُ ويُلْقِي عَصْفَه الريحُ، والعَصْفُ: الذي يكونُ فوقَ البُرِّ؛ هو لِحاءُ البُرِّ.
وقال آخرون في ذلك بما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنانٍ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: كطعامٍ مطعومٍ.
آخر تفسير سورة "الفيلِ"
تفسير سورة "قريش"
﷽
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾
هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش، فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وَرَدهم بشر خيبة. وكانوا قوما نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان.
ادهم الله، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وَرَدهم بشر خيبة. وكانوا قوما نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان. ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله ﷺ، فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال، ولسان حال القدر يقول: لم ننصركم -يا معشر قريش-على الحبشة لخيريتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد، صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء.
وهذه قصة أصحاب الفيل على وجه الإيجاز والاختصار والتقريب، قد تقدم في قصة أصحاب الأخدود أن ذا نُوَاس -وكان آخر ملوك حمير، وكان مشركًا -هو الذي قتل أصحاب الأخدود، وكانوا نصارى، وكانوا قريبًا من عشرين ألفًا، فلم يفلت منهم إلا دَوس ذو ثعلبان، فذهب فاستغاث بقيصر ملك الشام -وكان نصرانيًا-فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة؛ لكونه أقرب إليهم، فبعث معه أميرين: أرياط وأبرهة بن الصباح أبا يكسوم في جيش كثيف، فدخلوا اليمن فجاسوا خلال الديار، واستلبوا الملك من حمير، وهلك ذو نواس
لكونه أقرب إليهم، فبعث معه أميرين: أرياط وأبرهة بن الصباح أبا يكسوم في جيش كثيف، فدخلوا اليمن فجاسوا خلال الديار، واستلبوا الملك من حمير، وهلك ذو نواس غريقا في البحر. واستقل الحبشة بملك اليمن وعليهم هذان الأميران: أرياط وأبرهة، فاختلفا في أمرهما وتصاولا وتقاتلا وتصافا، فقال أحدهما للآخر: إنه لا حاجة بنا إلى اصطدام الجيشين بيننا، ولكن أبرز إلي وأبرز إليك، فأينا قتل الآخر، استقل بعده بالملك. فأجابه إلى ذلك فتبارزا، وخَلَفَ كل واحد منهما قناة، فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف، فشرم أنفه وفمه وشق وجهه، وحمل عَتَوْدَة مولى أبرهة على أرياط فقتله، ورجع أبرهة جريحًا، فداوى جرحه فَبَرأ، واستقل بتدبير جيش الحبشة باليمن. فكتب إليه النجاشي يلومه على ما كان منه، ويتوعده ويحلف ليطأن بلاده ويجزن ناصيته. فأرسل إليه أبرهة يترقق له ويصانعه، وبعث مع رسوله بهدايا وتحف، وبجراب فيها من تراب اليمن، وجز ناصيته فأرسلها معه، ويقول في كتابه: ليطأ الملك على هذا الجراب فيبر قسمه،
وهذه ناصيتي قد بعثت بها إليك.
له بهدايا وتحف، وبجراب فيها من تراب اليمن، وجز ناصيته فأرسلها معه، ويقول في كتابه: ليطأ الملك على هذا الجراب فيبر قسمه،
وهذه ناصيتي قد بعثت بها إليك. فلما وصل ذلك إليه أعجبه منه، ورضي عنه، وأقره على عمله. وأرسل أبرهة يقول للنجاشي: إني سأبني لك كنيسة بأرض اليمن لم يُبْنَ قبلها مثلها. فشرع في بناء كنيسة هائلة بصنعاء، رفيعة البناء، عالية الفناء، مزخرفة الأرجاء. سمتها العرب القُلَّيس؛ لارتفاعها؛ لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها. وعزم أبرهة الأشرمُ على أن يصرف حَجّ العرب إليها كما يُحَج إلى الكعبة بمكة، ونادى بذلك في مملكته، فكرهت العرب العدنانية والقحطانية ذلك، وغضبت قريش لذلك غضبًا شديدًا، حتى قصدها بعضهم، وتوصل إلى أن دخلها ليلا. فأحدث فيها وكرّ راجعًا.
بذلك في مملكته، فكرهت العرب العدنانية والقحطانية ذلك، وغضبت قريش لذلك غضبًا شديدًا، حتى قصدها بعضهم، وتوصل إلى أن دخلها ليلا. فأحدث فيها وكرّ راجعًا. فلما رأى السدنة ذلك الحدث، رفعوا أمرهم إلى ملكهم أبرهة، وقالوا له: إنما صنع هذا بعض قريش غضبًا لبيتهم الذي ضاهيت هذا به، فأقسم أبرهة ليسيرن إلى بيت مكة، وليخربنه حجرًا حجرًا.
وذكر مقاتل بن سليمان أن فتية من قريش دخلوها فأججوا فيها نارًا، وكان يومًا فيه هواء شديد فأحرقته، وسقطت إلى الأرض.
فتأهب أبرهة لذلك، وصار في جيش كثيف عَرَمرم؛ لئلا يصده أحد عنه، واستصحب معه فيلا عظيما كبير الجثة لم ير مثله، يقال له: محمود، وكان قد بعثه إليه النجاشي ملك الحبشة لذلك. ويقال: كان معه أيضًا ثمانية أفيال. وقيل: اثنا عشر فيلا. وقيل غيره، والله أعلم. يعني ليهدم به الكعبة، بأن يجعل السلاسل في الأركان، وتوضع في عُنُق الفيل، ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة. فلما سمعت العرب بمسيره أعظموا ذلك جدًا، ورأوا أن حقًا عليهم المحاجبة دون البيت، وَرَد من أراده بكيد.
في عُنُق الفيل، ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة. فلما سمعت العرب بمسيره أعظموا ذلك جدًا، ورأوا أن حقًا عليهم المحاجبة دون البيت، وَرَد من أراده بكيد. فخرج إليه رجل [كان] من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له "ذو نَفْر" فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وخرابه. فأجابوه وقاتلوا أبرهة، فهزمهم لما يريده الله، ﷿، من كرامة البيت وتعظيمه، وأسر "ذو نُفْر" فاستصحبه معه. ثم مضى لوجهه حتى إذا كان بأرض خثعم، عَرَض له نُفَيل بن حَبيب الخَشْعمي في قومه: شهران وناهس، فقاتلوه، فهزمهم أبرهة، وأسر نُفَيل بن حبيب، فأراد قتله ثم عفا عنه، واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز. فلما اقترب من أرض الطائف، خرج إليه أهلها ثقيف وصانعوه خيفة على بيتهم، الذي عندهم، الذي يسمونه اللات. فأكرمهم وبعثوا معه "أبا رغَال" دليلا. فلما انتهى أبرهة إلى المُغَمْس -وهو قريب من مكة-نزل به وأغار جيشه على سَرْح أهل مكة من الإبل وغيرها، فأخذوه. وكان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب.
ا. فلما انتهى أبرهة إلى المُغَمْس -وهو قريب من مكة-نزل به وأغار جيشه على سَرْح أهل مكة من الإبل وغيرها، فأخذوه. وكان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب. وكان الذي أغار على السرح بأمر أبرهة أمير المقدمة، وكان يقال له: "الأسود بن مفصود" فهجاه بعض العرب -فيما ذكره ابن إسحاق -وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وأمره أن يأتيه بأشرف قريش، وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تَصُدوه عن البيت. فجاء حناطة فَدُل على عبد المطلب بن هاشم وبلغه عن أبرهة ما قال، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته
وحرمه، وإن يخلي بينه وبينه، فوالله ما عندنا دَفْع عنه. فقال له حناطة: فاذهب معي إليه. فذهب معه، فلما رآه أبرهة أجله، وكان عبد المطلب رجلا جميلا حسن المنظر، ونزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على البساط، وقال لترجمانه: قل له: حاجتك؟ فقال للترجمان: إن حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي.
يلا حسن المنظر، ونزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على البساط، وقال لترجمانه: قل له: حاجتك؟ فقال للترجمان: إن حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي. فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زَهِدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئتُ لهدمه، لا تكلمني فيه؟! فقال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع مني! قال: أنت وذاك.
ويقال: إنه ذهب مع عبد المطلب جماعة من أشراف العرب فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن البيت، فأبى عليهم، ورد أبرهة على عبد المطلب إبله، ورجع عبد المطلب إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكة، والتحصن في رءوس الجبال، تخوفا عليهم من معرة الجيش.
البيت، فأبى عليهم، ورد أبرهة على عبد المطلب إبله، ورجع عبد المطلب إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكة، والتحصن في رءوس الجبال، تخوفا عليهم من معرة الجيش. ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، وقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
لاهُمَّ إنَّ المرء يمـ … نَعُ رَحْلَه فامْنع حِلالَك
لا يغلبنَّ صَلِيبُهم … ومحَالُهم غدوًا مِحَالك
قال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حَلْقة الباب، ثم خرجوا إلى رءوس الجبال.
وذكر مقاتل بن سليمان أنهم تركوا عند البيت مائة بدنة مُقَلَّدة، لعل بعض الجيش ينال منها شيئا بغير حق، فينتقم الله منه.
فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله -وكان اسمه محمودًا-وعبأ جيشه، فلما وجهوا الفيل نحو مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى.
جنبه ثم أخذ بأذنه وقال ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام". ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل. وخرج نفيل بن حبيب يَشتد حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى.
محمود وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام". ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل. وخرج نفيل بن حبيب يَشتد حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى. فضربوا في رأسه بالطْبرزين وأدخلوا محاجن لهم في مَرَاقه فبزغوه بها ليقوم، فأبى؛ فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول. ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك. ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى مكة فبرك. وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان.
مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلهم أصابت. وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق، ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق هذا. ونفيل على رأس الجبل مع قريش وعرب الحجاز، ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من النقمة، وجعل نفيل يقول:
أينَ المَفَرُّ?
عن نفيل ليدلهم على الطريق هذا. ونفيل على رأس الجبل مع قريش وعرب الحجاز، ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من النقمة، وجعل نفيل يقول:
أينَ المَفَرُّ? والإلهُ الطَّالب … والأشرمُ المغلوبُ غير الغالب
قال ابن إسحاق: وقال نُفَيل في ذلك أيضًا:
ألا حُييت عَنا يا رُدَينا … نَعمْنا كُم مَعَ الأصبَاح عَينَا
رُدَينةُ لو رأيت -ولا تَرَيْه … لَدَى جَنْب المحصّب -ما رَأينَا
إذا لَعَذَرتني وَحَمَدت أمْري … وَلَم تأسي عَلَى مَا فات بَيْنَا
حَمِدتُ الله إذ أبصَرتُ طيرًا … وَخفْتُ حَجارة تُلقَى عَلَينا
فَكُلّ القوم يَسألُ عَن نُفَيل … كَأنَّ عليَ للحُبْشَان دَينَا!
وذكر الواقدي بأسانيده أنهم لما تعبئوا لدخول الحرم وهيئوا الفيل، جعلوا لا يصرفونه إلى جهة من سائر الجهات إلا ذهب [فيها] فإذا وجهوه إلى الحرم رَبَض وصاح. وجعل أبرهة يحمل على سائس الفيل وينهره ويضربه، ليقهر الفيل على دخول الحرم. وطال الفصل في ذلك.
ر الجهات إلا ذهب [فيها] فإذا وجهوه إلى الحرم رَبَض وصاح. وجعل أبرهة يحمل على سائس الفيل وينهره ويضربه، ليقهر الفيل على دخول الحرم. وطال الفصل في ذلك. هذا وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة، منهم المطعم بن عدي، وعمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، ومسعود [بن عمرو] الثقفي، على حراء ينظرون إلى ما الحبشة يصنعون، وماذا يلقون من أمر الفيل، وهو العجب العجاب. فبينما هم كذلك، إذ بعث الله عليهم طيرًا أبابيل، أي قَطَعًا قِطَعًا صفرا دون الحمام، وأرجلها حمر، ومع كل طائر ثلاث أحجار، وجاءت فحلقت عليهم، وأرسلت تلك الأحجار عليهم فهلكوا.
وقال محمد بن كعب: جاءوا بفيلين فأما محمود فَرَبض، وأما الآخر فَشَجُع فحُصِب.
وقال وهب بن مُنَبِّه: كان معهم فيلة، فأما محمود -وهو فيل الملك-فربض، ليقتدي به بقية الفيلة، وكان فيها فيل تَشَجَّع فحصب، فهربت بقية الفيلة.
ُع فحُصِب.
وقال وهب بن مُنَبِّه: كان معهم فيلة، فأما محمود -وهو فيل الملك-فربض، ليقتدي به بقية الفيلة، وكان فيها فيل تَشَجَّع فحصب، فهربت بقية الفيلة.
وقال عطاء بن يَسَار، وغيره: ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة، بل منهم من هلك سريعًا، ومنهم من جعل يتساقط عضوًا عضوًا وهم هاربون، وكان أبرهة ممن يتساقط عضوًا عضوًا، حتى مات ببلاد خثعم.
قال ابن إسحاق: فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنْمُلة أنْمُلة، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون.
وذكر مقاتل بن سليمان: أن قريشًا أصابوا مالا جزيلا من أسلابهم، وما كان معهم، وأن عبد المطلب أصاب يومئذ من الذهب ما ملأ حفرة.
وقال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عُتْبَة: أنه حدث أن أول ما رؤيت الحَصبة والجُدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رؤي به مَرائر الشجر الحَرْمل، والحنظل والعُشر، ذلك العام.
وهكذا روي عن عكرمة، من طريق جيد.
ما رؤيت الحَصبة والجُدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رؤي به مَرائر الشجر الحَرْمل، والحنظل والعُشر، ذلك العام.
وهكذا روي عن عكرمة، من طريق جيد.
قال ابن إسحاق: فلما بعث الله محمدا ﷺ كان فيما يَعُد به على قريش من نعْمتَه عليهم وفضله، ما رَدَّ عنهم من أمر الحبشة، لبقاء أمرهم ومدتهم، فقال: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ). ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [سورة قريش] أي: لئلا يغير شيئا من حالهم التي كانوا عليها، لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه.
قال ابن هشام: الأبابيل الجماعات، ولم تتكلم العرب بواحدة.
ورة قريش] أي: لئلا يغير شيئا من حالهم التي كانوا عليها، لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه.
قال ابن هشام: الأبابيل الجماعات، ولم تتكلم العرب بواحدة. قال: وأما السجيل، فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب: الشديد الصلب. قال: وذكر بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية، جعلتهما العرب كلمة واحدة، وإنما هو سنج وجل يعني بالسنج: الحجر، والجل: الطين. يقول: الحجارة من هذين الجنسين: الحجر والطين. قال: والعصفُ: ورقُ الزرع الذي لم يُقضب، واحدته عصفة. انتهى ما ذكره.
وقد قال حماد بن سلمة: عن عاصم، عن زر، عن عبد الله -وأبو سلمة بن عبد الرحمن-: (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: الفرق.
وقال ابن عباس، والضحاك: أبابيل يتبع بعضها بعضًا. وقال الحسن البصري، وقتادة: الأبابيل: الكثيرة. وقال مجاهد: أبابيل: شتى متتابعة مجتمعة. وقال ابن زيد: الأبابيل: المختلفة، تأتي من هاهنا، ومن هاهنا، أتتهم من كل مكان.
وقال الكسائي: سمعت [النحويين يقولون: أبول مثل العجول.
ى متتابعة مجتمعة. وقال ابن زيد: الأبابيل: المختلفة، تأتي من هاهنا، ومن هاهنا، أتتهم من كل مكان.
وقال الكسائي: سمعت [النحويين يقولون: أبول مثل العجول. قال: وقد سمعت] بعض النحويين يقول: واحد الأبابيل: إبيل.
وقال ابن جرير: [حدثنا ابن المثنى] حدثني عبد الأعلى، حدثني داود، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل؛ أنه قال في قوله: (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ) هي: الأقاطيع، كالإبل المؤبلة.
وحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن ابن عباس: (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب.
وحدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين عن عكرمة في قوله: (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: كانت طيرًا خضرا خرجت من البحر، لها رءوس كرءوس السباع.
وحدثنا ابن بشار، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير: (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: هي طير سود بحرية، في منقارها وأظافيرها الحجارة.
وهذه أسانيد صحيحة.
مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير: (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: هي طير سود بحرية، في منقارها وأظافيرها الحجارة.
وهذه أسانيد صحيحة.
وقال سعيد بن جبير: كانت طيرًا خضرا لها مناقير صفر، تختلف عليهم.
وعن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء: كانت الطير الأبابيل مثل التي يقال لها عنقاء مُغْرب. رواه عنهم ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير، قال: لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل، بعث عليهم طيرا أنشئت من البحر، أمثال الخطاطيف. كل طير منها تحمل ثلاثة أحجار مجزعة: حجرين في رجليه وحجرا في منقاره. قال: فجاءت حتى صفت على رءوسهم، ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما يقع حجر على رأس رجل إلا خرج من دبره، ولا يقع على شيء من جسده إلا وخرج من الجانب الآخر.
حتى صفت على رءوسهم، ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما يقع حجر على رأس رجل إلا خرج من دبره، ولا يقع على شيء من جسده إلا وخرج من الجانب الآخر. وبعث الله ريحا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعا.
وقال السُّدِّي، عن عكرمة، عن ابن عباس: (حِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) قال: طين في حجارة: "سنك -وكل" وقد قدمنا بيان ذلك بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقوله: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) قال سعيد بن جبير: يعني التبن الذي تسميه العامة: هبور. وفي رواية عن سعيد: ورق الحنطة. وعنه أيضا: العصف: التبن. والمأكول: القصيل يجز للدواب.
مَأْكُولٍ) قال سعيد بن جبير: يعني التبن الذي تسميه العامة: هبور. وفي رواية عن سعيد: ورق الحنطة. وعنه أيضا: العصف: التبن. والمأكول: القصيل يجز للدواب. وكذلك قال الحسن البصري.
وعن ابن عباس: العصف: القشرة التي على الحبة، كالغلاف على الحنطة.
وقال ابن زيد: العصف: ورق الزرع، وورق البقل، إذا أكلته البهائم فراثته، فصار درينا.
والمعنى: أن الله، ﷾، أهلكهم ودمرهم، وردهم بكيدهم وغيظهم لم ينالوا خيرًا، وأهلك عامتهم، ولم يرجع منهم بخير إلا وهو جريح، كما جرى لملكهم أبرهة، فإنه انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء، وأخبرهم بها جرى لهم، ثم مات.
ًا، وأهلك عامتهم، ولم يرجع منهم بخير إلا وهو جريح، كما جرى لملكهم أبرهة، فإنه انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء، وأخبرهم بها جرى لهم، ثم مات. فملك بعده ابنه
يكسوم، ثم من بعده أخوه مسروق بن أبرهة ثم خرج سيف بن ذي يَزَن الحميري إلى كسرى فاستغاثه على الحبشة، فأنفذ معه من جيوشه فقاتلوا معه، فرد الله إليهم ملكهم، وما كان في آبائهم من الملك، وجاءته وفود العرب للتهنئة.
وقد قال محمد بن إسحاق: حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مُقْعَدَين، يستطعمان ورواه الواقدي، عن عائشة مثله.
كر، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مُقْعَدَين، يستطعمان ورواه الواقدي، عن عائشة مثله. ورواه أيضا عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: كانا مقعدين يستطعمان الناس، عند إساف ونائلة، حيث يذبح المشركون ذبائحهم.
قلت: كان اسم قائد الفيل: أنيسا.
وقد ذكر الحافظ أبو نعيم في كتاب "دلائل النبوة" من طريق ابن وهب، عن ابن لَهِيعة عن عقيل بن خالد، عن عثمان بن المغيرة قصة أصحاب الفيل، ولم يذكر أن أبرهة قدم من اليمن، وإنما بعث على الجيش رجلا يقال له: شمر بن مفصود، وكان الجيش عشرين ألفًا، وذكر أن الطير طرقتهم ليلا فأصبحوا صرعى.
وهذا السياق غريب جدًا، وإن كان أبو نعيم قد قواه ورجحه على غيره. والصحيح أن أبرهة الأشرم الحبشي قدم مكة كما دل على ذلك السياقات والأشعار.
أصبحوا صرعى.
وهذا السياق غريب جدًا، وإن كان أبو نعيم قد قواه ورجحه على غيره. والصحيح أن أبرهة الأشرم الحبشي قدم مكة كما دل على ذلك السياقات والأشعار. وهكذا روى ابن لَهِيعة، عن الأسود، عن عُرْوَة: أن أبرهة بعث الأسود بن مفصود على كتيبة معهم الفيل، ولم يذكر قدوم أبرهة نفسه، والصحيح قدومه، ولعل ابن مقصود كان على مقدمة الجيش، والله أعلم.
ثم ذكر ابن إسحاق شيئًا من أشعار العرب، فيما كان من قصة أصحاب الفيل، فمن ذلك شعر عبد الله بن الزبعرى:
تَنَكَّلُوا عن بطن مَكَّةَ إنها … كانتْ قديمًا لا يُرَام حَريمها
لم تُخلَق الشِّعرَى ليالي حُرّمتْ … إذ لا عزيزَ من الأنام يَرُومها
سائل أميرَ الجيش عنها ما رَأى?
ن بطن مَكَّةَ إنها … كانتْ قديمًا لا يُرَام حَريمها
لم تُخلَق الشِّعرَى ليالي حُرّمتْ … إذ لا عزيزَ من الأنام يَرُومها
سائل أميرَ الجيش عنها ما رَأى? … فلسوفَ يُنبي الجاهلين عليمها
ستونَ ألفًا لم يئوبوا أرَضهم … بل لم يعش بعد الإياب سقيمها
كانتْ بها عادٌ وجُرْهُم قبلهم … واللهُ من فوق العباد يُقيمها
وقال أبو قيس بن الأسلت الأنصاري المري:
ومن صُنْعه يوم فيل الحُبُو … ش، إذ كل ما بَعَثُوه رَزَمْ
محاجنهم تحت أقرابه … وقد شَرَموا أنفه فانخرم
وقد جعلوا سوطه مغولا … إذا يَمَّمُوه قَفَاه كُليم
فَسوَّل أدبر أدراجه … وقد باء بالظلم من كان ثمَّ
فأرسل من فوقهم حاصبًا … يَلُفهُم مثْلَ لَفُ القزُم
تحث على الصَّبر أحبارُهم … وَقَد ثأجُوا كَثؤاج الغَنَم
وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، ويروى لأمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة:
إن آيات رَبِّنا بَاقياتٌ … مَا يُمَاري فيهنَّ إلا الكفورُ
خُلِقَ الليلُ والنهارُ فَكُلّ … مستبينٌ حسابُه مَقْدُورُ
ثمَّ يجلو النَّهارَ ربٌ رحيمٌ … بمهاة شُعَاعها منشورُ
اقياتٌ … مَا يُمَاري فيهنَّ إلا الكفورُ
خُلِقَ الليلُ والنهارُ فَكُلّ … مستبينٌ حسابُه مَقْدُورُ
ثمَّ يجلو النَّهارَ ربٌ رحيمٌ … بمهاة شُعَاعها منشورُ
حُبِسَ الفيلُ بالمُغمَّس حَتَّى … صار يَحْبُو، كأنه معقورُ
لازمًا حلقُه الجرانَ كما قُطِّر … من ظَهْر كَبْكَب مَحدُورُ
حَوله من مُلُوك كِندةَ أبطالُ … ملاويثُ في الحُرُوب صُقُورُ
خَلَّفُوه ثم ابذَعرّوا جَميعًا، … كُلَّهم عَظْمُ ساقه مَكْسُورُ
كُلّ دين يَومَ القِيَامة عندَ الـ … له إلا دِينُ الحَنِيفَة بورُ
وقد قدمنا في تفسير "سورة الفتح" أن رسول الله ﷺ لما أطل يوم الحديبية على الثنية التي تهبط به على قريش، بركت ناقته، فزجروها فألحَّت، فقالوا: خلأت القصواء، أي: حَرَنت. فقال رسول الله ﷺ: "ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل" ثم قال: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني اليوم خطة يُعَظمون فيها حُرُمات الله، إلا أجبتهم إليها". ثم زجرها فقامت.
ما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل" ثم قال: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني اليوم خطة يُعَظمون فيها حُرُمات الله، إلا أجبتهم إليها". ثم زجرها فقامت. والحديث من أفراد البخاري.
وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: "إن الله حبس عن مكة الفيل، وسَلَّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب".
آخر تفسير سورة "الفيل".
تفسير سورة لإيلاف قريش
وهي مكية.
ذكر حديث غريب في فضلها: قال البيهقي في كتاب "الخلافيات": حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي بمرو، حدثنا أحمد بن عُبَيد الله النرسي حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ثابت بن شرحبيل، حدثني عثمان بن عبد الله [بن] أبي عتيق، عن سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة، عن أبيه، عن جدته أم هانئ بنت أبي طالب؛ أن رسول الله ﷺ قال: "فضل الله قريشًا بسبع خلال: أني منهم وأن النبوة فيهم، والحجابة، والسقاية فيهم، وأن الله نصرهم على الفيل، وأنهم عبدوا الله، ﷿، عشر سنين
سول الله ﷺ قال: "فضل الله قريشًا بسبع خلال: أني منهم وأن النبوة فيهم، والحجابة، والسقاية فيهم، وأن الله نصرهم على الفيل، وأنهم عبدوا الله، ﷿، عشر سنين لا يعبده غيرهم، وأن الله أنزل فيهم سورة من القرآن" ثم تلاها رسول الله: بسم الله الرحمن الرحيم" لإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ".
﷽