القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾.
يقول تعالى ذكره: وحفظنا السماء الدنيا من كلِّ شيطانٍ لعينٍ، قد رجَمَه اللَّهُ ولعَنه، ﴿إلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾، يقولُ: لكن قد يَسْتَرِقُ من الشياطين السمع مما يَحْدُثُ في السماءِ بعضُها، فيَتْبَعُه شهابٌ مِن النارِ مبينٌ، يَبِينُ أثرُه فيه، إما بإخبالِه وإفساده، أو بإحراقه.
وكان بعضُ نحويِّي أهل البصرة يقولُ في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾: هو استثناءٌ خارجٌ، كما قال: ما أشْتَكى إلا خيرًا. يريدُ: لَكِن أذكُرُ خيرًا.
وكان يُنكِرُ ذلك من قبله بعضُهم، ويقول: إذا كانت "إلَّا" بمعنى "لكن"، عمِلت عملَ "لَكِنْ"، ولا يحتاج إلى إضمار "أذْكُرُ". ويقولُ: لو احتاج والأمرُ كذلك إلى إضمار "أذْكُرُ"، احتاج قول القائل: قام زيد لا عمرٌو.
عنى "لكن"، عمِلت عملَ "لَكِنْ"، ولا يحتاج إلى إضمار "أذْكُرُ". ويقولُ: لو احتاج والأمرُ كذلك إلى إضمار "أذْكُرُ"، احتاج قول القائل: قام زيد لا عمرٌو. إلى إضمارِ "أذكرُ".
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عفان بن مسلمٍ، قال: ثنا عبد الواحدِ بنُ زيادٍ، قال ثنا الأعمش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: تصعد الشياطين أفواجًا تَسْتَرِقُ السَّمْعَ. قال: فيَنْفَرِدُ الماردُ منها فيعلو، فيُرمى بالشهاب، فيُصِيبُ جبهتَه أو جَنبه، أو حيث شاء الله منه، فيلتهب، فيَأْتى أصحابه وهو يَلْتَهبُ، فيقولُ: إنه كان من الأمر كذا وكذا.
ُ منها فيعلو، فيُرمى بالشهاب، فيُصِيبُ جبهتَه أو جَنبه، أو حيث شاء الله منه، فيلتهب، فيَأْتى أصحابه وهو يَلْتَهبُ، فيقولُ: إنه كان من الأمر كذا وكذا. قال: فيَذْهَبُ أولئك إلى إخوانهم من الكهنةِ، فيزيدون عليه أضعافَه من الكذبِ، فيُخبرونهم به، فإذا رأوا شيئًا مما قالوا قد كان، صدَّقوهم بما جاءوهم به من الكذبِ.
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾. قال: أراد أن يَخْطِفَ السمعَ، وهو كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠].
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾: وهو نحو قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾.
خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾. قال: خَطِفَ الخَطْفةَ.
حدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعت الضحاك يقولُ في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾: هو كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾. كان ابن عباس يقولُ: إن الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولكن تَحرِقُ وتُخَبِّلُ وتَجرَحُ، مِن غير أن تَقْتُلَ.
حدثني الحارث، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿مِن كُلَّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾. قال: الرجيم الملعون. قال: وقال القاسمُ، عن الكسائيِّ، أنه قال: الرجمُ في جميع القرآنِ الشَّتْمُ.
﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾
يذكر تعالى خلقه السماء في ارتفاعها وما زَيَّنَها به من الكواكب الثواقب، لمن تأملها، وكرر النظر فيها، يرى فيها من العجائب والآيات الباهرات، ما يحار نظره فيه.
الى خلقه السماء في ارتفاعها وما زَيَّنَها به من الكواكب الثواقب، لمن تأملها، وكرر النظر فيها، يرى فيها من العجائب والآيات الباهرات، ما يحار نظره فيه. ولهذا قال مجاهد وقتادة: البروج هاهنا هي: الكواكب.
قلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] ومنهم من قال: البروج هي: منازل الشمس والقمر.
وقال عطية العوفي: البروج هاهنا: هي قصور الحرس
وجعل الشُهب حرسًا لها من مَرَدة الشياطين، لئلا يسمعوا إلى الملأ الأعلى، فمن تمرد منهم [وتقدم] لاستراق السمع، جاءه شِهَابٌ مُبِينٌ فأتلفه، فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها قبل أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه، فيأخذها الآخر، ويأتي بها إلى وليه، كما جاء مصرحا به في الصحيح، كما قال البخاري في تفسير هذه الآية:
مة التي سمعها قبل أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه، فيأخذها الآخر، ويأتي بها إلى وليه، كما جاء مصرحا به في الصحيح، كما قال البخاري في تفسير هذه الآية:
حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة، يبلُغُ به النبي ﷺ، قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خُضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صَفوان". قال علي، وقال غيره: صفوان يَنفُذهم ذلك، فإذا فُزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الذي قال: الحق، وهو العلي الكبير. فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع،
هكذا واحد فوق آخر -ووصف سفيان بيده فَفَرَّج بين أصابع يده اليمنى، نَصبَها بعضها فوق بعض -فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يَرْمي بها إلى صاحبه فيحرقَه، وربما لم يدركه [حتى] يَرْمي بها إلى الذي يليه، [إلى الذي] هو أسفل منه، حتى يلقوها إلى الأرض -وربما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض فتلقى على فم الساحر -أو: الكاهن -فيكذب معها مائة كذبة فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا، فوجدناه حقًّا؟
ا قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض فتلقى على فم الساحر -أو: الكاهن -فيكذب معها مائة كذبة فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا، فوجدناه حقًّا؟ للكلمة التي سمعت من السماء"
ثم ذكر، تعالى، خلقه الأرض، ومده إياها وتوسيعها وبسطها، وما جعل فيها من الجبال الرواسي، والأودية والأراضي والرمال، وما أنبت فيها من الزروع والثمار المتناسبة.
وقال ابن عباس: (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) أي: معلوم. وكذا قال سعيد بن جبير، وعكرمة، وأبو مالك، ومجاهد، والحكم بن عُتَيبة والحسن بن محمد، وأبو صالح، وقتادة.
ومنهم من يقول: مقدر بقدر.
وقال ابن زيد: من كل شيء يُوزَن ويقدر بقدر.
وعكرمة، وأبو مالك، ومجاهد، والحكم بن عُتَيبة والحسن بن محمد، وأبو صالح، وقتادة.
ومنهم من يقول: مقدر بقدر.
وقال ابن زيد: من كل شيء يُوزَن ويقدر بقدر. وقال ابن زيد: ما تزنه [أهل] الأسواق.
وقوله: (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) يذكر، تعالى، أنه صرفهم في الأرض في صنوف [من] الأسباب والمعايش، وهي جمع معيشة.
وقوله: (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) قال مجاهد: وهي الدواب والأنعام.
وقال ابن جرير: هم العبيد والإماء والدواب والأنعام.
والقصد أنه، تعالى، يمتن عليهم بما يسر لهم من أسباب المكاسب ووجوه الأسباب وصنوف المعايش، وبما سخر لهم من الدواب التي يركبونها والأنعام التي يأكلونها، والعبيد والإماء التي يستخدمونها، ورزْقهم على خالقهم لا عليهم فلهم هم المنفعة، والرزق على الله تعالى.
م من الدواب التي يركبونها والأنعام التي يأكلونها، والعبيد والإماء التي يستخدمونها، ورزْقهم على خالقهم لا عليهم فلهم هم المنفعة، والرزق على الله تعالى.
[وقوله] ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾
يخبر، تعالى، أنه مالك كل شيء، وأن كل شيء سهل عليه، يسير لديه، وأن عنده خزائن
الأشياء من جميع الصنوف، (وَمَا نُنزلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) كما يشاء وكما يريد، ولما لَهُ في ذلك من الحكمة البالغة، والرحمة بعباده، لا على [وجه] الوجوب، بل هو كتب على نفسه الرحمة.
زلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) كما يشاء وكما يريد، ولما لَهُ في ذلك من الحكمة البالغة، والرحمة بعباده، لا على [وجه] الوجوب، بل هو كتب على نفسه الرحمة.
قال يزيد بن أبي زياد، عن أبي جحيفة، عن عبد الله: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يقسمه حيث شاء عامًا هاهنا، وعامًا هاهنا. ثم قرأ: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنزلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) رواه ابن جرير
وقال أيضا: حدثنا القاسم، حدثنا الحسن حدثنا هُشَيْم، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الحكم بن عُتَيْبَة في قوله: (وَمَا نُنزلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) قال: ما عام بأكثر مطرًا من عام ولا أقل، ولكنه يُمطر قوم ويحرم آخرون وربما كان في البحر.
ن عُتَيْبَة في قوله: (وَمَا نُنزلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) قال: ما عام بأكثر مطرًا من عام ولا أقل، ولكنه يُمطر قوم ويحرم آخرون وربما كان في البحر. قال: وبلغنا أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس وولد آدم، يُحصُون كل قطرة حيث تقع وما تنبت
وقال البزار: حدثنا داود -وهو ابن بكر التُّسْتُري -حدثنا حبَّان بن أغلب بن تميم، حدثني أبي، عن هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "خزائن الله الكلام، فإذا أراد شيئا قال له: كن، فكان"
ثم قال: لا يرويه إلا أغلب، ولم يكن بالقوي، وقد حدث عنه غير واحد من المتقدمين، ولم يروه عنه إلا ابنه.
وقوله: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) أي: تلقح السحاب فتدر ماء، وتلقح الشجر فتتفتح عن أوراقها وأكمامها.
هذه "الرياح" ذكرها بصيغة الجمع، ليكون منها الإنتاج، بخلاف الريح العقيم فإنه أفردها، ووصفها بالعقيم، وهو عدم الإنتاج؛ لأنه لا يكون إلا من شيئين فصاعدا.
هذه "الرياح" ذكرها بصيغة الجمع، ليكون منها الإنتاج، بخلاف الريح العقيم فإنه أفردها، ووصفها بالعقيم، وهو عدم الإنتاج؛ لأنه لا يكون إلا من شيئين فصاعدا.
وقال الأعمش، عن المِنْهَال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود في قوله: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) قال: ترسل الريح، فتحمل الماء من السماء، ثم تَمْرى السحاب، حتى تدر كما تَدر اللَّقحَة.
وكذا قال ابن عباس، وإبراهيم النخعي، وقتادة.
وقال الضحاك: يبعثها الله على السحاب، فتُلقحه، فيمتلئ ماء.
وقال عُبَيْد بن عُمَير الليثي: يبعث الله المُبشرّة فتَقمُّ الأرض قَمًّا ثم بعث الله المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر، ثم تلا (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ)
وقد روى ابن جرير، من حديث عُبَيْس بن ميمون، عن أبي المُهَزَّم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الريح الجنوب من الجنة، وهي [الريح اللواقح، وهي التي] ذكر الله في كتابه، وفيها منافع للناس" وهذا إسناد ضعيف.
المُهَزَّم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الريح الجنوب من الجنة، وهي [الريح اللواقح، وهي التي] ذكر الله في كتابه، وفيها منافع للناس" وهذا إسناد ضعيف.
وقال الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحُمَيدي في مسنده: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني يزيد بن جُعْدبة الليثي: أنه سمع عبد الله بن مِخْراق، يحدث عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله خلق في الجنة ريحا بعد الريح بسبع سنين، وإن من دونها بابا مغلقا، وإنما يأتيكم الريح من ذلك الباب، ولو فتح لأذرت ما بين السماء والأرض من شيء، وهي عند الله الأزيبُ، وهي فيكم الجنوب"
وقوله: (فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ) أي: أنزلناه لكم عَذْبًا يُمكنكم أن تشربوا منه، ولو نشاء لجعلناه أجاجًا.
من شيء، وهي عند الله الأزيبُ، وهي فيكم الجنوب"
وقوله: (فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ) أي: أنزلناه لكم عَذْبًا يُمكنكم أن تشربوا منه، ولو نشاء لجعلناه أجاجًا. كما ينبه الله على ذلك في الآية الأخرى في سورة "الواقعة"، وهو قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠] وفي قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]
وقوله: (وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) قال سفيان الثوري: بمانعين.
ويحتمل أن المراد: وما أنتم له بحافظين، بل نحن ننزله ونحفظه عليكم، ونجعله معينا وينابيع في الأرض، ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أنزله وجعله عذبا، وحفظه في العيون والآبار والأنهار وغير ذلك.
ونحفظه عليكم، ونجعله معينا وينابيع في الأرض، ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أنزله وجعله عذبا، وحفظه في العيون والآبار والأنهار وغير ذلك. ليبقى لهم في طول السنة، يشربون ويسقون أنعامهم وزروعهم وثمارهم.
وقوله: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ) إخبار عن قدرته تعالى على بدء الخلق وإعادته، وأنه هو الذي أحيا الخلق من العدم، ثم يميتهم ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع.
وأخبر أنه، تعالى، يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون.
ثم قال مخبرًا عن تمام علمه بهم، أولهم وآخرهم: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ)
قال ابن عباس، ﵄ المستقدمون: كل من هلك من لدن آدم، ﵇، والمستأخرون: من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة.
وروي نحوه عن عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، ومحمد بن كعب، والشعبي، وغيرهم.
كل من هلك من لدن آدم، ﵇، والمستأخرون: من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة.
وروي نحوه عن عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، ومحمد بن كعب، والشعبي، وغيرهم. وهو اختيار ابن جرير، ﵀
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن رجل عن مَرْوان بن الحكم أنه قال: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء فأنزل الله: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ)
وقد ورد في هذا حديث غريب جدا، فقال ابن جرير:
حدثني محمد بن موسى الحَرَشِي، حدثنا نوح بن قيس، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، ﵄، قال: كانت تصلي خلف رسول الله ﷺ امرأة -قال ابن عباس: لا والله ما إنْ رأيت مثلها قط، وكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا يعني: لئلا يراها -وبعض يستأخرون، فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم!!
ابن عباس: لا والله ما إنْ رأيت مثلها قط، وكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا يعني: لئلا يراها -وبعض يستأخرون، فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم!! فأنزل الله: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ)
وكذا رواه أحمد وابن أبي حاتم في تفسيره، والترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما وابن ماجه من طرق عن نوح بن قيس الحُداني وقد وثقه أحمد وأبو داود وغيرهما، وحكي عن ابن معين تضعيفه، وأخرج له مسلم وأهل السنن.
وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، وقد رواه عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك وهو النكري أنه سمع أبا الجوزاء يقول في قوله: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ) في الصفوف في الصلاة (وَالْمُسْتَأْخِرِينَ) فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر وقد قال الترمذي: هذا أشبه من رواية نوح بن قيس والله أعلم.
في الصلاة (وَالْمُسْتَأْخِرِينَ) فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر وقد قال الترمذي: هذا أشبه من رواية نوح بن قيس والله أعلم.
وهكذا روى ابن جرير عن محمد بن أبي معشر، عن أبيه: أنه سمع عون بن عبد الله يُذاكر محمد بن كعب في قوله: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ) وأنها في صفوف
الصلاة، فقال محمد بن كعب: ليس هكذا، (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ) الميت والمقتول و (الْمُسْتَأْخِرِينَ) من يُخلقُ بَعْدُ، (وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) فقال عون بن عبد الله: وفقك الله وجزاك خيرًا
مْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ وإلى غير ذلك من الآيات.
والاستثناء في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ قال بعض العلماء: هو استثناء منقطع، وجزم به الفخر الرازي، أي: لكن من استرق السمع، أي: الخطفة اليسيرة فإنه يتبعه شهاب فيحرقه، كقوله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ وقيل: الاستثناء متصل، أي: حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئًا من الوحي وغيره إلَّا من استرق السمع فإنا لم نحفظها من أن تسمع الخبر من أخبار السماء سوى الوحي، فأما الوحي فلا تسمع منه شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ قاله القرطبي.
من أن تسمع الخبر من أخبار السماء سوى الوحي، فأما الوحي فلا تسمع منه شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ قاله القرطبي.
ونظيره ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ﴾ الآية، فإنه استثناء من الواو في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ ... ﴾ الآية.
تنبيه
يؤخذ من هذه الآيات التي ذكرنا أَنّ كل ما يتمشدق به أصحاب الأقمار الصناعية من أنهم سيصلون إلى السماء، ويبنون على القمر، كله كذب وشقشقة لا طائل تحتها، ومن اليقين الذي لاشك فيه أنهم سيقفون عند حدهم ويرجعون خاسئين أذلاء عاجزين ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ ووجه دلالة الآيات المذكورة على ذلك أن اللسان العربي الذي نزل به
لْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ ومنه قوله - ﷺ -: "الكلب الأسود شيطان" وقول جرير:
أيام يدعونني الشيطان من غزلي ... وكن يهوينني إذ كنت شيطانا
ولاشك أَنَّ أصحاب الأقمار الصناعية يدخلون في اسم الشياطين دخولًا أوليًا لعتوهم وتمردهم.
وإذا علمت ذلك فاعلم أنَّه تعالى صرح بحفظ السماء من كل شيطان كائنًا من كان في عدة آيات من كتابه، كقوله هنا: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ وقوله: ﴿وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
نَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ فقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ أي: فليصعدوا في أسباب السموات التي توصل إليها، وصيغة الأمر في قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا﴾ للتعجيز، وإيرادها للتعجيز
دليل على عجز البشر عن ذلك عجزا مطلقًا، وقوله جل وعلا بعد ذلك التعجيز: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ يفهم منه أنَّه لو تنطع جند من الأحزاب للارتقاء في أسباب السماء أنَّه يرجع مهزومًا صاغرًا داخرًا ذليلًا، ومما يدل على أن الآية الكريمة يشار فيها إلى شيء ما كان يظنه الناس وقت نزولها إبهامه جل وعلا لذلك الجند بلفظة "ما" في قوله: ﴿جُنْدٌ مَا﴾ وإشارته إلى مكان ذلك الجند، أو مكان انهزامه إشارة البعيد فى قوله: ﴿هُنَالِكَ﴾ ولم يتقدم في الآية ما يظهر رجوع الإشارة إليه إلَّا الارتقاء في أسباب السموات.
ته إلى مكان ذلك الجند، أو مكان انهزامه إشارة البعيد فى قوله: ﴿هُنَالِكَ﴾ ولم يتقدم في الآية ما يظهر رجوع الإشارة إليه إلَّا الارتقاء في أسباب السموات.
فالآية الكريمة يفهم منها ما ذكرنا، ومعلوم أنها لم يفسرها بذلك أحد من العلماء، بل عبارات المفسرين تدور على أن الجند المذكور الكفار الذين كذبوه - ﷺ -، وأنه - ﷺ - سوف يهزمهم، وأن ذلك تحقق يوم بدر، أو يوم فتح مكة، ولكن كتاب الله لا تزال تظهر غرائبه وعجائبه متجددة على مر الليالي والأيام، ففي كل حين تفهم منه أشياء لم تكن مفهومة من قبل، ويدل لذلك حديث أبي جحيفة الثابت في الصحيح أنَّه لما سأل عليًا ﵁ هل خصهم رسول الله - ﷺ - بشيء؟ قال له علي ﵁: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلَّا فهمًا يعطيه الله رجلًا في كتاب الله، وما في هذه الصحيفة. الحديث.
ا ﵁ هل خصهم رسول الله - ﷺ - بشيء؟ قال له علي ﵁: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلَّا فهمًا يعطيه الله رجلًا في كتاب الله، وما في هذه الصحيفة. الحديث. فقوله ﵁: إلَّا فهمًا يعطيه الله رجلًا في كتاب الله يدل على أن فهم كتاب الله تتجدد به العلوم والمعارف التي لم تكن عند عامة الناس، ولا مانع من حمل الآية على ما حملها عليه المفسرون، وما ذكرنا أيضًا أنَّه يفهم منها لما تقرر عند العلماء من أن الآية إن كانت تحتمل معاني كلها
صحيح تعين حملها على الجميع، كما حققته بأدلته الشيخ تقي الدين أَبو العباس ابن تيمية ﵀ في رسالته في علوم القرآن.
اء من أن الآية إن كانت تحتمل معاني كلها
صحيح تعين حملها على الجميع، كما حققته بأدلته الشيخ تقي الدين أَبو العباس ابن تيمية ﵀ في رسالته في علوم القرآن.
وصرح تعالى بأن القمر في السبع الطباق في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ فعلم من الآيات أن القمر في السبع الطباق، وأن الله حفظها من كل شيطان رجيم، فلم يبق شك ولا لبس في أن الشياطين أصحاب الأقمار الصناعية سيرجعون داخرين صاغرين عاجزين عن الوصول إلى القمر، والوصول إلى السماء، ولم يبق في أَن السماء التي فيها القمر ليس يراد بها مطلق ما علاك، وإن كان لفظ السماء قد يطلق لغة على كل ما علاك، كسقف البيت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية. وقد قال الشاعر:
وقد يسمى سماء كل مرتفع ...
ء قد يطلق لغة على كل ما علاك، كسقف البيت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية. وقد قال الشاعر:
وقد يسمى سماء كل مرتفع ... وإنَّما الفضل حيث الشمس والقمر
لتصريحه تعالى بأن القمر في السبع الطباق؛ لأن الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيْهِنَّ﴾ راجع إلى السبع الطباق، وإطلاق المجموع مرادًا بعضه كثير في القرآن وفي كلام العرب.
ومن أصرح أدلته: قراءة حمزة والكسائي: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ من القتل في الفعلين؛ لأن من قُتِل بالبناء للمفعول لا يمكن أن يؤمر بعد موته بأن يقتل قاتله، ولكن المراد: فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر، كما هو ظاهر.
وقال أَبو حيان في البحر المحيط في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيْهِنَّ نُوْرًا﴾: وصح كون السموات ظرفًا للقمر؛ لأنه لا
يلزم من الظرف أن يملأه المظروف، تقول: زيد في المدينة، وهو في جزء منها.
ى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيْهِنَّ نُوْرًا﴾: وصح كون السموات ظرفًا للقمر؛ لأنه لا
يلزم من الظرف أن يملأه المظروف، تقول: زيد في المدينة، وهو في جزء منها.
واعلم أن لفظ الآية صريح في أن نفس القمر في السبع الطباق؛ لأن لفظة "جعل" في الآية هي التي بمعنى صيّر، وهي تنصب المبتدأ والخبر، والمعبر عنه بالمبتدأ هو المعبر عنه بالخبر بعينه لا شيء آخر، فقولك: جعلت الطين خزفًا، والحديد خاتمًا، لا يخفى فيه أن الطين هو الخزف بعينه، والحديد هو الخاتم، وكذلك قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيْهِنَّ نُوْرًا﴾ فالنور المجعول فيهن هو القمر بعينه، فلا يفهم من الآية بحسب الوضع اللغوي احتمال خروج نفس القمر عن السبع الطباق، وكون المجعول فيها مطلق نوره؛ لأنه لو أريد ذلك لقيل: وجعل نور القمر فيهن، أما قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيْهِنَّ نُوْرًا﴾ فهو صريح في أن النور المجعول فيهن هو عين القمر، ولا يجوز صرف القرآن عن معناه المتبادر بلا دليل يجب الرجوع إليه، ويوضح ذلك أنَّه تعالى صرح في سورة الفرقان بأن القمر في خصوص السماء
فيهن هو عين القمر، ولا يجوز صرف القرآن عن معناه المتبادر بلا دليل يجب الرجوع إليه، ويوضح ذلك أنَّه تعالى صرح في سورة الفرقان بأن القمر في خصوص السماء ذات البروج بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ وصرح في سورة الحجر بأن ذات البروج المنصوص على أن القمر فيها هي بعينها المحفوظة من كل شيطان رجيم بقوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾.
وما يزعمه بعض الناس من أنَّه جل وعلا أشار إلى الاتصال بين أهل السماء والأرض في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ يقال فيه: إن
ُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ وقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾.
مع أن بعض العلماء قال: المراد ما بث من الدواب في الأرض فقط، فيكون من إطلاق المجموع مرادًا بعضه، وهو كثير في القرآن وفي لسان العرب، وبعضهم قال: المراد بدواب السماء الملائكة زاعمًا أن الدبيب يطلق على كل حركة.
قط، فيكون من إطلاق المجموع مرادًا بعضه، وهو كثير في القرآن وفي لسان العرب، وبعضهم قال: المراد بدواب السماء الملائكة زاعمًا أن الدبيب يطلق على كل حركة.
قال مقيده -عفا الله عنه-: ظاهر الآية الكريمة أن الله بث في السماء دواب كما بث في الأرض دواب، ولاشك أن الله قادر على جمع أهل السموات وأهل الأرض وعلى كل شيء، ولكن الآيات القرآنية التي ذكرنا بينت أن المراد بجمعهم حشرهم جميعًا يوم القيامة، وقد أطبق على ذلك المفسرون، ولو سلمنا تسليمًا جدليًا أنَّها تدل على جمعهم في الدنيا فلا يلزم من ذلك بلوغ أهل الأرض إلى أهل السماء، بل يجوز عقلًا أن ينحدر من في السماء إلى من
في الأرض؛ لأن الهبوط أهون من الصعود.
تدل على جمعهم في الدنيا فلا يلزم من ذلك بلوغ أهل الأرض إلى أهل السماء، بل يجوز عقلًا أن ينحدر من في السماء إلى من
في الأرض؛ لأن الهبوط أهون من الصعود.
وما يزعمه من لا علم عنده بكتاب الله تعالى من أن قوله جل وعلا: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ يشير إلى الوصول إلى السماء بدعوى أن المراد بالسلطانُ في الآية هو هذا العلم الحادث الذي من نتائجه الصواريخ والأقمار الصناعية، وإذًا فإن الآية قد تكون فيها الدلالة على أنهم ينفذون بذلك العلم من أقطار السموات والأرض مردود من أوجه: الأول: أن معنى الآية الكريمة هو إعلام الله جل وعلا خلقه أنهم لا محيص لهم ولا مفر عن قضائه ونفوذ مشيئته فيهم، وذلك عندما تحف بهم صفوف الملائكة يوم القيامة، فكلما فروا إلى جهة وجدوا صفوف الملائكة أمامهم، ويقال لهم في ذلك الوقت: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآية.
ا تحف بهم صفوف الملائكة يوم القيامة، فكلما فروا إلى جهة وجدوا صفوف الملائكة أمامهم، ويقال لهم في ذلك الوقت: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآية. والسلطان: قيل: الحجة والبينة، وقيل: الملك والسلطنة، وكل ذلك معدوم عندهم يوم القيامة، فلا نفوذ لهم كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ وقال: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾.
الوجه الثاني: أن الجن أعطاهم الله القدرة على الطيران والنفوذ في أقطار السموات والأرض، وكانوا يسترقون السمع من السماء، كما صرح به تعالى في قوله عنهم ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ الآية.
في أقطار السموات والأرض، وكانوا يسترقون السمع من السماء، كما صرح به تعالى في قوله عنهم ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ الآية. وإنَّما منعوا من ذلك حيث بعث - ﷺ - كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ فالجن كانوا قادرين على بلوغ السماء من غير حاجة إلى صاروخ ولا قمر
صناعي، فلو كان معنى الآية هو ما يزعمه أولئك الذين لا علم لهم بكتاب الله لم يقل جل وعلا يا معشر الجن؛ لأنهم كانوا ينفذون إلى السماء قبل حدوث السلطان المزعوم.
الوجه الثالث: أن العلم المذكور الذي لا يجاوز صناعة يدوية أهون على الله جل وعلا من أن يطلق عليه اسم السلطان؛ لأنه لا يجاوز أغراض هذه الحياة الدنيا، ولا نظر فيه ألبتة لما بعد الموت؛ ولأن الدنيا كلها لا تزن عند الله جناح بعوضة.
علا من أن يطلق عليه اسم السلطان؛ لأنه لا يجاوز أغراض هذه الحياة الدنيا، ولا نظر فيه ألبتة لما بعد الموت؛ ولأن الدنيا كلها لا تزن عند الله جناح بعوضة. وقد نص تعالى على كمال حقارتها عنده في قوله جل وعلا: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ -إلى قوله- لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ وعلم هؤلاء الكفار نفي الله عنه اسم العلم الحقيقي، وأثبت له أنَّه علم ظاهر من الحياة الدنيا، وذلك في قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ فحذق الكفار في الصناعات اليدوية كحذق بعض الحيوانات في صناعتها بإلهام الله لها ذلك، فالنحل تبني بيت عسلها على صورة شكل مسدس يحار فيه حذاق المهندسين، ولما أرادوا أن يتعلموا منها كيفية ذلك البناء وجعلوها في أجباح زجاج لينظروا إلى كيفية بنائها أبت
ي بيت عسلها على صورة شكل مسدس يحار فيه حذاق المهندسين، ولما أرادوا أن يتعلموا منها كيفية ذلك البناء وجعلوها في أجباح زجاج لينظروا إلى كيفية بنائها أبت أن تعلمهم فطلت الزجاج بالعسل قبل البناء كيلا يروا كيفية بنائها كما أخبرتنا الثقة بذلك.
الوجه الرابع: أنا لو سلمنا تسليمًا جدليًا أن ذلك المعنى المزعوم كذبًا هو معنى الآية فإن الله أتبع ذلك بقوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ الآية، فهو يدل على ذلك التقدير على أنهم لو أرادوا
النفوذ في أقطارها حرقهم ذلك الشواظ والنحاس، والشواظ اللهب الخالص، والنحاس الدخان، ومنه قول النابغة:
يضيء كضوء سراج السليط ... لم يجعل الله فيه نحاسا
وكذلك ما يزعمه بعض من لا علم له بمعنى كتاب الله من أن الله أشار إلى اتصال أهل السموات وأهل الأرض بقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية بصيغة الأمر في لفظة (قُلْ) على قراءة الجمهور، وبصيغة الماضي ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ﴾ الآية في قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم.
اءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية بصيغة الأمر في لفظة (قُلْ) على قراءة الجمهور، وبصيغة الماضي ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ﴾ الآية في قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. فإن الآية الكريمة لا تدل على ذلك، لا بدلالة المطابقة، ولا التضمن، ولا الالتزام؛ لأن غاية ما تفيده الآية الكريمة أن الله جل وعلا أمر نبيه أن يقول: إن ربه يعلم كل ما يقوله أهل السماء وأهل الأرض على قراءة الجمهور، وعلى قراءة الأخوين، وحفص، فمعنى الآية أنَّه - ﷺ - أخبر قائلًا: إن ربه جل وعلا يعلم كل ما يقال في السماء والأرض، وهذا واضح لا إشكال فيه، ولاشك أنَّه جل وعلا عالم بكل أسرار أهل السماء والأرض وعلانياتهم لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلَّا في كتاب مبين.
شك أنَّه جل وعلا عالم بكل أسرار أهل السماء والأرض وعلانياتهم لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلَّا في كتاب مبين.
وكذلك ما يزعمه من لا علم عنده بمعنى كتاب الله جل وعلا من أنَّه تعالى أشار إلى أن أهل الأرض سيصعدون إلى السموات واحدة بعد أخرى بقوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ زاعمًا أن معنى الآية الكريمة لتركبن أيها الناس طبقًا، أي: سماء عن طبق، أي: بعد سماء حتَّى تصعدوا فوق السموات، فهو أيضًا جهل بكتاب الله وحمل له على غير ما يراد به.
اعلم أولًا أن في هذا الحرف قراءتين سبعيتين مشهورتين، إحداهما: لتركبَن بفتح الباء، وبها قرأ من السبعة ابن كثير وحمزة والكسائي، وعلى هذه القراءة ففي فاعل لتركبن ثلاثة أوجه معروفة عند العلماء:
تين مشهورتين، إحداهما: لتركبَن بفتح الباء، وبها قرأ من السبعة ابن كثير وحمزة والكسائي، وعلى هذه القراءة ففي فاعل لتركبن ثلاثة أوجه معروفة عند العلماء:
الأول: وهو أشهرها أن الفاعل ضمير الخطاب الواقع على النبي - ﷺ -، أي لتركبن أنت يا نبي الله طبقًا عن طبق، أي: بعد طبق، أي: حالًا بعد حال، أي: فتترقى في الدرجات درجة درجة، والطبق في لغة العرب الحال، ومنه قول الأقرع بنُ حابس التميمي:
إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره ... وساقني طبق منها إلى طبق
وقول الآخر:
كذلك المرء إن ينسأ له أجل ...
لغة العرب الحال، ومنه قول الأقرع بنُ حابس التميمي:
إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره ... وساقني طبق منها إلى طبق
وقول الآخر:
كذلك المرء إن ينسأ له أجل ... يركب على طبق من بعده طبق
أي: حال بعد حال في البيتين.
وقال ابن مسعود، والشعبي، ومجاهد، وابن عبَّاس في إحدى الروايتين والكلبي وغيرهم، ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ أي: لتصعدن يا محمد سماء بعد سماء، وقد وقع ذلك ليلة الإسراء.
والثاني: أن الفاعل ضمير السماء، أي: لتركبن هي، أي: السماء طبقًا بعد طبق، أي لتنتقلن السماء من حال إلى حال، أي: تصير تارة كالدهان، وتارة كالمهل، وتارة تتشقق بالغمام، وتارة تطوى كطي السجل للكتب.
والثالث: أن الفاعل ضمير يعود إلى الإنسان المذكور في
قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ الآية، أي: لتركبن أيها الإنسان حالًا بعد حال من صغر إلى كبر، ومن صحة إلى سقم، كالعكس، ومن غنى إلى فقر كالعكس، ومن موت إلى حياة كالعكس، ومن هول من أهوال القيامة إلى آخر وهكذا.
إنسان حالًا بعد حال من صغر إلى كبر، ومن صحة إلى سقم، كالعكس، ومن غنى إلى فقر كالعكس، ومن موت إلى حياة كالعكس، ومن هول من أهوال القيامة إلى آخر وهكذا. والقراءة الثانية وبها قرأ من السبعة نافع وابن عامر وأَبو عمرو وعاصم لتركبن بضم الباء، وهو خطاب عام للناس المذكورين في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧)﴾ إلى قوله ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ الآية. ومعنى الآية لتركبن أيها الناس حالًا بعد حال، فتنتقلون في دار الدنيا من طور إلى طور، وفي الآخرة من هول إلى هول.
فإن قبل: يجوز بحسب وضع اللغة العربية التي نزل بها القرآن على قراءة ضم الباء أن يكون المعنى لتركبن أيها الناس طبقًا بعد طبق، أي سماء بعد سماء حتَّى تصعدوا فوق السماء السابعة، كما تقدم نظيره في قراءة فتح الباء خطابًا للنبي - ﷺ -، وإذا كان هذا جائزًا في لغة القرآن، فما المانع من حمل الآية عليه؟
تَّى تصعدوا فوق السماء السابعة، كما تقدم نظيره في قراءة فتح الباء خطابًا للنبي - ﷺ -، وإذا كان هذا جائزًا في لغة القرآن، فما المانع من حمل الآية عليه؟
فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أن ظاهر القرآن يدل على أن المراد بالطبق الحال المتنقل إليها من موت ونحوه وهول القيامة بدليل قوله بعده مرتبًا له عليه بالفاء: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ فهو قرينة ظاهرة على أن المراد إذا كانوا ينتقلون من حال إلى حال ومن هول إلى هول فما المانع لهم من أن يؤمنوا ويستعدوا لتلك الشدائد، ويؤيده أن العرب تسمى الدواهي بنات طبق كما هو معروف في لغتهم.
الوجه الثاني: أن الصحابة ﵃ هم المخاطبون
الأولون بهذا الخطاب، وهم أَولى الناس بالدخول فيه بحسب الوضع العربي، ولم يركب أحد منهم سماء بعد سماء بإجماع المسلمين.
لثاني: أن الصحابة ﵃ هم المخاطبون
الأولون بهذا الخطاب، وهم أَولى الناس بالدخول فيه بحسب الوضع العربي، ولم يركب أحد منهم سماء بعد سماء بإجماع المسلمين. فدل ذلك على أن ذلك ليس معنى الآية، ولو كان هو معناها لما خرج منه المخاطبون الأولون بلا قرينة على ذلك.
الوجه الثالث: هو ما قدمنا من الآيات القرآنية المصرحة بحفظ السماء وحراستها من كل شيطان رجيم كائنًا من كان، فبهذا يتضح أن الآية الكريمة ليس فيها دليل على صعود أصحاب الأقمار الصناعية فوق السبع الطباق، والواقع المستقبل سيكشف حقيقة تلك الأكاذيب والمزاعم الباطلة.
وكذلك ما يزعمه بعض من ليس له علم بمعنى كتاب الله جل وعلا من أن الله تعالى أشار إلى بلوغ أهل الأرض إلى السموات بقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ الآية.
وعلا من أن الله تعالى أشار إلى بلوغ أهل الأرض إلى السموات بقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ الآية. فقالوا تسخيره جل وعلا ما في السموات لأهل الأرض، دليل على أنهم سيبلغون السموات.
والآية الكريمة لا تدل على ذلك الذي زعموا أنَّها تدل عليه؛ لأن القرآن بين في آيات كثيرة كيفية تسخير ما في السماء لأهل الأرض، فبين أن تسخير الشمس والقمر لمنافعهم وانتشار الضوء عليهم، ولكي يعلموا عدد السنين والحساب كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾ الآية.
لكي يعلموا عدد السنين والحساب كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾ الآية. ومنافع الشمس والقمر اللذين سخرهما الله لأهل الأرض لا يحصيها إلَّا الله كما هو معروف، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ وقال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات المبينة لذلك التسخير لأهل الأرض، وكذلك سخر لأهل الأرض النجومِ ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، كما قال تعالى: ﴿وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية.
مَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية. وقال: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، فهذا هو تسخير ما فى السماء لأهل الأرض، وخير ما يفسر به القرآن.
ومما يوضح ما ذكرنا أن المخاطبين الأولين بقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وهم الصحابة ﵃ لم يسخر لهم شيء مما في السموات إلَّا هذا التسخير الذي ذكرنا الذي بينه القرآن العظيم في آيات كثيرة، فلو كان يراد به التسخير المزعوم عن طريق الصواريخ والأقمار الصناعية لدخل فيه المخاطبون الأولون كما هو ظاهر.
كرنا الذي بينه القرآن العظيم في آيات كثيرة، فلو كان يراد به التسخير المزعوم عن طريق الصواريخ والأقمار الصناعية لدخل فيه المخاطبون الأولون كما هو ظاهر.
وكذلك قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ فإن معنى مرورهم على ما في السموات من الآيات نظرهم إليها كما بينه تعالى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا﴾ الآية. وقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية وقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
واعلم -وفقني الله وإياك- أن التلاعب بكتاب الله جل وعلا وتفسيره بغير معناه؛ لمحاولة توفيقه مع آراء كفرة الإفرنج ليس فيه
لْحَقُّ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
واعلم -وفقني الله وإياك- أن التلاعب بكتاب الله جل وعلا وتفسيره بغير معناه؛ لمحاولة توفيقه مع آراء كفرة الإفرنج ليس فيه
شيء البتة من مصلحة الدنيا ولا الآخرة، وإنَّما فيه فساد الدارين ونحن إذ نمنع التلاعب بكتاب الله وتفسيره بغير معناه نحض جميع المسلمين على بذل الوسع في تعليم ما ينفعهم من هذه العلوم الدنيوية مع تمسكهم بدينهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ كما سترى بسطه إن شاء الله في سورة بني إسرائيل.
فإن قيل: هذه الآيات التي استدللتم بها على حفظ السماء من الشياطين واردة في حفظها من استراق السمع، وذلك إنما يكون من شياطين الجن، فدل ذلك على اختصاص الآيات المذكورة بشياطين الجن؟ .
فالجواب:
أن الآيات المذكورة تشمل بدلالتها اللغوية شياطين الإنس من الكفار. قال في لسان العرب: والشيطان معروف، وكل عاتٍ متمرد من الإنس، والجن، والدواب شيطان.
ب:
أن الآيات المذكورة تشمل بدلالتها اللغوية شياطين الإنس من الكفار. قال في لسان العرب: والشيطان معروف، وكل عاتٍ متمرد من الإنس، والجن، والدواب شيطان. وقال في القاموس: والشيطان معروف، وكل عاتٍ متمرد من إنس، أو جن، أو دابة اهـ.
ولاشك أن من أشد الكفار تمردًا وعتوًا الذين يحاولون بلوغ السماء، فدخولهم في اسم الشيطان لغة لاشك فيه. وإذا كان لفظ الشيطان يعم كل متمرد عاتٍ فقوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ صريح في حفظ السماء من كل متمرد عات كائنًا من كان، وحمل نصوص الوحي على مدلولاتها اللغوية واجبٌ إلَّا لدليل يدل على تخصيصها، أو صرفها عن ظاهرها المتبادر منها،
كما هو مقرر في الأصول، وحفظ السماء من الشياطين معناه حراستها منهم. قال الجوهري في صحاحه: حفظت الشيء حفظًا أي حرسته اه وقال صاحب لسان العرب: وحفظت الشيء حفظًا أي حرسته اه.
، وحفظ السماء من الشياطين معناه حراستها منهم. قال الجوهري في صحاحه: حفظت الشيء حفظًا أي حرسته اه وقال صاحب لسان العرب: وحفظت الشيء حفظًا أي حرسته اه. وهذا معروف في كلام العرب، فيكون مدلول هذه الآية بدلالة المطابقة: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ أي وحرسناها، أي السماء من كل عاتٍ متمرد.
ولا مفهوم مُخَالَفَةُ لقوله: ﴿رَجِيمٍ (١٧)﴾ وقوله: ﴿مَارِدٍ (٧)﴾ لأن مثل ذلك من الصفات الكاشفة، فكل شيطان يوصف بأنه رجيم وبأنه مارد، وإن كان بعضهم أقوى تمردًا من بعض، وما حرسه الله جل وعلا من كل عاتٍ متمرد لاشك أنَّه لا يصل إليه عات متمرد كائنًا من كان ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ والعلم عند الله تعالى اه.
•