ِي الجَدْبِ والقَحْطِ رِقَّةً عليهم، فقال اللهُ تعالى للمشركين: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: من هذا الذى بعَث به إليكم، ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾. وذلك تأويلٌ بعيدٌ مما يدُلُّ
عليه ظاهرُ التنزيلِ؛ وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه: قد أَتْبَعَ ذلك بقولِه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ الآية والتى بعدَها، فبيَّن بذلك أن قولَه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾. إعلامٌ مِن اللهِ عبادَه أن ما كان المشركون يُحرِّمونه من البَحَائِرِ والسَّوَائِبِ والوَصائِلِ وغيرِ ذلك -مما قد بيَّنا قبلُ فيما مضَى- لا معنى له؛ إذ كان ذلك مِن خُطُواتِ الشيطانِ، فإن كلَّ ذلك حلالٌ، لم يُحَرِّم اللهُ منه شيئًا.
ه المنعم المتفضل به ابتداء، الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له.
ثم ذكر ما حرمه عليهم مما فيه مضرة لهم في دينهم ودنياهم، من الميتة والدم، ولحم الخنزير.
(وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) أي: ذبح على غير اسم الله، ومع هذا (فَمَنِ اضْطُرَّ) أي: احتاج في غير بغي ولا عدوان، (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
وقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في سورة "البقرة" بما فيه كفاية عن إعادته، ولله الحمد [والمنة].
ثم نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين، الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وضعوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم، من البَحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وغير ذلك مما كان شرعا لهم ابتدعوه في جاهليتهم، فقال: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس [له] فيها مستند شرعي، أو حلل شيئا مما حرم الله، أو حرم شيئا مما أباح الله، بمجرد رأيه وتشهِّيه.
ى اللَّهِ الْكَذِبَ) ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس [له] فيها مستند شرعي، أو حلل شيئا مما حرم الله، أو حرم شيئا مما أباح الله، بمجرد رأيه وتشهِّيه.
و"ما" في قوله: (لِمَا) مصدرية، أي: ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم.
ثم توعد على ذلك فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) أي: في الدنيا ولا في الآخرة. أما في الدنيا فمتاع قليل، وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم، كما قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩، ٧٠].