KitabAITafsir Al-Qur'an AI-Powered
Daftar surahSurah Al-Baqarah › Ayat 173

QS 2:173

Surah Al-Baqarah (البقرة) ayat 173

2:173
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ
Sesungguhnya Dia hanya mengharamkan atasmu bangkai, darah, daging babi, dan (daging) hewan yang disembelih dengan (menyebut nama) selain Allah. Tetapi barang siapa terpaksa (memakannya), bukan karena menginginkannya dan tidak (pula) melampaui batas, maka tidak ada dosa baginya. Sungguh, Allah Maha Pengampun, Maha Penyayang
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 172Ayat 174 →

Kata per kata

Lafadz, lema, dan akar tiap kata. Klik sebuah kata untuk melihat seluruh ayat yang memakai akar yang sama.

إِنَّمَا
إِنّ
partikel nashab
حَرَّمَ
حَرَّمَ
حرم
عَلَيْكُمُ
عَلَىٰ
preposisi
ٱلْمَيْتَةَ
مَيْتَة
موت
وَٱلدَّمَ
دَم
دمو
وَلَحْمَ
لَحْم
لحم
ٱلْخِنزِيرِ
خِنزِير
خنزر
وَمَآ
مَا
kata sambung penghubung
أُهِلَّ
أُهِلَّ
هلل
بِهِۦ
pronomina
لِغَيْرِ
غَيْر
غير
ٱللَّهِ
ٱللَّه
اله
فَمَنِ
مَن
partikel syarat
ٱضْطُرَّ
ٱضْطُرَّ
ضرر
غَيْرَ
غَيْر
غير
بَاغٍ
بَاغ
بغي
وَلَا
لَا
partikel nafi
عَادٍ
عَاد
عدو
فَلَآ
لَا
partikel nafi
إِثْمَ
إِثْم
اثم
عَلَيْهِ
عَلَىٰ
preposisi
إِنَّ
إِنّ
partikel nashab
ٱللَّهَ
ٱللَّه
اله
غَفُورٌ
غَفُور
غفر
رَّحِيمٌ
رَّحِيم
رحم

Tafsir dalam korpus (143 potongan)

QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 617) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 617 · #52251
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾. يعنى جل ثناؤُه بقولِه ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾: أيُّ شيءٍ صرفَهم عن قبلتِهم؟ وهو من قولِ القائلِ: ولانى فلانٌ دُبُرَه. إذا حوَّل وجهَه عنه واستدْبَره، فكذلك قولُه: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾: أىُّ شيءٍ حوَّل وجوهَهم؟ وأما قولُه: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ فإن قبلةَ كلِّ شيءٍ ما قابلَ وجهَه، وإنما هى فِعْلةٌ، بمنزلةِ الجِلْسَةِ والقِعْدةِ [وصِفوةِ الشئِ]، من قولِ القائلِ: قابلتُ فلانًا، إذا صرتَ قُبالتَه، أقابِلُه، فهو لى قِبلةٌ، وأنا له قِبلةٌ، إذا قابلَ كلُّ واحدٍ منهما بوجهِه وجهَ صاحبِه. فتأويلُ الكلامِ إذن إذْ كان ذلك معناه: سيقولُ السفهاءُ من الناسِ لكم أيها المؤمنون باللهِ وبرُسلِه، إذا حوّلْتم وجوهَكَم عن قبلةِ اليهودِ التى كانت لكم قبلةً، قبلَ أمرِى إياكم بتحويلِ وجوهِكم عنها شطرَ المسجدِ الحرامِ: أيُّ شيءٍ حوّل وجوهَ هؤلاء فصرَفها عن الموضعِ الذى كانوا يستقبِلونه بوجوهِهم في صلاتِهم؟
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 618) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 618 · #52252
، قبلَ أمرِى إياكم بتحويلِ وجوهِكم عنها شطرَ المسجدِ الحرامِ: أيُّ شيءٍ حوّل وجوهَ هؤلاء فصرَفها عن الموضعِ الذى كانوا يستقبِلونه بوجوهِهم في صلاتِهم؟ فأعلمَ اللهُ جل ثناؤه نبيَّه ﷺ ما اليهودُ والمنافقون قائِلون من القولِ عند تحويلِ اللهِ قبلتَه وقبلةَ أصحابِه، عن الشامِ إلى المسجدِ الحرامِ، وعلّمَه ما ينبغِى أن يكونَ مِن ردِّه عليهم من الجوابِ، فقال له: إذا قالوا ذلك لكَ يا محمدُ، فقلْ لهم: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وكان سببَ ذلك أن النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بيتِ المقدسِ مدةً سنذكُرُ مبلَغَها فيما بعدُ إن شاء اللهُ تعالي، ثم أرادَ اللهُ تعالى صرْفَ قبلةِ نبيِّه ﷺ إلى المسجدِ الحرامِ، فأخبرَه عما اليهودُ قائلُوه من القولِ عند صرْفِه وجهَه ووُجوهَ أصحابِه شَطْرَه، وما الذى ينبغِى أن يكون من مَردِّه عليهم من الجوابِ.
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 618) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 618 · #52253
المسجدِ الحرامِ، فأخبرَه عما اليهودُ قائلُوه من القولِ عند صرْفِه وجهَه ووُجوهَ أصحابِه شَطْرَه، وما الذى ينبغِى أن يكون من مَردِّه عليهم من الجوابِ. ذكرُ المدةِ التى صلّى رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه نحوَ بيتِ المقدسِ، وما كان سببُ صلاتِه نحوَه، وما الذى دعا اليهودَ والمنافقين إلى قيلِ ما قالوا عند تحويلِ اللهِ قبلةَ المؤمنين عن بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ اخْتلَفَ أهلُ العلْمِ في المدّةِ التى صلّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعدَ الهجرةِ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، وحَدَّثَنَا ابنُ
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 618) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 618 · #52254
ي المدّةِ التى صلّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعدَ الهجرةِ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، وحَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلَمةُ، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بن أبى محمدٍ مولَى زيدِ بن ثابتٍ، قال: حَدَّثَنِي سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ -شكَّ محمدُ بنُ أبى محمدٍ- عن ابنِ عباسٍ، قال: لما صُرِفت القبلةُ عن الشامِ إلى الكعبةِ -وصُرِفت في رجبٍ على رأسِ سبعةَ عشرَ شهرًا من مَقدَمِ رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ- أتى رسولَ اللهِ ﷺ رفاعةُ بنُ قيسٍ، وقَرْدَمُ بن عمرٍو، وكعبُ بنُ الأشرفِ، ونافعُ بنُ أبى نافعٍ -هكذا قال ابنُ حميدٍ، وقال أبو كُريبٍ: ورافعُ بنُ أبى رافعٍ- والحجاجُ بنُ عمرٍو، حليفُ كعبِ بنِ الأشرفِ، والربيعُ ابنُ الربيعِ بنِ أبى الحُقَيقِ، وكِنانةُ [بنُ الربيعِ] بنِ أبى الحُقَيقِ، فقالوا له: يا محمدُ، ما ولَّاك عن قبلتِك التى كنت عليها وأنت تزعُمُ أنك على ملةِ إبراهيمَ ودينِه، ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 619) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 619 · #52255
بيعِ] بنِ أبى الحُقَيقِ، فقالوا له: يا محمدُ، ما ولَّاك عن قبلتِك التى كنت عليها وأنت تزعُمُ أنك على ملةِ إبراهيمَ ودينِه، ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نتبِعْك ونصدِّقْك. وإنما يُريدون فتنتَه عن دينِه، فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إلى قولِه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيّاشٍ، قال: قال البراءُ: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ سبعةَ عشرَ شهرًا. قال: وكان يشتهِى أن يُصرفَ إلى الكعبةِ. قال: فبينا نحن نصلِّى ذات يومٍ، فمرَّ بنا مارٌّ، فقال: ألا هل علِمتم أن النَّبِيَّ ﷺ قد صُرِف إلى الكعبةِ؟ قال: وقد صلّينا ركعَتين إلى ههنا، وصلّينا ركعَتين إلى ههنا. قال أبو كريبٍ: فقيل له: فيه أبو إسحاقَ؟
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 619) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 619 · #52256
ا هل علِمتم أن النَّبِيَّ ﷺ قد صُرِف إلى الكعبةِ؟ قال: وقد صلّينا ركعَتين إلى ههنا، وصلّينا ركعَتين إلى ههنا. قال أبو كريبٍ: فقيل له: فيه أبو إسحاقَ؟ فسكَت. وحَدَّثَنَا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن أبى بكرِ بنِ عياشٍ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ، قال: صلَّينا بعدَ قدومِ النَّبِيِّ ﷺ المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا إلى بيتِ المقدسِ. وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيي، عن سفيانَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: صلَّيتُ مع النَّبِيِّ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا أو سبعةَ عشرَ شهرًا -شكّ سفيانُ- ثم صُرِفْنا إلى الكعبةِ.
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 620) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 620 · #52257
إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: صلَّيتُ مع النَّبِيِّ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا أو سبعةَ عشرَ شهرًا -شكّ سفيانُ- ثم صُرِفْنا إلى الكعبةِ. وحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا النُّفيليُّ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا زُهيرٌ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان أوّلَ ما قدِم المدينةَ نزلَ على أجدادِه أو أخوالِه من الأنصارِ، وأنه صلَّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ [أو سبعةَ عشرَ] شهرًا، وكان يُعْجِبُه أن تكونَ قبلتُه قِبَلَ البيتِ، وأنه صلَّى صلاةَ العصرِ ومعه قومٌ، فخرَج رجلٌ ممن صلَّى معه، فمرَّ على أهلِ المسجدِ وهم ركوعٌ، فقال: أشهَدُ لقد صليتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ.
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 620) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 620 · #52258
أنه صلَّى صلاةَ العصرِ ومعه قومٌ، فخرَج رجلٌ ممن صلَّى معه، فمرَّ على أهلِ المسجدِ وهم ركوعٌ، فقال: أشهَدُ لقد صليتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ. فدارُوا كما هم قِبَلَ البيتِ، وكان يُعجِبُه أن يحوَّلَ قِبَلَ البيتِ، وكان اليهودُ قد أعجَبَهم هذا؛ أن كان رسولُ اللهِ ﷺ يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ وأهلِ الكتابِ، فلما ولَّى وجْهَه قِبَلَ البيتِ أنكَروا ذلك. وحَدَّثَنَا عمرانُ بنُ موسي، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعد أن قَدِم المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وُجِّه نحوَ الكعبةِ قبلَ بدرٍ بشهْرين.
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 621) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 621 · #52259
سعيدٍ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعد أن قَدِم المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وُجِّه نحوَ الكعبةِ قبلَ بدرٍ بشهْرين. وقال آخَرون بما حَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عثمان بنُ سعدِ الكاتبُ، قال: حَدَّثَنَا أنسُ بنُ مالكٍ، قال: صُرِف نبيُّ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ تسعةَ أشهرٍ أو عشرةَ أشهرٍ، فبينما هو قائمٌ يصلِّى الظهرَ بالمدينةِ، وقد صلَّى ركعتين نحوَ بيتِ المقدسِ، انصرفَ، بوجهِه إلى الكعبةِ، فقال السفهاءُ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾. وقال آخَرون بما حدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا المسعودِىُّ، عن عمرِو بنِ مُرّةَ، عن ابنِ أبي ليلي، عن معاذِ بنِ جبلٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ قدِم المدينةَ، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ثلاثةَ عشرَ شهرًا.
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 621) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 621 · #52260
ثنا المسعودِىُّ، عن عمرِو بنِ مُرّةَ، عن ابنِ أبي ليلي، عن معاذِ بنِ جبلٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ قدِم المدينةَ، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ثلاثةَ عشرَ شهرًا. وحَدَّثَنِي أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ أبي، قال: ثنا قتادةُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ أن الأنصارَ صلَّت القبلةَ الأُولَى قبلَ قدومِ النَّبِيِّ ﷺ بثلاثِ حِجَجٍ، وأن النَّبِيَّ ﷺ صلَّى القبلةَ الأولَى بعد قُدومِه المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا. أو كما قال. وكِلا الحديثين يحدِّث قتادةُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ. ذكرُ السببِ الذى كان من أجلِه ﷺ يصلِّى نحوَ بيتِ المقدسِ، قبل أن يُفرضَ عليه التوجُّهُ شطرَ الكعبةِ اختلَف أهلُ العلمِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: كان ذلك باختيارٍ من النَّبِيِّ ﷺ، [من غيرِ أن يكونَ اللهُ فرَض ذلك عليه]. ذِكرُ من قال ذلك
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 622) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 622 · #52261
وجُّهُ شطرَ الكعبةِ اختلَف أهلُ العلمِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: كان ذلك باختيارٍ من النَّبِيِّ ﷺ، [من غيرِ أن يكونَ اللهُ فرَض ذلك عليه]. ذِكرُ من قال ذلك حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ أبو تُميلَةَ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، [عن عكرمةَ، و] عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا: أوَّلُ ما نُسِخ من القرآنِ القبلةُ، وذلك أن النَّبِيَّ ﷺ كان يستقبِلُ صخرةَ بيتِ المقدسِ، وهى قبلةُ اليهودِ، فاستقبلَها النَّبِيُّ ﷺ سبعةَ عشرَ شهرًا، ليؤْمِنوا به ويتَّبِعوه، ويَدعُو بذلك الأمِّيين من العربِ، فقال اللهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وحَدَّثَنِي المثنَّى بنُ إبراهيمَ، [قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ]، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾: يعنُون بيتَ المقدسِ.
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 623) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 623 · #52262
، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾: يعنُون بيتَ المقدسِ. قال الربيعُ: قال أبو العاليةِ: إن نبيَّ اللهِ ﷺ خُيِّرَ بين أَنْ يُوجِّهَ وجهَه حيث شاء، فاختارَ بيتَ المقدسِ، لكى يتألَّفَ أهلَ الكتاب، فكانت قبلةً ستةَ عشرَ شهرًا، وهو في ذلك يقلِّبُ وجْهَه في السماءِ، ثم وجَّهه اللهُ إلى البيتِ الحرامِ. وقال آخرون: بل كان فعل ذلك من النبيِّ ﷺ وأصحابِه بفرضِ اللهِ عليهم. ذكرُ من قال ذلك
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 623) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 623 · #52263
ذلك يقلِّبُ وجْهَه في السماءِ، ثم وجَّهه اللهُ إلى البيتِ الحرامِ. وقال آخرون: بل كان فعل ذلك من النبيِّ ﷺ وأصحابِه بفرضِ اللهِ عليهم. ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنَا معاوية بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحة، عن ابنِ عباسٍ قال: لما هاجرَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، وكان أكثرَ أهلِها اليهودُ، أمرَه اللهُ أن يستقْبِلَ بيتَ المقدسِ، ففرِحت اليهودُ، فاستقبَلها رسولُ اللهِ ﷺ بضعةَ عشرَ شهرًا، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يحبُّ قبلةَ إبراهيمَ ﵇، وكان يدْعو وينظُرُ إلى السماءِ، فأنزلَ اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. فارْتاب من ذلك اليهودُ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 623) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 623 · #52264
: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. فارْتاب من ذلك اليهودُ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ فأنزَل اللهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾. حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: صلّى رسولُ اللهِ ﷺ أوَّلَ ما صلَّى إلى الكعبةِ، ثم صُرِف إلى بيتِ المقدسِ، فصلَّت الأنصارُ نحوَ بيتِ المقدسِ قبلَ قدومِه ﵇ ثلاثَ حِجَجٍ، وصلَّى بعدَ قدومِه ستةَ عشرَ شهرًا، ثم ولاه اللهُ إلى الكعبةِ. ذكرُ السببِ الذى من أجلِه قال [من قال] ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 624) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 624 · #52265
قدومِه ستةَ عشرَ شهرًا، ثم ولاه اللهُ إلى الكعبةِ. ذكرُ السببِ الذى من أجلِه قال [من قال] ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فرُوى عن ابنِ عباسٍ فيه قولان؛ أحدُهما، ما حَدَّثَنَا به ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمةُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال ذلك قومٌ من اليهودِ للنبيِّ ﷺ، فقالوا له: ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نَتَّبِعْك ونصدِّقك.
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 624) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 624 · #52266
رمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال ذلك قومٌ من اليهودِ للنبيِّ ﷺ، فقالوا له: ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نَتَّبِعْك ونصدِّقك. يُريدون فتنتَه عن دينِه. والقولُ الآخرُ: ما ذكَرتُ من حديثِ علىِّ بنِ أبى طلحةَ عنه الذى مضَى قبلُ. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ قال: صلَّت الأنصارُ نحوَ بيتِ المقدسِ حولَين قبلَ قدومِ نبيِّ اللهِ ﷺ المدينةَ، وصلَّى نبيُّ اللهِ ﷺ بعدَ قدومِه المدينةَ مهاجرًا نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وجَّهه اللهُ بعد ذلك إلى الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فقال في ذلك قائلُون من الناسِ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ لقد اشتاق الرَّجلُ إلى مولدِه.
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 624) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 624 · #52267
ى الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فقال في ذلك قائلُون من الناسِ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ لقد اشتاق الرَّجلُ إلى مولدِه. فقال اللهُ ﷿: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. [وقال آخَرون: بل قائِلو] هذه المقالةِ المنافقون، وإنما قالوا ذلك استهزاءً بالإسلامِ. ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنِي موسي، قال: حَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: لما وُجِّه النبيُّ ﷺ قِبلَ المسجدِ الحرامِ، اختلَفَ الناسُ فيها فكانوا أصنافًا، فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ زمانًا ثم ترَكوها وتوجَّهوا غيرَها؟! فأنزَل اللهُ في المنافِقين: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾. الآية كلّها.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 53) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 53 · #52598
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾. يعني جلّ ثناؤه بذلك: لا تحرِّموا على أنفُسِكم ما لم أحرِّمْه عليكم أيها المؤمنون باللهِ وبرسولِه من البحائرِ والسوائبِ ونحوِ ذلك، بل كُلُوا ذلك، فإني لم أحرِّمْ عليكم غيرَ المَيْتةِ والدمِ ولحمِ الخنزيرِ وما أُهِلَّ به لغيرِي. ومعنى قولِه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾: ما حرَّم عليكم إلّا الميْتةَ. و ﴿إِنَّمَا﴾ حرفٌ واحدٌ، ولذلك نُصِبت "الميتةُ والدمُ"، وغيرُ جائزٍ في "الميتةِ" إذا جعَلتَ "إنما" حرفًا واحدًا إلا النصبُ، ولو كانت "إنما" حرفين، [فكانت "ما"] منفصلةً من "إنّ" لكانت "الميتةُ" مرفوعةً وما بعدَها، وكان تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: إن الذي حرَّم اللهُ عليكم من المطاعمِ الميتةُ والدمُ ولحمُ الخنزيرِ لا غيرُ ذلك.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 54) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 54 · #52599
"إنّ" لكانت "الميتةُ" مرفوعةً وما بعدَها، وكان تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: إن الذي حرَّم اللهُ عليكم من المطاعمِ الميتةُ والدمُ ولحمُ الخنزيرِ لا غيرُ ذلك. وقد ذُكِر عن بعضِ القرَأةِ أنه قرَأ ذلك كذلك على هذا التأويلِ، ولستُ للقراءةِ به مُستجيزًا، وإن كان له في التأويلِ والعربيةِ وجهٌ مفهومٌ؛ لاتفاقِ الحجةِ من القرأةِ على خلافِه، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ الاعتراضُ عليهم فيما نقَلوه مجمِعين عليه، ولو قُرِئ (حُرِّم) بضمِّ الحاءِ من ﴿حَرَّمَ﴾ لكان في "الميتةِ" وجهانِ من الرفعِ؛ أحدُهما، من أن الفاعلَ غيرُ مسمًّى، و "إنما" حرفٌ واحدٌ. والآخَرُ: أنّ "إنّ" و "ما" في معنى حرفيْن، و"حُرِّم" من صلةِ "ما"، و"الميتة" خبرُ "الذي" مرفوعٌ على الخبرِ. ولستُ - وإن كان لذلك أيضًا وجهٌ - مُستجيزًا القراءةَ به؛ لما ذكرتُ. وأما ﴿الْمَيْتَةَ﴾، فإن القرأةَ مختلفةٌ في قراءتِها، فقرَأها بعضُهم بالتَّخفيفِ، ومعناه فيها التشديدُ، ولكنه يُخفِّفُها كما يخفِّفُ القائلون: هو هيْن ليْن، الهيِّنُ الليِّنُ.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 54) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 54 · #52600
لقرأةَ مختلفةٌ في قراءتِها، فقرَأها بعضُهم بالتَّخفيفِ، ومعناه فيها التشديدُ، ولكنه يُخفِّفُها كما يخفِّفُ القائلون: هو هيْن ليْن، الهيِّنُ الليِّنُ. كما قال الشاعرُ: ليسَ مَن مات فاسْتَراح بمَيْتٍ … إنَّما الميتُ مَيِّتُ الأحياءِ فجمَع بين اللُّغتين في بيتٍ واحدٍ، في معنًى واحدٍ. وقرَأها بعضُهم بالتشديدِ وحمَلوها على الأصلِ، وقالوا: إنما هو "مَيْوِت"، "فَيْعِل"، من الموتِ، ولكنَّ الياءَ الساكنةَ والواوَ المتحركةَ لماّ اجتمعتَا، والياءُ مع سكونِها متقدِّمةٌ، [قُلبتِ الواوُ ياءً و] شُدِّدَتْ، فصارَتَا ياءً مشدَّدَةً، كما فعَلوا ذلك بـ "سيِّد وجيِّد". قالوا: ومَن خفَّفَها فإنما طلَب الخِفَّةَ، والقراءةُ بها على أصلِها الذي هو أصلُها أوْلَى. والصوابُ من القولِ في ذلك عندي أن التَّشديدَ والتَّخفيفَ في ياءِ "الميتة" لغتان [وقراءتان] معروفتان في القراءةِ وفي كلامِ العربِ، فبأيِّهما قرَأ ذلكَ القارئُ فمصيبٌ، لانّه لا اختلافَ في مَعْنَيَيْهما. وأما قولُه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 55) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 55 · #52601
في القراءةِ وفي كلامِ العربِ، فبأيِّهما قرَأ ذلكَ القارئُ فمصيبٌ، لانّه لا اختلافَ في مَعْنَيَيْهما. وأما قولُه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾. فإنه يعني به: وما ذُبِح للآلهةِ والأوثانِ، فسُمِّي عليه غيرُ اسمِه، أو قُصِد به غيرُه من الأصنامِ. وإنما قيلَ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ﴾ لأنهم كانوا إذا أرادُوا ذبْحَ ما قرَّبوه لآلهتِهم، سمَّوُا اسمَ آلهتِهم التي قرَّبوا ذلك لها، وجهَروا بذلكَ أصْواتَهم، فجرَى ذلك من أمرِهم على ذلك، حتى قيل لكلِّ ذابحِ ذبْحٍ، سَمَّى أو لم يُسمِّ، جهَر بالتسميةِ أو لم يَجهَرْ: مُهِلٌّ. فرفْعُهم أصواتَهم بذلك هو الإهلالُ الذي ذكَره اللهُ ﷻ فقال: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ ومن ذلك قيلَ للمُلَبِّي في حَجةٍ أو عمرةٍ: مُهِلٌّ. لرَفْعِه صوتَه بالتلْبيةِ.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 55) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 55 · #52602
الإهلالُ الذي ذكَره اللهُ ﷻ فقال: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ ومن ذلك قيلَ للمُلَبِّي في حَجةٍ أو عمرةٍ: مُهِلٌّ. لرَفْعِه صوتَه بالتلْبيةِ. ومنه استهلالُ الصَّبِيِّ، إذا صاحَ عند سقوطِه من بطنِ أمِّهِ، واستهلالُ المطرِ، وهو صوتُ وقوعِه على الأرضِ، كما قال عَمرُو بنُ قَمِيئةَ: ظَلَم البِطاحَ له انْهِلالُ حَرِيصَةٍ … فَصَفا النِّطافُ له بُعَيْدَ المُقْلَعِ واختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: يعني بقولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾: وما ذُبح لغيرِ اللهِ. ذِكرُ من قال ذلك حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾: ماذُبح لغيرِ اللهِ. حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاق، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ قال: ما ذُبح لغيرِ اللهِ مما لم يُسمَّ عليه.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 56) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 56 · #52603
قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاق، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ قال: ما ذُبح لغيرِ اللهِ مما لم يُسمَّ عليه. حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾: ما ذُبح لغيرِ اللهِ. حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾. قال: ذُبح. حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾. قال: ما أُهِلَّ به للطواغيتِ. حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 57) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 57 · #52604
ِلَّ به للطواغيتِ. حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾. يعني: ما أُهِلَّ للطواغيتِ كُلِّها. يعنِي: ما ذُبحَ لغيرِ اللهِ من أهلِ الكفرِ غيرَ اليهودِ والنصارَى. حدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ قال: هو ما ذُبح لغيرِ اللهِ. وقال آخرون: معنى ذلك: ما ذُكِرَ عليه غيرُ اسمِ اللهِ. ذِكرُ من قال ذلك حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾. يقولُ: ما ذُكر عليه غيرُ اسمِ اللهِ. حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ - وسألتُه عن قولِ اللهِ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ - قال: ما يُذبَحُ لآلهتِهم، الأنصابُ التي يعبُدونها، و يُسمُّون أسماءَها عليها. قال: يقولون: باسمِ فلانٍ. كما تقولُ أنت: باسمِ اللهِ.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 57) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 57 · #52605
لِغَيْرِ اللهِ﴾ - قال: ما يُذبَحُ لآلهتِهم، الأنصابُ التي يعبُدونها، و يُسمُّون أسماءَها عليها. قال: يقولون: باسمِ فلانٍ. كما تقولُ أنت: باسمِ اللهِ. قال: فذلك ما أُهِلَّ به لغيرِ اللهِ. حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا حَيْوَةُ، عن عُقبةَ بنِ مُسلمٍ التُّجِيبيِّ وقيسِ بنِ رافعٍ الأشْجعيِّ، أنهما قالَا: أُحِلَّ لنا ما ذُبحَ لعيدِ الكنائسِ، ومَا أُهدِيَ لها مِن خبزٍ أو لحمٍ، فإنما هو طعامُ أهلِ الكتابِ. قال حَيوةُ: فقلتُ: أرأيتَ قولَ اللهِ ﵎: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾. قال: إنما ذلك المجوسُ وأهلُ الأوثانِ والمشركون.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 58) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 58 · #52606
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. يعني بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: فمن حلّتْ به ضرورةُ مجاعةٍ إلى ما حرَّمتُ عليكم، من الميْتةِ والدمِ ولحمِ الخنزيرِ وما أُهِلَّ به لغيرِ اللهِ، وهو بالصِّفةِ التي وصَفْنا، فلا إثمَ عليه في أكْلِه إن أكَلَه. وقولُه: ﴿اضْطُرَّ﴾: افتُعِل، من الضرورةِ. و: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ نَصْبٌ على الحالِ مِن "مَن"، كأنه قيلَ: فمنِ اضْطُرَّ لا باغيًا ولا عاديًا فأكَلَه، فهو له حلالٌ. وقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: فمن أُكرِه على أكْلِه فأكَله، فلَا إثْمَ عليه. ذِكرُ من قال ذلك حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرِيُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. قال: الرجلُ يأخذُه العدوُّ فيدْعُونَه إلى معصيةِ اللهِ. وأما قولُه: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 58) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 58 · #52607
دٍ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. قال: الرجلُ يأخذُه العدوُّ فيدْعُونَه إلى معصيةِ اللهِ. وأما قولُه: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. فإن أهلَ التأويلِ في تأْويلِه مختلِفون؛ فقال بعضُهم: يعني بقولِه: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: غيرَ خارجٍ على الأُمَّةِ بسيفِه، باغيًا عليهم بغيرِ حَقٍّ، ولا عاديًا عليهم بحربٍ [ظُلمًا وعُدْوانًا]، فمُفْسدٌ عليهم السبيلَ. ذِكرُ من قال ذلك حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ ليثًا، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غيرَ قاطعِ سبيلٍ، ولا مفارقِ جماعةٍ، ولا خارجٍ في معصيةِ اللهِ، فله الرخصةُ. حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ يقولُ: لا قاطعًا للسبيلِ، ولا مفارِقًا للأئمةِ، ولا خارجًا في معصيةِ اللهِ، فله الرخصةُ، ومَن خرَج باغيًا أو عاديًا، أو في معصيةِ اللهِ، فلا رخصةَ له وإنِ اضطُرَّ إليه.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 59) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 59 · #52608
لسبيلِ، ولا مفارِقًا للأئمةِ، ولا خارجًا في معصيةِ اللهِ، فله الرخصةُ، ومَن خرَج باغيًا أو عاديًا، أو في معصيةِ اللهِ، فلا رخصةَ له وإنِ اضطُرَّ إليه. حدثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. قال: هو الذي يقطعُ الطريقَ، فليس له رخصةٌ إذا جاعَ أن يأكُلَ الميْتةَ، وإذا عَطِشَ أن يشرَبَ الخمرَ. حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن شَرِيكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. قال: الباغِي العادِي الذي يقطَعُ الطريقَ، فلا رخصةَ له ولا كرامةَ. حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: إذا خرَج في سبيلٍ من سُبلِ اللهِ فاضْطُرَّ إلى الخمرِ شَرِب، وإذا اضْطُرَّ إلى الميتةِ أكَل، وإذا خرَج يقطَعُ الطريقَ فلَا رخصةَ له.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 60) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 60 · #52609
َلَا عَادٍ﴾ قال: إذا خرَج في سبيلٍ من سُبلِ اللهِ فاضْطُرَّ إلى الخمرِ شَرِب، وإذا اضْطُرَّ إلى الميتةِ أكَل، وإذا خرَج يقطَعُ الطريقَ فلَا رخصةَ له. حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حفصُ بنُ غياثٍ، عن الحجّاجِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: على الأئمةِ، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ قاطعُ السبيلِ. حدثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غيرَ قاطعٍ السبيلَ، ولا مفارقٍ الأئمةَ، ولا خارجٍ في معصيةِ اللهِ، فله الرخصةُ. حدثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الحجّاجِ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غيرَ باغٍ على الأئمةِ، ولا عادٍ على ابنِ السبيلِ. وقال آخرون: بل تأويلُ قولِه: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: غيرَ باغٍ الحرامَ في أكْلِه، ولا مُعتدٍ الذي أبيحَ له منه. ذِكرُ من قال ذلك
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 60) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 60 · #52610
على ابنِ السبيلِ. وقال آخرون: بل تأويلُ قولِه: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: غيرَ باغٍ الحرامَ في أكْلِه، ولا مُعتدٍ الذي أبيحَ له منه. ذِكرُ من قال ذلك حدثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: غيرَ باغٍ في أكْلِه، ولا عادٍ أن يتعدَّى حلَالًا إلى حرامٍ، وهو يجدُ عنه مندوحةً. حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غيرَ باغٍ فيها، ولا معتدٍ فيها، يأكُلُها وهو غنيٌّ عنها. حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعمرٍ، عمّن سمِعَ الحسنَ يقولُ ذلك. حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنا أبو تُمَيْلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ ييتغِيه، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ يتعدَّى على ما يُمسِكُ نفْسَه.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 61) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 61 · #52611
َ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ ييتغِيه، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ يتعدَّى على ما يُمسِكُ نفْسَه. وحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ يقولُ: مِن غيرِ أن يبتغِيَ حرامًا ويتعدَّاه، ألا ترَى أنه يقولُ: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧، المعارج: ٣١]. حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. قال: غيرَ أن يأكُلَ ذلك بغْيًا وتعدِّيًا عن الحلالِ إلى الحرامِ، ويتركَ الحلالَ وهو عندَه، ويتعدَّى بأكلِ هذا الحرامِ؛ هذا التعدِّي.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 62) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 62 · #52612
غٍ وَلَا عَادٍ﴾. قال: غيرَ أن يأكُلَ ذلك بغْيًا وتعدِّيًا عن الحلالِ إلى الحرامِ، ويتركَ الحلالَ وهو عندَه، ويتعدَّى بأكلِ هذا الحرامِ؛ هذا التعدِّي. يُنكِرُ أن يكونا مختلِفَيْن، ويقولُ: هذا وهذا واحدٌ. وقال آخرون: تأويلُ ذلك: فمن اضطُرَّ غيرَ باغٍ في أكلِه شهوةً، ولاعادٍ فوقَ ما لابدَّ له منه. ذِكرُ من قال ذلك حدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: أما "باغ" فيبتغِي فيه شهوتَه، وأما "العادي"، فيتعدَّى في أكلِه، يأكُلُ حتى يشبَعَ، ولكن يأكُلُ منه قوتًا، ما يُمسِكُ به نفْسَه حتى يبلُغَ حاجتَه. وأوْلى هذه الأقاويلِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: فَمَن اضْطُرَّ غيرَ باغٍ بأكلِه ما حُرِّم عليه من أكلِه، ولا عادٍ في أكلِه، وله عن تركِ أكلِه - بوجودِه غيرَه مما أحلَّه اللهُ له - مندوحةٌ وغنًى؛ وذلك أن اللهَ لم يرخِّصْ لأحدٍ في قتلِ نفسِه بحالٍ.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 62) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 62 · #52613
أكلِه، ولا عادٍ في أكلِه، وله عن تركِ أكلِه - بوجودِه غيرَه مما أحلَّه اللهُ له - مندوحةٌ وغنًى؛ وذلك أن اللهَ لم يرخِّصْ لأحدٍ في قتلِ نفسِه بحالٍ. فإذْ كان ذلك كذلكَ، فلا شكَّ أن الخارجَ على الإمامِ والقاطعَ الطريقَ، وإن كانا قد أتيَا ما حرَّمَ اللهُ عليهما - من خروجِ هذا على من خرَج عليه، وسَعْي هذا بالإفسادِ في الأرضِ - فغيرُ مُبيحٍ لهما فِعلُهما ما فعَلا - مما حرَّمَ اللهُ عليهما - ما كان حرامًا عليهما قبلَ إتيانِهما ما أتيَا من ذلك، من قتلِ أنفسِهما، بل ذلك مِن فعلِهما، [إذ لم يَزِدْهما لمحارمِ] اللهِ عليهما تحريمًا، فغيرُ مُرَخِّصٍ لهما ما كان عليهما قبلَ ذلك حرامًا.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 63) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 63 · #52614
يَا من ذلك، من قتلِ أنفسِهما، بل ذلك مِن فعلِهما، [إذ لم يَزِدْهما لمحارمِ] اللهِ عليهما تحريمًا، فغيرُ مُرَخِّصٍ لهما ما كان عليهما قبلَ ذلك حرامًا. فإذْ كان ذلك كذلك، فالواجبُ على قُطَّاعِ الطرقِ، والبُغاةِ على الأئمةِ العادلةِ، الأوبةُ إلى طاعةِ اللهِ، والرجوعُ إلى ما ألزَمهم اللهُ الرجوعَ إليه، والتوبةُ مِن معاصِي اللهِ، لا قتلُ أنفسِهما بالمجاعةِ، فيزدَادَانِ إلى إثمِهما إثمًا، وإلى خِلافِهما أمرَ اللهِ خِلافًا. وأما الذي وجَّهَ تأويلَ ذلك إلى أنه غيرُ باغٍ في أكلِه شهوةً، فأكَل ذلك شهوةً لا لدفعِ الضرورةِ المَخُوفِ منها الهلاكُ، مما قد دخَل فيما حرَّمه اللهُ عليه، فهو بمعنى ما قلنا في تأويلِه، وإن كان للفظِه مُخالِفًا. فأما توجيهُه تأويلَ قولِه: ﴿وَلَا عَادٍ﴾: ولا آكلٍ منه شِبَعَه، ولكن ما يُمسِكُ به نفسَه. فإن ذلك بعضُ معاني الاعتداءِ في أكلِه، ولم يَخْصُصِ اللهُ ﷿ من معاني الاعتداءِ في أكْلِه معنًى فيقالَ: عنَى به بعضَ معانيه.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 63) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 63 · #52615
ولكن ما يُمسِكُ به نفسَه. فإن ذلك بعضُ معاني الاعتداءِ في أكلِه، ولم يَخْصُصِ اللهُ ﷿ من معاني الاعتداءِ في أكْلِه معنًى فيقالَ: عنَى به بعضَ معانيه. فإذ كان ذلك كذلك، فالصَّوابُ من القولِ ما قلنا من أنه الاعتداءُ في كلِّ معانيه المحرَّمةِ. وأما تأويلُ قولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْه﴾. يقولُ: مَن أكَل ذلك على الصِّفةِ التي وصَفْنا، فلا تَبِعةَ عليه في أكلِه ذلك كذلك ولا حرجَ.
QS 2:173 (jilid 3 hlm. 63) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 63 · #52616
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾. يعني جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾: إن اللهَ غفورٌ - إن أطَعتم اللهَ في إسلامِكم، فاجْتنَبتم أكْلَ ما حرَّم عليكم، وترَكْتم اتباعَ الشيطانِ فيما كنتم تحرِّمونه في جاهليَّتِكم؛ طاعةً منكم للشيطانِ واقتفاءً منكم خُطواتِه، مما لم أُحرِّمْه عليكم - لما سلَف منكم في كفرِكم، وقبلَ إسلامِكم في ذلك، من خطأٍ وذنبٍ ومعصيةٍ، فَصافِحٌ عنكم، وتاركٌ عقوبتَكم عليه، ﴿رَحِيمٌ﴾ بكم إن أطَعتمُوه.
QS 2:172-173 (jilid 1 hlm. 480) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 480 · #81899
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بالأكل من طَيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه على ذلك، إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبولَ الدعاء والعبادة، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمامُ أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفُضَيل بن مرزوق، عن عدَيِّ بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة
QS 2:172-173 (jilid 1 hlm. 480) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 480 · #81900
بولَ الدعاء والعبادة، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمامُ أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفُضَيل بن مرزوق، عن عدَيِّ بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ثم ذكر الرجل يطيلُ السفر أشعث أغبر، يمدُّ يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك". ورواه مسلم في صحيحه، والترمذي من حديث [فضيل] بن مرزوق. ولما امتن تعالى عليهم برزقه، وأرشدهم إلى الأكل من طيبه، ذكر أنه لم يحرم عليهم من ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية، وسواء كانت منخنقة أو موقوذة أو مُتَردِّية أو نطيحة أو قد عدا عليها السبع.
QS 2:172-173 (jilid 1 hlm. 481) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 481 · #81901
ر أنه لم يحرم عليهم من ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية، وسواء كانت منخنقة أو موقوذة أو مُتَردِّية أو نطيحة أو قد عدا عليها السبع. وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] على ما سيأتي، وحديث العنبر في الصحيح وفي المسند والموطأ والسنن قوله، ﵇، في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وروى الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني من حديث ابن عمر مرفوعًا: "أحل لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال" وسيأتي تقرير ذلك في سورة المائدة. ولبن الميتة وبيضها المتصل بها نجس عند الشافعي وغيره؛ لأنه جزء منها. وقال مالك في رواية: هو طاهر إلا أنه ينجس بالمجاورة، وكذلك أنفحة الميتة فيها الخلاف والمشهور عندهم أنها نجسة، وقد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جبن المجوس، فقال القرطبي في تفسيره هاهنا: يخالط اللبن منها يسير، ويعفى عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من المائع.
QS 2:172-173 (jilid 1 hlm. 481) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 481 · #81902
قد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جبن المجوس، فقال القرطبي في تفسيره هاهنا: يخالط اللبن منها يسير، ويعفى عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من المائع. وقد روى ابن ماجه من حديث سيف بن هارون، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء، فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه". وكذلك حرم عليهم لحم الخنزير، سواء ذُكِّي أو مات حَتْف أنفه، ويدخُلُ شَحْمه في حكم لحمه إما تغليبًا أو أن اللحم يشمل ذلك، أو بطريق القياس على رأي. و [كذلك] حَرَّم عليهم ما أهِلَّ به لغير الله، وهو ما ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام، ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له.
QS 2:172-173 (jilid 1 hlm. 481) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 481 · #81903
رأي. و [كذلك] حَرَّم عليهم ما أهِلَّ به لغير الله، وهو ما ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام، ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له. [وذكر القرطبي عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري: أنه سئل عن امرأة عملت عرسًا للعبها فنحرت فيه جزورًا فقال: لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم؛ وأورد القرطبي عن عائشة أنها سئلت عما يذبحه العجم في أعيادهم فيهدون منه للمسلمين، فقالت: ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوه، وكلوا من أشجارهم]. ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها، عند فقد غيرها من الأطعمة، فقال: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ) أي: في غير بغي ولا عدوان، وهو مجاوزة الحد (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) أي: في أكل ذلك (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وقال مجاهد: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، قاطعًا للسبيل، أو مفارقًا للأئمة، أو خارجًا في معصية الله، فله الرخصة، ومن خرج باغيًا أو عاديًا أو في معصية الله فلا رخصة له، وإن اضطر إليه، وكذا روي عن سعيد بن جبير.
QS 2:172-173 (jilid 1 hlm. 482) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 482 · #81904
و مفارقًا للأئمة، أو خارجًا في معصية الله، فله الرخصة، ومن خرج باغيًا أو عاديًا أو في معصية الله فلا رخصة له، وإن اضطر إليه، وكذا روي عن سعيد بن جبير. وقال سعيد -في رواية عنه -ومقاتل بن حيان: غير باغ: يعني غير مستحله. وقال السدي: غير باغ يبتغي فيه شهوته، وقال عطاء الخراساني في قوله: (غَيْرَ بَاغٍ) [قال] لا يشوي من الميتة ليشتهيه ولا يطبخه، ولا يأكل إلا العُلْقَة، ويحمل معه ما يبلغه الحلال، فإذا بلغه ألقاه [وهو قوله: (وَلا عَادٍ) يقول: لا يعدو به الحلال]. وعن ابن عباس: لا يشبع منها. وفسره السدي بالعدوان. وعن ابن عباس (غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ) قال: (غَيْرَ بَاغٍ) في الميتة (وَلا عَادٍ) في أكله.
QS 2:172-173 (jilid 1 hlm. 482) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 482 · #81905
الحلال]. وعن ابن عباس: لا يشبع منها. وفسره السدي بالعدوان. وعن ابن عباس (غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ) قال: (غَيْرَ بَاغٍ) في الميتة (وَلا عَادٍ) في أكله. وقال قتادة: فمن اضطر غير باغ ولا عاد في أكله: أن يتعدى حلالا إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة. وحكى القرطبي عن مجاهد في قوله: (فَمَنِ اضْطُرَّ) أي: أكره على ذلك بغير اختياره. مسألة: ذكر القرطبي إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا قطع فيه ولا أذى، فإنه لا يحل له أكل الميتة بل يأكل طعام الغير بلا خلاف -كذا قال -ثم قال: وإذا أكله، والحالة هذه، هل يضمنه أم لا؟ فيه قولان هما روايتان عن مالك، ثم أورد من سنن ابن ماجه من حديث شعبة عن أبي إياس جعفر بن أبي وحشية: سمعت عباد بن العنزي قال: أصابتنا عامًا مخمصة، فأتيت المدينة. فأتيت حائطا، فأخذت سنبلا ففركته وأكلته، وجعلت منه في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال للرجل: "ما أطعمته إذ كان جائعا أو ساعيا، ولا علمته إذ كان جاهلا".
QS 2:172-173 (jilid 1 hlm. 482) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 482 · #81906
لت منه في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال للرجل: "ما أطعمته إذ كان جائعا أو ساعيا، ولا علمته إذ كان جاهلا". فأمره فرد إليه ثوبه، وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق، إسناد صحيح قوي جيد وله شواهد كثيرة: من ذلك حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: سئل رسول الله ﷺ عن الثمر المعلق، فقال: "من أصاب منه من ذي حاجة بفيه غير متخذ خبنة فلا شيء عليه" الحديث. وقال مقاتل بن حيان في قوله: (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فيما أكل من اضطرار، وبلغنا -والله أعلم -أنه لا يزاد على ثلاث لقم. وقال سعيد بن جبير: غفور لما أكل من الحرام. رحيم إذ أحل له الحرام في الاضطرار. وقال وَكِيع: حدثنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: من اضطُرَّ فلم يأكل ولم يشرب، ثم مات دخل النار. [وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة. قال أبو الحسن الطبري -المعروف بالكيا الهراسي رفيق الغزالي في الاشتغال: وهذا هو الصحيح عندنا؛ كالإفطار للمريض في رمضان ونحو ذلك].
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 108) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 108 · #96046
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ الآية. ظاهر هذه الآية أن جميع أنواع الميتة والدم حرام، ولكنه بين في موضع آخر أن ميتة البحر خارجة عن ذلك التحريم، وهو قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ الآية. إذ ليس للبحر طعام غير الصيد إلا ميتته. وما ذكره بعض العلماء من أن المراد [بطعامه] قديده المجفف بالملح مثلا، وأن المراد [بصيده] الطري منه فهو خلاف الظاهر، لأن القديد من صيده، فهو صيد جعل قديدا، وجمهور العلماء على أن المراد بطعامه ميتته، منهم: أبو بكر الصديق، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وأبو أيوب الأنصاري ﵃ أجمعين- وعكرمة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري وغيرهم. كما نقله عنهم ابن كثير.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 108) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 108 · #96047
ثابت، وعبد الله بن عمر، وأبو أيوب الأنصاري ﵃ أجمعين- وعكرمة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري وغيرهم. كما نقله عنهم ابن كثير. وأشار في موضع آخر إلى أن غير المسفوح من الدماء ليس بحرام، وهو قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ فيفهم منه أن غير المسفوح كالحمرة التي تعلو القدر من أثر تقطيع اللحم ليس بحرام، إذ لو كان كالمسفوح لما كان في التقييد بقوله: ﴿مَسْفُوحاً﴾ فائدة. وقد جاء عن النبي ﷺ أن الله أحل له ولأمته ميتتين ودمين، أما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال. وسيأتي الكلام على هذا الحديث في الأنعام إن شاء الله تعالى. وعنه ﷺ في البحر "هو الحل ميتته" أخرجه مالك وأصحاب السنن والإمام أحمد، والبيهقي والدارقطني في سننيهما، والحاكم في المستدرك، وابن الجارود في المنتقى، وابن أبي شيبة. وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والبخاري. وظاهر عموم هذا الحديث، وعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ يدل على إباحة ميتة البحر مطلقا.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 108) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 108 · #96048
وابن أبي شيبة. وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والبخاري. وظاهر عموم هذا الحديث، وعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ يدل على إباحة ميتة البحر مطلقا. وقد ثبت عنه - ﷺ - في الحديث المتفق عليه أنه أكل من العنبر، وهو حوت ألقاه البحر ميتا، وقصته مشهورة. وحاصل تحرير فقه هذه المسألة: أن ميتة البحر على قسمين: قسم لا يعيش إلا في الماء، وإن أخرج منه مات كالحوت، وقسم يعيش في البر، كالضفادع ونحوها، أما الذي لا يعيش إلا في الماء كالحوت فميتته حلال عند جميع العلماء، وخالف أبو حنيفة ﵀ فيما مات منه في البحر، وطفا على وجه الماء، فقال فيه: هو مكروه الأكل، بخلاف ما قتله إنسان، أو حسر عنه البحر فمات، فإنه مباح الأكل عنده. وأما الذي يعيش في البر، من حيوان البحر: كالضفادع، والسلحفاة، والسرطان، وترس الماء فقد اختلف فيه العلماء: فذهب مالك بن أنس إلى أن ميتة البحر من ذلك كله مباحة الأكل، وسواء مات بنفسه ووجد طافيًا، أو بالاصطياد، أو أخرج حيا، أو ألقي في النار، أو دس في طين.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 109) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 109 · #96049
اء: فذهب مالك بن أنس إلى أن ميتة البحر من ذلك كله مباحة الأكل، وسواء مات بنفسه ووجد طافيًا، أو بالاصطياد، أو أخرج حيا، أو ألقي في النار، أو دس في طين. وقال ابن نافع، وابن دينار: ميتة البحر مما يعيش في البحر نجسة. ونقل ابن عرفة قولا ثالثا بالفرق بين أن يموت في الماء، فيكون طاهرا، أو في البر فيكون نجسا، وعزاه لعيسى عن ابن القاسم. والضفادع البحرية عند مالك مباحة الأكل، وإن ماتت فيه. وفي المدونة: ولا بأس بأكل الضفادع، وإن ماتت؛ لأنها من صيد الماء. اهـ. أما ميته الضفادع البرية فهي حرام بلا خلاف بين العلماء. وأظهر الأقوال منع الضفادع مطلقا ولو ذكيت، لقيام الدليل على ذلك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. أما كلب الماء وخنزيره فالمشهور من مذهب مالك فيها الكراهة. قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره عاطفا على ما يكره: "وكلب ماء وخنزيره".
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 110) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 110 · #96050
شاء الله تعالى. أما كلب الماء وخنزيره فالمشهور من مذهب مالك فيها الكراهة. قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره عاطفا على ما يكره: "وكلب ماء وخنزيره". وقال الباجي: أما كلب البحر وخنزيره، فروى ابن شعبان: أنه مكروه، وقاله ابن حبيب. وقال ابن القاسم في المدونة: لم يكن مالك يجيبنا في خنزير الماء بشيء، ويقول: أنتم تقولون: خنزير. وقال ابن القاسم: وأنا أتقيه، ولو أكله رجل لم أره حراما، هذا هو حاصل مذهب مالك في المسألة، وحجته في إباحة ميتة الحيوان البحري كان يعيش في البر، أو لا قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ ولا طعام له غير صيده إلا ميتته، كما قاله جمهور العلماء، وهو الحق ويؤيده قوله - ﷺ - في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وقد قدمنا ثبوت هذا الحديث، وفيه التصريح من النبي - ﷺ - بأن ميتة البحر حلال، وهو فصل في محل النزاع.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 110) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 110 · #96051
ه قوله - ﷺ - في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وقد قدمنا ثبوت هذا الحديث، وفيه التصريح من النبي - ﷺ - بأن ميتة البحر حلال، وهو فصل في محل النزاع. وقد تقرر في الأصول أن المفرد إذا أضيف إلى معرفة كان من صيغ العموم، كقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله عاطفا على صيغ العموم: وما معرفا بأل قد وجدا ... أو بإضافة إلى معرف • إذا تحقق الخصوص قد نفى * وبه نعلم أن قوله ﷺ "ميتته" يعم بظاهره كل ميتة مما في البحر. ومذهب الشافعي ﵀ في هذه المسألة: هو أن ما لا يعيش إلا في البحر فميتته حلال؛ بلا خلاف، سواء كان طافيا على الماء أم لا. وأما الذي يعيش في البر من حيوان البحر فأصح الأقوال فيه، وهو المنصوص عن الشافعي في الأم، ومختصر المزني، واختلاف العراقيين أن ميتته كله حلال، للأدلة التي قدمنا آنفا ومقابله قولان: أحدهما: منع ميتة البحري الذي يعيش في البر مطلقا.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 111) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 111 · #96052
عي في الأم، ومختصر المزني، واختلاف العراقيين أن ميتته كله حلال، للأدلة التي قدمنا آنفا ومقابله قولان: أحدهما: منع ميتة البحري الذي يعيش في البر مطلقا. الثاني: التفصيل بين ما يؤكل نظيره في البر، كالبقرة والشاة فتباح ميتة البحري منه، وبين مالا يؤكل نظيره في البر كالخنزير والكلب فتحرم ميتة البحري منه، ولا يخفى أن حجة الأول أظهر، لعموم قوله ﷺ "الحل ميتته" وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ كما تقدم. وأما مذهب الإمام أحمد ﵀ فهو أن كل ما لا يعيش إلا في الماء فميتته حلال، والطافي منه وغيره سواء. وأما ما يعيش في البر من حيوان البحر فميتته عنده حرام، فلا بد من ذكاته إلا ما لا دم فيه، كالسرطان فإنه يباح عنده من غير ذكاة. واحتج لعدم إباحة ميتة ما يعيش في البر بأنه حيوان يعيش في البر، له نفس سائلة، فلم يبح بغير ذكاة: كالطير. وحمل الأدلة التي ذكرنا على خصوص ما لا يعيش إلا في البحر. اهـ. وكلب الماء عنده إذا ذكي حلال، ولا يخفى أن تخصيص الأدلة العامة يحتاج إلى نص.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 112) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 112 · #96053
اة: كالطير. وحمل الأدلة التي ذكرنا على خصوص ما لا يعيش إلا في البحر. اهـ. وكلب الماء عنده إذا ذكي حلال، ولا يخفى أن تخصيص الأدلة العامة يحتاج إلى نص. فمذهب مالك والشافعي أظهر دليلا، والله تعالى أعلم. ومذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ أن كل ما يعيش في البر لا يؤكل البحري منه أصلا، لأنه مستخبث. وأما ما لا يعيش إلا في البحر [وهو الحوت بأنواعه] فميتته عنده حلال، إلا إذا مات حتف أنفه في البحر، وطفا على وجه الماء. فإنه يكره أكله عنده، فما قتله إنسان، أو حسر عنه البحر فمات حلال عنده، بخلاف الطافي على وجه الماء.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 112) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 112 · #96054
إلا إذا مات حتف أنفه في البحر، وطفا على وجه الماء. فإنه يكره أكله عنده، فما قتله إنسان، أو حسر عنه البحر فمات حلال عنده، بخلاف الطافي على وجه الماء. وحجته فيما يعيش في البر منه: أنه مستخبث، والله تعالى يقول: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وحجته في كراهة السمك الطافي ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، حدثنا إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ - "ما ألقي البحر، أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه" اهـ. قال أبو داود: روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب، وحماد عن أبي الزبير، أوقفوه على جابر، وقد أسند هذا الحديث أيضا من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب. عن أبي الزبير. عن جابر عن النبي - ﷺ -. اهـ. وأجاب الجمهور عن الاحتجاج الأول بأن ألفاظ النصوص عامة في ميتة البحر، وأن تخصيص النص العام لا بد له من دليل من كتاب، أو سنة يدل على التخصيص. كما تقدم.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 112) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 112 · #96055
وأجاب الجمهور عن الاحتجاج الأول بأن ألفاظ النصوص عامة في ميتة البحر، وأن تخصيص النص العام لا بد له من دليل من كتاب، أو سنة يدل على التخصيص. كما تقدم. ومطلق ادعاء أنه خبيث لا يرد به عموم الأدلة الصريحة في عموم ميتة البحر، وعن الاحتجاج الثاني بتضعيف حديث جابر المذكور. قال النووي في شرح المهذب ما نصه: وأما الجواب عن حديث جابر الذي احتج به الأولون فهو أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ، لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارضه شيء، فكيف وهو معارض بما ذكرناه من دلائل الكتاب، والسنة، وأقاويل الصحابة ﵃ المنتشرة؟ وهذا الحديث من رواية يحيى بن سليم الطائفي، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير عن جابر. قال البيهقي: يحيى بن سليم الطائفي كثير الوهم، سيىء الحفظ. قال: وقد رواه غيره عن إسماعيل بن أمية موقوفا على جابر. قال: وقال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث. فقال: ليس هو بمحفوظ، ويروى عن جابر خلافه.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 113) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 113 · #96056
لحفظ. قال: وقد رواه غيره عن إسماعيل بن أمية موقوفا على جابر. قال: وقال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث. فقال: ليس هو بمحفوظ، ويروى عن جابر خلافه. قال: ولا أعرف لابن أبي ذئب عن أبي الزبير شيئًا. قال البيهقي: وقد رواه أيضا يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير مرفوعا، ويحيى بن أبي أنيسة متروك لا يحتج به. قال: ورواه عبد العزيز بن عبيد الله، عن وهب بن كيسان، عن جابر مرفوعا، وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به. قال: ورواه بقية بن الوليد، عن الأوزاعي، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا، ولا يحتج بما ينفرد به بقية. فكيف بما يخالف؟
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 113) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 113 · #96057
فوعا، وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به. قال: ورواه بقية بن الوليد، عن الأوزاعي، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا، ولا يحتج بما ينفرد به بقية. فكيف بما يخالف؟ قال: وقول الجماعة من الصحابة على خلاف قول جابر، مع ما رويناه عن النبي - ﷺ - أنه قال في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" اهـ. وقال البيهقي في السنن الكبرى في باب "من كره أكل الطافي" ما نصه: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن فيروز، حدثنا محمد بن إسماعيل الحساني، حدثنا ابن نمير، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ أنه كان يقول: "ما ضرب به البحر، أو جزر عنه، أو صيد فيه فكل، وما مات فيه، ثم طفا فلا تأكل" وبمعناه رواه أيوب السختياني وابن جريج، وزهير بن معاوية، وحماد بن سلمة وغيرهم، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفا وعبد الرزاق، وعبد الله بن الوليد العدني، وأبو عاصم، ومؤمل بن إسماعيل وغيرهم، عن سفيان الثوري موقوفا، وخالفهم أبو أحمد الزبيري فرواه عن الثوري مرفوعا، وهو واهم فيه، أخبرنا
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 114) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 114 · #96058
له بن الوليد العدني، وأبو عاصم، ومؤمل بن إسماعيل وغيرهم، عن سفيان الثوري موقوفا، وخالفهم أبو أحمد الزبيري فرواه عن الثوري مرفوعا، وهو واهم فيه، أخبرنا أبو الحسن بن عبدان، أنبأنا سليمان بن أحمد اللخمي، حدثنا علي بن إسحاق الأصبهاني، حدثنا نصر بن علي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي - ﷺ - قال: "إذا طفا السمك على الماء فلا تأكله، وإذا جزر عنه البحر فكله، وما كان على حافته فكله"، قال سليمان: لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلا أبو أحمد، ثم ذكر البيهقي بعد هذا الكلام حديث أبي داود الذي قدمنا، والكلام الذي نقلناه عن النووي. قال مقيده -عفا الله عنه - فتحصل: أن حديث جابر في النهي عن أكل السمك الطافي ذهب كثير من العلماء إلى تضعيفه وعدم الاحتجاج به. وحكى النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه كما قدمنا عنه، وحكموا بأن وقفه على جابر أثبت. وإذن فهو قول صحابي معارض بأقوال جماعة من الصحابة منهم: أبو بكر الصديق ﵁، وبالآية، والحديث المتقدمين.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 115) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 115 · #96059
فه كما قدمنا عنه، وحكموا بأن وقفه على جابر أثبت. وإذن فهو قول صحابي معارض بأقوال جماعة من الصحابة منهم: أبو بكر الصديق ﵁، وبالآية، والحديث المتقدمين. وقد يظهر للناظر أن صناعة علم الحديث والأصول لا تقتضي الحكم برد حديث جابر المذكور؛ لأن رفعه جاء من طرق متعددة، وبعضها صحيح، فرواية أبي داود له مرفوعا التي قدمنا ضعفوها بأن في إسنادها يحيى بن سليم الطائفي، وأنه سيىء الحفظ. وقد رواه غيره مرفوعا مع أن يحيى سليم المذكور من رجال البخاري ومسلم في صحيحيهما، ورواية أبي أحمد الزبيري له عن الثوري مرفوعا عند البيهقي والدارقطني، ضعفوها أنه واهم فيها. قالوا: خالفه فيها وكيع وغيره، فرووه عن الثوري موقوفا. ومعلوم أن أبا أحمد الزبيري المذكور -وهو محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي- ثقة ثبت وإن قال ابن حجر في التقريب: إنه قد يخطىء في حديث الثوري، فهاتان الروايتان برفعه تعضدان برواية بقية بن الوليد له مرفوعا عند البيهقي وغيره، وبقية المذكور من رجال مسلم في صحيحه وإن تكلم فيه كثير من العلماء.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 115) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 115 · #96060
ي، فهاتان الروايتان برفعه تعضدان برواية بقية بن الوليد له مرفوعا عند البيهقي وغيره، وبقية المذكور من رجال مسلم في صحيحه وإن تكلم فيه كثير من العلماء. ويعتضد ذلك أيضا برواية عبد العزيز بن عبيد الله له، عن وهب بن كيسان، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا. ورواية يحيى بن أبي أنيسة له، عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا وإن كان عبد العزيز بن عبيد الله ويحيى بن أبي أنيسة المذكوران ضعيفين؛ لاعتضاد روايتهما برواية الثقة، ويعتضد ذلك أيضا برواية ابن أبي ذئب له، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا عند الترمذي وغيره. فالظاهر أنه لا ينبغي أن يحكم على حديث جابر المذكور بأنه غير ثابت؛ لما رأيت من طرق الرفع التي روي بها، وبعضها صحيح، كرواية أبي أحمد المذكورة، والرفع زيادة، وزيادة العدل مقبولة. قال في مراقي السعود: والرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبولة عند أمام الحفظ إلخ ...
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 116) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 116 · #96061
ها صحيح، كرواية أبي أحمد المذكورة، والرفع زيادة، وزيادة العدل مقبولة. قال في مراقي السعود: والرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبولة عند أمام الحفظ إلخ ... نعم لقائل أن يقول: هو معارض بما هو أقوى منه؛ لأن عموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ وقوله - ﷺ - في البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" أقوى من حديث جابر هذا؛ ويؤيد ذلك اعتضاده بالقياس؛ لأنه لا فرق في القياس بين الطافي وغيره. وقد يجاب عن هذا بأنه لا يتعارض عام وخاص، وحديث جابر في خصوص الطافي فهو مخصص لعموم أدلة الإباحة، فالدليل على كراهة أكل السمك الطافي لا يخلو من بعض قوة، والله تعالى أعلم. والمراد بالسمك الطافي هو الذي يموت في البحر فيطفو على وجه الماء، وكل ما علا على وجه الماء ولم يرسب فيه تسميه العرب طافيا. ومن ذلك قول عبد الله بن رواحة ﵁: وأن العرش فوق الماء طاف ...
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 116) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 116 · #96062
ت في البحر فيطفو على وجه الماء، وكل ما علا على وجه الماء ولم يرسب فيه تسميه العرب طافيا. ومن ذلك قول عبد الله بن رواحة ﵁: وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمين ويحكى في نوادر المجانين أن مجنونا مر به جماعة من بني راسب، وجماعة من بني طفاوة يختصمون في غلام، فقال لهم المجنون: القوا الغلام في البحر، فإن رسب فيه فهو من بني راسب، وإن طفا على وجهه فهو من بني طفاوة. وقال البخاري في صحيحه: باب قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ﴾. قال عمر: صيده ما اصطيد، وطعامه ما رمى به. وقال أبو بكر: الطافي حلال، وقال ابن عباس: طعامه ميتته إلا ما قذرت منها، والجري لا تأكله اليهود ونحن نأكله. وقال شريح صاحب النبي - ﷺ -: كل شيء في البحر مذبوحه. وقال عطاء: أما الطير فأرى أن نذبحه. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: صيد الأنهار وقلات السيل أصيد بحر هو؟
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 117) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 117 · #96063
قال شريح صاحب النبي - ﷺ -: كل شيء في البحر مذبوحه. وقال عطاء: أما الطير فأرى أن نذبحه. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: صيد الأنهار وقلات السيل أصيد بحر هو؟ قال: نعم، ثم تلا ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً﴾ وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء. وقال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفادع. لأطعمتهم. ولم ير الحسن بالسلحفاة بأسا. وقال ابن عباس: كل من صيد البحر نصراني أو يهودي أو مجوسي. وقال أبو الدرداء: في المري ذبح الخمر النينان والشمس انتهى من البخاري بلفظه. ومعلوم أن البخاري ﵀ لا يعلق بصيغة الجزم إلا ما كان صحيحا ثابتا عنده. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في الكلام على هذه المعلقات التي ذكرها البخاري ما نصه: قوله: قال عمر -هو ابن الخطاب-: "صيده" ما اصطيد، و"طعامه" ما رمى به. وصله المصنف في التاريخ، وعبد بن حميد من طريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: لما قدمت البحرين سألني أهلها عما قذف البحر؟ فأمرتهم أن يأكلوه.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 117) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 117 · #96064
له المصنف في التاريخ، وعبد بن حميد من طريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: لما قدمت البحرين سألني أهلها عما قذف البحر؟ فأمرتهم أن يأكلوه. فلما قدمت على عمر فذكر قصة. قال: فقال عمر: قال الله تعالى في كتابه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ فصيده: ما صيد. وطعامه: ما قذف به. قوله: وقال أبو بكر -هو الصديق-: الطافي حلال، وصله أبو بكر بن أبي شيبة، والطحاوي والدارقطني من رواية عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أشهد على أبي بكر أنه قال: السمكة الطافية حلال. زاد الطحاوي لمن أراد أكله، وأخرجه الدارقطني، وكذا عبد بن حميد، والطبري منها. وفي بعضها أشهد على أبي بكر أنه أكل السمك الطافي على الماء، وللدارقطني من وجه آخر عن ابن عباس عن أبي بكر: أن الله ذبح لكم ما في البحر فكلوه كله، فإنه ذكي. قوله: وقال ابن عباس: طعامه ميتته إلا ما قذرت منها.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 118) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 118 · #96065
اء، وللدارقطني من وجه آخر عن ابن عباس عن أبي بكر: أن الله ذبح لكم ما في البحر فكلوه كله، فإنه ذكي. قوله: وقال ابن عباس: طعامه ميتته إلا ما قذرت منها. وصله الطبري من طريق أبي بكر بن حفص، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قال طعامه: ميتته. وأخرج عبد الرزاق من وجه آخر عن ابن عباس. وذكر صيد البحر لا تأكل منه طافيا، في سنده الأجلح وهو لين، ويوهنه حديث ابن عباس الماضي قبله. قوله: والجري لا تأكله اليهود، ونحن نأكله: وصله عبد الرزاق عن الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن الجرى فقال: لا بأس به، إنما هو شيء كرهته اليهود. وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، عن الثوري، به وقال في روايته: سألت ابن عباس عن الجري. فقال: لا بأس به، إنما هو شيء كرهته اليهود. وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، عن الثوري، به، وقال في روايته: سألت ابن عباس عن الجري فقال: لا بأس به، إنما تحرمه اليهود، ونحن نأكله، وهذا على شرط الصحيح. وأخرج عن علي وطائفة نحوه.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 119) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 119 · #96066
عن الثوري، به، وقال في روايته: سألت ابن عباس عن الجري فقال: لا بأس به، إنما تحرمه اليهود، ونحن نأكله، وهذا على شرط الصحيح. وأخرج عن علي وطائفة نحوه. والجري -بفتح الجيم- قال ابن التين: وفي نسخة بالكسر، وهو ضبط الصحاح، وكسر الراء الثقيلة قال: ويقال له أيضًا: الجريت، وهو ما لا قشر له. وقال ابن حبيب من المالكية: إنما أكرهه، لأنه يقال: إنه من الممسوخ. وقال الأزهري: الجريت نوع من السمك يشبه الحيات. وقيل: سمك لا قشر له. ويقال له أيضًا: المرماهي، والسلور مثله. وقال الخطابي: هو ضرب من السمك يشبه الحيات، وقال غيره: نوع عريض الوسط، دقيق الطرفين. قوله: وقال شريح صاحب النبي - ﷺ -: كل شيء في البحر مذبوح. وقال عطاء: أما الطير فأرى أن تذبحه. وصله المصنف في التاريخ، وابن منده في المعرفة من رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار، وأبي الزبير أنهما سمعا شريحا صاحب النبي - ﷺ - يقول: كل شيء في البحر مذبوح. قال: فذكرت ذلك لعطاء. فقال: أما الطير فأرى أن تذبحه.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 119) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 119 · #96067
يج، عن عمرو بن دينار، وأبي الزبير أنهما سمعا شريحا صاحب النبي - ﷺ - يقول: كل شيء في البحر مذبوح. قال: فذكرت ذلك لعطاء. فقال: أما الطير فأرى أن تذبحه. وأخرجه الدارقطني، وأبو نعيم في الصحابة مرفوعا من حديث شريح، والموقوف أصح. وأخرجه ابن أبي عاصم في الأطعمة من طريق عمرو بن دينار، سمعت شيخا كبيرا يحلف بالله ما في البحر دابة إلا قد ذبحها الله لبني آدم، وأخرج الدارقطني من حديث عبد الله بن سرجس رفعه: إن الله قد ذبح كل ما في البحر لبني آدم، وفي سنده ضعف، والطبراني من حديث ابن عمر رفعه نحوه، وسنده ضعيف أيضا، وأخرج عبد الرزاق بسندين جيدين عن عمر، ثم عن علي، الحوت ذكي كله. قوله: وقال ابن جريج، قلت لعطاء: صيد الأنهار، وقلات السيل أصيد بحر هو؟ قال: نعم، ثم تلا: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً﴾ وصله عبد الرزاق في التفسير عن ابن جريج بهذا سواء، وأخرجه الفاكهي في كتاب مكة من رواية عبد المجيد بن أبي روَّاد، عن ابن جريج أتم من هذا.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 120) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 120 · #96068
ماً طَرِيّاً﴾ وصله عبد الرزاق في التفسير عن ابن جريج بهذا سواء، وأخرجه الفاكهي في كتاب مكة من رواية عبد المجيد بن أبي روَّاد، عن ابن جريج أتم من هذا. وفيه: وسألته عن حيتان بركة القشيري -وهي بئر عظيمة في الحرم- أتصاد؟ قال: نعم؛ وسألته عن ابن الماء وأشباهه أصيد بحر أم صيد بر؟ فقال: حيث يكون أكثر فهو صيد. وقلات -بكسر القاف وتخفيف اللام وآخره مثناة- ووقع في رواية الأصيلي مثلثة. والصواب الأول، جمع قلت بفتح أوله، مثل: بحر وبحار، وهو النقرة في الصخرة، يستنقع فيها الماء. قوله: وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء، وقال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم، ولم ير الحسن بالسلحفاة بأسا. أما قول الحسن الأول فقيل: إنه ابن علي. وقيل: البصري، ويؤيد الأول أنه وقع في رواية "وركب الحسن ﵇" وقوله: على سرج من جلود، أي متخذ من جلود كلاب الماء. وأما قول الشعبي: فالضفادع -بكسر أوله وفتح الدال وبكسرها أيضًا- وحكى ضم أوله مع فتح الدال، والضفادى بغير عين لغة فيه، قال ابن التين: لم يبين الشعبي هل تذكى أم لا؟
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 120) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 120 · #96069
شعبي: فالضفادع -بكسر أوله وفتح الدال وبكسرها أيضًا- وحكى ضم أوله مع فتح الدال، والضفادى بغير عين لغة فيه، قال ابن التين: لم يبين الشعبي هل تذكى أم لا؟ ومذهب مالك أنها تؤكل بغير تذكية، ومنهم من فصل بين ما مأواه الماء وغيره. وعن الحنفية، ورواية عن الشافعي: لا بد من التذكية. قال مقيده - عفا الله عنه -: ميتة الضفادع البرية لا ينبغي أن يختلف في نجاستها. لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وهي ليست من حيوان البحر، لأنها برية، كما صرح عبد الحق بأن ميتتها نجسة في مذهب مالك.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 121) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 121 · #96070
يختلف في نجاستها. لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وهي ليست من حيوان البحر، لأنها برية، كما صرح عبد الحق بأن ميتتها نجسة في مذهب مالك. نقله عنه الحطاب والمواق وغيرهما، في شرح قول خليل: "والبحري ولو طالت حياته ببر". وقال ابن حجر متصلا بالكلام السابق: وأما قول الحسن في السلحفاة فوصله ابن أبي شيبة من طريق ابن طاوس، عن أبيه أنه كان لا يرى بأكل السلحفاة بأسا، ومن طريق مبارك بن فضالة عن الحسن قال: لا بأس بأكلها، والسلحفاة بضم المهملة وفتح اللام وسكون المهملة بعدها فاء، ثم ألف ثم هاء، ويجوز بدل الهاء همزة حكاه ابن سيده، وهي رواية عبدوس. وحكي أيضا في المحكم: بسكون اللام وفتح الحاء. وحكي أيضا: سلحفية كالأول، لكن بكسر الفاء بعدها تحتانية مفتوحة. قوله: وقال ابن عباس: كل من صيد البحر نصراني، أو يهودي، أو مجوسي. قال الكرماني: كذا في النسخ القديمة، وفي بعضها "ما صاده" قبل لفظ نصراني. قلت: وهذا التعليق وصله البيهقي من طريق سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 121) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 121 · #96071
ي. قال الكرماني: كذا في النسخ القديمة، وفي بعضها "ما صاده" قبل لفظ نصراني. قلت: وهذا التعليق وصله البيهقي من طريق سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: كل ما ألقى البحر، وما صيد منه، صاده يهودي، أو نصراني، أو مجوسي. قال ابن التين: مفهومه أن صيد البحر لا يؤكل إن صاده غير هؤلاء، وهو كذلك عند قوم. وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عطاء وسعيد بن جبير، وبسند آخر عن علي كراهية صيد المجوسي السمك. انتهى. ومن فتح الباري بلفظه: وقول أبي الدرداء في المري: ذبح الخمر النينان والشمس.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 122) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 122 · #96072
ح عن عطاء وسعيد بن جبير، وبسند آخر عن علي كراهية صيد المجوسي السمك. انتهى. ومن فتح الباري بلفظه: وقول أبي الدرداء في المري: ذبح الخمر النينان والشمس. المشهور في لفظه أن ذبح فعل ماض، والخمر مفعول به، والنينان فاعل ذبح، والشمس بالرفع معطوفا على الفاعل الذي هو النينان، وهي جمع نون وهو: الحوت، والمري بضم الميم وسكون الراء بعدها تحتانية على الصحيح، خلافا لصاحب الصحاح والنهاية فقد ضبطاه بضم الميم وكسر الراء المشددة إلى المر وهو الطعم المشهور، والمري المذكور طعام كان يعمل بالشام، يؤخذ الخمر فيجعل فيه الملح والسمك، ويوضع في الشمس، فيتغير عن طعم الخمر، ويصير خلا، وتغيير الحوت والملح والشمس له عن طعم الخمر وإزالة الإسكار عنه هو مراد أبي الدرداء بذبح الحيتان والشمس له، فاستعار الذبح لإذهاب الشدة المطربة التي بها الإسكار، وأثر أبي الدرداء هذا، وصله إبراهيم الحربي في غريب الحديث له، من طريق أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، فذكره سواء.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 122) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 122 · #96073
ربة التي بها الإسكار، وأثر أبي الدرداء هذا، وصله إبراهيم الحربي في غريب الحديث له، من طريق أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، فذكره سواء. وكان أبو الدرداء ﵁ يرى: إباحة تخليل الخمر، وكثير من العلماء يرون منع تخليلها، فإن تخللت بنفسها من غير تسبب لها في ذلك فهي حلال إجماعا. قال ابن حجر في الفتح: وكان أبو الدرداء وجماعة يأكلون هذا المري المعمول بالخمر. وأدخله البخاري في طهارة صيد البحر، يريد أن السمك طاهر حلال، وأن طهارته وحله يتعدى إلى غيره كالملح، حتى يصير الحرام النجس بإضافتها إليه طاهرا حلالا، وهذا رأي من يجوز تخليل الخمر، وهو قول أبي الدرداء وجماعة. قال مقيده - عفا الله عنه -: والظاهر منع أكل الضفادع مطلقا، لثبوت النهي عن قتلها عن النبي - ﷺ -، فقد قال أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان: أن طبيبا سأل النبي - ﷺ - عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه النبي - ﷺ - عن قتلها.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 123) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 123 · #96074
ن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان: أن طبيبا سأل النبي - ﷺ - عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه النبي - ﷺ - عن قتلها. وقال النسائي في سننه: أخبرنا قتيبة قال: حدثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان، أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند رسول الله - ﷺ - فنهى رسول الله - ﷺ - عن قتله. وقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث النهي عن قتل الضفدع فرواه أبو داود بإسناد حسن، والنسائي بإسناد صحيح، من رواية عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي الصحابي وهو ابن أخي طلحة بن عبيد الله، قال: سأل طبيب النبي - ﷺ - عن ضفدع يجعلها في دواء، فنهاه عن قتلها، وسيأتي لتحريم أكل الضفادع زيادة بيان إن شاء الله في سورة الأنعام في الكلام على قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ الآية. وما ذكرنا من تحريم الضفدع مطلقا قال به الإمام أحمد وجماعة، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، ونقل العبدري عن
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 123) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 123 · #96075
ى قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ الآية. وما ذكرنا من تحريم الضفدع مطلقا قال به الإمام أحمد وجماعة، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، ونقل العبدري عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وابن عباس ﵃: أن جميع ميتات البحر كلها حلال إلا الضفدع. قاله النووي. ونقل عن أحمد ﵀ ما يدل على أن التمساح لا يؤكل، وقال الأوزاعي: لا بأس به لمن اشتهاه. وقال ابن حامد: لا يؤكل التمساح، ولا الكوسج؛ لأنهما يأكلان الناس. وقد روي عن إبراهيم النخعي وغيره: أنه قال: كانوا يكرهون سباع البحر كما يكرهون سباع البر، وذلك لنهي النبي - ﷺ - عن كل ذي ناب من السباع.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 124) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 124 · #96076
ا يأكلان الناس. وقد روي عن إبراهيم النخعي وغيره: أنه قال: كانوا يكرهون سباع البحر كما يكرهون سباع البر، وذلك لنهي النبي - ﷺ - عن كل ذي ناب من السباع. وقال أبو علي النجاد: ما حرم نظيره في البر فهو حرام في البحر، ككلب الماء، وخنزيره، وإنسانه، وهو قول الليث إلا في الكلب، فإنه يرى إباحة كلب البر والبحر، قاله ابن قدامة في المغني، ومنع بعض العلماء أكل السلحفاة البحرية، والعلم عند الله تعالى. تنبيه: الدم أصله دمي، يائي اللام وهو من الأسماء التي حذفت العرب لامها ولم تعوض عنها شيئا، وأعربتها على العين، ولامه ترجع عند التصغير، فتقول: دمي بإدغام ياء التصغير في ياء لام الكلمة، وترجع أيضا في جمع التكسير، فالهمزة في الدماء مبدلة من الياء التي هي لام الكلمة، وربما ثبتت أيضا في التثنية، ومنه قول سحيم الرياحي: ولو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين وكذلك تثبت لامه في الماضي والمضارع، والوصف في حالة الاشتقاق منه، فتقول في الماضي: دميت يده كرضي، ومنه قوله: هل أنت إلا إصبع دميت ...
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 124) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 124 · #96077
ان بالخبر اليقين وكذلك تثبت لامه في الماضي والمضارع، والوصف في حالة الاشتقاق منه، فتقول في الماضي: دميت يده كرضي، ومنه قوله: هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت وتقول في المضارع يدمى بإبدال الياء ألفا، كما في يرضى ويسعى ويخشى، ومنه قول الشاعر: ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما وتقول في الوصف: أصبح جرحه داميا، ومنه قول الراجز: نرد أولاها على أخراها ... نردها دامية كلاها والتحقيق أن لامه أصلها ياء، وقيل: أصلها واو، وإنما أبدلت ياء في الماضي، لتطرفها بعد الكسر، كما في قوي ورضي وشجي التي هي واويات اللام في الأصل، لأنها من الرضوان والقوة والشجو. وقال بعضهم: الأصل فيه دمي بفتح الميم، وقيل بإسكانها والله تعالى أعلم. •
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 125) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 125 · #96078
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيهِ﴾ لم يبين هنا سبب اضطراره، ولم يبين المراد بالباغي والعادي، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن سبب الاضطرار المذكور المخمصة، وهي الجوع، وهو قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ وأشار إلى أن المراد بالباغي والعادي المتجانف للإثم، وذلك في قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾، والمتجانف المائل ومنه قول الأعشى: تجانف عن حجر اليمامة ناقتي ... وما قصدت من أهلها لسوائكا فيفهم من الآية أن الباغي والعادي كلاهما متجانف لإثم، وهذا غاية ما يفهم منها. وقال بعض العلماء: الإثم الذي تجانف إليه الباغي هو الخروج على إمام المسلمين، وكثيرا ما يطلق اسم البغي على مخالفة الإمام، والإثم الذي تجانف إليه العادي هو إخافة الطريق، وقطعها على المسلمين، ويلحق بذلك كل سفر في معصية الله. اهـ.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 126) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 126 · #96079
وكثيرا ما يطلق اسم البغي على مخالفة الإمام، والإثم الذي تجانف إليه العادي هو إخافة الطريق، وقطعها على المسلمين، ويلحق بذلك كل سفر في معصية الله. اهـ. وقال بعض العلماء: إثم الباغي والعادي أكلهما المحرم مع وجود غيره، وعليه فهو كالتأكيد لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾، وعلى القول الأول لا يجوز لقاطع الطريق، والخارج على الإمام الأكل من الميتة وإن خافا الهلاك، ما لم يتوبا، وعلى الثاني يجوز لهما أكل الميتة إن خافا الهلاك، وإن لم يتوبا. ونقل القرطبي عن قتادة، والحسن، والربيع، وابن زيد، وعكرمة، أن المعنى: غَيْرَ بَاغٍ أي: في أكله فوق حاجته، وَلا عَادٍ بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة، ويأكلها. ونقل أيضا عن السدي أن المعنى غَيْرَ بَاغٍ في أكلها شهوة وتلذدًا، وَلا عَادٍ باستيفاء الأكل إلى حد الشبع.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 126) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 126 · #96080
ادٍ بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة، ويأكلها. ونقل أيضا عن السدي أن المعنى غَيْرَ بَاغٍ في أكلها شهوة وتلذدًا، وَلا عَادٍ باستيفاء الأكل إلى حد الشبع. وقال القرطبي أيضا: وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما: المعنى غَيْرَ بَاغٍ على المسلمين، وَلا عَادٍ عليهم، فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق، والخارج على السلطان، والمسافر في قطع الرحم، والغارة على المسلمين، وما شاكله، وهذا صحيح. فإن أصل البغي في اللغة قصد الفساد يقال: بغت المرأة بغاء إذا فجرت. قال الله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد، والعرب تقول: خرج الرجل في بغاء إبل له، أي: في طلبها، ومنه قول الشاعر: لا يمنعنك من بغا ... ء الخير تعقاد الرتائم إن الأشائم كالأيا ...
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 126) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 126 · #96081
لب غير الفساد، والعرب تقول: خرج الرجل في بغاء إبل له، أي: في طلبها، ومنه قول الشاعر: لا يمنعنك من بغا ... ء الخير تعقاد الرتائم إن الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم وذكر القرطبي عن مجاهد: أن المراد بالاضطرار في هذه الآية: الإكراه على أكل المحرم، كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على لحم الخنزير وغيره من معصية الله تعالى، وذكر أن المراد به عند الجمهور من العلماء المخمصة التي هي الجوع كما ذكرنا. وقد قدمنا أن آية ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ مبينة لذلك، وحكم الإكراه على أكل ما ذكر يؤخذ من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ بطريق الأولى، وحديث: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". مسائل تتعلق بالاضطرار إلى أكل الميتة
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 127) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 127 · #96082
بُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ بطريق الأولى، وحديث: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". مسائل تتعلق بالاضطرار إلى أكل الميتة المسألة الأولى: أجمع العلماء على أن المضطر له أن يأكل من الميتة ما يسد رمقه، ويمسك حياته، وأجمعوا أيضا على أنه يحرم عليه ما زاد على الشبع، واختلفوا في نفس الشبع، هل له أن يشبع من الميتة، أو ليس له مجاوزة ما يسد الرمق، ويأمن معه الموت؟ فذهب مالك -رحمه الله تعالى- إلى أن له أن يشبع من الميتة ويتزود منها، قال في موطئه: إن أحسن ما سمع في الرجل يضطر إلى الميتة، أنه يأكل منها حتى يشبع، ويتزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها. قال ابن عبد البر: حجة مالك أن المضطر ليس ممن حرمت عليه الميتة، فإذا كانت حلالا له أكل منها ما شاء حتى يجد غيرها، فتحرم عليه، وذهب ابن الماجشون وابن حبيب من المالكية إلى أنه ليس له أن يأكل منها إلا قدر ما يسد الرمق ويمسك الحياة، وحجتهما: أن الميتة لا تباح إلا عند الضرورة، وإذا حصل سد الرمق انتفت الضرورة في الزائد على ذلك.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 128) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 128 · #96083
ليس له أن يأكل منها إلا قدر ما يسد الرمق ويمسك الحياة، وحجتهما: أن الميتة لا تباح إلا عند الضرورة، وإذا حصل سد الرمق انتفت الضرورة في الزائد على ذلك. وعلى قولهما درج خليل بن إسحاق المالكي في مختصره. حيث قال: "وللضرورة ما يسد غير آدمي". وقال ابن العربي: ومحل هذا الخلاف بين المالكية فيما إذا كانت المخمصة نادرة، وأما إذا كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع منها. ومذهب الشافعي على القولين المذكورين عن المالكية، وحجته في القولين كحجة المالكية فيهما، وقد بيناها. والقولان المذكوران مشهوران عند الشافعية. واختار المزني أنه لا يجاوز سد الرمق، ورجحه القفال وكثيرون. وقال النووي: إنه الصحيح.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 128) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 128 · #96084
الكية فيهما، وقد بيناها. والقولان المذكوران مشهوران عند الشافعية. واختار المزني أنه لا يجاوز سد الرمق، ورجحه القفال وكثيرون. وقال النووي: إنه الصحيح. ورجح أبو علي الطبري في الإفصاح والروياني وغيرهما حل الشبع، قاله النووي أيضا. وفي المسألة قول ثالث للشافعية وهو: أنه إن كان بعيدا من العمران حل الشبع وإلا فلا، وذكر إمام الحرمين والغزالي تفصيلا في المسألة، وهو: أنه إن كان في بادية وخاف إن ترك الشبع ألا يقطعها ويهلك، وجب القطع بأنه يشبع، وإن كان في بلد وتوقع طعاما طاهرا قبل عود الضرورة وجب القطع بالاقتصار على سد الرمق، وإن كان لا يظهر حصول طعام طاهر، وأمكن الحاجة إلى العود إلى أكل الميتة مرة بعد أخرى إن لم يجد الطاهر، فهذا محل الخلاف. قال النووي: وهذا التفصيل الذي ذكره الإمام والغزالي تفصيل حسن وهو الراجح، وعن الإمام أحمد ﵀ في هذه المسألة روايتان أيضا. قال ابن قدامة في المغني: وفي الشبع روايتان، أظهرهما: لا يباح، وهو قول أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد القولين للشافعي.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 129) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 129 · #96085
المسألة روايتان أيضا. قال ابن قدامة في المغني: وفي الشبع روايتان، أظهرهما: لا يباح، وهو قول أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد القولين للشافعي. قال الحسن: يأكل قدر ما يقيمه؛ لأن الآية دلت على تحريم الميتة؛ واستثني ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل له الأكل، كحالة الابتداء، ولأنه بعد سد الرمق غير مضطر فلم يحل له الأكل للآية. يحققه: أنه بعد سد رمقه كهو قبل أن يضطر، وثم لم يبح له الأكل، كذا ههنا. والثانية: يباح له الشبع. اختارها أبو بكر لما روى جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة فنفقت عنده ناقة، فقالت له امرأته: أسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله. فقال: حتى أسأل رسول الله - ﷺ -، فسأله فقال: هل عندك غنى يغنيك؟ قال: لا. قال: فكلوها، ولم يفرق. رواه أبو داود. ويدل له أيضا حديث الفجيع العامري عنده: أن النبي أذن له في الميتة مع أنه يغتبق ويصطبح، فدل على أخذ النفس حاجتها من القوت منها؛ ولأن ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع كالمباح.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 129) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 129 · #96086
فجيع العامري عنده: أن النبي أذن له في الميتة مع أنه يغتبق ويصطبح، فدل على أخذ النفس حاجتها من القوت منها؛ ولأن ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع كالمباح. ويحتمل أن يفرق بين ما إذا كانت الضرورة مستمرة، وبين ما إذا كانت مرجوة الزوال، فما كانت مستمرة كحالة الأعرابي الذي سأل رسول الله - ﷺ - جاز الشبع؛ لأنه إذا اقتصر على سد الرمق عادت الضرورة إليه عن قرب، ولا يتمكن من البعد عن الميتة مخافة الضرورة المستقبلة، ويفضي إلى ضعف بدنه، وربما أدى ذلك إلى تلفه، بخلاف التي ليست مستمرة، فإنه يرجو الغنى عنها بما يحل والله أعلم. انتهى من المغني بلفظه. وقال إمام الحرمين: وليس معنى الشبع أن يمتلىء حتى لا يجد مساغا، ولكن إذا انكسرت سورة الجوع بحيث لا ينطلق عليه اسم جائع أمسك. اهـ. قاله النووي. المسألة الثانية: حد الاضطرار المبيح لأكل الميتة، هو الخوف من الهلاك علما أو ظنا. قال الزرقاني في شرح قول مالك في الموطأ: ما جاء فيمن يضطر إلى أكل الميتة. اهـ: وحد الاضطرار أن يخاف على نفسه الهلاك علما أو ظنا.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 130) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 130 · #96087
ن الهلاك علما أو ظنا. قال الزرقاني في شرح قول مالك في الموطأ: ما جاء فيمن يضطر إلى أكل الميتة. اهـ: وحد الاضطرار أن يخاف على نفسه الهلاك علما أو ظنا. ولا يشترط أن يصير إلى حال يشرف معها على الموت، فإن الأكل عند ذلك لا يفيد. وقال النووي في شرح المهذب: الثانية: في حد الضرورة. قال أصحابنا: لا خلاف أن الجوع القوي لا يكفي لتناول الميتة ونحوها، قالوا: ولا خلاف أنه لا يجب الامتناع إلى الإشراف على الهلاك؛ فإن الأكل حينئذ لا ينفع، ولو انتهى إلى تلك الحال لم يحل له أكلها؛ لأنه غير مفيد، واتفقوا على جواز الأكل إذا خاف على نفسه لو لم يأكل من جوع، أو ضعف عن المشي، أو عن الركوب، وينقطع عن رفقته ويضيع، ونحو ذلك. فلو خاف حدوث مرض مخوف في جنسه فهو كخوف الموت، وإن خاف طول المرض فكذلك في أصح الوجهين، وقيل: إنهما قولان، ولو عيل صبره، وأجهده الجوع، فهل يحل له الميتة ونحوها؟ أم لا يحل حتى يصل إلى أدنى الرمق؟
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 131) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 131 · #96088
ت، وإن خاف طول المرض فكذلك في أصح الوجهين، وقيل: إنهما قولان، ولو عيل صبره، وأجهده الجوع، فهل يحل له الميتة ونحوها؟ أم لا يحل حتى يصل إلى أدنى الرمق؟ فيه قولان ذكرهما البغوي وغيره، أصحهما: الحل. قال إمام الحرمين وغيره: ولا يشترط فيما يخافه تيقن وقوعه لو لم يأكل، بل يكفي غلبة الظن انتهى منه بلفظه. وقال ابن قدامة في المغني: إذا ثبت هذا فإن الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل، قال أحمد: إذا كان يخشى على نفسه سواء كان من الجوع، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي، وانقطع عن الرفقة فهلك أو يعجز عن الركوب فيهلك، ولا يتقيد ذلك بزمن محصور. وحد الاضطرار عند الحنفية هو أن يخاف الهلاك على نفسه أو على عضو من أعضائه يقينا كان أو ظنا، والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: هل يجب الأكل من الميتة ونحوها إن خاف الهلاك، أو يباح من غير وجوب؟
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 131) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 131 · #96089
على نفسه أو على عضو من أعضائه يقينا كان أو ظنا، والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: هل يجب الأكل من الميتة ونحوها إن خاف الهلاك، أو يباح من غير وجوب؟ اختلف العلماء في ذلك، وأظهر القولين الوجوب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩)﴾. ومن هنا قال جمع من أهل الأصول: إن الرخصة قد تكون واجبة، كأكل الميتة عند خوف الهلاك لو لم يأكل منها، وهو الصحيح من مذهب مالك، وهو أحد الوجهين للشافعية، وهو أحد الوجهين عند الحنابلة أيضا، وهو اختيار ابن حامد. وهذا هو مذهب أبي حنيفة -﵏ وقال مسروق: من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات، دخل النار؛ إلا أن يعفو الله عنه. وقال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا: وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيا نقله القرطبي وغيره.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 132) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 132 · #96090
عنه. وقال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا: وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيا نقله القرطبي وغيره. وممن اختار عدم الوجوب ولو أدى عدم الأكل إلى الهلاك، أبو إسحاق من الشافعية، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة ﵏ وغيرهم، واحتجوا بأن له غرضا صحيحا في تركه، وهو اجتناب النجاسة، والأخذ بالعزيمة. وقال ابن قدامة في المغني في وجه كل واحد من القولين ما نصه: وهل يجب الأكل من الميتة على المضطر فيه وجهان: أحدهما: يجب، وهو قول مسروق، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي. قال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن المضطر يجد الميتة ولم يأكل، فذكر قول مسروق: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب دخل النار. وهذا اختيار ابن حامد.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 132) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 132 · #96091
أصحاب الشافعي. قال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن المضطر يجد الميتة ولم يأكل، فذكر قول مسروق: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب دخل النار. وهذا اختيار ابن حامد. وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وترك الأكل مع إمكانه في هذا الحال إلقاء بيده إلى التهلكة، وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩)﴾ ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله فلزمه، كما لو كان معه طعام حلال. والثاني: لا يلزمه: لما روى عن عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله - ﷺ -: أن طاغية الروم حبسه في بيت وجعل معه خمرا ممزوجا بماء، ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام، فلم يأكل ولم يشرب حتى مال رأسه من الجوع والعطش وخشوا موته، فأخرجوه فقال: قد كان الله أحله لي؛ لأني مضطر، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 133) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 133 · #96092
ثلاثة أيام، فلم يأكل ولم يشرب حتى مال رأسه من الجوع والعطش وخشوا موته، فأخرجوه فقال: قد كان الله أحله لي؛ لأني مضطر، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام. ولأن إباحة الأكل رخصة، فلا تجب عليه كسائر الرخص، ولأن له غرضا في اجتناب النجاسة، والأخذ بالعزيمة، وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة، وفارق الحلال في الأصل من هذه الوجوه. وقد قدمنا أن أظهر القولين دليلا وجوب تناول ما يمسك الحياة، لأن الإنسان لا يجوز له إهلاك نفسه، والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة: هل يقدم المضطر الميتة أو مال الغير؟ اختلف العلماء في ذلك: فذهب مالك إلى أنه يقدم مال الغير إن لم يخف أن يجعل سارقا ويحكم عليه بالقطع. ففي موطئه ما نصه: وسئل مالك عن الرجل يضطر إلى الميتة، أيأكل منها وهو يجد ثمرا لقوم، أو زرعا، أو غنما بمكانه ذلك؟ قال مالك: إن ظن أن أهل ذلك الثمر، أو الزرع، أو الغنم يصدقونه بضرورته حتى لا يعد سارقا فتقطع يده، رأيت أن يأكل من أي ذلك وجد ما يرد جوعه ولا يحمل منه شيئا.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 133) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 133 · #96093
الك: إن ظن أن أهل ذلك الثمر، أو الزرع، أو الغنم يصدقونه بضرورته حتى لا يعد سارقا فتقطع يده، رأيت أن يأكل من أي ذلك وجد ما يرد جوعه ولا يحمل منه شيئا. وذلك أحب إلي من أن يأكل الميتة, وإن هو خشي ألا يصدقوه، وأن يعد سارقا بما أصاب من ذلك، فإن أكل الميتة خير له عندي، وله في أكل الميتة على هذا الوجه سعة، مع أني أخاف أن يعدو عاد ممن لم يضطر إلى الميتة يريد استجازة أموال الناس وزروعهم وثمارهم بذلك بدون اضطرار. قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت. اهـ. وقال ابن حبيب: إن حضر صاحب المال فحق عليه أن يأذن له في الأكل، فإن منعه فجائز للذي خاف الموت أن يقاتله حتى يصل إلى أكل ما يرد نفسه. الباجي: يريد أنه يدعوه أولا إلى أن يبيعه بثمن في ذمته، فإن أبى استطعمه، فإن أبى، أعلمه أنه يقاتله عليه. وقال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره الذي قال فيه: مبينا لما به الفتوى، عاطفا على ما يقدم المضطر على الميتة: "وطعام غيره إن لم يخف القطع، وقاتل عليه".
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 134) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 134 · #96094
قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره الذي قال فيه: مبينا لما به الفتوى، عاطفا على ما يقدم المضطر على الميتة: "وطعام غيره إن لم يخف القطع، وقاتل عليه". هذا هو حاصل المذهب المالكي في هذه المسألة. ومذهب الشافعي فيها: هو ما ذكره النووي في شرح المهذب بقوله: المسألة الثامنة: إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير، وهو غائب فثلاثة أوجه. وقيل: ثلاثة أقوال، أصحها يجب أكل الميتة، والثاني يجب أكل الطعام، والثالث يتخير بينهما. وأشار إمام الحرمين إلى أن هذا الخلاف مأخوذ من الخلاف في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدمي.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 134) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 134 · #96095
جب أكل الميتة، والثاني يجب أكل الطعام، والثالث يتخير بينهما. وأشار إمام الحرمين إلى أن هذا الخلاف مأخوذ من الخلاف في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدمي. ولو كان صاحب الطعام حاضرا، فإن بذله بلا عوض، أو بثمن مثله، أو بزيادة يتغابن الناس بمثلها ومعه ثمنه، أو رضي بذمته لزمه القبول، ولم يجز أكل الميتة، فإن لم يبعه إلا بزيادة كثيرة فالمذهب، والذي قطع به العراقيون والطبريون وغيرهم: أنه لا يلزمه شراؤه، ولكن يستحب، وإذا لم يلزمه الشراء فهو كما إذا لم يبذله أصلا، وإذا لم يبذله لم يقاتله عليه المضطر إن خاف من المقاتلة على نفسه، أو خاف هلاك المالك في المقاتلة، بل يعدل إلى الميتة، وإن كان لا يخاف، لضعف المالك وسهولة دفعه فهو على الخلاف المذكور فيما إذا كان غائبا، هذا كله تفريع على المذهب الصحيح. وقال البغوي: يشتريه بالثمن الغالي، ولا يأكل الميتة. ثم يجىء الخلاف السابق في أنه يلزمه المسمى، أو ثمن المثل، قال: وإذا لم يبذل أصلا، وقلنا: طعام الغير أولى من الميتة يجوز أن يقاتله ويأخذه قهرا والله أعلم.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 135) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 135 · #96096
يجىء الخلاف السابق في أنه يلزمه المسمى، أو ثمن المثل، قال: وإذا لم يبذل أصلا، وقلنا: طعام الغير أولى من الميتة يجوز أن يقاتله ويأخذه قهرا والله أعلم. وحاصل مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة أنه يقدم الميتة على طعام الغير. قال الخرقي في مختصره: ومن اضطر فأصاب الميتة وخبزا لا يعرف مالكه أكل الميتة اهـ. وقال ابن قدامة في المغني في شرحه لهذا الكلام ما نصه: وبهذا قال سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم. وقال مالك: إن كانوا يصدقونه أنه مضطر أكل من الزرع والثمر، وشرب اللبن، وإن خاف أن تقطع يده أو لا يقبل منه أكل الميتة، ولأصحاب الشافعي وجهان: أحدهما: يأكل الطعام، وهو قول عبد الله بن دينار، لأنه قادر على الطعام الحلال فلم يجز له أكل الميتة، كما لو بذله له صاحبه. ولنا أن أكل الميتة منصوص عليه، ومال الآدمي مجتهد فيه، والعدول إلى المنصوص عليه أولى، ولأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة، وحقوق الآدمي مبنية على الشح والتضييق، ولأن حق الآدمي تلزمه غرامته، وحق الله لا عوض له.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 135) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 135 · #96097
ص عليه أولى، ولأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة، وحقوق الآدمي مبنية على الشح والتضييق، ولأن حق الآدمي تلزمه غرامته، وحق الله لا عوض له. المسألة الخامسة: إذا كان المضطر إلى الميتة محرما، وأمكنه الصيد فهل يقدم الميتة، أو الصيد؟ اختلفت العلماء في ذلك، فذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏ والشافعي في أصح القولين: إلى أنه يقدم الميتة. وعن الشافعي -رحمه الله تعالى- قول بتقديم الصيد، وهو مبني على القول بأن المحرم إن ذكى صيدا لم يكن ميتة. والصحيح أن ذكاة المحرم للصيد لغو، ويكون ميتة، والميتة أخف من الصيد للمحرم، لأنه يشاركها في اسم الميتة ويزيد بحرمة الاصطياد، وحرمة القتل، وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان إن شاء الله في سورة المائدة. وممن قال بتقديم الصيد للمحرم على الميتة أبو يوسف، والحسن، والشعبي، واحتجوا بأن الصيد يجوز للمحرم عند الضرورة، ومع جوازه والقدرة عليه تنفى الضرورة فلا تحل الميتة.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 136) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 136 · #96098
قديم الصيد للمحرم على الميتة أبو يوسف، والحسن، والشعبي، واحتجوا بأن الصيد يجوز للمحرم عند الضرورة، ومع جوازه والقدرة عليه تنفى الضرورة فلا تحل الميتة. واحتج الجمهور بأن حل أكل الميتة عند الضرورة منصوص عليه، وإباحة الصيد للضرورة مجتهد فيها، والمنصوص عليه أولى، فإن لم يجد المضطر إلا صيدا، وهو محرم فله ذبحه وأكله، وله الشبع منه على التحقيق؛ لأنه بالضرورة وعدم وجود غيره صار مذكى ذكاة شرعية، طاهرا حلالا فليس بميتة، ولذا تجب ذكاته الشرعية، ولا يجوز قتله، والأكل منه بغير ذكاة. ولو وجد المضطر ميتة ولحم خنزير أو إنسان ميت فالظاهر تقديم الميتة على الخنزير ولحم الآدمي. قال الباجي: إن وجد المضطر ميتة وخنزيرا فالأظهر عندي أن يأكل الميتة، لأن الخنزير ميتة ولا يباح بوجه، وكذلك يقدم الصيد على الخنزير، والإنسان على الظاهر، ولم يجز عند المالكية أكل الإنسان للضرورة مطلقا، وقتل الإنسان الحي المعصوم الدم، لأكله عند الضرورة حرام إجماعا، سواء كان مسلما، أو ذميا.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 137) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 137 · #96099
ن على الظاهر، ولم يجز عند المالكية أكل الإنسان للضرورة مطلقا، وقتل الإنسان الحي المعصوم الدم، لأكله عند الضرورة حرام إجماعا، سواء كان مسلما، أو ذميا. وإن وجد إنسان معصوم ميتا فهل يجوز لحمه عند الضرورة، أو لا يجوز؟ منعه المالكية والحنابلة وأجازه الشافعية وبعض الحنفية. واحتج الحنابلة لمنعه، لحديث "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي" واختار أبو الخطاب منهم جواز أكله، وقال: لا حجة في الحديث هنا، لأن الأكل من اللحم لا من العظم، والمراد بالحديث التشبيه في أصل الحرمة، لا في مقدارها، بدليل اختلافهما في الضمان والقصاص، ووجوب صيانة الحي بما لا يجب به صيانة الميت قاله في المغني. ولو وجد المضطر آدميا غير معصوم كالحربي والمرتد فله قتله والأكل منه عند الشافعية، وبه قال القاضي من الحنابلة، واحتجوا بأنه لا حرمة له فهو بمنزلة السباع والله تعالى أعلم. المسألة السادسة: هل يجوز للمضطر أن يدفع ضرورته بشرب الخمر؟
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 137) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 137 · #96100
ة، وبه قال القاضي من الحنابلة، واحتجوا بأنه لا حرمة له فهو بمنزلة السباع والله تعالى أعلم. المسألة السادسة: هل يجوز للمضطر أن يدفع ضرورته بشرب الخمر؟ فيه للعلماء أربعة أقوال: الأول: المنع مطلقا. الثاني: الإباحة مطلقا. الثالث: الإباحة في حالة الاضطرار إلى التداوي بها، دون العطش. الرابع: عكسه. وأصح هذه الأقوال عند الشافعية المنع مطلقا. قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر إن التداوي بالخمر لا يجوز، لما رواه مسلم في صحيحه من حديث وائل بن حجر ﵁ "أن النبي - ﷺ - سأله طارق بن سويد الجعفي عن الخمر فنهاه، أو كره أن يصنعها فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: إنه ليس بدواء، ولكنه داء". والظاهر إباحتها، لإساغة غصة خيف بها الهلاك، وعليه جل أهل العلم، والفرق بين إساغة الغصة، وبين شربها للجوع، أو العطش أن إزالتها للغصة معلومة، وأنها لا يتيقن إزالتها للجوع أو العطش. قال الباجي: وهل لمن يجوز له أكل الميتة أن يشرب لجوعه أو عطشه الخمر؟ قال مالك: لا يشربها ولن تزيده إلا عطشا.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 138) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 138 · #96101
ة، وأنها لا يتيقن إزالتها للجوع أو العطش. قال الباجي: وهل لمن يجوز له أكل الميتة أن يشرب لجوعه أو عطشه الخمر؟ قال مالك: لا يشربها ولن تزيده إلا عطشا. وقال ابن القاسم: يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر، ويأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل، وقاله ابن وهب. وقال ابن حبيب: من غص بطعام وخاف على نفسه، فإن له أن يجوزه بالخمر، وقاله أبو الفرج. أما التداوي بها فمشهور المذهب أنه لا يحل. وإذا قلنا: إنه لا يجوز التداوي بها، ويجوز استعمالها لإساغة الغصة، فالفرق أن التداوي بها لا يتيقن به البرء من الجوع والعطش. اهـ. بنقل المواق في شرح قول خليل: "وخمر لغصة". وما نقلنا عن مالك من أن الخمر لا تزيد إلا عطشا نقل نحوه النووي عن الشافعي، قال: وقد نقل الروياني أن الشافعي ﵀ نص على المنع من شربها للعطش؛ معللا بأنها تجيع وتعطش. وقال القاضي أبو الطيب: سألت من يعرف ذلك فقال: الأمر كما قال الشافعي: إنها تروي في الحال، ثم تثير عطشا عظيما.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 139) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 139 · #96102
من شربها للعطش؛ معللا بأنها تجيع وتعطش. وقال القاضي أبو الطيب: سألت من يعرف ذلك فقال: الأمر كما قال الشافعي: إنها تروي في الحال، ثم تثير عطشا عظيما. وقال القاضي حسين في تعليقه: قالت الأطباء: الخمر تزيد في العطش وأهل الشرب يحرصون على الماء البارد، فحصل بما ذكرناه أنها لا تنفع في دفع العطش. وحصل بالحديث الصحيح السابق في هذه المسألة أنها لا تنفع في الدواء، فثبت تحريمها مطلقا والله تعالى أعلم. اهـ. من شرح المهذب. وبه تعلم أن ما اختاره الغزالي وإمام الحرمين من الشافعية، والأبهري من المالكية، من جوازها للعطش خلاف الصواب، وما ذكره إمام الحرمين والأبهري من أنها تنفع في العطش خلاف الصواب أيضا، والعلم عند الله تعالى. ومن مر ببستان لغيره فيه ثمار وزرع، أو بماشية فيها لبن، فإن كان مضطرا اضطرارا يبيح الميتة فله الأكل بقدر ما يرد جوعه إجماعا، ولا يجوز له حمل شيء منه، وإن كان غير مضطر، فقد اختلف العلماء في جواز أكله منه.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 139) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 139 · #96103
ن، فإن كان مضطرا اضطرارا يبيح الميتة فله الأكل بقدر ما يرد جوعه إجماعا، ولا يجوز له حمل شيء منه، وإن كان غير مضطر، فقد اختلف العلماء في جواز أكله منه. فقيل: له أن يأكل في بطنه من غير أن يحمل منه شيئا، وقيل: ليس له ذلك، وقيل: بالفرق بين المحوط عليه فيمنع، وبين غيره فيجوز، وحجة من قال بالمنع مطلقا، ما ثبت عن النبي - ﷺ - من عموم قوله: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا" وعموم قوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ونحو ذلك من الأدلة. وحجة من قال بالإباحة مطلقا، ما أخرجه أبو داود عن الحسن عن سمرة أن النبي - ﷺ - قال: "إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا، فإن أجاب فليستأذنه، فإن أذن له وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل".
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 140) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 140 · #96104
ية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا، فإن أجاب فليستأذنه، فإن أذن له وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل". اهـ. وما رواه الترمذي عن يحيى بن سليم، عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: "من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ خبنة" قال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم. وما رواه الترمذي أيضا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - سئل عن الثمر المعلق فقال: "من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه" قال فيه: حديث حسن. وما روي عن عمر ﵁ أنه قال: "إذا مر أحدكم بحائط فليأكل منه، ولا يتخذ ثبانا". قال أبو عبيد: قال أبو عمرو: هو الوعاء الذي يحمل فيه الشيء، فإن حملته بين يديك فهو ثبان، يقال: قد تثبنت ثبانا، فإن حملته على ظهرك فهو الحال. يقال منه: قد تحولت كسائي، إذا جعلت فيه شيئا ثم حملته على ظهرك، فإن جعلته في حضنك فهو خبنة. ومنه حديث عمرو بن شعيب المرفوع "ولا يتخذ خبنة" يقال فيه: خبنت أخبن خبنا.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 140) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 140 · #96105
حولت كسائي، إذا جعلت فيه شيئا ثم حملته على ظهرك، فإن جعلته في حضنك فهو خبنة. ومنه حديث عمرو بن شعيب المرفوع "ولا يتخذ خبنة" يقال فيه: خبنت أخبن خبنا. قاله القرطبي. وما روي عن أبي زينب التيمي، قال: سافرت مع أنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبي بردة، فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون بأفواههم، نقله صاحب المغني. وحمل أهل القول الأول هذه الأحاديث والآثار على حال الضرورة، ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح عن عباد بن شرحبيل اليشكري الغبري ﵁ قال: أصابتنا عاما مخمصة فأتيت المدينة فأتيت حائطا من حيطانها، فأخذت سنبلا ففركته وأكلته وجعلته في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته فقال: "ما أطعمته إذ كان جائعا أو ساغبا، ولا علمته إذ كان جاهلا، فأمره النبي - ﷺ - فرد إليه ثوبه، وأمر له بوسق من طعام، أو نصف وسق" فإن في هذا الحديث الدلالة على أن نفي القطع والأدب إنما هو من أجل المخمصة.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 141) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 141 · #96106
ان جاهلا، فأمره النبي - ﷺ - فرد إليه ثوبه، وأمر له بوسق من طعام، أو نصف وسق" فإن في هذا الحديث الدلالة على أن نفي القطع والأدب إنما هو من أجل المخمصة. وقال القرطبي في تفسيره عقب نقله لما قدمنا عن عمر ﵁: قال أبو عبيد: وإنما وجه هذا الحديث أنه رخص فيه للجائع المضطر، الذي لا شيء معه يشتري به ألا يحمل إلا ما كان في بطنه قدر قوته، ثم قال: قلت: لأن الأصل المتفق عليه تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه. فإن كانت هناك عادة بعمل ذلك كما كان في أول الإسلام، أو كما هو الآن في بعض البلدان فذلك جائز. ويحمل ذلك على أوقات المجاعة والضرورة، كما تقدم. والله أعلم. اهـ منه. وحجة من قال بالفرق بين المحوط وبين غيره، أن إحرازه بالحائط دليل على شح صاحبه به وعدم مسامحته فيه، وقول ابن عباس: إن كان عليها حائط فهو حريم فلا تأكل، وإن لم يكن عليها حائط فلا بأس، نقله صاحب المغني، وغيره.
QS 2:173 (jilid 1 hlm. 141) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 141 · #96107
ئط دليل على شح صاحبه به وعدم مسامحته فيه، وقول ابن عباس: إن كان عليها حائط فهو حريم فلا تأكل، وإن لم يكن عليها حائط فلا بأس، نقله صاحب المغني، وغيره. وما ذكره بعض أهل العلم من الفرق بين مال المسلم فيجوز عند الضرورة، وبين مال الكتابي (الذمي) فلا يجوز بحال غير ظاهر. ويجب حمل حديث العرباض بن سارية عند أبي داود الوارد في المنع من دخول بيوت أهل الكتاب، ومنع الأكل من ثمارهم إلا بإذن على عدم الضرورة الملجئة إلى أكل الميتة، والعلم عند الله تعالى. •
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 115) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 115 · #111023
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٧٣] إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣) اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ، ذَلِكَ أَنَّ الْإِذْنَ بِأَكْلِ الطَّيِّبَاتِ يُثِيرُ سُؤَالَ مَنْ يَسْأَلُ مَا هِيَ الطَّيِّبَاتُ فَجَاءَ هَذَا الِاسْتِئْنَافُ مُبَيِّنًا الْمُحَرَّمَاتِ وَهِيَ أَضْدَادُ الطَّيِّبَاتِ، لِتُعْرَفَ الطَّيِّبَاتُ بطرِيق المضادة المستفادة مِنْ صِيغَةِ الْحَصْرِ، وَإِنَّمَا سَلَكَ طَرِيقَ بَيَانِ ضِدَّ الطَّيِّبَاتِ لِلِاخْتِصَارِ فَإِنَّ الْمُحَرَّمَاتِ قَلِيلَةٌ، وَلِأَنَّ فِي هَذَا الْحَصْرِ تَعْرِيضًا بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ كَثِيرًا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَأَحَلُّوا الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ، وَلَمَّا كَانَ الْقَصْرُ هُنَا حَقِيقِيًّا لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَهُمْ لَا
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 115) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 115 · #111024
َ الطَّيِّبَاتِ وَأَحَلُّوا الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ، وَلَمَّا كَانَ الْقَصْرُ هُنَا حَقِيقِيًّا لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ خِلَافَ مَا يُشْرَعُ لَهُمْ، لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْقَصْرِ قَلْبُ اعْتِقَادِ أَحَدٍ وَإِنَّمَا حَصَلَ الرَّدُّ بِهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ. وإِنَّما بِمَعْنَى مَا وَإِلَّا أَيْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْمَيْتَةَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا، وَمَعْلُومٌ مِنَ الْمَقَامِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مَا حَرَّمَ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ. وَالْحَرَامُ: الْمَمْنُوعُ مَنْعًا شَدِيدًا.
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 115) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 115 · #111025
وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا، وَمَعْلُومٌ مِنَ الْمَقَامِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مَا حَرَّمَ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ. وَالْحَرَامُ: الْمَمْنُوعُ مَنْعًا شَدِيدًا. وَالْمَيْتَةُ بِالتَّخْفِيفِ هِيَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ الذَّاتُ الَّتِي أَصَابَهَا الْمَوْتُ فَمُخَفَّفُهَا وَمُشَدَّدُهَا سَوَاءٌ كَالْمَيِّتِ وَالْمَيْتِ، ثُمَّ خُصَّ الْمُخَفَّفُ مَعَ التَّأْنِيثِ بِالدَّابَّةِ الَّتِي تُقْصَدُ ذَكَاتُهَا إِذَا مَاتَتْ بِدُونِ ذَكَاةٍ، فَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنْ نَقْلِ الشَّرْعِ وَقِيلَ: هُوَ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ قِبَلَ الشَّرْعِ وَهُوَ الظَّاهِرُ بِدَلِيلِ إِطْلَاقِهَا فِي الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ (الْمَيْتَةَ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ.
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 115) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 115 · #111026
اقِهَا فِي الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ (الْمَيْتَةَ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ. وَإِضَافَةُ التَّحْرِيمِ إِلَى ذَاتِ الْمَيْتَةِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا هُوَ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الْمُلَقَّبَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بِإِضَافَةِ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ إِلَى الْأَعْيَانِ، وَمَحْمَلُهُ عَلَى تَحْرِيمِ مَا يُقْصَدُ مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ بِاعْتِبَارِ نَوْعِهَا نَحْوُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [الْمَائِدَة: ٣] أَوْ بِاعْتِبَارِ الْمَقَامِ نَحْوُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ [النِّسَاء: ٢٣] فَيُقَدَّرُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مُضَافٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، أَوْ يُقَالُ: أُقِيمَ اسْمُ الذَّاتِ مَقَامَ الْفِعْلِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا لِلْمُبَالَغَةِ، فَإِذَا تَعَيَّنَ مَا تَقْصِدُ لَهُ قُصِرَ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا عُمِّمَ احْتِيَاطًا، فَنَحْوُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 115) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 115 · #111027
تَعَيَّنَ مَا تَقْصِدُ لَهُ قُصِرَ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا عُمِّمَ احْتِيَاطًا، فَنَحْوُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ مُتَعَيَّنٌ لِحُرْمَةِ تَزَوُّجِهِنَّ وَمَا هُوَ مِنْ تَوَابِع ذَلِك كمات اقْتَضَاهُ السِّيَاقُ، فَلَا يَخْطُرُ بِالْبَالِ أَنْ يَحْرُمَ تَقْبِيلُهُنَّ أَوْ مُحَادَثَتُهُنَّ، وَنَحْو: فَاجْتَنِبُوهُ [الْمَائِدَة: ٩٠] بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَيْسِرِ وَالْأَزْلَامُ مُتَعَيَّنٌ لِاجْتِنَابِ اللَّعِبِ بِهَا دُونَ نَجَاسَةِ ذَوَاتِهَا. وَالْمَيْتَةُ هُنَا عَامٌّ لِأَنَّهُ مُعَرَّفٌ بِلَامِ الْجِنْسِ، فَتَحْرِيمُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ هُوَ نَصُّ الْآيَةِ
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 116) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 116 · #111028
بِهَا دُونَ نَجَاسَةِ ذَوَاتِهَا. وَالْمَيْتَةُ هُنَا عَامٌّ لِأَنَّهُ مُعَرَّفٌ بِلَامِ الْجِنْسِ، فَتَحْرِيمُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ هُوَ نَصُّ الْآيَةِ وَصَرِيحُهَا لِوُقُوعِ فِعْلِ حَرَّمَ بَعْدَ قَوْلِهِ: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ [الْبَقَرَة: ١٧٢] وَهَذَا الْقَدْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا الْأَكْلِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِأَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ كَالِانْتِفَاعِ بِصُوفِهَا وَمَا لَا يَتَّصِلُ بِلَحْمِهَا مِمَّا كَانَ يُنْتَزَعُ مِنْهَا فِي وَقْتِ حَيَاتِهَا فَقَالَ مَالِكٌ:
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 116) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 116 · #111029
َجْزَاءِ الْمَيْتَةِ كَالِانْتِفَاعِ بِصُوفِهَا وَمَا لَا يَتَّصِلُ بِلَحْمِهَا مِمَّا كَانَ يُنْتَزَعُ مِنْهَا فِي وَقْتِ حَيَاتِهَا فَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِذَلِكَ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِقَرْنِهَا وَأَظْلَافِهَا وَرِيشِهَا وَأَنْيَابِهَا لِأَنَّ فِيهَا حَيَاةً إِلَّا نَابَ الْفِيلِ الْمُسَمَّى الْعَاجَ، وَلَيْسَ دَلِيلُهُ عَلَى هَذَا التَّحْرِيمِ مُنْتَزَعًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَلَكِنَّهُ أُخِذَ بِدَلَالَةِ الْإِشَارَةِ لِأَنَّ تَحْرِيمَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَشَارَ إِلَى خَبَاثَةِ لَحْمِهَا وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ:
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 116) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 116 · #111030
هُ أُخِذَ بِدَلَالَةِ الْإِشَارَةِ لِأَنَّ تَحْرِيمَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَشَارَ إِلَى خَبَاثَةِ لَحْمِهَا وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِكُلِّ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ، وَلَا دَلِيلَ لَهُ مِنْ فِعْلِ حَرَّمَ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي حَيِّزِ الْإِثْبَاتِ لَا عُمُومَ لَهُ، وَلِأَنَّ لَفْظَ الْمَيْتَةَ كُلٌّ وَلَيْسَ كُلِّيًّا فَلَيْسَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، فَيَرْجِعُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ إِلَى مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ فِي الْأَخْذِ بِأَوَائِلِ الْأَسْمَاءِ أَوْ أَوَاخِرِهَا وَهِيَ مَسْأَلَةٌ تَرْجِعُ إِلَى إِعْمَالِ دَلِيلِ الِاحْتِيَاطِ وَفِيهِ مَرَاتِبُ وَعَلَيْهِ قَرَائِنُ وَلَا أَحْسُبَهَا مُتَوَافِرَةً هُنَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالْمَيْتَةِ بِوَجْهٍ وَلَا يُطْعَمُهَا الْكِلَابُ وَلَا الْجَوَارِحُ، لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَقَدْ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَحْرِيمًا مُطْلَقًا مُعَلَّقًا بِعَيْنِهَا
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 116) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 116 · #111031
َا الْكِلَابُ وَلَا الْجَوَارِحُ، لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَقَدْ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَحْرِيمًا مُطْلَقًا مُعَلَّقًا بِعَيْنِهَا مُؤَكَّدًا بِهِ حُكْمُ الْحَظْرِ، فَقَوْلُهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ فِيمَا عَدَا اسْتِدْلَالَهُ. وَأَمَّا جِلْدُ الْمَيْتَةِ فَلَهُ شِبْهٌ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرِهِ كَشِبْهِ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ، وَمِنْ جِهَةِ بَاطِنِهِ كَشِبْهِ اللَّحْمِ، وَلِتَعَارُضِ هَذَيْنِ الشِّبْهَيْنِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الِانْتِفَاعِ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ (١) إِذَا دُبِغَ فَقَالَ أَحْمَدُ ابْن حَنْبَلٍ: لَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْمَيْتَةِ بِالدَّبْغِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ مَا عَدَا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ لِأَنَّهُ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ، وَنُسِبَ هَذَا إِلَى الزُّهْرِيِّ، وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ جِلْدَ الْكَلْبِ بِجِلْدِ الْخِنْزِيرِ، وَقَالَ مَالِكٌ يَطْهُرُ ظَاهِرُ الْجِلْدِ بِالدَّبْغِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ صُلْبًا لَا
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 116) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 116 · #111032
وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ جِلْدَ الْكَلْبِ بِجِلْدِ الْخِنْزِيرِ، وَقَالَ مَالِكٌ يَطْهُرُ ظَاهِرُ الْجِلْدِ بِالدَّبْغِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ صُلْبًا لَا يُدَاخِلُهُ مَا يُجَاوِرُهُ، وَأَمَّا بَاطِنُهُ فَلَا يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ وَلِذَلِكَ قَالَ: يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ فِي غَيْرِ وَضْعِ الْمَاءِ فِيهِ، وَمَنَعَ أَنْ يُصَلَّى بِهِ أَوْ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَرْجَحُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ رَأَى شَاةً مَيْتَةً كَانَتْ لِمَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ «هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ» ، وَلِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مِنْ قَوْلِهِ: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» (٢) ، وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ لَمْ يَبْلُغَا مَبْلَغَ الصِّحَّةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَلَكِنَّ صِحَّتَهُمَا ثَبَتَتْ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي طَهَارَةَ الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 116) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 116 · #111033
يَبْلُغَا مَبْلَغَ الصِّحَّةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَلَكِنَّ صِحَّتَهُمَا ثَبَتَتْ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي طَهَارَةَ الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ لِأَنَّ الدَّبْغَ يُزِيلُ مَا فِي الْجِلْدِ مِنْ تَوَقُّعِ الْعُفُونَةِ الْعَارِضَةِ لِلْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمُذَكَّى فَهُوَ مُزِيلٌ لِمَعْنَى الْقَذَارَةِ وَالْخَبَاثَةِ الْعَارِضَتَيْنِ لِلْمَيْتَةِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ الْمَيْتَةِ مَيْتَةُ الْحُوتِ وَنَحْوِهِ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ الَّتِي لَا تَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ [الْمَائِدَة: ٩٦] فِي سُورَةِ الْعُقُودِ.
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 117) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 117 · #111034
ْبَرِّ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ [الْمَائِدَة: ٩٦] فِي سُورَةِ الْعُقُودِ. وَاعْلَمْ أَنَّ حِكْمَةَ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ فِيمَا أَرَى هِيَ أَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يَمُوتُ غَالِبًا إِلَّا وَقَدْ أُصِيبَ بِعِلَّةٍ وَالْعِلَلُ مُخْتَلِفَةٌ وَهِيَ تَتْرُكُ فِي لَحْمِ الْحَيَوَانِ أَجْزَاءً مِنْهَا فَإِذَا أَكَلَهَا الْإِنْسَانُ قَدْ يُخَالِطُ جُزْءًا مِنْ دَمِهِ جَرَاثِيمُ الْأَمْرَاضِ، مَعَ أَنَّ الدَّمَ الَّذِي فِي الْحَيَوَانِ إِذَا وَقَفَتْ دَوْرَتُهُ غُلِّبَتْ فِيهِ الْأَجْزَاءُ الضَّارَّةُ عَلَى الْأَجْزَاءِ النَّافِعَةِ، وَلِذَلِكَ شُرِعَتِ الذَّكَاةُ لِأَنَّ الْمُذَكَّى مَاتَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ غَالِبًا وَلِأَنَّ إِرَاقَةَ الدَّمِ الَّذِي فِيهِ تَجْعَلُ لَحْمَهُ نَقِيًّا مِمَّا يُخْشَى مِنْهُ أَضْرَارٌ.
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 117) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 117 · #111035
ّ الْمُذَكَّى مَاتَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ غَالِبًا وَلِأَنَّ إِرَاقَةَ الدَّمِ الَّذِي فِيهِ تَجْعَلُ لَحْمَهُ نَقِيًّا مِمَّا يُخْشَى مِنْهُ أَضْرَارٌ. وَمِنْ أَجْلِ هَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْجَنِينِ: أَنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ (١) لِأَنَّهُ لِاتِّصَالِهِ بِأَجْزَاءِ أَمِّهِ صَارَ اسْتِفْرَاغُ دَمِ أُمِّهِ اسْتِفْرَاغًا لِدَمِهِ وَلِذَلِكَ يَمُوتُ بِمَوْتِهَا فَسَلِمَ مِنْ عَاهَةِ الْمَيْتَةِ وَهُوَ مَدْلُولُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُؤْكَلُ الْجَنِينُ إِذَا خَرَجَ مَيْتًا فَاعْتَبَرَ أَنَّهُ مَيْتَةٌ لَمْ يُذَكَّ، وَتَنَاوَلَ الْحَدِيثُ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْأُصُولِ، وَلَكِنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي تَأْيِيدِ مَذْهَبِ مَالِكٍ لَا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا.
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 117) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 117 · #111036
اوَلَ الْحَدِيثُ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْأُصُولِ، وَلَكِنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي تَأْيِيدِ مَذْهَبِ مَالِكٍ لَا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا. وَقَدْ أَلْحَقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِالْحُوتِ الْجَرَادَ تُؤْكَلُ مَيْتَتُهُ لِأَنَّهُ تَتَعَذَّرُ ذَكَاتُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ وَابْن عبد الحكم مِنَ الْمَالِكِيَّةِ تَمَسُّكًا بِمَا فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ كُنَّا نَأْكُلُ الْجَرَادَ مَعَهُ» اه. وَسَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِنَأْكُلُ أَمْ كَانَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا حَالا من ضمير «كُنَّا» فَهُوَ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ إِمَّا بِأَكْلِهِ ﷺ إِيَّاهُ وَإِمَّا بِتَقْرِيرِهِ ذَلِكَ فَتُخَصُّ بِهِ الْآيَةُ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ»
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 117) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 117 · #111037
وَإِمَّا بِتَقْرِيرِهِ ذَلِكَ فَتُخَصُّ بِهِ الْآيَةُ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ» فَلَا يَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «الْأَحْكَامِ» (٢) ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ إِلَّا أَنْ يُذَكَّى ذَكَاةَ أَمْثَالِهِ كَالطَّرْحِ فِي المَاء السخن أَوْ قَطْعِ مَا لَا يَعِيشُ بِقطعِهِ. وَلَعَلَّ مَالك ﵀ اسْتَضْعَفَ الْحَدِيثَ الَّذِي فِي مُسْلِمٍ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الِاضْطِرَارِ فِي السَّفَرِ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَصْنَعُونَ بِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَ الذَّكَاةِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إِنَّ ضَمَّ الْجَرَادِ فِي غَرَائِرَ
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 117) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 117 · #111038
سَّفَرِ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَصْنَعُونَ بِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَ الذَّكَاةِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إِنَّ ضَمَّ الْجَرَادِ فِي غَرَائِرَ فَضَمُّهُ ذَلِكَ ذَكَاةٌ لَهُ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي «الْمُوَطَّأِ» حَدِيثَ عُمَرَ وَقَوْلَ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي الْجَرَادِ إِنَّهُ مِنَ الْحُوتِ وَبَيَّنْتُ تَوَهُّمَ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي كِتَابِي الْمُسَمَّى «كَشْفُ الْمُغَطَّى عَلَى الْمُوَطَّا» (١) . وَأَمَّا الدَّمُ فَإِنَّمَا نَصَّ اللَّهُ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَأْكُلُ الدَّمَ، كَانُوا يَأْخُذُونَ المباعر فيملأونها دَمًا ثُمَّ يَشْوُونَهَا بِالنَّارِ وَيَأْكُلُونَهَا، وَحِكْمَةُ تَحْرِيمِ الدَّمِ أَنَّ شُرْبَهُ يُورِثُ ضَرَاوَةً فِي الْإِنْسَانِ فَتَغْلُظُ طِبَاعُهُ وَيَصِيرُ كَالْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ، وَهَذَا مُنَافٍ لِمَقْصِدِ الشَّرِيعَةِ، لِأَنَّهَا جَاءَتْ لِإِتْمَامِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَإِبْعَادِ الْإِنْسَانِ عَنِ التَّهَوُّرِ وَالْهَمَجِيَّةِ،
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 118) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 118 · #111039
َا مُنَافٍ لِمَقْصِدِ الشَّرِيعَةِ، لِأَنَّهَا جَاءَتْ لِإِتْمَامِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَإِبْعَادِ الْإِنْسَانِ عَنِ التَّهَوُّرِ وَالْهَمَجِيَّةِ، وَلِذَلِكَ قُيِّدَ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ بِالْمَسْفُوحِ أَيِ الْمِهْرَاقِ، لِأَنَّهُ كَثِيرٌ لَوْ تَنَاوَلَهُ الْإِنْسَانُ اعْتَادَهُ وَلَوِ اعْتَادَهُ أَوْرَثَهُ ضَرَاوَةً، وَلِذَا عَفَّتِ الشَّرِيعَةُ عَمَّا يَبْقَى فِي الْعُرُوقِ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ بِالذَّبْحِ أَوِ النَّحْرِ، وَقَاسَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ نَجَاسَةَ الدَّمِ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَمَدَارِكُهُمْ فِي ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ، وَلَعَلَّهُمْ رَأَوْا مَعَ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ قَذَارَةً.
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 118) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 118 · #111040
دَّمِ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَمَدَارِكُهُمْ فِي ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ، وَلَعَلَّهُمْ رَأَوْا مَعَ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ قَذَارَةً. وَالدَّمُ مَعْرُوفٌ مَدْلُولُهُ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ إِفْرَازٌ مِنَ الْمُفْرَزَاتِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْغِذَاءِ وَبِهِ الْحَيَاةُ وَأَصْلُ خِلْقَتِهِ فِي الْجَسَدِ آتٍ مِنَ انْقِلَابِ دَمِ الْحَيْضِ فِي رَحِمِ الْحَامِلِ إِلَى جَسَدِ الْجَنِينِ بِوَاسِطَةِ الْمُصْرَانِ الْمُتَّصِلِ بَيْنَ الرَّحِمِ وَجَسَدِ الْجَنِينِ وَهُوَ الَّذِي يُقْطَعُ حِينَ الْوِلَادَةِ، وَتَجَدُّدُهُ فِي جَسَدِ الْحَيَوَانِ بَعْدَ بُرُوزِهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَكُونُ مِنَ الْأَغْذِيَةِ بِوَاسِطَةِ هَضْمِ الْكَبِدِ لِلْغِذَاءِ الْمُنْحَدَرِ إِلَيْهَا مِنَ الْمَعِدَةِ بَعْدَ هَضْمِهِ فِي الْمَعِدَةِ وَيَخْرُجُ مِنَ الْكَبِدِ مَعَ عِرْقٍ فِيهَا فَيَصْعَدُ إِلَى الْقَلْبِ الَّذِي يَدْفَعُهُ إِلَى الشَّرَايِينِ وَهِيَ الْعُرُوقُ الْغَلِيظَةُ وَإِلَى الْعُرُوقِ
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 118) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 118 · #111041
مِنَ الْكَبِدِ مَعَ عِرْقٍ فِيهَا فَيَصْعَدُ إِلَى الْقَلْبِ الَّذِي يَدْفَعُهُ إِلَى الشَّرَايِينِ وَهِيَ الْعُرُوقُ الْغَلِيظَةُ وَإِلَى الْعُرُوقِ الرَّقِيقَةِ بِقُوَّةِ حَرَكَةِ الْقَلْبِ بِالْفَتْحِ وَالْإِغْلَاقِ حَرَكَةً مَاكِينِيَّةً هَوَائِيَّةً، ثُمَّ يَدُورُ الدَّمُ فِي الْعُرُوق منتقلا مِنْ بَعْضِهَا إِلَى بعض بِوَاسِطَة حركات الْقَلْبِ وَتَنَفُّسِ الرِّئَةِ وَبِذَلِكَ الدَّوَرَانِ يَسْلَمُ مِنَ التَّعَفُّنِ فَلِذَلِكَ إِذَا تَعَطَّلَتْ دَوْرَتُهُ حِصَّةً طَوِيلَةً مَاتَ الْحَيَوَانُ. وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ هُوَ لَحْمُ الْحَيَوَانِ الْمَعْرُوفِ بِهَذَا الِاسْمِ.
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 118) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 118 · #111042
لِكَ إِذَا تَعَطَّلَتْ دَوْرَتُهُ حِصَّةً طَوِيلَةً مَاتَ الْحَيَوَانُ. وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ هُوَ لَحْمُ الْحَيَوَانِ الْمَعْرُوفِ بِهَذَا الِاسْمِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَأْكُلُونَ الْخِنْزِيرَ الْوَحْشِيَّ دُونَ الْإِنْسِيِّ، أَيْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَادُوا تَرْبِيَةَ الْخَنَازِيرِ وَإِذَا كَانَ التَّحْرِيمُ وَارِدًا عَلَى الْخِنْزِيرِ الْوَحْشِيِّ فَالْخِنْزِيرُ الْإِنْسِيُّ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ أَوْ مُسَاوٍ لِلْوَحْشِيِّ. وَذِكْرُ اللَّحْمِ هُنَا لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ لِلْأَكْلِ فَلَا دَلَالَةَ فِي ذِكْرِهِ عَلَى إِبَاحَةِ شَيْءٍ آخَرَ مِنْهُ وَلَا عَلَى عَدَمِهَا، فَإِنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ بِبَعْضِ الْجِسْمِ عَلَى جَمِيعِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَن زَكَرِيَّاء رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي [مَرْيَم: ٤] ، وَأَمَّا نَجَاسَتُهُ وَنَجَاسَةُ شَعْرِهِ أَوْ إِبَاحَتُهَا فَذَلِكَ غَرَضٌ آخر لَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ.
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 118) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 118 · #111043
الْعَظْمُ مِنِّي [مَرْيَم: ٤] ، وَأَمَّا نَجَاسَتُهُ وَنَجَاسَةُ شَعْرِهِ أَوْ إِبَاحَتُهَا فَذَلِكَ غَرَضٌ آخر لَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ. وَقَدْ قِيلَ فِي وَجْهِ ذِكْرِ اللَّحْمِ هُنَا وَتَرْكِهِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَجُوهٌ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إِنَّ الْمَقْصِدَ الدَّلَالَةُ عَلَى تَحْرِيمِ عَيْنِهِ ذُكِّيَ أَمْ لَمْ يُذَكَّ اه. وَمُرَادُهُ بِهَذَا أَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُ إِنَّمَا يُحَرَّمُ إِذَا كَانَ مَيْتَةً وَفِيهِ بُعْدٌ، وَقَالَ الْأَلُوسِيُّ خَصَّهُ لِإِظْهَارِ حُرْمَتِهِ، لِأَنَّهُمْ فَضَّلُوهُ عَلَى سَائِرِ اللُّحُومِ فَرُبَّمَا اسْتَعْظَمُوا وُقُوعَ تَحْرِيمِهِ اه.
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 119) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 119 · #111044
َقَالَ الْأَلُوسِيُّ خَصَّهُ لِإِظْهَارِ حُرْمَتِهِ، لِأَنَّهُمْ فَضَّلُوهُ عَلَى سَائِرِ اللُّحُومِ فَرُبَّمَا اسْتَعْظَمُوا وُقُوعَ تَحْرِيمِهِ اه. يُرِيدُ أَنَّ ذِكْرَهُ لِزِيَادَةِ التَّغْلِيظِ أَيْ ذَلِكَ اللَّحْمَ الَّذِي تَذْكُرُونَهُ بِشَرَاهَةٍ، وَلَا أَحْسَبُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الَّذِينَ اسْتَجَادُوا لَحْمَ الْخِنْزِيرِ هُمُ الرُّومُ دُونَ الْعَرَبِ، وَعِنْدِي أَنَّ إِقْحَامَ لَفْظِ اللَّحْمِ هُنَا إِمَّا مُجَرَّدُ تَفَنُّنٍ فِي الْفَصَاحَةِ وَإِمَّا لِلْإِيمَاءِ إِلَى طَهَارَةِ ذَاتِهِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ أَكْلُهُ لِئَلَّا يُفْضِي تَحْرِيمه بِالنَّاسِ إِلَى قَتْلِهِ أَوْ تَعْذِيبِهِ، فَيَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ بِطَهَارَةِ عَيْنِ الْخِنْزِيرِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ الْحَيِّ، وَإِمَّا لِلتَّرْخِيصِ فِي الِانْتِفَاعِ بِشَعْرِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَغْرِزُونَ بِهِ الْجِلْدَ.
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 119) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 119 · #111045
يْنِ الْخِنْزِيرِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ الْحَيِّ، وَإِمَّا لِلتَّرْخِيصِ فِي الِانْتِفَاعِ بِشَعْرِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَغْرِزُونَ بِهِ الْجِلْدَ. وَحِكْمَةُ تَحْرِيمِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْقَاذُورَاتِ بِإِفْرَاطٍ فَتَنْشَأُ فِي لَحْمِهِ دُودَةٌ (١) مِمَّا يَقْتَاتُهُ لَا تَهْضِمُهَا مَعِدَتُهُ فَإِذَا أُصِيبَ بِهَا آكِلُهُ قَتَلَتْهُ. وَمِنْ عَجِيبِ مَا يَتَعَرَّضُ لَهُ الْمُفَسِّرُونَ وَالْفُقَهَاءُ الْبَحْثُ فِي حُرْمَةِ خِنْزِيرِ الْمَاءِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ فَارِغَةٌ إِذْ أَسْمَاءُ أَنْوَاعِ الْحُوتِ رُوعِيَتْ فِيهَا الْمُشَابَهَةُ كَمَا سَمُّوا بَعْضَ الْحُوتِ فَرَسَ الْبَحْرِ وَبَعْضَهُ حَمَامَ الْبَحْرِ وَكَلْبَ الْبَحْرِ، فَكَيْفَ يَقُولُ أَحَدٌ بِتَأْثِيرِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَلْقَابِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَفِي «الْمُدَوَّنَةِ» تَوَقَّفَ مَالِكٌ أَنْ يُجِيبَ فِي خِنْزِيرِ الْمَاءِ وَقَالَ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ خِنْزِيرٌ.
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 119) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 119 · #111046
فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَفِي «الْمُدَوَّنَةِ» تَوَقَّفَ مَالِكٌ أَنْ يُجِيبَ فِي خِنْزِيرِ الْمَاءِ وَقَالَ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ خِنْزِيرٌ. قَالَ ابْنُ شَأْسٍ: رَأَى غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ تَوَقُّفَ مَالِكٍ حَقِيقَةٌ لِعُمُومِ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ [الْمَائِدَة: ٩٦] وَعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ متوقّف فِيهِ حَقِيقَة، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ مِنَ الْجَوَابِ إِنْكَارًا عَلَيْهِمْ تَسْمِيَتَهُمْ إِيَّاهُ خِنْزِيرًا وَلِذَلِكَ قَالَ أَنْتُمْ تُسَمُّونَهُ خِنْزِيرًا يَعْنِي أَنَّ الْعَرَبَ لَمْ يَكُونُوا يُسَمُّونَهُ خِنْزِيرًا وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي تَسْمِيَتُهُ خِنْزِيرًا ثُمَّ السُّؤَالُ عَنْ أَكْلِهِ حَتَّى يَقُولَ قَائِلُونَ أَكَلُوا لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، أَيْ فَيَرْجِعُ كَلَامُ مَالِكٍ إِلَى صَوْنِ أَلْفَاظِ الشَّرِيعَةِ أَلَّا يُتَلَاعَبَ بِهَا، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مَنَعَ أَكْلَ خِنْزِيرِ الْبَحْرِ
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 119) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 119 · #111047
َرْجِعُ كَلَامُ مَالِكٍ إِلَى صَوْنِ أَلْفَاظِ الشَّرِيعَةِ أَلَّا يُتَلَاعَبَ بِهَا، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مَنَعَ أَكْلَ خِنْزِيرِ الْبَحْرِ غَيْرَ مُتَرَدِّدٍ أَخْذًا بِأَنَّهُ سُمِّيَ خِنْزِيرًا، وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْهُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِصَاحِبِ الرَّأْيِ، وَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَلَّا يَكُونَ لِذَلِكَ الْحُوتِ اسْمٌ آخَرُ فِي لُغَةِ بَعْضِ الْعَرَبِ فَيَكُونُ أَكْلُهُ مُحَرَّمًا عَلَى فَرِيقٍ وَمُبَاحًا لِفَرِيقٍ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أَيْ مَا أُعْلِنَ بِهِ أَوْ نُودِيَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ أَهَلَّ إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْكَلَامِ وَمِثْلُهُ اسْتَهَلَّ وَيَقُولُونَ: اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ صَارِخًا إِذَا رَفَعَ
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 119) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 119 · #111048
الَى، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ أَهَلَّ إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْكَلَامِ وَمِثْلُهُ اسْتَهَلَّ وَيَقُولُونَ: اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ صَارِخًا إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ، وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ: هَلَّا لَقَصْدِ التَّنْبِيهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِرَفْعِ الصَّوْتِ وَهَلَا أَيْضًا اسْمُ صَوْتٍ لِزَجْرِ الْخَيْلِ، وَقِيلَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْهِلَالِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ نَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَهُوَ عِنْدِي مِنْ تَلْفِيقَاتِ اللُّغَوِيِّينَ وَأَهْلِ الِاشْتِقَاقِ، وَلَعَلَّ اسْمَ الْهِلَالِ إِنْ كَانَ مُشْتَقًّا وَكَانُوا يُصِيحُونَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ وَهُوَ الَّذِي اشْتَقَّ مِنْ هَلَّ وَأَهَّلَ بِمَعْنَى رَفَعَ صَوْتَهُ، لِأَنَّ تَصَارِيفَ أَهَلَّ أَكْثَرُ، وَلِأَنَّهُمْ سَمَّوُا الْهِلَالَ شَهْرًا مِنَ الشُّهْرَةِ كَمَا سَيَأْتِي.
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 120) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 120 · #111049
وَأَهَّلَ بِمَعْنَى رَفَعَ صَوْتَهُ، لِأَنَّ تَصَارِيفَ أَهَلَّ أَكْثَرُ، وَلِأَنَّهُمْ سَمَّوُا الْهِلَالَ شَهْرًا مِنَ الشُّهْرَةِ كَمَا سَيَأْتِي. وَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا ذَبَحَتْ أَوْ نَحَرَتْ لِلصَّنَمِ صَاحُوا بِاسْمِ الصَّنَمِ عِنْدَ الذَّبْحِ فَقَالُوا بِاسْمِ اللَّاتِ أَوْ بِاسْمِ الْعُزَّى أَوْ نَحْوِهِمَا، وَكَذَلِكَ كَانَ عِنْدَ الْأُمَمِ الَّتِي تَعْبُدُ آلِهَةً إِذَا قُرِّبَتْ لَهَا الْقَرَابِينُ، وَكَانَ نِدَاءُ الْمَعْبُودِ وَدُعَاؤُهُ عِنْدَ الذّبْح إِلَيْهِ عَادَة عِنْدَ الْيُونَانِ كَمَا جَاءَ فِي «الْإِلْيَاذَةِ» لِهُومِيرُوسَ.
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 120) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 120 · #111050
قَرَابِينُ، وَكَانَ نِدَاءُ الْمَعْبُودِ وَدُعَاؤُهُ عِنْدَ الذّبْح إِلَيْهِ عَادَة عِنْدَ الْيُونَانِ كَمَا جَاءَ فِي «الْإِلْيَاذَةِ» لِهُومِيرُوسَ. فَأُهِلَّ فِي الْآيَةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ أَيْ مَا أَهَلَّ عَلَيْهِ الْمُهِلُّ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ، وَضُمِّنَ (أُهِلَّ) مَعْنَى تُقُرِّبَ فَعُدِّيَ لِمُتَعَلِّقِهِ بِالْبَاءِ وَبِاللَّامِ مِثْلُ تُقُرِّبَ، فَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِالْبَاءِ عَائِدٌ إِلَى مَا أُهِلَّ، وَفَائِدَةُ هَذَا التَّضْمِينِ تَحْرِيمُ مَا تُقُرِّبَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ نُودِيَ عَلَيْهِ بِاسْمِ الْمُتَقَرَّبِ إِلَيْهِ أَمْ لَا، وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ اللَّهِ الْأَصْنَامُ وَنَحْوُهَا.
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 120) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 120 · #111051
ِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ نُودِيَ عَلَيْهِ بِاسْمِ الْمُتَقَرَّبِ إِلَيْهِ أَمْ لَا، وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ اللَّهِ الْأَصْنَامُ وَنَحْوُهَا. وَأَمَّا مَا يَذْبَحُهُ سُودَانُ بَلَدِنَا بِنِيَّةِ أَنَّ الْجِنَّ تَشْرَبُ دَمَهُ وَلَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ زَعْمًا بِأَنَّ الْجِنَّ تَفِرُّ مِنْ نُورَانِيَّةِ اسْمِ اللَّهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَهُ مُسْلِمِينَ وَلَا يُخْرِجُهُمْ ذَلِكَ عَنِ الْإِسْلَامِ.
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 120) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 120 · #111052
اسْمِ اللَّهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَهُ مُسْلِمِينَ وَلَا يُخْرِجُهُمْ ذَلِكَ عَنِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي «تَفْسِيرِهِ» : الْأَظْهَرُ جَوَازُ أَكْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: «فَمَنِ اضْطُرَّ» إِلَخْ الْفَاءُ فِيهِ لِتَفْرِيعِ الْإِخْبَارِ لَا لِتَفْرِيعِ الْمَعْنَى، فَإِنَّ مَعْنَى رَفْعِ الْحَرَجِ عَنِ الْمُضْطَرِّ لَا يَنْشَأُ عَنِ التَّحْرِيمِ، وَالْمُضْطَرُّ هُوَ الَّذِي أَلْجَأَتْهُ الضَّرُورَةُ أَيِ الْحَاجَةُ أَيِ اضْطُرَّ إِلَى أَكْلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ حَالٌ، وَالْبَغْيُ الظُّلْمُ، وَالْعُدْوَانُ الْمُحَارَبَةُ وَالْقِتَالُ، وَمَجِيءُ هَذِهِ الْحَالِ هُنَا لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الْمُضْطَرِّ فِي حَالِ إِبَاحَةِ هَاتِهِ الْمُحَرَّمَاتِ لَهُ بِأَنَّهُ بِأَكْلِهَا يَكُونُ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ، لِأَنَّ
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 120) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 120 · #111053
ا لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الْمُضْطَرِّ فِي حَالِ إِبَاحَةِ هَاتِهِ الْمُحَرَّمَاتِ لَهُ بِأَنَّهُ بِأَكْلِهَا يَكُونُ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ، لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُلْجِئُ إِلَى الْبَغْيِ وَالِاعْتِدَاءِ فَالْآيَةُ إِيمَاءٌ إِلَى عِلَّةِ الرُّخْصَةِ وَهِيَ رَفْعُ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ بَيْنَ الْأُمَّةِ، وَهِيَ أَيْضًا إِيمَاءٌ إِلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ وَهِيَ الْحَاجَةُ الَّتِي يَشْعُرُ عِنْدَهَا مَنْ لَمْ يَكُنْ دَأَبُهُ الْبَغْيَ وَالْعُدْوَانَ بِأَنَّهُ سَيَبْغِي وَيَعْتَدِي
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 120) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 120 · #111054
لَى حَدِّ الضَّرُورَةِ وَهِيَ الْحَاجَةُ الَّتِي يَشْعُرُ عِنْدَهَا مَنْ لَمْ يَكُنْ دَأَبُهُ الْبَغْيَ وَالْعُدْوَانَ بِأَنَّهُ سَيَبْغِي وَيَعْتَدِي وَهَذَا تَحْدِيدٌ مُنْضَبِطٌ، فَإِنَّ النَّاسَ مُتَفَاوِتُونَ فِي تَحَمُّلِ الْجُوعِ وَلِتَفَاوُتِ الْأَمْزِجَةِ فِي مُقَاوَمَتِهِ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يُحَدِّدُ الضَّرُورَةَ بِخَشْيَةِ الْهَلَاكِ وَمُرَادُهُمُ الْإِفْضَاءُ إِلَى الْمَوْتِ وَالْمَرَضِ وَإِلَّا فَإِنَّ حَالَةَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْمَوْتِ لَا يَنْفَعُ عِنْدَهَا الْأَكْلُ، فَعُلِمَ أَنَّ نَفْيَ الْإِثْمِ عَنِ الْمُضْطَرِّ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ مَنُوطٌ بِحَالَةِ الِاضْطِرَارِ، فَإِذَا تَنَاوَلَ مَا أَزَالَ بِهِ الضَّرُورَةَ فَقَدْ عَادَ التَّحْرِيمُ كَمَا كَانَ، فَالْجَائِعُ يَأْكُلُ مَنْ هَاتِهِ الْمُحَرَّمَاتِ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا أَكْلًا يُغْنِيهِ عَنِ الْجُوعِ وَإِذَا خَافَ أَنْ تَسْتَمِرَّ بِهِ الْحَاجَةُ كَمَنْ تَوَسَّطَ فَلَاةً
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 121) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 121 · #111055
ِهِ الْمُحَرَّمَاتِ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا أَكْلًا يُغْنِيهِ عَنِ الْجُوعِ وَإِذَا خَافَ أَنْ تَسْتَمِرَّ بِهِ الْحَاجَةُ كَمَنْ تَوَسَّطَ فَلَاةً فِي سَفَرٍ أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْ بَعْضِ هَاتِهِ الْأَشْيَاءِ حَتَّى إِنِ اسْتَغْنَى عَنْهَا طَرَحَهَا، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يَتَّفِقُ لَهُ وِجْدَانُهَا مَرَّةً أُخْرَى. وَمِنْ عَجَبِ الْخِلَافِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَا يَشْبَعُ وَلَا يَتَزَوَّدُ خِلَافًا لِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خِلَافٌ لَفْظِيٌّ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ فَكَيْفَ يَأْمُرُ الْجَائِعَ بِالْبَقَاءِ عَلَى بَعْضِ جُوعِهِ وَيَأْمُرُ السَّائِرَ بِالْإِلْقَاءِ بِنَفْسِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ إِنْ لَمْ يَتَزَوَّدْ، وَقَدْ فُسِّرَ قَوْلُهُ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ بِتَفَاسِيرَ أُخْرَى فَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ غَيْرُ الْبَاغِي
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 121) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 121 · #111056
التَّهْلُكَةِ إِنْ لَمْ يَتَزَوَّدْ، وَقَدْ فُسِّرَ قَوْلُهُ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ بِتَفَاسِيرَ أُخْرَى فَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ غَيْرُ الْبَاغِي وَالْعَادِي عَلَى الْإِمَامِ لَا عَاصٍ بِسَفَرِهِ فَلَا رُخْصَةَ لَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ ذَلِكَ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ فَأَجَابَ الْمَالِكِيَّةَ: بِأَنَّ عِصْيَانَهُ بِالسَّفَرِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ أَكْبَرَ وَهِيَ إِتْلَافُ نَفْسِهِ بِتَرْكِ أَكْلِ مَا ذُكِرَ وَهُوَ إِلْجَاءٌ مَكِينٌ.
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 121) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 121 · #111057
صْيَانَهُ بِالسَّفَرِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ أَكْبَرَ وَهِيَ إِتْلَافُ نَفْسِهِ بِتَرْكِ أَكْلِ مَا ذُكِرَ وَهُوَ إِلْجَاءٌ مَكِينٌ. وَمِمَّا اخْتَلَفُوا فِي قِيَاسِهِ عَلَى ضَرُورَةِ الْجُوعِ ضَرُورَةُ التَّدَاوِي، فَقِيلَ لَا يُتَدَاوَى بِهَاتِهِ الْمُحَرَّمَاتِ وَلَا بِشَيْءِ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ كَالْخَمْرِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ، وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَسْتَشْكِلُونَهُ لِاتِّحَادِ الْعِلَّةِ وَهِيَ حِفْظُ الْحَيَاةِ، وَعِنْدِي أَنَّ وَجْهَهُ أَنَّ تَحَقُّقَ الْعِلَّةِ فِيهِ مُنْتَفٍ إِذْ لَمْ يَبْلُغِ الْعِلْمُ بِخَصَائِصِ الْأَدْوِيَةِ ظَنَّ نَفْعِهَا كُلِّهَا إِلَّا مَا جُرِّبَ مِنْهَا، وَكَمْ مِنْ أَغْلَاطٍ كَانَتْ لِلْمُتَطَبِّبِينَ فِي خَصَائِصِ الدَّوَاءِ، وَنَقَلَ الْفَخْرُ عَنْ بَعْضِهِمْ إِبَاحَةَ تَنَاوُلِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْأَدْوِيَةِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ قُوَّةُ ظَنِّ الْأَطِبَّاءِ الثِّقَاتِ بِنَفْعِ الدَّوَاءِ
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 121) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 121 · #111058
ِهِمْ إِبَاحَةَ تَنَاوُلِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْأَدْوِيَةِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ قُوَّةُ ظَنِّ الْأَطِبَّاءِ الثِّقَاتِ بِنَفْعِ الدَّوَاءِ الْمُحَرَّمِ مِنْ مَرَضٍ عَظِيمٍ وَتَعَيُّنِهِ أَوْ غَلَبَ ذَلِكَ فِي التَّجْرِبَةِ فَالْجَوَازُ قِيَاسًا عَلَى أَكْلِ الْمُضْطَرِّ وَإِلَّا فَلَا (١) . وَقَرَأَ بو جَعْفَرٍ: فَمَنِ اضْطُرَّ بِكَسْرِ الطَّاءِ، لِأَنَّ أَصْلَهُ اضْطُرِرَ بِرَاءَيْنِ أُولَاهُمَا مَكْسُورَةٌ فَلَمَّا أُرِيدَ إِدْغَامُ الرَّاءِ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ نُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الطَّاءِ بَعْدَ طَرْحِ حَرَكَةِ الطَّاءِ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تَذْيِيلٌ قُصِدَ بِهِ الِامْتِنَانُ، أَيْ إِنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ فَلَا جَرَمَ أَنْ يَغْفِرَ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِأَنَّهُ رَحِيمٌ بِالنَّاسِ، فَالْمَغْفِرَةُ هُنَا بِمَعْنَى التَّجَاوُزِ
QS 2:173 (jilid 2 hlm. 121) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 121 · #111059
ِ الْوَصْفَيْنِ فَلَا جَرَمَ أَنْ يَغْفِرَ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِأَنَّهُ رَحِيمٌ بِالنَّاسِ، فَالْمَغْفِرَةُ هُنَا بِمَعْنَى التَّجَاوُزِ عَمَّا تُمْكِنُ الْمُؤَاخَذَةُ عَلَيْهِ لَا بِمَعْنَى تَجَاوُزِ الذَّنْبِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي رُؤْيَا الْقَلِيبِ «وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ» . وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ رَفْعَ الْإِثْمِ عَنِ الْمُضْطَرِّ حُكْمٌ يُنَاسِبُ مَنِ اتَّصَفَ بالمغفرة وَالرَّحْمَة. [١٧٤]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 2:115QS 2:235QS 3:155QS 16:115QS 23:51

Dirujuk oleh

Ayat ini dikutip di dalam tafsir ayat-ayat berikut.

QS 16:115QS 16:114