Dan (ingatlah) pada hari (ketika) Kami bangkitkan seorang saksi (rasul) dari setiap umat, kemudian tidak diizinkan kepada orang yang kafir (untuk membela diri) dan tidak (pula) dibolehkan memohon ampunan
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يَعْرِفون نعمةَ اللهِ ثم يُنْكِرونها اليومَ، ويَسْتنكِرون ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، وهو الشاهدُ عليها بما أجابَت داعيَ اللهِ، وهو رسولُهم الذي أُرْسِل إليهم، ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: ثم لا يُؤْذَنُ للذين كفَروا في الاعتذارِ، فيَعْتَذِروا مما كانوا باللهِ وبرسولِه يَكفُرون، ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ فيُترَكوا [والرجوعَ] إلى الدنيا، فيُنِيبوا ويَتُوبوا، وذلك كما قال تعالى ذكرُه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦].
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
ذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦].
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، وشاهدُها نبيُّها، على أنه قد بلَّغ رسالاتِ ربِّه، قال اللهُ تعالى:
﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩]
فَرُوا) أي: في الاعتذار؛ لأنهم يعلمون بطلانه وكذبه، كما قال: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦]. ولهذا قال: (وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ * وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي: أشركوا (الْعَذَابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ) أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة، (وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) أي: [و] لا يؤخر عنهم، بل يأخذهم سريعا من الموقف بلا حساب، فإنه إذا جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف
ملك، فيشرف عُنُق منها على الخلائق، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد، الذي جعل مع الله إلهًا آخر، وبكذا وكذا وتذكر أصنافا من الناس، كما جاء في الحديث.
زفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد، الذي جعل مع الله إلهًا آخر، وبكذا وكذا وتذكر أصنافا من الناس، كما جاء في الحديث. ثم تنطوي عليهم وتتلقطهم من الموقف كما يتلقط الطائر الحب قال الله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣].
أي: استسلموا لله جميعهم، فلا أحد إلا سامع مطيع، كما قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨] أي: ما أسمعهم وما أبصرهم يومئذ! وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]، وقال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] أي: خضعت وذلت واستكانت وأنابت واستسلمت.
(وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: ذهب واضمحل ما كانوا يعبدونه افتراء على الله فلا ناصر لهم ولا معين ولا مجيز.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لم يبين تعالى في هذه الآية الكريمة متعلق الإذن في قوله: ﴿لَا يُؤْذَنُ﴾ ولكنه بين في (المرسلات) أن متعلق الإذن الاعتذار، أي: لا يؤذن لهم في الاعتذار؛ لأنهم ليسِ لهم عذر يصح قبوله، وذلك في قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾.
فإن قيل: ما وجعه الجمع بين نفي اعتذارهم المذكور هنا، وبين ما جاء في القرآن من اعتذارهم، كقوله تعالى عنهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ وقوله: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ وقوله: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ ونحو ذلك من الآيات.
فالجواب: من أوجه.
منها: أنهم يعتذرون حتى إذا قيل لهم: ﴿ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ انقطع نطقهم ولم يبق إلا الزفير والشهيق، كما قال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾.
ومنها: أن نفي اعتذارهم يراد به اعتذار فيه فائدة.
والشهيق، كما قال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾.
ومنها: أن نفي اعتذارهم يراد به اعتذار فيه فائدة. أما الاعتذار الذي لا فائدة فيه فهو كالعدم، يصدق عليه في لغة العرب: أنه ليس بشيء، ولذا صرح تعالى بأن المنافقين بكم في قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ مع قوله عنهم: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ أي: لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم، وقال عنهم أيضًا: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ فهذا الذي ذكره جل وعلا من فصاحتهم وحدة ألسنتهم، مع تصريحه بأنهم بكم - يدل على أن الكلام الذي لا فائدة فيه كلا شيء، كما هو واضح.
وقال هبيرة بن أبي وهب المخزومي:
وإن كلام المرء في غير كنهه ...
سنتهم، مع تصريحه بأنهم بكم - يدل على أن الكلام الذي لا فائدة فيه كلا شيء، كما هو واضح.
وقال هبيرة بن أبي وهب المخزومي:
وإن كلام المرء في غير كنهه ... لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها
وقد بينا هذا في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] في مواضع منه.
والترتيب بـ ﴿ثُمَّ﴾ في قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ لَا
يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ على قوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ لأجل الدلالة على أن ابتلاءهم بالمنع من الاعتذار المشعر بالإقناط الكلي أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء عليهم بكفرهم.
•
قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)﴾ اعلم أولًا: أن استعتب تستعمل في اللغة بمعنى طلب العتبى، أي: الرجوع إلى ما يرضي العائب ويسره. وتستعمل أيضًا في اللغة بمعنى أعتب: إذا أعطى العتبى، أي: رجع إلى ما يحب العائب ويرضى، فإذا علمت ذلك: فاعلم أن قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ وجهين من التفسير متقاربي المعنى.
قال بعض أهل العلم: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا تطلب منهم العتبى، بمعنى لا يكلفون أن يرضوا ربهم؛ لأن الآخرة ليست بدار تكليف، فلا يردون إلى الدنيا ليتوبوا.
وقال بعض العلماء: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: يعتبون، بمعنى يزال عنهم العتب، ويعطون العتبى وهي الرضا؛ لأن الله لا يرضى عن القوم الكافرين.
توبوا.
وقال بعض العلماء: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: يعتبون، بمعنى يزال عنهم العتب، ويعطون العتبى وهي الرضا؛ لأن الله لا يرضى عن القوم الكافرين. وهذا المعنى كقوله تعالى في قراءة الجمهور: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ أي: وإن يطلبوا العتبى -وهي الرضا عنهم لشدة جزعهم- فما هم من المعتبين، بصيغة اسم المفعول، أي: المعطين العتبى، وهي الرضا عنهم؛ لأن العرب تقول: أعتبه إذا رجع إلى ما يرضيه ويسره، ومنه قول أبو ذؤيب الهذلي:
أمِنَ المنون وريبه تتوجع ... والدهر ليس بمُعْتِب من يجزع
أي: لا يرجع الدهر إلى مسرة من جزع ورضا. وقول النابغة:
فإن كنت مظلومًا فعبد ظلمته ... وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب
وأما قول بشر بن أبي خازم:
غضبت تميم أن تقتل عامر ... يوم التسار فأعتبوا بالصيلم
يعني أعتبناهم بالسيف، أي أرضيناهم بالقتل، فهو من قبيل التهكُم، كقول عمرو بن معدي كرب:
وخيل قد دلفت لها بخيل ...
ل عامر ... يوم التسار فأعتبوا بالصيلم
يعني أعتبناهم بالسيف، أي أرضيناهم بالقتل، فهو من قبيل التهكُم، كقول عمرو بن معدي كرب:
وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع
لأن القتل ليس بإرضاء، والضرب الوجيع ليس بتحية.
وأما على قراءة من قرأ: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ بالبناء للمفعول: ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ بصيغة اسم الفاعل، فالمعنى: أنهم لو طلبت منهم العتبى وردوا إلى الدنيا ليعملوا بطاعة الله وطاعة رسله، فما هم من المعتبين، أي: الراجعين إلى ما يرضي ربهم، بل يرجعون إلى كفرهم الذي كانوا عليه أولًا. وهذه القراءة كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾.
•