Dan bersabarlah engkau (Muhammad) bersama orang yang menyeru Tuhannya pada pagi dan senja hari dengan mengharap keridaan-Nya; dan janganlah kedua matamu berpaling dari mereka (karena) mengharapkan perhiasan kehidupan dunia; dan janganlah engkau mengikuti orang yang hatinya telah Kami lalaikan dari mengingat Kami, serta menuruti keinginannya dan keadaannya sudah melewati batas
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَاصْبِرْ﴾ يا محمد ﴿نَفْسَكَ مَعَ﴾ أصحابك ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ بذكرهم إياه بالتسبيح والتحميد والتهليل والدعاء والأعمال الصالحة؛ من الصلوات المفروضة وغيرها، ﴿يُرِيدُونَ﴾ بفعلهم ذلك ﴿وَجْهَهُ﴾ لا يُريدون به عرضًا من عرض الدنيا.
وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في قوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. في سورة "الأنعام"، والصواب من القول في ذلك عندنا، [فأغنى ذلك] عن إعادته في هذا الموضع.
والقرأةُ على قراءة ذلك: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾.
عَشِيِّ﴾. في سورة "الأنعام"، والصواب من القول في ذلك عندنا، [فأغنى ذلك] عن إعادته في هذا الموضع.
والقرأةُ على قراءة ذلك: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. وقد ذُكر عن عبدِ اللَّهِ بن
عامرٍ وأبى عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ أنَّهما كانا يقرأانِه: (بالغُدْوةِ والعشيِّ). وذلك قراءة عند أهل العلم بالعربية مكروهةٌ؛ لأن "غُدْوةً" مَعْرِفةٌ، ولا ألفَ ولا لامَ فىها، وإنما يُعرفُ بالألف واللام ما لم يكن معرفةً، فأما المعارفُ فلا تُعرَّفُ بهما.
وبعدُ، فإِنَّ "غُدْوَةً" لا تُضافُ إلى شيءٍ، وامتناعُها من الإضافة دليلٌ واضحٌ على امتناع الألف واللام من الدُّخول عليها؛ لأنَّ ما دخلته الألفُ واللامُ من الأسماءِ صلحت فيه الإضافةُ، وإنما تقولُ العرب: أتيتُك غَداةَ الجمُعةِ. ولا تقولُ: أتيتُك غُدوة الجمعة.
والقراءة عندنا في ذلك ما عليه القرأةُ في الأمصار، لا نَسْتجِيزُ غيرَها؛ لإجماعها على ذلك، وللعلة التي بيَّنا من جهة العربية.
وقوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾.
ذلك ما عليه القرأةُ في الأمصار، لا نَسْتجِيزُ غيرَها؛ لإجماعها على ذلك، وللعلة التي بيَّنا من جهة العربية.
وقوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾. يقولُ جلُّ ثناؤه لنبيِّه ﷺ: ولا تَصْرِفْ عيناك عن هؤلاء الذين أمَرْتُك يا محمد أن تَصْبِرَ نفسك معهم إلى غيرهم من الكفارِ، ولا تُجاوِزْهم إليهم.
وأصلُه من قولهم: عَدَوْتُ ذلك، فأنا أعْدُوه. إذا جاوزته.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾. قال: لا تُجاوِزهم إلى غيرهم.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنى عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ يقولُ: لا تتعَدَّهم إلى غيرهم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ الآية.
تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ يقولُ: لا تتعَدَّهم إلى غيرهم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ الآية. قال: قال القوم للنبى ﷺ: إِنا نَسْتَحْيِى أَن نُجالس فلانًا وفلانًا وفلانًا فجانبهم يا محمد، وجالس أشراف العرب. فنزل القرآنُ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾: ولا تحقرهم، قال: "قد أمرونى بذلك". قال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.
حدَّثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني أُسامةُ بن زيدٍ، عن أبى حازمٍ، عن عبد الرحمن بن سهل بن حُنيفٍ أنَّ هذه الآيةَ لما نزلت على رسولِ اللَّهِ ﷺ وهو في بعض أبياته: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.
ما نزلت على رسولِ اللَّهِ ﷺ وهو في بعض أبياته: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. فخرج يَلْتَمِسُ، فوجد قومًا يذكرون الله، منهم ثائرُ الرأس، وجافى الجلد، وذو الثوب الواحد، فلمّا رآهم جلس معهم، فقال: "الحمدُ
للَّهِ الذي جَعَل لى في أُمَّتِى مَن أَمَرنى أن أَصْبِرَ نفْسى معه".
ورُفعت "العينان" بالفعل، وهو: ﴿وَلَا تَعْدُ﴾.
وقولُه: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: لا تَعْدُ عيناك عن هؤلاء المؤمنين الذين يدعون ربَّهم، إلى أشراف المُشركين، تبتغى بمجالستهم الشرَفَ والفخر. وذلك أنَّ رسول الله ﷺ أتاه، فيما ذُكر، قومٌ من عُظَماء أهل الشركِ - وقال بعضُهم: بل مِن عُظَماء قبائل العرب ممن لا بصيرة لهم بالإسلام - فرأوه جالسًا مع خَبّابٍ وصُهَيْبٍ وبلالٍ، فسألوه أن يُقِيمَهم عنه إذا حضروا.
كِ - وقال بعضُهم: بل مِن عُظَماء قبائل العرب ممن لا بصيرة لهم بالإسلام - فرأوه جالسًا مع خَبّابٍ وصُهَيْبٍ وبلالٍ، فسألوه أن يُقِيمَهم عنه إذا حضروا. قالوا: فهم رسول الله ﷺ بذلك، فأنزل الله عليه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. ثم كان يقومُ إذا أراد القيامَ ويتركُهم قُعودًا، فأنزل الله عليه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية، ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يُريد بـ ﴿زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: مجالسته أولئك العُظماء والأشراف.
وقد ذكَرْتُ الرواية بذلك فيما مضى قبلُ في سورةِ "الأنعام".
َاةِ الدُّنْيَا﴾ يُريد بـ ﴿زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: مجالسته أولئك العُظماء والأشراف.
وقد ذكَرْتُ الرواية بذلك فيما مضى قبلُ في سورةِ "الأنعام".
حدَّثني الحسين بن عمرٍو العَنْقَزِيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ بن نصرٍ، عن السدِّيِّ، عن أبي سعيدٍ الأزْدِيِّ - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود، عن خَبَّابٍ، في قصةٍ ذكرها عن النبيِّ ﷺ، ذكر فيها هذا الكلامَ مُدْرجًا في الخبر: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: تجالسُ الأشراف.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أُخْبِرْتُ أنَّ عُيينةَ بن حِصْنٍ قال للنبيِّ ﷺ قبل أن يُسلم: لقد آذانى ريحُ سلمان الفارسيِّ، فاجْعَلْ لنا مجلسًا منك لا يُجامِعوننا فيه، واجْعَلْ لهم مجلسًا لا نُجامِعُهم فيه.
حِصْنٍ قال للنبيِّ ﷺ قبل أن يُسلم: لقد آذانى ريحُ سلمان الفارسيِّ، فاجْعَلْ لنا مجلسًا منك لا يُجامِعوننا فيه، واجْعَلْ لهم مجلسًا لا نُجامِعُهم فيه. فنزلت الآيةُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنَّه لما نزلت هذه الآية قال نبيُّ الله ﷺ: "الحمد لله الذي جَعَل في أُمَّتِى مَن أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نفسي معه".
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
ُمَّتِى مَن أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نفسي معه".
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: تُريدُ أشراف الدنيا.
حدَّثنا صالحُ بن مسمارٍ، قال: ثنا الوليدُ بن عبد الملكِ، قال: ثنا سليمانُ بنُ عطاءٍ، عن مسلمةَ بن عبدِ اللَّهِ الجُهنيِّ، عن عمِّه أبى مَشْجَعَةَ بن رِبْعِيٍّ، عن سلمان الفارسيِّ، قال: جاءتِ المؤلَّفَةُ قلوبهم إلى رسولِ الله؛ عيينةُ ابن بدرٍ،
والأقرع بن حابس وذووهم، فقالوا: يا نبيَّ الله، إنك لو جلسْتَ في صدر المسجد، ونفَيْتَ عنا هؤلاء وأرْواحَ جِبَابِهم - يَعْنُون سلمان وأبا ذرٍّ وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جِبابُ الصُّوفِ، ولم يكن عليهم غيرُها - جلسنا إليك وحادَثناك، وأخَذْنا عنك. فأنزل الله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. حتى بلغ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾.
لَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. حتى بلغ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾. يتهدَّدُهم بالنار، فقام نبيُّ الله ﷺ يلتَمسُهم حتى أصابهم في مؤَخَّرِ المسجدِ يَذْكُرون الله، يلْتَمِسُهم فقال: "الحمد لله الذي لم يُمتنى حتى أمرنى أن أصبر نفسى مع رجالٍ من أُمَّتى، معكمُ المحيا، ومعكم المماتُ".
وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: ولا تُطِعْ يا محمد من شغَلْنا قلبه من الكفار الذين سألُوك طرْدَ الرهط الذين يدْعُون ربَّهم بالغداة والعشيِّ عنك - عن ذكرنا بالكفر وغلبة الشقاء عليه، واتَّبع هواه، وترك اتِّباعَ أمرِ اللهِ ونهيه، وآثر هوى نفسه على طاعة ربِّه.
وهم، فيما ذُكِر، عيينةُ بنُ حِصْنٍ، والأقرعُ بن حابسٍ وذووهم.
الشقاء عليه، واتَّبع هواه، وترك اتِّباعَ أمرِ اللهِ ونهيه، وآثر هوى نفسه على طاعة ربِّه.
وهم، فيما ذُكِر، عيينةُ بنُ حِصْنٍ، والأقرعُ بن حابسٍ وذووهم.
حدَّثني الحسينُ بن عمرو بن محمدٍ العنقزيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ، عن أبي سعيد الأَزْدِيِّ، عن أبي الكَنُودِ، عَن خَبَّابٍ: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾. قال: عُيينةُ والأقرعُ.
وأما قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: وكان أمرُه ضَياعًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. قال ابن عمرٍو في حديثه، قال: ضائعًا.
ال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. قال ابن عمرٍو في حديثه، قال: ضائعًا. وقال الحارثُ في حديثه: ضَياعًا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ضَياعًا.
وقال آخرون: بل معناه: وكان أمرُه ندمًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بَدَلُ بن المحبَّرِ، قال: ثنا عَبَّادُ بن راشدٍ، عن داود: ﴿فُرُطًا﴾. قال: ندامةً.
وقال آخرون: بل معناه: هلاكًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني الحسينُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن
أبى سعيد الأزديِّ، عن أبي الكُنُودِ، عن خبَّابٍ: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. قال: هلاكًا.
وقال آخرون: بل معناه: خلافًا للحقِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.
كًا.
وقال آخرون: بل معناه: خلافًا للحقِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. قال: مخالفًا للحقِّ، ذلك الفُرْطُ.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: ضَياعًا وهلاكًا. من قولهم: أفرط فلانٌ في هذا الأمر إفراطًا. إذا أسرف فيه وتجاوز قدره. وكذلك قولُه: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. معناه: وكان أمرُ هذا الذي أغْفَلْنا قلبه عن ذكرنا في البسارِ والكبرِ، واحتقار أهل الإيمانِ، سَرَفًا قد تجاوز حدَّه، فضَيَّع بذلك الحقَّ وهلك.
وقد حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكر بن عيَّاشٍ، قال: قيل له: كيف قرأ عاصمٌ؟ فقال: ﴿كَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. قال أبو كريب: قال أبو بكرٍ: كان عُيينةُ بنُ حصنٍ يفخَرُ، يقولُ: أنا وأنا.
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾
وقوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) أي: اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه، ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه، ويسألونه بكرة وعشيًا من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أو ضعفاء. يقال: إنها نزلت في أشراف قريش، حين طلبوا من النبي ﷺ أن يجلس معهم وحده ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه كبلال وعمار وصهيب [وخباب] وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس على حدة.
زلت في أشراف قريش، حين طلبوا من النبي ﷺ أن يجلس معهم وحده ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه كبلال وعمار وصهيب [وخباب] وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس على حدة. فنهاه الله عن ذلك، فقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢]، وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء، فقال: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن إسرائيل، عن المقدام بن شُرَيْح، عن أبيه، عن سعد -هو ابن أبي وقاص-قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا!.
عن إسرائيل، عن المقدام بن شُرَيْح، عن أبيه، عن سعد -هو ابن أبي وقاص-قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا!. قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال ورجلان نسيت اسميهما فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل الله ﷿: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي التَّيَّاح قال: سمعت أبا الجعد يحدّث عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله ﷺ على قاص يقص، فأمسك، فقال رسول الله ﷺ: "قُص، فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس، أحب إليَّ من أن أعتق أربع رقاب"
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا هاشم حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن مَيْسَرة قال: سمعت كُرْدُوس بن قيس -وكان قاص العامة بالكوفة-يقول: أخبرني رجل من أصحاب بدر: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب".
ْدُوس بن قيس -وكان قاص العامة بالكوفة-يقول: أخبرني رجل من أصحاب بدر: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب". قال شعبة: فقلت: أي مجلس؟ قال: كان قاصا
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا محمد، حدثنا يزيد بن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "لأن أجالس قومًا يذكرون الله من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس، أحَبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى غروب الشمس أحبّ إلي من أن أعتق
ثمانية من ولد إسماعيل دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفًا".
َبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى غروب الشمس أحبّ إلي من أن أعتق
ثمانية من ولد إسماعيل دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفًا". فحسبنا دياتهم ونحن في مجلس أنس، فبلغت ستة وتسعين ألفًا، وهاهنا من يقول: "أربعة من ولد إسماعيل" والله ما قال إلا ثمانية، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفًا
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم -وهو الكوفي-أن رسول الله ﷺ مرّ برجل يقرأ سورة الكهف، فلما رأى النبي ﷺ سكت، فقال رسول الله ﷺ "هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم".
هكذا رواه أبو أحمد، عن عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر مرسلا.
ما رأى النبي ﷺ سكت، فقال رسول الله ﷺ "هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم".
هكذا رواه أبو أحمد، عن عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر مرسلا. وحدثناه يحيى بن المعلى، عن منصور، حدثنا محمد بن الصلت، حدثنا عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا جاء رسول الله ﷺ، ورجل يقرأ سورة الحِجْر أو سورة الكهف، فسكت، فقال رسول الله ﷺ: "هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم".
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر حدثنا ميمون المَرئي، حدثنا ميمون بن سِيَاه، عن أنس بن مالك، ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله، لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفورًا لكم، قد بُدِّلت سيئاتُكُم حسنات" تفرد به أحمد، ﵀.
"ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله، لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفورًا لكم، قد بُدِّلت سيئاتُكُم حسنات" تفرد به أحمد، ﵀.
وقال الطبراني: حدثنا إسماعيل بن الحسن، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، عن أسامة بن زيد عن أبي حازم، عن عبد الرحمن بن سهل بن حُنيف قال: نزلت على رسول الله ﷺ، وهو في بعض أبياته: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) فخرج يلتمسهم، فوجد قومًا يذكرون الله، منهم ثائر الرأس، وجافي الجلد وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني الله أن أصبر نفسي معهم"
عبد الرحمن هذا، ذكره أبو بكر بن أبي داود في الصحابة وأما أبوه فمن سادات الصحابة،
﵃.
وقوله: (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) قال ابن عباس: ولا تجاوزهم إلى غيرهم: يعني: تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة.
وله: (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) قال ابن عباس: ولا تجاوزهم إلى غيرهم: يعني: تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة.
(وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا ([وَاتَّبَعَ هَوَاهُ] وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعًا له ولا محبًا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]
قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.
أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة: أن يصبر نفسه -أي يحبسها- مع المؤمنين الذين يدعون ربهم أول النهار وآخره مخلصين له، لا يريدون بدعائهم إلَّا رضاه جل وعلا.
وقد نزلت هذه الآية الكريمة في فقراء المهاجرين، كعمار، وصهيب، وبلال، وابن مسعود ونحوهم. لما أراد صناديد الكفار من النَّبيّ ﷺ أن يطردهم عنه، ويجالسهم بدون حضور أولئك الفقراء المؤمنين.
َّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾.
وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ فيه الدليل على أن مادة الصبر تتعدى بنفسها للمفعول، ونظير ذلك من كلام العرب قول أبي ذؤيب أو عنترة:
فصبرت عارفة بذلك حرة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلع
والغداة: أول النهار. والعشيّ: آخره. وقال بعض العلماء: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ أي يصلون صلاة الصبح والعصر. والتحقيق أن الآية تشمل أعم من مطلق الصَّلاة. والله تعالى أعلم.
•
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
نهى الله جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن تعدو عيناه عن ضعفاء المؤمنين وفقرائهم، طموحًا إلى الأغنياء وما لديهم من زينة الحياة الدُّنيا. ومعنى ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ﴾ أي: لا تتجاوزهم عيناك وتنبوا عن رثاثة زيهم، محتقرًا لهم طامحًا إلى أهل الغني
والجاه والشرف بدلًا منهم. وعدا يعدو: تتعدى بنفسها إلى المفعول وتلزم. والجملة في قوله: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ في محل حال، والرابط الضمير، على حد قوله في الخلاصة:
وذاتُ بدءٍ بمضارع ثبت ... حَوَت ضميرًا ومن الواو خَلَت
وصاحب الحال المذكورة هو الضمير المضاف إليه في قوله: ﴿عَيْنَاكَ﴾ وإنَّما ساغ ذلك لأنَّ المضاف هنا جزء من المضاف إليه، على حد قوله في الخلاصة:
ولا تُجِزْ حالًا من المضاف له ... إلَّا إذا اقتضى المضافُ عملَه
أو كان جزءُ مالَه أُضيفا ...
ّ المضاف هنا جزء من المضاف إليه، على حد قوله في الخلاصة:
ولا تُجِزْ حالًا من المضاف له ... إلَّا إذا اقتضى المضافُ عملَه
أو كان جزءُ مالَه أُضيفا ... أو مِثْل جزئه فلا تحيفا
وما نهى الله عنه نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة من طموح العين إلى زينة الحياة الدُّنيا، مع الاتصاف بما يرضيه جل وعلا من الثبات على الحق، كمجالسة فقراء المؤمنين = أشار له أيضًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ .. ﴾ الآية.
•
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾.
نهى الله جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة عن طاعة من أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه، وكان أمره فرطًا. وقد
كرر في القرآن نهي نبيه ﷺ عن أتباع مثل هذا الغافل عن ذكر الله المتبع هواه، كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ ..
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقد أمره في موضع آخر بالإعراض عن المتولين عن ذكر الله، والذين لا يريدون غير الحياة الدُّنيا، وبين له أن ذلك هو مبلغهم من العلم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾.
وذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ يدل على أن ما يعرض للعبد من غفلة ومعصية، إنَّما هو بمشيئة الله تعالى؛ إذ لا يقع شيء البتة كائنًا ما كان إلَّا بمشيئته الكونية القدرية، جل وعلا، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ .. ﴾ الآية، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ ، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ .. ﴾ الآية، ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدّالة على أن كل شيء من خير وشر، لا يقع إلَّا بمشيئة خالق السموات والأرض.
أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدّالة على أن كل شيء من خير وشر، لا يقع إلَّا بمشيئة خالق السموات والأرض. فما يزعمه المعتزلة، ويحاول الزمخشري في تفسيره دائمًا تأويل آيات القرآن على نحو ما يطابقه من استقلال قدرة العبد وإرادته بأفعاله دون مشيئة الله = لا يخفى بطلانه، كما تدل عليه الآيات المذكورة آنفًا، وأمثالها في القرآن كثيرة.
ومعنى اتباعه هواه: أنَّه يتبع ما تميل إليه نفسه الأمارة بالسوء وتهواه من الشر، كالكفر والمعاصي.
وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ قيل: هو من التفريط الذي هو التقصير، وتقديم العجز بترك الإيمان. وعلى هذا فمعنى ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ أي: كانت أعماله سفها وضياعا وتفريطًا. وقيل: من الإفراط الذي هو مجاوزة الحد، كقول الكفار المحتقرين لفقراء المؤمنين: نحن أشراف مُضر وساداتها، إن اتبعناك اتبعك جميع النَّاس. وهذا من التكبر والإفراط في القول. وقيل: ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾ أي: قَدَمًا في الشر. من قولهم: فرط منه أمر، أي سبق.
ر وساداتها، إن اتبعناك اتبعك جميع النَّاس. وهذا من التكبر والإفراط في القول. وقيل: ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾ أي: قَدَمًا في الشر. من قولهم: فرط منه أمر، أي سبق. وأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة عندي -بحسب اللُّغة العربية التي نزل بها القرآن- أن معنى قوله ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾: أي متقدمًا للحق والصَّواب، نابذًا له وراء ظهره؛ من قولهم: فرس فرط، أي متقدم للخيل. ومنه قول لبيد في معلقته:
ولقد حَمَيت الخيلَ تَحْمِل شَكَّتي ... فُرْطُ وِشاحي إذ غدوتُ لجامها
وإلى ما ذكرنا في معنى الآية ترجع أقوال المفسرين كلها، كقول قتادة ومجاهد ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾: أي ضياعًا. وكقول مقاتل بن حيان ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾: أي سرفًا. وكقول الفراء ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾: أي متروكًا. وكقول الأخفش ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾: أي مجاوزًا للحد، إلى غير ذلك من الأقوال.
•