Tidak ada yang mereka tunggu-tunggu kecuali datangnya (azab) Allah bersama malaikat dalam naungan awan, sedangkan perkara (mereka) telah diputuskan. Dan kepada Allahlah segala perkara dikembalikan
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾.
يعني جل ثناؤُه بذلك: هل يَنْظُرُ المكذِّبون بمحمدٍ ﷺ وما جاء به، إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ من الغمامِ والملائكةُ.
ثم اخْتَلَفت القَرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأ بعضُهم: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ بالرفعِ؛ عطفًا بالملائكةِ على اسمِ اللَّهِ، على معنى: هل ينظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ والملائكةُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ.
حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، عن أبي عُبَيْدٍ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ الرازيُّ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: في قراءةِ أُبَيِّ بنِ كعبٍ: (هل ينظُرون إلَّا أن يأتيهم اللَّهُ والمَلَائِكَةُ في ظُلَلٍ من الغمامِ).
بيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: في قراءةِ أُبَيِّ بنِ كعبٍ: (هل ينظُرون إلَّا أن يأتيهم اللَّهُ والمَلَائِكَةُ في ظُلَلٍ من الغمامِ). قال: يأتي الملائكةُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ، ويأتي اللَّهُ فيما شاء.
وقد حُدِّثْتُ هذا الحديثَ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ الآية. وقال أبو جعفرٍ الرازيُّ: وهي في بعضِ القراءةِ: (هل ينظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ والملائكةُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ).
مَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ الآية. وقال أبو جعفرٍ الرازيُّ: وهي في بعضِ القراءةِ: (هل ينظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ والملائكةُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ). كقولِه: ﴿وَيَوْمَ
تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥].
وقرَأ ذلك آخَرون: (هل ينظُرون إلا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظللٍ من الغمامِ والملائكةِ) بالخفضِ؛ عطفًا بالملائكةِ على الظُّللِ، بمعنى: هل ينظرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ وفي الملائكةِ.
وكذلك اختلَفت القَرأةُ في قراءةِ ﴿ظُلَلٍ﴾؛ فقرَأها بعضُهم: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾. وبعضُهم: (في ظلالٍ).
فمَن قرَأها: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾. فإنه وجَّهها إلى أنها جمعُ ظُلَّةٍ، والظُّلَّةُ تُجْمَعُ ظُلَل وظلال، كما تُجْمَعُ [الحُلةُ حُلل]، [والجُلة جِلال]
وأمَّا الذي قرَأها: (في ظِلالٍ).
. فإنه وجَّهها إلى أنها جمعُ ظُلَّةٍ، والظُّلَّةُ تُجْمَعُ ظُلَل وظلال، كما تُجْمَعُ [الحُلةُ حُلل]، [والجُلة جِلال]
وأمَّا الذي قرَأها: (في ظِلالٍ). فإنه جعَلها جمعَ ظُلَّةٍ، كما ذكَرْنا مِن جمعِهم [الجُلة جِلالًا].
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قارئُه كذلك وجَّهه إلى أن ذلك جمعُ ظِلٍّ؛ لأن الظُّلَّةَ والظِّلَ قد يُجْمعانِ جميعًا: ظِلال.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندي: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. لخبرٍ رُوِي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: "إن مِن الغمامِ طاقاتٍ يأتي اللَّهُ فيها محفوفًا". فدَلَّ بقولِه: "طاقاتٍ".
َّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. لخبرٍ رُوِي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: "إن مِن الغمامِ طاقاتٍ يأتي اللَّهُ فيها محفوفًا". فدَلَّ بقولِه: "طاقاتٍ". على أنها ظُلَلٌ لا ظِلالٌ؛ لأن
واحدَ الظُّلَلِ ظُلَّةٌ، وهي الطاقُ، واتِّباعًا لخطِّ المصحفِ، وكذلك الواجبُ في كلِّ ما اتَّفَقت معانيه واخْتَلَفت في قراءتِه القَرأةُ، ولم يكنْ على إحدى القراءتينِ دلالةٌ تَنفَصِلُ بها مِن الأخرى غيرَ اختلافِ خطِّ المصحفِ، فالذي ينبغي أن تُؤْثَرَ قراءتُه منها ما وافقَ رسمَ المصحفِ.
وأمَّا الذي هو أَوْلَى القراءتينِ في: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [بالصوابِ، فالرفعُ]، عطفًا بها على اسمِ اللَّهِ، على معنى: هل ينظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ من الغمامِ، وإلَّا أن تأتيَهم الملائكةُ. على ما رُوِي عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤُه قد أخبَر في غيرِ موضعٍ مِن كتابِه أن الملائكةَ تأتيهم، فقال جل ثناؤُه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
رُ الدرهمِ والدينارِ. يُرادُ به الدراهمُ والدنانيرُ. و: هلَك البعيرُ والشاةُ. بمعنى جماعةِ الإبلِ والشاءِ. فكذلك قولُه: ﴿وَالْمَلَكُ﴾ بمعنى الملائكةِ.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في قولِه: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. وهل هو مِن صلةِ فعلِ اللَّهِ جل ثناؤه، أوْ مِن صلةِ فعلِ الملائكةِ، ومَن الذي يَأتي فيها؟ فقال بعضُهم: هو مِن صلةِ فعلِ اللَّهِ، ومعناه: هل يَنْظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ من الغمامِ وأن يأتيَهم الملائكةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾.
نا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. قال: هو غيرُ السَّحابِ، لم يكنْ إلَّا لبني إسرائيلَ في تِيهِهم حينَ تاهوا، وهو الذي يأتي اللَّهُ فيه يومَ القيامةِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. قال: يأتيهم اللَّهُ وتأتيهم الملائكةُ عندَ الموتِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عكرمةُ في قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. قال: طاقاتٌ مِن الغمامِ، والملائكةُ حولَه. قال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال غيرُه: والملائكةُ بالموتِ.
وقولُ عكرمةَ هذا وإن كان موافقًا قولَ مَن قال: إن قولَه: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾.
ئكةُ حولَه. قال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال غيرُه: والملائكةُ بالموتِ.
وقولُ عكرمةَ هذا وإن كان موافقًا قولَ مَن قال: إن قولَه: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. مِن صلةِ فعلِ الربِّ ﵎ الذي قد تقدَّم ذكْرُناه، فإنه له مخالِفٌ في صفةِ الملائكةِ، وذلك أن الواجبَ مِن القراءةِ على تأويلِ قولِ عكرمةَ هذا في الملائكةِ الخفضُ؛ لأنه تأوَّلَ الآيةَ: هل يَنْظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ وفي الملائكةِ. لأنه زعَم أن اللَّهَ تعالى يأتي في ظُلَلٍ مِن الغمامِ والملائكةُ حولَه. هذا إن كان وجَّهَ قولَه: والملائكةُ حولَه. إلى أنهم حولَ الغمامِ، وجعَل الهاءَ في "حولَه" مِن ذكرِ الغمامِ. وإن كان وجَّه قولَه: والملائكةُ حولَه. إلى أنهم حولَ الربِّ ﵎، وجعَل الهاءَ في قولِه مِن ذكرِ الربِّ ﷿، فقولُه نظيرُ قولِ الآخَرين الذين قد ذكَرْنا قولَهم، غيرُ مخالفِهم في ذلك.
وقال آخَرون: بل قولُه: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾.
لِه مِن ذكرِ الربِّ ﷿، فقولُه نظيرُ قولِ الآخَرين الذين قد ذكَرْنا قولَهم، غيرُ مخالفِهم في ذلك.
وقال آخَرون: بل قولُه: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. من صلةِ فعلِ الملائكةِ، وإنما تأتي الملائكةُ فيها، فأمَّا الربُ تعالى ذكرُه فإنه يأتي فيما شاء.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ الآية. قال: ذلك يومَ القيامةِ، تأتيهم الملائكةُ في ظُلَلٍ من الغمامِ. قال: الملائكةُ يجيئون في ظللٍ مِن الغمامِ، والربُّ ﵎ يجيءُ فيما شاء.
وأوْلى التأويلينِ بالصوابِ في ذلك تأويلُ مَن وجَّه قولَه: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾.
ملائكةُ يجيئون في ظللٍ مِن الغمامِ، والربُّ ﵎ يجيءُ فيما شاء.
وأوْلى التأويلينِ بالصوابِ في ذلك تأويلُ مَن وجَّه قولَه: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. إلى أنه مِن صلةِ فعلِ الربِّ، وأن معناه: هل يَنْظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُللٍ مِن الغمامِ وتأتيَهم الملائكةُ؛ لِما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُمَيْدٍ الرازيُّ، قال: ثنا
إبراهيمُ بنُ المختارِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن زَمْعَةَ بنِ صالحٍ، عن سلَمةَ بنِ وَهْرَامَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: "إن مِن الغَمامِ طاقاتٍ يأتي اللَّهُ فيها محفوفًا". وذلك قولُه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾.
وأمَّا معنى قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ فإنه: ما يَنْظُرون. وقد بيَّنَّا ذلك بعِلَلِه فيما مضَى مِن كتابِنا هذا قبلُ.
ثم اخْتُلِف في صفةِ إتيانِ الربِّ ﵎ الذي ذكَره في قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾.
عِلَلِه فيما مضَى مِن كتابِنا هذا قبلُ.
ثم اخْتُلِف في صفةِ إتيانِ الربِّ ﵎ الذي ذكَره في قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾. فقال بعضُهم: لا صفةَ لذلك غيرُ الذي وصَف به نفسَه ﷿ مِن المجيءِ والإتيانِ والنزولِ، وغيرُ جائزٍ، تكلُّفُ القولِ في ذلك لأحدٍ إلَّا بخبرٍ مِن اللَّهِ ﷻ، أو مِن رسولٍ مُرسلٍ. فأمَّا القولُ في صفاتِ اللَّهِ وأسمائِه، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ مِن جهةِ الاستخراجِ إلَّا بما ذكَرْنا.
وقال آخَرون: إتيانُه جلَّ ذكرُه نظيرُ ما يُعْرَفُ مِن مجيءِ الجائي مِن موضعٍ إلى موضعٍ، وانتقالِه مِن مكانٍ إلى مكانٍ.
وقال آخَرون: معنى قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾. يعني به: هل يَنْظُرونَ إلَّا أن يأتيَهم أمرُ اللَّهِ، كما يقالُ: قد خشِينا أن تأتيَنا بنو أميَّةَ. يُرادُ به: حُكْمُهم.
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: هل يَنْظُرون إلا أن يأتيَهم ثوابُه وحسابُه وعذابُه، كما قال ﷿: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣].
ه: حُكْمُهم.
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: هل يَنْظُرون إلا أن يأتيَهم ثوابُه وحسابُه وعذابُه، كما قال ﷿: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]. وكما يقالُ: قطَع الوالي اللِّصَّ أو ضرَبه. وإنما قطَعه أعوانُه.
وقد بيَّنَّا معنى "الغمامِ" فيما مضَى مِن كتابِنا هذا قبلُ، فأغْنَى ذلك عن تكريرِه؛ لأن معناه ههنا هو معناه هنالك.
فمعنى الكلام إِذن: هل ينتظِرُ التاركون الدخولَ في السِّلْمِ كافَّةً، والمُتَّبِعون خُطواتِ الشيطانِ، إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظللٍ من الغمامِ، فيَقْضِيَ في أمرِهم ما هو قاضٍ.
رُ التاركون الدخولَ في السِّلْمِ كافَّةً، والمُتَّبِعون خُطواتِ الشيطانِ، إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظللٍ من الغمامِ، فيَقْضِيَ في أمرِهم ما هو قاضٍ.
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن إسماعيلَ بنِ رافعٍ المَدَنيِّ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "تُوقَفون مَوْقِفًا واحدًا يومَ القيامةِ مقدارَ سبعين عامًا، لا يُنْظَرُ إليكم، وَلا يُقْضَى بينكم، قد حُصِر عليكم، فتَبْكون حتى يَنْقَطِعَ الدمعُ، ثم تدمَعون دمًا، وتبكون حتى يبلُغَ ذلك منكم الأذقانَ، أو يُلْجِمَكم فتَضِجُّون، ثم تقولون: مَن يَشْفَعُ لنا إلى ربِّنا فيَقضِيَ بيننا؟ فيقولون: مَن أحقُّ بذلك مِن أبيكم آدمَ؛ جبَل اللَّهُ تربتَه، وخلَقه بيدِه، ونفَخ فيه مِن رُوحِه، وكلَّمه قِبَلًا. فيُؤْتَى آدمُ، فيُطْلَبُ ذلك إليه، فيَأْبَي، ثم يَسْتَقْرِئون الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا، كلَّما جاءوا نبيًّا أبَى".
َخ فيه مِن رُوحِه، وكلَّمه قِبَلًا. فيُؤْتَى آدمُ، فيُطْلَبُ ذلك إليه، فيَأْبَي، ثم يَسْتَقْرِئون الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا، كلَّما جاءوا نبيًّا أبَى". قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "حتى يأتوني، فإذا جاءوني خرَجتُ حتى آتِيَ الفَحْصَ". قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللَّهِ، وما الفَحْصُ؟ قال: "قُدَّامُ العرشِ، فأَخِرَّ ساجدًا، فلا أزالُ ساجدًا حتى يبعثَ اللَّهُ إليَّ مَلَكًا، فيأخُذَ بعَضُدِي فيَرْفَعَني، ثم يقولُ اللَّهُ لي: يا محمدُ. فأقولُ: نعم -
وهو أعلمُ - فيقولُ: ما شأنُك؟ فأقولُ: يا ربِّ، وعَدتَني الشفاعةَ، فشَفِّعْنِي في خلقِك فاقضِ بينهم. فيقولُ: قد شفَّعْتُك، أنا آتيكم فأقْضِي بينَكم". قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "فأَنْصَرِفُ حتى أَقِفَ معَ الناسِ، فبَيْنما نحنُ وُقُوفٌ سمِعْنا حسًّا مِن السماءِ شديدًا، فهَالَنا، فنزَل أهلُ السماءِ الدنيا بمِثْلَيْ مَن في الأرضِ مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوْا مِن الأرضِ أشْرَقتِ الأرضُ بنورِهم، وأخَذوا مصافَّهم، فقلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ.
َن في الأرضِ مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوْا مِن الأرْضِ أشْرَقت الأرضُ بنورِهم، وأخَذوا مَصافَّهم، وقلنا لهم: أَفيكم رُّبنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ. ثم نزَل أهلُ السماواتِ على قدرِ ذلك مِن التضعيفِ، حتى نزَل الجبَّارُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ والملائكةُ ولهم زَجَلٌ مِن تسبيحِهم، يقولون: سبحانَ ذي المُلْكِ و الملكوتِ، سبحانَ ربِّ العرشِ ذي الجبروتِ، سبحان الحيِّ الذي لا يموتُ، سبحانَ الذي يُمِيتُ الخلائقَ ولا يموتُ، سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكةِ والرُّوحِ، قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، سبحانَ ربِّنا الأعلى، سبحانَ ذي السلطانِ والعظمةِ، سبحانَه أبدًا أبدًا.
الإنسِ والبهائمِ، فإنه لَيُقِيدُ يومئذٍ للجمَّاءِ مِن ذَاتِ القَرْنِ".
وهذا الخبرُ يَدُلُّ على خطإِ قولِ قتادةَ في تأويلِه قولَه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾. أنه معنيٌّ به: و الملائكةُ تأتيهم عندَ الموتِ؛ لأنه ﷺ ذكَر أنهم يأتونهم بعدَ قيامِ الساعةِ في موقفِ الحسابِ حينَ تَشَقَّقُ السماءُ.
وبمثلِ ذلك رُوِي الخبرُ عن جماعةٍ مِن الصحابةِ والتابعين، كرِهنا إطلالةَ الكتابِ بذكرِهم وذكرِ ما قالوا في ذلك.
ويُوَضِّحُ أيضًا صحَّةَ ما اخترْنا [مِن القراءةِ في] قولِه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ بالرفعِ على معنى: وتأتيهم الملائكةُ.
ويُنبِئُ عن خطإِ قراءةِ مَن قرَأ ذلك بالخفضِ؛ لأنه أخْبَر ﷺ أن الملائكةَ تأتي أهلَ القيامةِ في موقفِهم حينَ تَفَطَّرُ السماءُ قبلَ أن يأتيَهم ربُّهم في ظُلَلٍ مِن الغمامِ، إلَّا أن يكونَ قارئُ ذلك ذهَب إلى أنه تعالى ذكرُه عنَى بقولِه ذلك: إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ. وفي الملائكةِ الذين يأتون أهلَ الموقفِ حينَ يأتيهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ.
ُه عنَى بقولِه ذلك: إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ. وفي الملائكةِ الذين يأتون أهلَ الموقفِ حينَ يأتيهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ. فيكونُ ذلك وجهًا مِن التأويلِ وإن كان بعيدًا مِن قولِ أهلِ العلمِ ودلالةِ الكتاب وآثارِ رسولِ اللَّهِ ﷺ الثابتةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾.
يعني جل ثناؤه بذلك: وفُصِل القضاءُ بالعدلِ بينَ الخلقِ، على ما قد ذكَرْنا قبلُ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مِن أخذِ الحقِّ لكلِّ مظلومٍ مِن كلِّ ظالمٍ، حتَّى القصاصِ للجمَّاءِ مِن القرناءِ مِن البهائمِ.
وأمَّا قولُه: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. فإنه يعني: وإلى اللَّهِ يئولُ القضاءُ بينَ خلقِه يومَ القيامةِ والحكمُ بينهم في أمورِهم التي جرَت بينهم في الدنيا، مِن ظلمِ بعضِهم بعضًا، واعتداءِ المعتدِي منهم حدودَ اللَّهِ، وخلافِ أمرِه، وإحسانِ المحسنِ منهم، وطاعتِه إيَّاه فيما أمَره [ونهاه]، فيفصلُ بينَ المتظالمين، ويُجازِي أهلَ الإحسانِ بالإحسانِ، وأهلَ الإساءةِ بما رأى، أو يتَفَضَّلُ على مَن لم يكنْ منهم
كافرًا به فيعفو. ولذلك قال جل ثناؤه: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
انِ بالإحسانِ، وأهلَ الإساءةِ بما رأى، أو يتَفَضَّلُ على مَن لم يكنْ منهم
كافرًا به فيعفو. ولذلك قال جل ثناؤه: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. وإن كانت أمورُ الدنيا كلُّها والآخرةِ مِن عندِه مَبْدَؤُها وإليه مصيرُها، إذ كان خلقُه في الدنيا يتظالمون، ويَلِي النظرَ بينهم أحيانًا في الدنيا بعضُ خلقِه، والحكمَ بينهم بعضُ عبيدِه، فيَجورُ بعضٌ، ويَعْدِلُ بعضٌ، ويُصِيبُ واحدٌ، ويُخْطِئُ آخرُ، ويُمْكِنُ تنفيذُ الحكمِ على بعضٍ، ويَتَعذَّرُ ذلك على بعضٍ لمَنَعَةِ جانبِه وغَلَبتِه بالقوةِ.
فأعْلَم عبادَه تعالى ذكرُه أن مرجعَ ذلك كلِّه إليه في موقفِ القيامةِ، فيُنْصِفُ كُلًّا من كلٍّ، ويُجَازِي حقَّ الجزاءِ كلًّا، حيثُ لا ظُلمَ ولا مُمْتَنَعَ مِن نفوذِ حكمِه عليه، وحيثُ يَسْتوِي الضعيفُ والقويُّ، والفقيرُ والغنيُّ، ويَضْمحِلُّ الظلمُ، ويَنزِلُ سلطانُ العدلِ.
ًا، حيثُ لا ظُلمَ ولا مُمْتَنَعَ مِن نفوذِ حكمِه عليه، وحيثُ يَسْتوِي الضعيفُ والقويُّ، والفقيرُ والغنيُّ، ويَضْمحِلُّ الظلمُ، ويَنزِلُ سلطانُ العدلِ.
وإنما أدْخَل - جل وعز - الألفَ واللامَ في "الأمورِ"؛ لأنه جل ثناؤُه عنَى بها جميعَ الأمورِ، ولم يَعْنِ بها بعضًا دونَ بعضٍ، فكان ذلك بمعنى قولِ القائلِ: يُعْجِبُني العسلُ. و: البغلُ أقوى مِن الحمارِ. فيُدْخِلُ فيه الألفَ واللامَ؛ لأنه لم يَقْصِدْ به قَصْدَ بعضٍ دونَ بعضٍ، وإنما يُرادُ به العمومُ والجمعُ.
أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨].
وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير هاهنا حديث الصور بطوله من أوله، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ. وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم، وفيه: "أنّ الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدًا واحدًا، من آدم فمن بعده، فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد، صلوات الله وسلامه عليه، فإذا جاؤوا إليه قال: أنا لها، أنا لها.
لى ربهم بالأنبياء واحدًا واحدًا، من آدم فمن بعده، فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد، صلوات الله وسلامه عليه، فإذا جاؤوا إليه قال: أنا لها، أنا لها. فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء بين العباد، فيُشفّعه الله، ويأتي في ظُلَل من الغمام بعد ما تنشق السماء الدنيا، وينزل من فيها من الملائكة، ثم الثانية، ثم الثالثة إلى السابعة، وينزل حملة العرش والكَرُوبيّون، قال: وينزل الجبار، ﷿، في ظُلَل من الغمام والملائكةُ، ولهم زَجَل مِنْ تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سُبّوح قدوس، رب الملائكة والروح، قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه أبدًا أبدًا".
يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سُبّوح قدوس، رب الملائكة والروح، قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه أبدًا أبدًا".
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه هاهنا أحاديث فيها غرابة والله أعلم؛ فمنها ما رواه من حديث المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن مسروق، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، قيامًا شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فَصْل القضاء، وينزل الله في ظُلَل من الغمام من العرش إلى الكرسي".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا أبو بكر بن عطاء بن مقدم، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت عبد الجليل القَيْسي، يحدّث عن عبد الله بن عمرو: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) الآية، قال: يهبط حين يهبط، وبينه وبين خَلْقه سبعون ألف حِجَاب، منها: النور، والظلمة، والماء.
لا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) الآية، قال: يهبط حين يهبط، وبينه وبين خَلْقه سبعون ألف حِجَاب، منها: النور، والظلمة، والماء. فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتًا تنخلع له القلوب.
قال: وحدثنا أبي: حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد قال: سألت زهير بن محمد، عن قول الله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) قال: ظلل من الغمام، منظوم من الياقوت مكلَّل بالجوهر والزبَرْجَد.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد (فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) قال: هو غير السحاب، ولم يكن قَطّ إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ)
.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ)
[قال]: يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما يشاء -وهي في بعض القراءة: "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظُلَل من الغمام" وهي كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ [الفرقان: ٢٥].